النص المفهرس

صفحات 181-200

في حدیثِ مالكٍ.
الَّذي رواه عن عَمْرِو بن يحيى المَازِيِّ، عن ابن أبي سَلِيْطٍ: «أَنَّ عثمان
ابن عقَّان صلَّى الجُمُعَةَ بالمدينةِ وصلَّى العَصْرَ بمَلَل)) [١٠/١/ رقم (١٤)].
قال عبدُالملكِ: بينهما ثمانيةَ عَشرَ ميلاً، وإنَّما كان ذلك للتَّهجيرِ بالجُمعةِ
مع سُرعةِ السَّيرِ .
قال عبدُالملكِ: وهي السُّنةُ في وقتِ الجُمُعة أن تُصَلِّى في الشَّتَاءِ
والصَّيف في أوَّلِ الوقتِ حين تَزُوْلُ الشَّمسُ، أو بعدَ أن تَزُوْلَ بقليلٍ.
وكذلك حدَّثني ابنُ أبي أُوَيْسٍ(١)، عن حُسين بن عبد الله بن ضُمَيْرَةَ، عن
أبيه، عن جدِّه، عن علي بن أبي طالبٍ، أنَّه قال: ((كان رَسُوْلُ اللهِوَّهِ يُصَلِّي
(١) ابن أبي أويس هذا لعلَّه عبدالعزيز بن عبدالله بن يحيى بن عمر بن أُوَيْس بن سعد بن سَرح
القرشيُّ الأُويسيُّ، أبو القاسم المَدَنِيُّ (ت في حدود ٢٢٠هـ) كذا حدث عنه المؤلّف وسمَّاه
(عبدالعزيز) في مواضع لاحقة في كتابه هذا، وفي غيره من مؤلفاته كما سيأتي، وعبدالعزيز
الأُوَيْسِيُّ هذا صَدُوْقٌ، وَثَّتْه ابن حبَّان وغيره، وقال ابن أبي حاتم سُئِلَ أبي عنه فقال:
صدوقٌ. سمع الكثيرَ من ((الموطأ)) على مالكِ، وروى له أبوداود، والتِّرمذي، والنَّسائي،
وابن ماجة. روى عنه البخاريُّ، وَالجَوهرُّ، وأبو حَاتِمِ الرَّزيُّ، وعليُّ بنُ حربِ الطَّائِيُّ،
ومحمدُ بنُ ذُهْلِ الشَّيبانيُّ، وأبوزُرعة الرَّازُّ، وغيرهم من كبار المحدِّثين. وذكر الحافظ
المِزِّيُّ أنَّ ممن حدَّث عنه صاحبنا عبدالملك بن حبيب الفقيه المالكي. قال الحافظ الذَّهبي:
((الإِمام، الحُجَّة، أبو القاسم، من نُبلاء الرِّجال ... ولم أظفر له بوفاة، وبقي إلى حدود
العشرين ومائتين، روى له البخاري ولم يلحقه، ومسلم)). وذكر المُؤلّفُ هنا إسماعيل بن
عبدالله بن أبي أويس (ت٢٢٦هـ) وسيأتي ذكره. أخبار عبدالعزيز في تاريخ البخاري:
١٣/٦، والجرح والتَّعديل: ٣٨٧/٥، وتهذيب الكمال: ١٦٠/١٨، وسير أعلام النُّبلاء:
٣٨٩/١٠، وتهذيب التَّهذیب: ٣٤٥/٦.
١٨١

الجُمُعَةَ حينَ تَزُوْلُ الشَّمْسُ)).
- وسألنا عبدَ المَلِكِ بن حَبِيْبٍ عن شَرحِ (كَأَنَّمَا وُثِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ)
في حديث مالكِ الذي رواه عن نافع، عن ابن عُمر: أنَّ رسول الله وَلِيل
قال: ((الذي تَقُوتُهُ صلاةُ العَصْرِ كأنَّما وُتِرَ أهلَه ومالَه)) [١١/١ رقم (٢١)].
قال عبدُالملكِ: يعني كأنَّما انتُقِّصَ أَهلَه ومالَه، كأنَّما أُصِيْبَ بهم في
عظم المُصيبةِ بما فاتَّهُ من وقتِها المَرغُوب في الصَّلاة فيه، وهو الوقتُ الذي
وقَّتَهُ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ ما بينك وبينَ أن يكونَ ظلُّك مِثْلَيْكَ وبعده بقليلٍ، فإذا لَهَا
عنها حتَّى يُجاوزَ ذَلكَ الوقتَ، وإن صلَّى قبل أن تَصفرَّ الشَّمسُ فتلك المُصيبة
التي وَصَفَ، ولم يُرد أن لا يُصَلِّيَّها، كذلك فسَّر لي مُطَرِّفٌ (١) عن مالكِ.
(١) هو مُطَرِّفٌ بن عبد الله بن مُطرِّف بن سُليمان بن يَسَارِ اليَسَارِيُّ الهِلَالِيُّ، أبو مُصْعَبِ المَدَنِيُّ،
مولى أمِّ المؤمنين مَيمونةَ زوجِ النَّبِيِ ﴿، وكان ابنُ أختِ الإمامِ مالك بن أنسٍ رحمه الله،
قال الحافظ المزي: ويُقال: إنَّ مُطرفاً لقبٌ.
فائدة: يقول الفقيرُ إلى الله تعالى عبدالرحمن بن سُليمان العُثيمين - عفا الله تعالى
عنه -: راجعت الكُتُب المؤلّفة في الألقاب منها كتاب ابن الفّرضيِّ، و((كشف النَّقاب)) لابن
الجوزي، و((ُزهة الألباب)) للحافظ ابنِ حجرٍ، و((ذات النِّقاب)» للحافظ الذَّهبي ... وغيرها
فلم يذكروا أنَّ مطرِّفاً هذا لقبٌ، وذكر الحافظ الذَّهبي، والحافظ ابن حجرٍ (مُطَرِّفاً) لقب
عبد الله بن عمرو بن عُثمان بن عقَّان، وهذا غيرُ المذكورِ. وذكر الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في نُزهة
الألباب: ١/ ٨٠. فيمن يُلَقَّب (الأَصَمّ) فقال: منهم ... ((ومُطَرِّفٌ صاحبُ مالك بن أنس،
الفقيه) روى عن مالكِ وغيره، وكانوا يقدِّمونه على أصحاب مالك. مولده سنة سبع وثلاثين
ومائة، ووفاته سنة ٢٢٠هـ وقيل: ٢٢٤. وهو ثقةٌ، ضعَّفه ابن عَديٍّ، وفي التَّقريب:
٢/ ٢٥٣: «ثقةٌ لم يُصب ابن عديٍّ في تضعیفه)».
أخباره في: طبقات ابنُ سعدٍ: ٤٣٨/٥، وكان ابن سعد من تلاميذه، والجرح =
١٨٢

قال عبدُالملك: وقوله: ((كأنَّما وُتِرَ .. )) وهو مثلُ حديثِ مالكٍ [٣] عن
يحيى بن سعيد قال: ((إنَّ المُصَلِّيَ لِيُصَلِّيَ الصَّلاةَ وَمَا فَاتَتْهُ، وَلَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا
أَعْظَمُ وَأَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ)) [١٢/١ رقم (٢٣)] وسواءً فاتَهُ أن يُصَلَِّهَا مع
إمامٍ أو مَعَ غيرِ إِمامٍ إذا جاوزَ وقتَها المُستحبَّ المرغوبَ فيه.
قال عبدُالملك: قولُهُ: ((كأنَّما وُتِرَ أَهْلَهُ ومالَهُ)) مأخوذٌ من الوَتْرِ، [و] العَرَبُ
تقولُ: وَتَرَ فُلانٌ فُلَانًا أهلَهُ ومالَهُ، ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ (١): ﴿ وَلَنْ يَتِرَّكُمْ
أَعْمَلَكُمْ﴾ يقولُ: لن ينقُصَكم. ومنه قولك: قد وتَرْتَهُ حَقَّهُ: إذا انتَقَصْتَهُ حقّه.
ــ وسَألنا عبدَالملك بن حَبيبٍ عن شرح (التَّطْفيفِ)
في حديث مالك الذي رواه عن يحيى بن سَعِيْدٍ: ((أنَّ عُمَرَ بن الخَطَّابِ
انْصَرَفَ من صلاةِ العَصْرِ فَلَقِيَ رَجُلاً عندَ خاتِمَةِ البَلاَطِ لم يَشْهَدِ العَصْرَ، فَقَالَ
له: ما حَبَسَكَ عن صلاةِ العَصْرِ؟ فَذَكَرَ له الرَّجُلُ شَيْئًا، فقال عمر: طَفَّفْتَ))
[١٢/١ رقم (٢٢)].
والتَّعديل: ٣١٥/٨، وثقات ابن حبان: ١٨٣/٩، وتهذيب الكمال: ٧٠/٢٨، وتهذيب
=
التهذيب: ١٠/ ١٧٥.
(١) سورة محمد (18): الآية: ٣٥، وأنشدَ الحافظُ ابن عبدالبر في ((بَهجة المَجالس)):
٦٦٩/٢، ٦٧٠، لصالح بن عبدالقدوس:
مَنْ يَزْرَعِ الشَّوْكَ لايَحْصُدْ به عِنْبًا
إِذَا وَتَرْتَ امْرَءاً فاحْذَرْ عَدَاوَتَهُ
إِذَا رَأَىَ مِنْكَ يَوْماً فُرْصَةٌ وَثَبًا
إنَّ العَدُوَّ وإِنْ أَبْدَى بَشَاشَتَهُ
وهما بمعنىُ قول أَكْثَمَ بن صَيْفِيٌّ: ((إِنَّكَ لاَتَجْنِيْ مِنَ الشَّوْكِ العِنَبَ)) يراجع: أمثال أبي
عُبَيْدٍ: ٢٦٤، ٢٧٠ ... وغيره.
١٨٣

قال عبدُالمَلك: التَّطْفِيفُ: النُّقْصَانُ. أَلاَ تَرَىُ أنَّه يُقالُ: لكلِّ شيءٍ وفاءٌ
وتَطْفِيْفٌ، ومنه قولُ الله عزَّ وجَلَّ(١): ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ يعني: للنَّاقصين الكيلَ
والميزانَ، فإنَّما معنى قولِ عُمر للرَّجُل: طَقَّتَ، أي: نقصت نفسَكَ حظّها
من الأجرِ إِذْ أَخَّرتها إلى هذا الوقت، وإنَّما لقيَه في قُرْبِ المَسْجِدِ، وهو يريدُ
الصَّلاة معه، وهو في وَقْتِهَا بَعْدُ. فرأى أنَّه مُطفِّفٌ لوقتها تاركٌ لوفائِها، فالوَفَاءُ
- هَاهُنا - التَّعْجِيْلُ لها، والتَّطْفِيْفُ: التأخيرُ لها وإن كانَ في وقْتها، وذلك أنَّ
سُنَتَهَا تَعْجِيْلُها في أولٍ وَقْتِها في الشَّتَاءِ والصَّيفِ لِلأَئِمَةِ والجَمَاعَاتِ في
المَسَاجِدِ والعَامَّةِ جَميعاً، به كان العملُ وجاءَ الأُثرُ.
قيلَ لعبدِ المَلكِ: ما تَفْسِيْرُ خَاتِمَةِ البَلاطِ؟
قال: آخر الزُّفَاقِ المُبَلَّطِ فأوَّله من بابِ المَسْجِدِ، وآخرُهُ وهو خاتِمَتُهُ
عند الدَّارِ البَيْضَاءِ بسُوقِ الزَّوراءِ (٢).
(١) سورة المطففين: الآية: ١.
(٢) الزَّوراءُ: سوق المدينة الشَّريفة على ساكنها أفضل الصَّلاة والسَّلام، قال الفرزدق [ديوانه:
٣٠٧/٢]:
حَنِيْنَ عَجُوْلٍ تَرْكَبُ البَوَّ رَائِمِ
تَحنُّ بزَوْرَاءِ المَدِيْثَةِ نَاقَتِّي
بَأَحْفَارٍ فَلْجٍ أو بِيْفِ الكَوَّاظِمِ
وَيَالَيْتَ زَوْرَاءَ المَدِيْنَةِ أَصْبَحَتْ
قال ياقوت في معجم البلدان: ١٧٥/٣ ((والزَّوْرَاءُ: موضعٌ عند سوق المدينة قرب المَسجِدِ .
قَالَ الدَّاودي: هو مرتفعٌ كالمنارة، وقيل: بل الزَّوْرَاءُ: سوقُ المدينةِ نَفْسُهُ). وأنشد بيتي
الفَرَزْدَقِ. وفي المغانم المطابة: ١٧٣ نقل كلام ياقوت مختصراً ثم قال: والزّوراء أيضاً:
اسم دار عُثمان بن عفَّان رضي الله عنه)». والدَّاوُدُّ الذي نقل عنه ياقوت هو شارح الموطأ
أحمد بن نصر (ت٤٠٢هـ) واسم شرحه (النَّامي) لديَّ قطعةٌ منه مصورة، يراجع الحديثَ
عن شرحِهِ في المُقَدِّمة في مبحث (شروح الموطأ)، ويُراجع عن الموضع وفاء الوفاء : =
١٨٤

قيل لعبدالملكِ: فمَنِ الرَّجُل الذي لقيه عُمَرُ عندَ خَائِمَةِ البَلاَطِ لم يَشْهَدِ
العَصْرَ معه؟ قال: أخبرني مُطرِّفٌ وغيرُهُ أنَّه عُثمان.
- وسألنا عبدَ الملكِ بن حَبِيْبٍ عن شرحٍ فعلِ رسول الله (وَلا)
في حديث مالكِ الذي رواه عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَم: ((أنَّ رَسُولَ اللهِ لَ عَرَّسَ
ليلةً بطريق مكَّةَ، فأمرَ بلالاً أن يَكْلاَ لهم الصُّبْحَ فنامَ حتَّى طَلَعَتِ الشَّمِسُ،
فأمرَ رَسُوْلُ اللهِ وَليِ [٤] أن يقتادُوا حتَّى خَرَجُوا من ذُلك الوادِي، فقال: هذا
وادٍ به شيطانٌ، ثم تَوَضَّأ وتَوَضَّؤُوا وَصَلَّى بهم)) [١٤/١ رقم (٢٦)]. أَيلزمُ
النَّاسَ إِذَا ابْتُلُوا بمثلٍ ذلك أن يَفْعَلُوا فعلّه؟
فقال: سَمِعتُ مُطرِّفًا وابنَ المَاحِشُونَ(١) يقولان: لا يلزمُ النَّاسُ فعلَ
١٢٢٨، وفيه: ((وقال البُرهان بن فرحون - عن ابن حَبِيْبٍ -: كان النبيُّ ◌َِّ إذا رقى المنبر
=
جَلَسَ ثم أَذَّن المؤذِّنون وكانوا ثلاثةٌ يؤذِّنون على المنابر، واحداً بعد واحدٍ، فإذا فرغ الثالث
قام فخطب، ثم استمر ذلك، فلما كان عثمان وكثر النَّاس أمر أن يؤذن بالزّوراء عند الزَّوال،
وهو موضعٌ بالسُّوق ليرتبع النَّاس منه، وهو إلى ناحية البقيع .. )).
(١) من أُسرة علميّة لها قدمٌ في الرّواية، والمذكور هُنا: عبدالملك بن عبدالعزيز بن عبدالله بن
أبي سَلَمَةَ المَاحِشُوْنَ، القُرشيُّ، التََّّمِيُّ مولاهم، أبو مروان، المدنيُّ، الفقیهُ، صاحبُ مالك
رحمه الله (ت٢١٢هـ) وقيل: (٢١٣ هـ). روى عن مالكٍ، ومسلم بن خالد الزّنجيِّ، وإبراهيم
ابن سعدٍ، وعبدالرَّحمن بن أبي الزناد، ووالده عبدالعزيز الماجشون، وخاله يوسف بن يعقوب
الماجشون. وذكر الحافظ المزي أنَّ ممن أخذ عنه صاحبنا عبدالملك بن حبيب السُّلميُّ،
والزّبيرُ بنُ بَكَّارٍ، ومحمَّدُ بنُ يَحيىُ الذُّهليُّ، ويعقوبُ بنُّ سفيان الفارسي ... وغيرهم.
قال أبوبكر بن أبي خيثمة، عن مُصعب بن عبد الله الزُّبيريّ: ((كان في زمانه مفتي
المدينة)). وقال أبو عمر بن عبدالبر: ((كان فقيهاً، فصيحاً، دارت عليه الفُتْيًا في المدينة في
زمانه إلى موته، وعلى أبيه قبله. وهو فقيهٌ ابنُ فقيهٍ، وكان ضريرَ البَصَرِ، وقيل: إنه عَمِيّ =
١٨٥

ذلك؛ لأنَّهم لا يَعلمُون من ذُلك ما عَلِمَ رَسُوْلُ اللهِ لَّه]، ومن ابتُلِيَ بمثلٍ
ذلك في ذُلك الوادي أو غيره صلَّى فيه ولم يَخْرجْ منه ليصليَ في غيره.
قال عبدُالملك: والتَّعْرِيْسُ: التّزُوْلُ بالَّليلِ(١)، لا يُسَمَّىُ نُزُولُ المُسَافِرِ
في آخر عُمُرِهِ. وذكره ابنُ حبَّان في الثُّفات. وقال أبو عُبَيْدِ الآجُرِّي: سمعتُ أباداود يقول:
=
((كان عبدالملك بن الماجشون لا يعقل الحديثَ)) وقال البَرْقِيُّ: دعاني رجلٌ إلى أن أمضيَ
إليه، فجئناه فإذا هو لا يدري الحديث أيشٍ هو؟ !. وَرَوَى له أبوداود في حديث مالك،
والنَّسائي، وابن ماجه.
و ((الماجشُون)): لقبٌ معرَّبٌ (ماه كون) سُمِّي به لحُمرة وَجْنَتَيِّهِ، وهو لقبٌ لجدِّه، قال
ابنُ الفَرَضِيِّ في الألقاب: ١٨٩ «ذكر بعضُ أهلِ الأخبار أنَّ سُكَيْنَة بنت الحسين لقَّبته
الماجشون، وقال البخاري: الماجشون بالفارسيَّة الأبيض والأحمر، وقاله ثعلبٌ أيضاً»
وزاد ابن الجوزي في كشف النِّعاب: ٣٨٩/٢ ((قال عمر بن أبي ربيعة: [ديوانه: ٢٨٨]
إِنَّمَا السِّحْرُ عِنْدَ زُرْقِ العُيُونِ
سَحَرَثْنِيْ الزَّرْقَاءُ بِالمَاجِشُونِ
ونُقِلَ عن إبراهيم الحربي نحو ما تقدَّم. وفي دیوان عمر: ((من مارون» ولا شاهد فيه على
هذه الرِّواية، ونقل المُحِبِّي في قصد السَّبيل: ٤٢٩/٢ أنه لقبٌ معرَّبٌ معناه: لون القمر
يراجع: نزهة الألباب للحافظ ابن حجر ١٤٦/٢، وذات النَُّاب للحافظ الذَّهبي:
٥٤. قال الحافظ ابنُ حَجَرٍ: ((هو عبدالله بن أبي سلمة المدني، وأولاده عبدالعزيز،
ويعقوب، وعبدالملك، ويوسف. ويجوز في جيم (الماجشون) الفتح والضَمُّ والكسر
ويراجع (تاج العروس). والماجشونيُّ: موضعٌ بالمدينةِ الشريفةِ. وفاء الوفاء: ١٢٩٨ .
أخباره في: طبقات ابن سعد: ٤٤٢/٥، وتاريخ البخاري الصغير: ٢٥٩/١،
٣٢٩/٢، والمعرفة والتاريخ: ٣٦٣/١، وتهذيب الكمال: ٣٥٨/١٨، وسير أعلام النبلاء:
٣٥٩/١، والعبر: ٣٦٣/١، وتهذيب التهذيب: ٤٠٧/٦، وشذرات الذَّهب: ٢٨/٢.
(١) يراجع: العين: ٣٢٨/١، ومختصره: ١٢٩/١، وتهذيب اللَّغة: ٨٤/٢، والمحكم:
٢٩٨/١، والنهاية: ٢٠٦/٣، والصِّحاح والنِّسان والتاج: (عرس).
١٨٦

بالنّهار تَعْرِيْساً، وكذلك الشُّرَى: هو سَيْرُ الَّليلِ، ولا يكونُ سَيْرُ النَّهارِ سُرىٍ.
ــ وسألنا عبدالملك بن حَبْيْبٍ عن شرح (الصُّنَابِحِيِّ)
في حديثٍ مالكٍ إلى ماذا نُسب؟ [٣١/١رقم ٣٠].
قال [عبدالملك]: نُسِبَ إلى قَبِيْلٍ [يُقال] له صُنَابح، من قبائل اليَمَنِ،
وليس باسم رَجُلٍ ولا بَلَدٍ، قيلَ لَهُ: فالمخدجي؟ قال: لَقَبٌّ(١).
- وسألنا عبدَالمَلك بن حَبيبٍ عن شرح (الفَتْحِ) في حدیثِ مالك
الذي رواه عن زَيْدِ بن أَسلم، عن عطاء بن يَسَارٍ: ((أنَّ رسولَ الله وَهُ
قال: إنَّ شدَّةَ الحَرِّ من فَيْحِ جَهَّم، فإذا اشتدَّ الحرُّ فَأَبْرِدُوا عن الصَّلاةِ» [١٥/١
رقم (٢٧)].
قال عبدُالملك: الفَيْحُ: شِدَّةُ حرِّ النَّارِ، وشدَّةُ حرِّ الشَّمسِ، والفَيْحُ من
الَّفْحِ تقولُ: قد فاحَتِ الشَّمْسُ، وهي تَفِيْحُ فَيْحاً، وقد فاحَ الطِّيبُ، وهو
يَقُوْعُ(٢) فَوْحاً، فهما في اللَّفْظِ والمَعنىُ مُختلفان، وإنَّما عَنَى بالحَديثِ أنَّه أَمَرَ
بتأخيرِ صَلَاةِ الظُّهرِ في الصَّيفِ.
(١) اسمه: عبد الرّحمن بنُ عُسَيْلَةَ بنِ عُسْلِ بنِ عَسَّالِ المُرادُّ أبو عبدالله الصُّنَابِحِيُّ، والصَّنابحُ
بطنٌ من مُراد من اليمن. رحل إلى النَّبيِوَهْ فِقُبِضَ التَِّّوَله وهو بالجُحْفَةِ، فقَدِمَ المدينةَ،
ثم رَحَلَ إلى الشَّامِ وأقامَ بها، وماتَ بدمشق. أخباره في: طبقات ابن سعد: ٤٤٣/٧،
٥٠٩، وقال: ((كان ثقةً، قليلَ الحديثِ وعدَّه في الطبقة الأولىُّ من تابعي أهلِ الشَّام، وفي
الطبقة الأولى من تابعي أهل مصر، وتاريخ الدُّوري: ٣٥٣/٢، وتاريخ خليفة: ٢٩٣،
والجرح والتَّعديل: ٦٢/٥، والاستيعاب: ٨٤١/٢، والإِكمال: ١٩٩/٥، ١٧٤/٧،
وتهذيب الكمال: ٢٨٢/١٧، وسير أعلام النبلاء: ٥٠٥/٣، والإصابة: ١٠٥/٥.
(٢) في الأصل : ((یفیحُ)).
١٨٧

[ شرح غريب كتاب الطَّهارة](١)
[من موطأ مالك بن أنس رحمه الله]
۔ وسألنا عبدالملك بن حبیپٍ عن شرح حديث مالكٍ
الَّذي رواه عن ابن شهابٍ، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة: «أنَّ
رسول الله ﴿ قال: من توضَّأ فليَسْتَنْثِرْ، ومن استَجْمَرَ فليُوترْ)) [١٩/١ رقم ٣].
قال عبدُالملك: أمَّا قَوْلُهُ: (مَنْ تَوَضَّأَ فليسْتَنْثِرْ)) فالاستئثارُ: أنْ يَسْتَنْشِقَ
الماءَ ثُمَّ يَبْثُرُهُ، فالاستِنْشَاقُ جَبْدُهُ الماءَ بِجَرِّ نَفَسِ مِنْخِرِيْهِ إِلى خَيْشُوْمِهِ،
والاستِنْثَارُ: نثرُهُ إِيَّه من خَيْشُوْمِهِ بِدَفْعٍ نَفَسَ مِنْخِرَيْهِ إِلَى خارجٍ. وأمَّا قولُهُ:
(وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ) فإنَّه يَقُولُ: مَنْ تَمَسَّحَ بالحِجَارةِ من الغائطِ فليَجْعَلْهَا
وِتْراً، يعني ثلاثًا، قال: وقد كان عبدُالله بن عُمر يتأوَّلها في إجمارِ ثِیابِهِ
بالمِجْمَرِ، فَكَانَ يجمِّرُها بوِتْرٍ(٢) .
(١) الموطأ رواية يحيى: ١٨/١، ورواية أبي مُصْعَب: ١/ ٢٠، ورواية محمد بن الحسن: ٣٥،
ورواية سُويد: ٥٣/١، ورواية القعنبيِّ: ٩٥، والاستذكار: ١٥٦/١، والتَّعْلِيْقُ عَلَى المُوَطَّأ
لأبي الوليد الوَقَّشِيِّ: ١ /٥١، والمنتقى لأبي الوليد: ٥٤/١، والقبس لابن العربي:
١٣٨/١، وتنوير الحَوالك: ٣٩/١، وشرح الزُّرقاني: ٤٢/١.
(٢) جاء في الاقتضاب في غريب الموطأ .. ((قال القاضي أبو الحسن: يجوز أن يُقال: أُخذ من
الاستجمار بالبخور الذي يُطَيِّبُ الرَّائحة، وهذا يزيل الرَّائِحَةَ القَبِيْحَةَ».
وللتَّجْمِيْرِ معنىّ ثالثٌ غيرُ مقصودٍ هُنا. قال أبو عمر بن عبدالبر في التَّمهيد: ١٦/١١
(والتَّجميرُ أيضاً في لسان العَرب: أنْ يُرْمَى بالجُندِ في ثغرٍ من تُغُورِ المُسلمين، ثم لا يُؤْذَنُ
لهم في الرُّجوعِ، قال حُمَيْدٌ الأرقطُ:
فَالَوْمَ لاَ ظُلْمٌّ ولاَ تَنِيْرُ
١٨٨

قال عبدُالملكِ بن حَبيبٍ: [٥] ونحن نستحبُّ الوترَ في الوَجهين
جمیعًا .
قال عبدالملك بن حبيبٍ: إنَّما اشتُقَّ الاسْتِجْمَارُ بالمِجْمَرِ من الجَمْرِ
الَّذي يُطْرَحُ عليه العُوْدُ أو غيرُهُ من البُخُور، واشتُقَّ الاستجمارُ في الغائطِ من
الجَمَرَاتِ، وواحدها: جَمْرَةٌ وهي الحِجَارةُ المُدَوَّرة (١) التي يُستَنْجَى بها التي
تُشبِهُ [ ... ](٢) أو فوقها قليلاً، فلذلك كان ابنُ عُمَرَ يتأوَّلها في الوجهين
جميعاً؛ لاستعمالِ الكلمةِ في هذا وهذا.
۔ وسألنا عبدالملك بن حَبیپٍ عن شرح حديث مالكٍ
الذي رواه عن يحيى بن محمَّد بن طَحْلَاء، عن عُثمان بن عبدالرّحمن
عن أبيه: ((أنَّه رَأَىْ عُمَرَ بِنَ الخَطَّابِ يَتَوَضَّأُ بالمَاءِ وَضُوْءًا لِمَا تَحْتَ إِزَارِهِ»
[٢٠/١ رقم (٦)].
قال عبدُالملكِ بن حَبيبٍ: يعني أنَّه كان يَسْتَنْجِيْ بالماءِ؛ وإِنَّما سُمِّيَ
الإِزَارِ هَاهُنا؛ لأنَّ الرَّجُلَ منهم كان يَتَأْزَّرُ بالإِزارِ مَكَانَ السَّرَاوِيْلِ.
وَلاَ لِغَازٍ إِنْ غَزَا تَجْمِيْرُ
=
وقال بعضُ الغُزّاةِ المُجمَّرين:
مُعَاوِيَ إِمَّا أن تُجَمِّرَ أَهْلَنَا
إِلَيْنَا وَإِمَّا أن نَثُوبَ مُعَاوِيَا
وَمَنَّيْتَنَا حَتَّىْ مَلِلْنَا الأَمَانِيَا
أَجْمَّرتَنَا إِجْمَارَ كِسْرَى جُنُوْدَهُ
(١) يُراجع: الزَّاهر لابن الأنباري: ١٣٧/١، والزَّاهر للأزهري: ٤٦، ومعاني (جَمَرَ)
ص١٨٢، ٣٩٠، والاستذكار: ١٧٣/١، والتَّمهيد: ١٤/١١ - ١٦، ويراجع: الصِّحاح
واللِّسان والنَّاجِ: (جمر).
(٢) كلمة غير واضحة في الأصل.
١٨٩

۔ وسألنا عبدالملكِ بن حبیپٍ عن شرح حديث مالكٍ
الَّذِي رواه عن أبي الزِّناد، عن الأعرجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ: ((أنَّ رَسُولَ الله
وَلّه قال: إِذَا اسْتَيَّقَظَ أحدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَه قبلَ أن يُدخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ
فإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أينَ بَاتَتْ يَدُهُ؟» [٢١/١ رقم (٩)].
قال عبدٌالملكِ: معناه: إِذَا نامَ جُنُبًا، يقولُ: لا يَدْرِي إذا نامَ جُنُبًا أين
باتت يَدُهُ؟ لا يَدْرِيْ أَوَضَعَهَا على موضعِ الجنابةِ أم لا؟ فذلك الَّذِي لا يجوزُ له
أن يدخلَ يدَه في إناءٍ وَضُوئِهِ إذا أصبحَ حتَّى يغسلَهَا، فإن فَعَلَ فقد أفسدَ عليه
وَضُوْءَهُ، فأمَّا من باتَ على غير جنابةٍ فيستحبُّ له أن يغسلَ يده قبل أنْ يُدخلها
في وَضُوئِهِ استحباباً من غيرِ إيجابٍ، فإن أدخلَ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ قبلَ أن يغسلَهَا
فليس يفسدُ ذُلِكَ وَضوءَهُ، ولا يضرَّه شيئًا.
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبيبٍ عن شرح (الفَرَطِ)
في حديثٍ مالكِ الَّذي رواه عن العَلاء، عن أبيه، عن أبي هُريرة: ((أَنَّ
رَسُوْلَ اللهِ﴾ قال: أنا [٦] فَرَطُكُمْ عَلَى الخَوْضِ)) [٢٨/١ رقم (٢٨)].
قال عبدُ الملكِ: الفَرَطُ والفَارِطُ: هو المُتَقَدِّمُ القَوْمِ إلى أيِّ شيءٍ أرادوا
إليهِ، فهو في هذا الحديث فَرَطُهُم إلى الحَوْضِ لِيَشْرِبُوا منه، وكذلك كلُّ
متقدِّمٍ قومٍ إلى الماء فهو فَرَطُهُم وفارِطُهُم إليه. والفَرَطُ - أيضًا -: ما أُصِيْبَ به
الرَّجُلُ من ولده وَحَمِیْمِهِ.
أخبَرَنِي مُطَرِّفٌ، عن مالكٍ، أنَّه قيل لِرَسُوْلِ اللهِلَّهِ - حينَ أُصِيْبَ بابنه
إبراهيم -: أينَ نحفرُ له يارَسُوْلَ اللهِ؟ فقال: مَعَ فَرَطِنَا عُثمان بنٍ مَظْعُون، وكان
١٩٠

قد مَاتَ قبله بِيَسْيرٍ، فدُفِنَ في قُرِبِهِ بمكانٍ من البقيع يُقالُ له: الرَّوحاءِ(١).
فَجَعَلَ رَسُوْلُ اللهِ لَّهَ] عثمان فَرَطَهُ حينَ تَقَدَّمَهُ إلى الآخِرَةِ.
وأخبرني الحِزَامِيُّ، عن سَعِيْدِ بن سالمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ لّه قال: ((مَنْ لم
يَكُنْ له من نَفْسِهِ فَرَطْ لم يَدخل الجنَّةَ إلاَّ تَصْرِيْراً، يعني: الولدَ والحَمِيْمَ فقالوا:
يارَسُوْلَ الله ما لِكُلِّنَا فَرَطْ؟ فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ الرَّه]: إنَّ من فرطِ المُسلمٍ أخاهُ
المُسلمُ [في الله يُصَابُ به))] فالفَرَطُ - هَهُنا -: مَا تَقَدَّمَ الرَّجُلَ من أهله وذوي
مَوَدَّتِهِ إلى الآخرةِ، ومنه قيلَ في الصَّلاة على الصَّبِيِّ: ((الَّلهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطأ)
يعني: مُتَقَدِّماً نُؤْجَرُ عليه. وقد سُمِّيَ السَّلْفُ الفَرَطَ أيضًا؛ لأنَّهم تَقَدَّمُوا. وقد
يكونُ الفَرَطُ - أيضًا - فيمن تقدَّمَ القومَ إلى حفرِ القَيْرِ، أو إلى ارتيادِ المَنزلِ
وما أشبَهَ ذُلك(٢)، كذلك سَمعتُ محمَّدَ بنَ سَلَّمِ البَصْرِيَّ(٣) يقولُ، وأَنْشَدَنِيْ
(١) هذا الموضع من البقيع الذي يُعرف بـ«الرَّوحاء)) غير القرية المشهورة من قُرى المدينة
المعروفة بـ(الرَّوحاء)) أيضاً، وقد تردد ذكرها في الحديث. يُراجع وفاء الوفاء: ٨٩٢،
١٢٢٣ . وذكر أنَّ الرَّوحاء بوسط البقيع.
(٢) تفسير معنىُ الفَرَطِ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٤٥/١، والغريبين: ٥ /١٤٣٦، وغريب ابن
الجَوزي: ١٨٧/٢، والنِّهاية: ٤٣٤/٣، ويُراجع: العين: ٤١٨/٧، ومختصره: ٢٧٤/٢،
والتَّقفية في اللُّغة للبَنْذَنيجيِّ: ٥١٤، والجمهرة لابن دريد: ٧٥٤، والزّاهر لابن الأنباري:
٤١٢/١، وتهذيب اللُّغة للأَزْهَرِيِّ: ٣٣١/١٣، ومجمل اللُّغة: ٧١٦، والتَّمهيد:
٢٠/ ٢٥٥، والصِّحاح والِّسان والتَّاج: (فرط).
(٣) هو الإِمامُ، النَّاقدُ، الأديبُ، العلاّمةُ، الإِخباريُّ، البارعُ محمَّد بن سلَّم بن عبيد الله البَصْرِيُّ
الجُمحيُّ، مولاهم، وولاؤه لقُدامة بن مظعون. حدَّث عن أبي عَوَانَةً، وَحْمَّادِ بن سَلَّمَةَ
وغيرهما، وَحَدَّث عنه أحمد بن زُهير، وثعلبٌ، وأبو خليفة وغيرهم. وفاته سنة ٢٣١هـ.
وألّف ((طبقات الشُّعَرَاءِ» ليس له نظيرٌ في فنُّه. طبع بتحقيق وشرح أستاذنا العلاّمة المحقّق =
١٩١

لِأَبِي ذُؤَيْبِ الهُذَلِيِّ - وهو يَذْكُرُ حَفَّارَ قَبْرِهِ، وَوَصَفَ قبلَ ذُلك حُلُوْلَ المَوْتِ
بِهِ - فَقَالَ: (١)
وَقَدْ قَدَّمُوا فُرَاطَهُمْ فَتَأَثَلُوا
قَلِيْباً سَفَاهَا كَالإِمَاءِ القَوَاعِدِ
يعني بالفُرَّاطِ : المتقدِّمين إلى القَبْرِ ليَحفروهُ. والقَلِيْبُ: القَبْرُ، وإِنَّمَا شَبَّه القَبْرَ
بها، والسَّفَى: المَدَرُ (٢)، فالفَرَطُ: المُتَقَدِّمُ من كلِّ شيءٍ، وقال القُّطاميُّ: (٣)
محمود محمد شاكر - حفظه الله - وطبعه في سفرين في مصر أجزل الله له المثوبة، فاتفق
للكتاب تجويد تأليفٍ، وتجويد شرح وتحقيق ﴿نُورٌّ عَلَى نُورٍّ﴾. أخباره في: الجرح
والتَّعديل: ٢٧٨/٧، وتاريخ بغداد: ٣٢٧/٥، والأنساب: ٢٩٩/٣، وإنباه الرُّواة:
١٤٣/٣. وسير أعلام النُّلاء: ٦٥١/١٠، والوافي بالوفيات: ١١٤/٣، ١١٥. وله أخٌ،
محدِّثٌ، فاضلٌ، صَدُوقٌ، اسمه عبدالرَّحمن بن سلَّم، توفي في العام الذي مات فيه أخوه
محمد رحمهما الله تعالى. قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب: ١٧٤/٦ ((قلت:
وحكى الحاكمُ في ((تاريخه)) قال: سُئِلَ صالح بن محمد يعني (جَزّرَةً) عن عبدالرَّحمن
ومحمد أبني سَلَّمِ الجُمَحِيِّين فقال: صَدُوقان، ورأيتُ يحيى بن معين يختلف إليهما)).
(١) شرح أشعار الهذليين: ١٩٢/١، ويراجع: تهذيب اللُّغة: ١٤/١٣، ٤١١، والمُجمل:
٨٧، والصِّحاح والِّسان والنَّاج .. وغيرها.
(٢) في شَرح أشعار الهُذَلِّين: ((وسفاها: تُرابها)) وفي اللَّسان: (سَفَي) ((والسَّفَى: التُّرابُ، وخصَّ
ابنُ الأعرابيِّ به التُّرابَ المُخرجَ من البِثْرِ أو القَبرِ، وأنشدَ ثعلبٌ لكثيِّرٍ: [ديوانه: ٣٢١]
وَرَهْنُ السَّفَى غَمْرُ النَّقْبَةَ مَاجِدُ
وَحَالَ السَّفَى بَيْنِيْ وَبَيْنَكِ وَالِعِدًا
قال: السَّفىْ هُنا: تُرابُ القَبرِ، والعِدَا: الحجارةُ والصُّخورُ تُجْعَلُ على القَبْرِ ... )) ثم أنشد
بيت أبي ذُؤيب المذكور هُنا وشَرَحَهُ شرحاً مفصّلاً فليراجع هنالك.
(٣) القَّطَائِيُّ عُمير بن شُيّم بن عمرو بن عبَّدٍ، من بني جُشم بن بكرٍ، شاعرٌ، أمويٌّ، كان من
نصارى تغلب بالعراقِ، ثم أسلم. (ت١٣٠هـ).
١٩٢
=

كَمَا تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِورَّادِ
فَاسْتَعْجَلُوْنَا وكانُوا مِنْ صِحَابَتِنَا
وقال غيره: (١)
أخباره في: الشِّعر والشُّعراء: ٧٢٣، والمؤتلف والمختلف: ٢٧١، والخزانة:
=
٣٩١/١، وهو صاحبُ البيتِ السَّائِرِ المُشهورِ على الأَلْسُن:
قَدْ يُدْرِكُ المُتَأَنِّي بعضَ حَاجَتِهِ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجَلِ الزَّلَلُ
ويجوز ضمُّ القاف وفتحُها في (القطامي) وهما لغتان، وهو في الأصل اسمُ الصَّقر نُقِلَ إلى
التَّسمية (لقب) لهذا الشّاعر ولغيره، كما في المؤتلف والمختلف، ولم يذكره المؤلِّفون في
الألقاب، وأشهرهم ابن الجوزي والحافظ ابن حجرٍ، ذكرا القُطامي، والد الشّرقي بن
القُطامي الإِخباري الأديب النَّسابة، ولا شك أنَّ الشاعرَ هذا أكثرُ شُهرةً.
والبيت الذي أورده المؤلِّف في ديوانه: ٩٠ أنشده الوَقَّشِيُّ واليَقْرُنِيُّ في كتابيهما، وهو
في غريب أبي عبيد: ٤٥/١، والتَّمهيد: ٢٢٥/٢، والاستذكار: ٢٤١/١. وأنشده
السُّيوطي في الهمع: ٩/١ (لنُزَّال) وهو خطأٌ ظاهرٌ، وليست روايةٌ أخرى؛ لأنَّ البيت من
قصيدة دالية هي من أشهر شعره يمدحُ بها زُفرَ بنَّ الحارث الكِلاَبِيِّ؛ أوَّلُها:
وَلاَ تَقَضَّى بِوَادِيْ دَيْنَهَا الطَّادِيْ
ما اعتَادَ حُبُّ سُلَيْمَى حينَ مُعْنَادٍ
وَلاَ كَيَوْمِكِ مِنْ غَرَّاءَ وَرَّادِ
إِلَّ كَمَا كُنْتَ تَلْقَى من صَوَاحبها
رِيًّا الرَّوادفِ لم تُمْغَلْ بِأَوْلاَدِ
بَيْضَاءُ مَخْطُوْطَةُ المَتْنَيْنِ بَهْكَنَةٌ
مَا لِلكَوَاعِبِ وَدَّعْنَ الحيَاةَ كما
أَبْصَارُهُنَّ إِلَى الشُّبان مَائِلَةٌ
ثم قال في آخرها:
وَدَّعْنِي وَاتَّخَذْنَ الشَّيبَ مِنْعَادِ
وَقَدْ أُرَاهُنَّ عَنِّي غَيْرَ صُدَّادِ
لِلحَرْبِ يُوقَدْنَ لا يُؤْقَدْنَ للزَّادِ
حتَّى إِذَا كانَتِ النِّيرانُ بَيْنَهُمُ
والبيت
واستَعْجَلُونَا
نَقْرِيْهُمُ لَهْذَمِيَّاتٍ نَقُدُّ بها
أَبْلِغْ رَبِيْعَةَ أَعْلَهَا وَأَسْفَلَهَا
مَا كَانَ خَاطَ عَلَيْهِمْ كُلُّ زرَادِ
أَنَّا وَقَيْساً تَوَافَيْنَا لِمِيْعَادِ
(١) هو طَرَفَةُ بن العَبد البكريُّ، والبيت في ديوانه: ١٦٦ وفيه (أصواتهم) ويراجع: غريب =
١٩٣

أصواتُهُ كَتَرَاطُنِ الفُرْسِ
فَأَثَارَ فَارِطُهُمْ غَطَاطاً جُثَّمَاً
يعني أنَّه لم يجد في الرَّكِيَّةِ ماءً، إِنَّما وَجَدَ غَطَاطْاً، وهو القَطَا.
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح قوله في حديثٍ مالكٍ
((هَذَا فَلاَ يُذَادَنَّ [رِجَال](١) عَنْ حَوْضِيْ)).
قال [عبدُالملكِ]: يقولُ: فلا يُطْرَدَنَّ رجلٌ عن خَوْضِي كقولهِ: فليحذر
[٧] رجلٌ أن يُطردَ عن حَوضِيْ، يعني بتبديلِ العملِ بعده وفِراقٍ ما فارقهم عليه
من الاستقامة في دينهم.
- وسألنا عبدَالملكِ بن حبيبٍ عن شرح (الطَّوافين) و(الطوَّافات)
في حديث مالك الذي رواه عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طَلْحَةَ، عن
حُمَّيْدَةَ بنتِ أبِي عُبَيْدَةً(٢) بن فَرْوَةَ، عن خالتهاكَبْشَةَ بنتِ كَعْبٍ بِنِ مَالكِ - وكانت
تَحتَ ابنِ أبي قَتَادَةَ -: «إنَّ أباقْتَادةَ دَخَلَ عليها فسَكَبَت له وَضُوءًا، فجاءت هِرَّةٌ
لتَشربَ منه فأصْغَى لها الإِناءَ حتَّى شَرِبَتْ، قالت كَبْشَةُ: فرآني أنظر إليه فقال:
أَتَعْجَبِيْنَ يابنةَ أخي، فقلتُ: نَعَم، فقال: إنَّ رَسُولَ اللهِوَلَه قال: إنَّها لَيْسَتْ
بِنَجَسٍ، إِنَّمَا هِيَ مَنِ الطَّوَّافِيْنَ عَلَيْكُمْ أَوْ الطَّوَّافَاتِ» [٢٢/١، ٢٣ رقم (١٣)].
الحديث لأبي عُبيد: ٤٥/١، وتهذيب اللُّغة: ٣٣١/١٣، ورواية المؤلِّف في مقاييس اللُّغة:
=
٤٠٤/٢، ٣٨٤/٤، ومجمل اللُّغة: ٣٨٢. وعن أبي عُبَيْدٍ في التَّمهيد: ٢٥٥/٢٠،
والاستذكار: ٢٤١/١.
(١) في الأصل: ((رَجُلٌ)) والتَّصحيح من الموطأ: ٢٩/١ رقم ٢٨.
(٢) في الأصل: (عُبَيْدٍ)).
١٩٤

قال عبدُالملك: يعني بقوله: ((الطَّوافِيْن أو الطَّوَّفَاتِ)) خَدَمَ البَيْتِ
الذُّكورِ والإِنَاثِ، يَقولُ: هي في اختلاطها (١) بِأَهْلِ البَيْتِ وتَطوافها عليهم
كَبَعضِ الخَدمِ. ومنه قوله - عزَّ وجلَّ -: (٢) ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلِيَسْتَعْدِنِكُمُالَّذِينَ
مَلَكَتْ أَيَْشْكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوُّْ مِنْكُمْ ثَلَثَ مَّتٍ مِن قَبْلِ صَلَوَةِ الْفَجْرِ وَحِنَ تَضَعُونَ فِيَابَكُمْ مِّنَ
اُلَّهِيَرَةٍ وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوْةِ الْعِشَآءِ تَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنٌَّ بَعْدَهُنَّ
طَوَّفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضِنَّ﴾ فإِنَّمَا عَنَى المَمَاليك. وقال فِي آيَةٍ
أُخْرَى: (٣) ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌّ مُخَلَّدُونَ﴾ يعني الذين يخدمونهم. ولذلك قال
إبراهيمُ النَّخَعِيُّ(٤): إنَّما الهِرَةُ كبعضٍ أهلِ البَيتِ، ومثلُهُ قولُ ابنِ عَبَّاسٍ : إِنَّمَا
هي من مَتَاعِ البَّيْتِ، يعني أنَّها لا تُنْجِسُ مَا شَرِبَتْ منه.
۔ وسألنا عبدالملك بن حبيبٍ عن شرح حديث مالكٍ:
الذي رَواه عن محمَّد بن عُمارة، عن محمد بن إبراهيم، عن أمِّ ولدٍ
(١) في الأصل: ((أخلاطها)).
(٢) سورة النُّور: الآية: ٥٨.
(٣) سورة الواقعة: الآية: ١٧ .
(٤) هو الإِمام الحافظ العلاَّمة المُفتي الفقيه إبراهيم بن يزيد بن قيس ... النَّخَعِيُّ اليَمَانِيُّ الكُوْفِيُّ
أبو عِمْرَانَ (ت٩٦هـ) عن تسع وأربعين سنة. تابعيٌّ أدرك جماعة من الصَّحابة ورأىْ أمّ
المؤمنين عائشةَ - رضي الله عنها - وكان مُحدِّثاً، ثقةً، صاحبٌ سُنَّة . .أخباره في:
طبقات ابن سعد: ٢٧٠/٦، وتاريخ البخاري: ٣٣٣/١، ووفيات الأعيان: ٢٥/١، وسير
أعلام النُّلاء: ٥٢٠/٤، وشذرات الذَّهب: ١١١/١.
١٩٥

لإبراهيم بن عوف: أنَّها سألت أمَّ سَلَمَةَ زوجَ النَّبيِوَه فقالت: إنِّي امرأةٌ أُطِيْلُ
ذَيْلِيْ وَأَمْشِيْ فِي المَكَان القَّذِرِ؟ فقالت أمّ سَلَمَةَ: قال رَسُوْلُ الله ◌َّهِ: ((يُطَهِّرُهُ
ما بعدَه)) [٢٤/١ رقم (١٦)].
قال عبدُالملكِ بن حَبِيْبٍ: إنَّما معناه في القِشْبِ (١) الْيَابسِ فذلك الذي
يُطِّره ما بعده من الأرض النَّقْيَّةِ، يعني أنَّه ليس بنَجِسٍ [٨] ما مسَّ اليابس من
النَّجاسةِ، فأمَّا ما كان من ذلك رَطْباً فليس يُطهّرُهُ إلَّ الغَسْلُ بالماءِ.
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبيبٍ عن شرح (الاستطابة) في حديثٍ مالكٍ
الذي رواه عن هشام بن عُرْوَةً عن أبيه: ((أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ لَهُ سُئِلَ عن
الاسْتِطَابَةِ فَقَالَ: أَوَلاَ يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلاثَةَ أَحْجَارٍ؟!)) [٢٨/١ رقم (٢٧)].
قال عبدُالملكِ: الاستطابةُ: هي الاستنجاءُ بالحِجَارَةِ، وإنَّما اشتُقَّت من
الطَّيْبِ؛ لأنَّه يُطيِّبُ جَسَدَهُ بالاستِنْجَاءِ مما عليه من الخَبَثِ، تقولُ منه: قد
اسْتَطَابَ الرَّجلُ فهو مُسْتَطِيْبٌ، وقد أَطَابَ نَفْسَهُ فهو مُطِيْبٌ، قال: أُعَشی بکرٍ
يَذْكُرُ رَجُلاً: (٢)
يَا رَخَماً قَاظَ عَلَى مَطْلُوْبٍ
يُعْجِلُ كَفَّ الخَارِىءِ المُطِيْبِ
- وسألنا عبدالملك بن حَبيبٍ عن شرح (المَگّارِهِ) في حدیثِ مالكٍ
الذي رواه عن العَلَاءِ، عن أَبِيْهِ، عن أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قال:
(ألاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا ويَرفَعُ به الدَّرَجَاتِ؛ إِسْبَاغُ الوُضُوْءِ على
(١) في اللسان: (قشب): ((القَشِيْبُ: الْيَابِسُ الصُّلْبُ».
(٢) يهجو وائل بن شرحبيل بن عمرو بن مرثد، كذا في ديوانه (الصُّبح المنير): ١٨٤ . ويراجع:
غريب الحديث لأبي عُبَيْدٍ: ١/ ١٨١، وتَهْذِيْبِ اللُّغَةِ: ١٤/ ٤٠ وغيرهما.
١٩٦

المَكَارِهِ، وكثرةُ الخُطَا إلى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَالصَّلاَةِ، فَذْلِكُمُ الرَّبَاطُ».
قال عبدُالملكِ: يعني بقولِهِ: ((إسباغُ الوُضُوْءِ على المَكَارِهِ) إكمالُهُ
وإتمامُهُ في شدَّةِ البردِ والرِّيحِ، أو في جَوْفِ الَّليلِ، والأحايين التي يَثْقُلُ فيها
مَسُّ الماءِ، حاضراً كان أو بادياً أو مُسافراً.
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبيبٍ عن شرح(الغُرِّالمُحجّلِیْنَ)في حديث مالك
الذي رواه العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنَّهم قالوا: يارَسُوْلَ الله
كيفَ نَعْرفُ من يأتي بعدك من أُمَتِكَ يومَ القيامةِ؟ قال: يأْتُون غُرّا مُحَجَّلِيْنَ من
الوضوءِ)) [٢٨/١ رقم (٢٨)].
قال عبدُالملكِ: يعني بالغُرةِ وَالتَّحْجِيْلِ: غِشْيَانَ النُّوْرِ وَجُوْهَهُمْ
وَأَطِرَافَهُمْ فِي المَحْشَرِ، وفي المَوقِفِ عندَ الحسابِ [٩].
- وسألنا عبدَ الملكِ بن حَبيْبٍ عن شرح حديث مالكٍ
الذي رواه عن رَسُوْلِ اللهِوَ﴿ أَنَّه قال: اسْتَقَيْمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، واعمَلُوا.
وَخَيْرٌ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَةُ، ولا يُحافظُ على الوُضُوءِ إلاَّ مُؤمِنٌ)) [٣٤/١ رقم (٣٦)]
قال عبدُالملك: يعني بقولِهِ: ((وَلَنْ تُحْصُوا)) ولن تُطِيْقُوا كلَّ الاستقامةِ
وهو مثلٍ قولُ اللهِ حين كانِ فَرَضُ قيامِ اللَّيْلِ: (١) ﴿عَلِمَ أَنْ تُضُوءُ﴾ يقول: علم
أَنْ لَنْ تُطِيقُوه ﴿ فَابَ عَلَيْكُمْ﴾ .
ــ وسألنا عبدالملكِ بن حبیبٍ عن شرح حديثٍ مالكٍ
[الذي رواه] عن يحيى بن سَعِيْدٍ: ((أَنَّه سمع رجلاً يَسْأَلُ سعيد بن
المسيّب عن الوُضُوْءِ من الغائط بالماءِ، فقال سعيدٌ: إنَّما ذَلِكَ وُضُوْءُ النِّسَاءِ»
(١) سورة المزمل: الآية: ٢٠.
١٩٧

[٣٣/١ رقم (٣٤)].
قال عبدُ الملكِ: يعني بالوُضَوْءِ من الغائطِ بالمَاء: الاستِنْجَاءَ، ويعني
سَعِيْدٌ بقوله: ((إنَّما ذُلك وُضُوْءُ النِّسَاءِ) أنَّ نَسَاءَهُمْ (١) كُنَّ يَسْتَنْجِيْنَ بالماءِ فيما
مَضَى، وأنَّ الرِّجالَ كانُوا يَكْتَفُونَ بِالتَّمَسُّحِ بِالحِجَارَةِ، ثُمَّ رَجَعَ الأمرُ في
الرِّجال والنِّساءِ في الاستِنْجَاءِ بالماءِ، فلسنا نجيزُ الاستِنْجَاءَ بالحِجَارةِ اليومَ إلاَّ
لمَنْ لم يَجِدِ المَاءَ، فأمَّا مَنْ وَجَدَ الماءَ فلا نُجيزُ ذُلك له، ولا نبيحُ الفُتيا به،
ولا رُخْصَةَ لأحدٍ أن يقول: إنَّ مَنْ مَضَى كانُوا يَفْعَلُونَ ذلك؛ لأنَّه أمرٌ قد تُركَ
وَجَرَىُ العَمَلُ بِخِلافِهِ.
وقد حذَّثني أسدُ بنُ مُوسَى(٢) وغيرُهُ، عن السّرِئِّ بن يحيى، عن أَبَانِ بن
(١) في الأصل: ((نُساءَهُنَّ».
(٢) هو أحدُ شيوخ المؤلِّف، أكثر من الرّواية عنه في مؤلفاته، وأكثر من إسناده إليه في كتابه
((الذَّخائر والتُّحف)) أو ((وصف الفردوس). وهو مشهورٌ عند المُحدِّثين بـ((أسد السُّنَّهُ)) من
أحفاد الوليد بن عبدالملك (الخليفة) اسمه كاملاً: أسدُ بن موسى بن إبراهيم بن الوليد بنٍ
عبدِ المَلكِ بنِ مَرْوَان المَرْوَانِيُّ، الأُمويُّ، القُرشيُّ، المِصريُّ، المحدِّثُ (ت ٢١٢ هـ).
روى عن سفيان بن عيينة، وسُليمان بن المُغيرة، وأبي الأحوص سلَّم بن سليم، وشريك
ابن عبد الله، وشعبة بن الحَجَّاج، ووكيع بن الجَرَّاح .. وغيرهم. روى عنه أحمد بن صالح
المصري، وابنه سعيد بن موسى، وعبدالملك بن حبيب المالكي (صاحبنا) ومحمد بن
عبدالله بن عبدالرحيم البرقي. وثَّقَه النَّسائي وقال: ((ولو لم يُصنِّفْ كان خيراً له)) وضَعَّفه ابنُ
حَزْمٍ، ورُدَّ تَضعيفه. ويُقال: إنه أوَّل من صَنَّف المُسند. أخباره في: التاريخ الكبير للبخاري :
٤٩/٢، والجرح والتَّعديل: ٣٣٨/٢، وجمهرة أنساب العرب: ٩٠، وسير أعلام النبلاء:
١٦٢/١٠، وميزان الاعتدال: ٢٠٧/١، وتهذيب التَّهذيب: ٢٦١/١، وحسن المُحاضرة:
٣٤٦/١، والشَّذرات: ٢٧/٢ وغيرها.
١٩٨

أبي عيَّشٍ قال: لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية: (١) ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِنُونَ أَنْ يَنْعَهَرُواْ وَاللَّهُ
يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ [®﴾ قال رسولُ اللهِ الرَّهما: ((يامَعْشَرَ الأَنْصَارِ لقد أثنى الله
عليكم في الظُّهرِ فما كُنتم تَصْنَعُونَ؟ قالوا: يارَسُولَ الله إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْجِي بالماء
من الحَاجَتَيْنِ كلتيهما، وَيَكْتُمُ ذُلك بَعضُنا عن بَعْضٍ)).
قال عبدُالملكِ: فلذلك قال رَسُوْلُ الله ◌َّهِ: ((استَنْجُوا بالماءِ فإِنَّه أَطْيَبُ
وأَطْهَرُ)».
- وسألنا عبدَ الملكِ بن حَبيبٍ عن شَرح اختلافٍ روايةٍ مالكٍ [١٠] في (المَذِي)
رُوِيَ عن أبي النَّضر، عن سُليمان بن يَسارٍ، عن المِقْدَادِ بن الأَسْوَدِ: ((أنَّه
سأل رَسُوْلَ اللهِ لّه عن الرّجل إِذَا دَنَا من أهله فَخَرَجَ منه المَذْيُ ماذا عليه؟ فقال: إذا
وجدَ ذلك أحدُكم فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوْءَهُ الصَّلاَةِ» [٤٠/١ رقم (٥٣)].
وروى عن يحيى بن سَعيدٍ: أَنَّه سَمِعَ رَجُلاً يسألُ سعيد بن المُسیّبِ
فقال: إنِّي أجدُ البَلَلَ وأنا أُصلِّي أَفَنَّصَرِفُ؟ فقال له سَعيدٌ: لو سالَ على
فَخِذيَّ ما انصرفتُ حتَّى أقضيَ صَلاتِيْ)). [٤١/١ رقم (٥٦)].
وروي عن الصَّلتِ بن زُيَيْدٍ (٢) أنَّه قال: ((سألتُ سليمان بن يَسَارٍ عن
البَلَلَ أجده؟ فقال: انضَحْ ما تَحْتَ ثوِكَ بالمَاءِ، وأَلْهُ عنه)) [٤١/١ رقم (٥٧)].
قال عبدُالملكِ: ليس هذا باختلاف من الرِّواية وللكنَّه على تأويلٍ
ومعنىَ؛ فتأويلُ حديثِ المقدادِ أنَّه في غير المُستنكح الذي إنَّما يُصيبُهُ عندَ دنوه
(١) سورة التوبة: الآية: ١٠٨.
(٢) زُبَيْدٌ تصغيرُ زَيْدٍ، وهو ابن الصَّلْت المديني، أَبُوْه الصَّلت صحابيٌّ. يراجع: الإصابة:
٣/ ٤٤٤، وَضَبْطُ زُيَيْدُ في الإكمال: ١٧١/٤، عن طبقات ابن سعدٍ: ١٣/٥، ويراجع:
توضیح المشتبه: ٤/ ٢٧٠، ٢٧١، وربما صحف إلى ((زُبَيْدِ)).
١٩٩

إلى أهله، أو ما أشبه ذلك من مقاربة الشَّهوة، فذلك الذي يوجبُ الوضوءَ، وتأويل
حديث سعيد بن المُسَيّب وسُليمان بن يَسارٍ؛ أنَّه في المُستنكح الذي يَسْلَسُ
ذلك منه على غير مقاربةِ شهوةٍ، ولا تعرُّضٍ لذَّةٍ؛ فذلك الذي ينقضُ وضوءًا،
ولا يقطعُ صلاةً إن عرضَ [له] ذُلك فيها؛ لأنَّه كَمَرَضٍ من الأمراضِ، إلاّ أنَّ
مالكًا كان يَسْتَحِبُّ له أن يُجَدِّدَ وُضُوْءَهُ لِكُلِّ صَلَةٍ، كما يَسْتَحِبُّ ذُلك للذي
يسلَسُ منه البَولُ، وللمُستحاضة، وذلك فيهم ثلاثتهم استحبابٌ وليس إيجابًا .
قيل لعبدِالمَلكِ: فما معنى النَّضْحُ الذي أَمَرَ به رسولُ الله [َّ] المِقْدَادَ
في حَديثه؟ فقال: معناه: الغَسْلُ بالماءِ، لا يُجْزِئُ في مثل ذلك إلاَّالغَسْلُ بالماءِ.
قيل لهُ: فما النَّضْحُ الذي يُجزىءُ الثَّوْبَ إذا أصابته الجنابةُ فَغَسَلَ ما رَأَئى
ونَضَحَ ما لم يَرَ؟ فقال: هو الرَّشُّ، أن يَرُشَّ الثَّوبَ رشَّا خَفِيْفاً.
قيل له: فَمِنْ جَهِلَ فصَلَّى فلم يَنْضَحْ وقد غَسَلَ ما رأى؟ قال: صلاته
تجزؤُهُ؛ لأنَّ النَّضحَّ في هذا اسْتِطْهَارٌ من بعدِ الغَسلِ لتَطِيْبَ النَّفْسُ عليه، فمن
جَهِلَهُ وَتَرَكَهُ لم يَنْقُضْ ذُلك صَلاَتَهُ، وكذلك سَمِعْتُ مُطرِّفاً وابنَ نافعٍ يقولان.
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبيبٍ عن شرح (الفَرَقِ) في حديث مالكٍ
الذي رواه عن ابنِ شهابٍ، عن عُرْوَةَ، عن عائشةَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلـ
كان يغتَسِلُ من إِناءِ هو الفَرَقُ من الجَنَابَةِ» [٤٤/١ رقم (٦٨)].
قال عبدُالملكِ: سألتُ مُطرِّفًا عنه وعن قَدْرِهِ فقال لي: كان مِكْيَالاً من
خَشَبٍ يُكالُ بِهِ ويُغْتَسَلُ به، وكان مالكٌ يُصَغِّرُهُ ويقولُ: كان كَقَدْرِ الصَّاعِ أو
فَوْقَهَ قليلاً .(١)
(١) اللَّفْظَةُ مَشروحةٌ في غريب الحديث للحربي: ٣٤٨/٢، وغريب ابن قتيبة: ١٦٣/١،
وغريب الخطَّبي: ٦٧٤/١، والغريبين: ١٤٤١/٥، والنُّهاية: ٤٣٧/٣. ويراجع : =
٢٠٠