النص المفهرس

صفحات 161-180

المبحث الرابع
في العلوم التي برع فيها
سبقت الإشارة إلى نبوغ ابن حجر، وتقدمه في العلوم عامة، وفي علوم الحديث
بخاصة، فقد كانت له يد طولى في الفقه والعربية، فضلا عن تبحره في الحديث،
وعلومه، وسابقة اشتغاله بالأدب والتاريخ، وذكر ابن العماد أن بعضهم قال عنه:
(((كان شاعراً طبعاً، محدثاً صناعة، فقيهاً تكلفاً))(١). أهـ.
أولاً: ابن حجر أديباً:
عني الحافظ ابن حجر أول اشتغاله بطلب العلوم سنة سبع وثمانين بالأدب علماً
وعملاً كما ذكرنا ذلك عن تلميذه البقاعي(٢)، وتقدم فيه حتى قال الحافظ الشيخ
تقي الدين المقريزي: ((أن البدر البشتكي - وكان شيخ الأدب في زمانه - قال:
((هذه الطريقة التي هي جادة ابن حجر، وابن الدماميني(٣) ما كانت تقع للمتقدمين
الا نادراً، هذا مع الدين المتين، والتخلق بأخلاق السنة، مع حداثة السن، وفراغ
السر، وكثرة الأموال)»(٤) أهـ.
وقال السخاوي: ((ونظر في فنون الأدب من أثناء سنة اثنتين وتسعين(٥)، ففاق
فيها حتى لا يسمع شعراً، إلا ويستحضر من أين أخذه الناظم، وتولع بذلك، وما
زال يتبعه خاطره حتى فاق فيه، وساد، وطارح الأدباء، وقال الشعر الرائق، والنثر
انظر شذرات الذهب ٢٧١/٧.
(١)
(٢)
انظر ص (٥٧).
هو بدر الدين محمد بن أبي بكر بن عمر الاسكندراني. ولد بالاسكندرية سنة (٧٦٣هـ) وتعانى الأدب ففاق في
(٣)
النحو والنظم والنثر، وشارك في الفقه وغيره، ومهر واشتهر ذكره، وتصدر بالجامع الأزهر لاقراء النحو، وصنف
جاشية على مغني اللبيب، وشرح التسهيل وشرح البخاري. مات بالهند سنة (٨٢٧هـ). انظر حسن المحاضرة
٥٣٨/١، بغية الوعاة ٦٦/١، ٦٧، شذرات الذهب ١٨١/٧.
(٤) انظر عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران جـ ١ ص ٩٣.
لكن نقل السخاوي في الجواهر والدرر ق ١٧ ب: ((على أني قرأت بخط صاحب الترجمة: وأول اشتغالي بالعلم، سنة
(٥)
سبع وثمانين)) ثم رجح أنه سنة اثنتين وتسعين. لكن هذه قرينة على أن ما ذهب اليه البقاعي هو الراجح، لا سيما
وقد اشتهر بالشعر ولا يحصل ذلك الا بطول الممارسة فإذا كان كما قال السخاوي فيكون اشتغاله في الأدب سنة
واحدة حيث اشتغل سنة ثلاث وتسعين بالحديث ومال اليه ميلة واحدة. وفي السنة لا يتمكن المرء من بلوغ الدرجة
العلية في الفن. وبهذا يترجح ما ذهب اليه البقاعي. والله أعلم.
١٦١

الفائق، ونظم مدائح نبوية، ومقاطع وكتب عنه الأئمة من ذلك، وكان - والله -
عجباً في استحضار ذلك والمذاكرة له .. ثم قال: ((وهو لم ينظر من بعد القرن في
كتب الفن، ودواوينه اتفاقاً، كما صرح هو بذلك، بل أكثر نظمه قبل سنة ست
عشرة وثماني مائة)»(١). أهـ.
ثم مال بعد ذلك بمواهبه من طلب الأدب إلى طلب غيره من العلوم الأخرى،
فطلب التاريخ والحديث والفقه. إلا أنه ظل يتردد بين الفينة والفينة على موائد
الشعر، فيتفكه بمقطوعة، أو يتندر ببيتين، يحلو له فيهما جناس، أو تورية، أو لغز،
أو يطارح بعض شعراء عصره، أو يمدح بعض من يسدي اليه جميلاً، أو يتغزل
تقليداً لغيره، أو يتشوق إلى وطنه إذا كان عنه نائياً. وهكذا لم يقطع ابن حجر
صلته بالأدب الخالص ولا بالشعر الرقيق. وتدور أغراضه حول الاخوانيات،
والمدح، ومدح النبي، مَّه، والألغاز، والأحاجي، والفكاهة، والوصف والغزل،
وله ديوان شعر(٢) وغيره من المصنفات في اللغة والأدب سأذكرها عند الحديث عن
مصنفاته (٣) .
أما ديوانه فيقع في ثمانين ورقة، بلغت أبياته ألفاً وسبعمائة وستين بيتاً، وقد قال
في مقدمته: ((أما بعد، حمداً لله على إحسانه والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي
اجتمعت أنواع المحاسن في ديوانه، وعلى آله وصحبه الذين كان كل منهم نسيج
وحده، وفريد زمانه، وبعد: فقد سئلت غير مرة أن أجود من منظومي طرفاً
مهذباً، وأن أفرد من مقاطيعي التي تلهي عن المواصيل ما يكون منها مرقصاً،
ومطرباً، فكتبت هذه الأوراق سبعة أنواع، من كل نوع سبعة أشياء إلا الأخير،
فافتتحت بالنبوات ثم الملوكيات، ثم الاخوانيات، ثم الغزليات، ثم الأغراض
المختلفة، ثم الموشحات، ثم المقاطيع ... الخ(٤).
ومن شعره قصيدة في مدح النبي، معَّه مطلعها:
انظر الجواهر والدرر ق ١٧ أ.
(١)
(٢) منه نسخة بدار الكتب بالقاهرة تحت رقم (١٢١) آداب عربية، بخط غير ابن حجر.
(٣)
أنظر ص (١٩١).
(٤)
انظر ق ١ أ، وأنظر أيضا عصر سلاطين الماليك ٢٤٨/٣.
١٦٢

لو أن عذالي لوجهك أسلموا
كيف السبيل لكتم أسرار الهوى
ومنها :
هو رحمة للناس مهداة فيا
نال الأمان المؤمنون به اذا
الله أيده فليس عن الهوى
فليحذر المرء المخالف أمره
ذو المعجزات الباهرات فسل بها
ومن مطالعه البديعة قوله في قصيدة، في مدح النبي، عد له :
ان كنت تنكر حبا زادني كلفا
وان شككت فسائل عاذلي شجنى
أحبابنا ويد السقام قد عبثت
كدرت عيشا تقضى في بعادكم
ومنها :
حسبى الذي قد جرى من مدمعي وكفى
هل بت أشكو الهوى والبين والأسفا
بالجسم هل لي منكم بالوصال شفا؟
وراق من نسيب فيكم وصفا(٣)
حتى تكلم دمع العين فانكشفا
بأنه حين سرتم عني انصرفا؟
فقال: نومي وبحر الدمع قد نزفا (٤)
قال السخاوي: ومن نظمه مما قرأت عليه وسمعته منه غير مرة قوله:
لقد بشر الهادي من الصحب زمرة
سعيد زبير، سعد، طلحة، عامر
و قوله:
وقائل هل عمل صالح
أعددته يدفع عنك الكرب
انظر عصر سلاطين الماليك ٣٤٨/٣، وفيه ((أسلموا، يترجموا، ونبه على أن الصواب ما أثبتناه في المتن.
(١)
(٣)
انظر عصر سلاطين الماليك ٣٥٠/٣ ودرة الحجال في أسماء الرجال ٦٥/١.
(٤)
انظر عصر سلاطين الماليك ٣٥٠/٣، ودرة الحجال في أسماء الرجال ٦٦/١.
ذيل رفع الاصر عن قضاة مصر ص ٨٨.
(٥)
١٦٣
:
لرجوت أني في المحبة أسلم
ولسان دمعي بالغرام يترجم(١)
ويح المعاند انه لا يرحم
شبت وقوداً بالطغاة جهنم
في أمره أو نهيه يتكلم
من فتنة أو من عذاب يؤلم
نطق الحصا وبهائها قد كلموا (٢)
وكنت أكتم حبي في الهوى زمنا
سألت قلبي عن صبري فأخبرني
وقلت للطرف أين النوم بعدهم
بجنات عدن كلهم فضله اشتهر
أبو بكر، عثمان، ابن عوف، علي، عمر (٥)
(٢)
انظر المرجع السابق ٣٤٩/٣.

فقلت: حسبي خدمة المصطفى
وقوله :
يقول حسودي إذ مدحت محمدا
وهل لك عند المصطفى من وسيلة
وقوله :
دع الذم للدنيا فكم من موفق
حياتي لو مدت لزادت سعادتي
وقوله :
يارب ذكرني فقد قدرتني
واذا خطوت إلى الخطا فاغفره لي
وقوله:
إنما الأعمال بالنيات في
فانوٍ خيراً واعمل الخير فإنْ
وله أيضا:
قرب الرحيل إلى دار الآخرة
آنس مبيتي في القبور ووحدتي
فلئن رحمت فأنت أكرم راحم
فأنا المفرط والذي أيامه
والطف به في حاله ومآله
ثانياً: ابن حجر مؤرخاً:
وحبه فالمرء مع من أحب
ليشفع لي هل أنت بالشعر واصل
وهل أنت مستجد؟ فقلت: وسائل
يقول وقد لاقى النعيم بجنتي
فياليت أيامي أطيلت ومدتي(١)
من يوم مبدأ نشأتي نساء
كرما فأنت خلقتني خطاء
كل أمر أمكنت فرصته
لم تطقه أجزأت نيته(٢)
فاجعل الهي خير عمري آخره
وارحم عظامي حين تبقى ناخره
فبحارُ جودك يا إلهي زاخره
ولت بأوزار غدت متكاثرة
يا مالك الدنيا ورب الآخرة (٣)
نظر ابن حجر في خلال طلبه الأدب في التاريخ، فعرف منه الكثير، وتقدم فيه
تقدماً كبيراً، حتى انتهى اليه معرفة الرجال واستحضارهم ومعرفة العالي والنازل،
وعلل الحديث، وقد ساعده في ذلك رحلاته الواسعة التي مكنته من الالتقاء بمشايخ
انظر ذيل الاصر عن قضاة مصر ص ٨٨.
(١)
(٢)
انظر المرجع السابق ص ٨٩.
(٣)
انظر درة الحجال ٦٥/١.
١٦٤

العصر في كل بلد رحل اليه، وأخذ ما عندهم من علوم، وصنوف معارف، من
بينها العلوم المتعلقة بمعرفة الرجال فاتسعت معارفه في ذلك.
وشغل أيضاً كثيراً من الوظائف الهامة في عصر سلاطين الماليك وهي وظائف
هيأت له السبل للوقوف على مجريات السياسة ودخائلها آنذاك، ومكنته من الاتصال
المباشر بالمصادر الأول لأحداث هذا العصر، سواء أكانت هذه المصادر هي
السلاطين أنفسهم، أم كبار رجالات الدولة، أم طلاب العلم، أم الوثائق التي لم
تتوفر كثيراً لمن عاصروه من المؤرخين(١)، ويتجلى هذا في الحوادث التي ضمنها
كتابه أنباء الغمر، وغيره. وله أيضا المؤلفات المفيدة، النافعة في تخصصها في علم
الرجال والتي تعد مراجع أساسية للطالب والعالم أذكر منها على سبيل المثال: الاصابة
في تمييز الصحابة، ولسان الميزان وغيرها، وسنأتي على ذكرها إن شاء الله تعالى،
عند الكلام على مصنفاته.
ثالثاً: ابن حجر مفسراً:
كان فيه آية من آيات الله تعالى بحيث كان يظهر التأسف في اهماله تقييد ما يقع
له من ذلك، مما لا يكون منقولاً، وربما قال: يا فضيحتنا من الله نتكلم في كلامه
بالاحتمالات، ومن آخر الأمر صار بعض طلبته يعتني بكتابة ذلك وكان يأتي في
مجلسه من التفسير بدقائق، ومهمات، وغرائب لا توجد في سائر التفاسير بل ينشئها
من فكره، ولا يشتغل بإبداء ما في التفاسير من المنقول لسهولة ذلك على من
يطالعها(٢) .
وله فيه مؤلفات منها: الاعجاب ببيان الأسباب في مجلد ضخم، والأحكام لبيان
ما في القرآن من الابهام، وغيرها
رابعاً: ابن حجر محدثاً:
مال الحافظ ابن حجر بمواهبه ميلة كاملة نحو الحديث، فواصل التلقي عن
المشايخ، وأطال الرحلة في طلبه، فحصل من المشايخ الذين يشار إليهم بالبنان، ومن
(١) انظر: مقدمة الدكتور حسن حبشي في أنباء الغمر ٢٠/١.
(٢). انظر: ملخصات من الجواهر والدرر (مخطوط) للحزائري ص ١٠.
١٦٥

الكتب والاجزاء والفوائد ما لم يحصله غيره، واعترف له العلماء بالتفوق والنبوغ في
هذا الفن، حتى صار هو المعول عليه في هذا الشأن في سائر الأقطار، وقدوة الأمة،
وعلامة العلماء، وحجة الأعلام، ومحيى السنة، وانتفع به الطلبة. وحضر دروسه،
وقرأ عليه غالب علماء مصر، ورحل الناس اليه من الأقطار، وأملى بخانقاه بيبرس
نحوا من عشرين سنة، واستمر على هذا الحال بين التدريس والتصنيف إلى أن لقي
ربه راضياً مرضياً.
ومن المصنفات التي تشهد له بطول الباع، والعلم الواسع في هذا المضمار فتح
الباري الذي بدأ فيه سنة سبع عشرة، وانتهى منه في أواخر شعبان سنة اثنتين
وأربعين وثمانمائة، وهو عجب لمن تأمله، جمع من المنقول والمعقول خزائن علم، مع
حسن النظم، وصغر الحجم، سلك فيه طريقا ما سبق إلى مثلها في جمع طرق
الحديث، وشرح بعضها بعضاً، وبين كل طريق من صحة أو سقم، ومتن الألفاظ
التي اختلف فيها رواه البخاري، ثم يأخذ كلام الشارع أولاً فأولاً إلى عصره فيبين
صواب المصيب ووهم الواهم، ومن أين جاء الغلط، وكذا فعله في الفقه، لا
يستروح في شيء من ذلك، بل يأخذ أولاً كتاب الشافعي من كتبه، ثم كلام من
بعده، طبقة طبقة، إلى زماننا فيطلع على عجائب من غلط يقع بتصرف في الكلام،
أو انتقال النظر عن بعض الكلام، ونحو ذلك.
وحرص في هذا الشرح على رشاقة العبارة، وايجازها مع الايضاح والبيان فهو
جمع كثير مع بلاغة واختصار، ويتسع اختلاف العلماء في عطائه، فربما وصل الأقوال
في المسألة الواحدة إلى نيف وأربعين قولاً، ويذكر الاعراب، واللغة، والبديع، وغير
ذلك من علوم العربية. وله مسلك بديع في عدم التكرار لا يخلي موضعاً من
المواضع التي كرر فيها الحديث من فائدة تليق بذلك الموضع، ثم يشرحه الشرح
اللائق به في الباب الأنسب له ويحمل عليه مضياً واستقبالاً (١).
وكتاب تغليق التعليق الذي أظهر فيه براعة المحدث، وقدم البرهان على سعة
اطلاعه، واستحضاره لطرق كثيرة للحديث الواحد، من الكتب والأجزاء وله
(١) انظر: عنوان الزمان جـ ١ ص ٩٧.
١٦٦

غيرهما من المصنفات المفيدة، النافعة التي لا غنى للعالم ولا للطالب عنها. وسيأتي
مزيد بيان وتفصيل لعطائه الثر في هذا الفن عند الكلام على مصنفاته في الباب
الثاني.
خامساً: ابن حجر فقيهاً:
اشتغل الحافظ ابن حجر بالفقه، وكان ذلك بتوجيه من الامام محب الدين بن
الوحدي المالكي. قال البقاعي: ((ورآه الامام محب الدين بن الوحدي المالكي حثيثاً على
سماع الحديث، وكتبه، قال شيخنا: فقال لي: اصرف بعض هذه الهمة إلى الفقه،
فإنني أرى بطريق الفراسة أن علماء هذا البلد سينقرضون، وسيحتاج اليك، فلا
تعفي بنفسك، فنفعتني كلمته، ولا أزال أترحم عليه بهذا السبب - رحمه الله -
ولقد كان لعمري ما قاله ابن الوحدي ... ))(١) .
فأطلق الحافظ عنان عزمه نحو بقية العلوم، فأكب على الفقه والنحو والأصلين.
فأول شيوخه في الفقه نور الدين الادمي، ثم الشيخ برهان الدين الأبناسي ثم الشيخ
سراج الدين البلقيني، وهو أول من أذن له في التدريس، والافتاء، وهو مع ذلك
مقبل على الحديث حتى برع فيه.
وتولى الحافظ - كما مر - وظيفة الافتاء ومنصب قاضي القضاة وغيرهما، وهاتان
الوظيفتان لا يقوم بأعبائهما إلا عالم له قدم راسخة في الفقه، وبالاضافة إلى ذلك
فقد صنف المصنفات في الفقه الشافعي، وغيره. وقد كانت طريقته حسنة في
التصنيف والتدقيق في المسائل - كما ذكرت قبل قليل.
وأيا ما كان فالحافظ ابن حجر - كما ترى - برع في علوم متعددة إلا أنه مهر
واشتهر في علوم الحديث وبها عرف ووصل فيها إلى درجة لا يدانى ولا يجارى
ومصنفاته شاهدة له بذلك - رحمه الله تعالى -
(١) انظر المرجع السابق جـ ١ ص ٩٣.
١٦٧

المبحث الخامس
في مكانة الحافظ ابن حجر العلمية، وثناء العلماء عليه
طلب الحافظ ابن حجر العلوم، وجد في تحصيلها، وأقبل على الحديث بكليته،
وطوف البلاد، فسمع بمصر، والقاهرة، والاسكندرية، وغزة، والقدس، ونابلس،
والرملة، ودمشق، ومكة، والمدينة، وينبع، وزبيد، وتعز، ووادي الحصيب، وغيرها
من البلاد، وأكثر من المسموع جداً، ونقل من الكتب الكبار شيئاً كثيراً، وخرج
معجم شيوخه عن نحو اربعمائة وخمسين شيخا بالسماع والاجازة الخاصة دون مشايخه
بالاجازة العامة، وقد مضى ذلك بالتفصيل.
ولم یزل یمکن في ذلك حتى صار إمام الناس فيه، وتقدم على مشايخه في حياتهم،
ووصفوه بالحفظ والاتقان والتقدم، والعرفان، فأرشدوا الناس اليه، وحثوهم عليه،
وقرظوا مصنفاته وأذاعوا حسناته، وشهدوا بأنها غاية، وان اتقانها نهاية. ومكانة
الحافظ ابن حجر تتجلى، وتتضح لنا من ثناء العلماء عليه:
فقد شهد له شيخه العراقي بأنه أعلم أصحابه بالحديث(١). وقال ابن حجر:
((وسئل - أي العراقي - عند موته - من بقي من الحفاظ؟ ((فبدأ بي، وثنى
بولده، وثلث بالشيخ نور الدين (٢))).
وقال كل من التقي الفاسي(٣)، والبرهان الحلبي(٤): ((ما رأينا مثله))(٥).
وقال تلميذه البقاعي: ((رحلت اليه سنة أربع وثلاثين، ولم أزل ملازماً له حتى
كتبت هذه الترجمة، في سنة ست وأربعين، فأقسم بالله، ما مرت بي سنة من تلك
السنين إلا رأيته ازداد تواضعا، على أني لم أزدد له إلا مهابة، ويزيده السن وقاراً،
الضوء اللامع ٣٩/٢.
(٢) يقصد بذلك الهيثمي. وانظر انباء الغمر ٢٧٧/٢.
(١)
هو الحافظ تقي الدين أبو الطيب محمد بن أحمد بن علي الفاسي ثم المكي المالكي مفيد البلاد الحجازية وعالمها
(٣)
(٧٧٥-٨٣٢هـ) شذرات الذهب ١٩٩/٧.
(٤)
هو الحافظ برهان الدين أبو اسحاق ابراهيم بن محمد بن خليل الشيخ الإمام الحافظ الحلبي المعروف بالقوف، سبط
ابن العجمي ولد سنة (٧٥٣-٨٤١هـ) سمع منه ابن حجر. انظر شذرات الذهب ٢٣٧/٧.
(٥) الضوء اللامع ٣٩/٢.
١٦٨

ولينا، ونفعاً لعباد الله، وبراً، وصبراً على الطلبة، جنابه مأوى طالب الفضائل
والنواضل الذي اليه يلجأون وعليه يعولون، وهو من غرائب الدهر في جميع أحواله،
لقد نقلت الينا أخبار أهل عصرنا، شرقا، ومغرباً، واجتمعنا بغالب أعيانهم، فلم نر
من يقاربه لا تشغله دنياه - على اتساعها - عن الاشتغال بالعلم، والافتاء والتصنيف،
والاشتغال، والاسماع والتدريس، وقيام الليل، وتعرف الأخبار، ولا يشغله شيء من
ذلك عن دنياه. ما رأيت أحداً، شيخا ولا شاباً إلا وهو يتعجب من أحواله،
ويشهد له بالبركة في أوقاته وهو مع العلم الزايد، والتغافل عن الهفوات في غاية
اليقظة، والتثبت والحدس الصائب، والنظر الثاقب، فلا يسلم قياده لأحد في شيء
من فنون مكرهم، وهو لأجل ذلك بديع الأفعال في أحكامه، وفضائله، وجميع
أحواله، لا يستطيع أحد أن يعيره في شيء أصلاً، ولا أن يقرب من ذلك، لا يقبل
كلام أحد في غيبة خصمه، فهو آية في حسن القضاء، ومعرفة دسائس الناس في
كلامهم، والاهتداء إلى قطع الأمور، له في المناظرة مسلك غريب، قل أن يثبت له
في ذلك أحد .
بلغني أن علامة العصر، قاضي القضاة شمس الدين البساطي(١) كان يقول
(( خبرنا هذا الرجل، لا نشرع في ذكر شيء من العلوم أفنينا العمر فيه، إلا فهم
المراد، قبل تكميل الكلام، ثم يبتدىء فيه بعبارة أخرى بحيث يظن السامع أن المعنى
غير المعنى، ويتمم القول في ذلك بأرشق كلام(٢). أهـ.
وقال أيضاً: ((سمعت شيخنا الحافظ العلامة، تاج الدين الغرابيلي(٣)، وكان من
أعلم الناس بأخبار العالم، يحلف بالله تعالى جهد أيمانه أنه ما رأى مثله، ولا رأى هو
مثل نفسه، وأنه ما دخل إلى دمشق بعد بني عساكر أجل منه، ولا مثله(٤))) أهـ.
(١) هو قاضي القضاة شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان بن نعيم بن محمد بن حسن بن غنام البساطي
المالكي النحوي (٧٦٠-٨٤٢هـ). أنظر ترجمته في شذرات الذهب ٢٤٥/٧.
(٢) عنوان الزمان ج ١ ص ١٢٣.
(٣) " هو الحافظ تاج الدين محمد بن ناصر الدين محمد بن محمد بن محمد بن مسلم بن علي بن أبي الجود الكركي بن
الغرابيلي، سبط ابن العماد الكركي (٧٩٦-٨٣٥هـ) انظر ترجمته في انباء الغمر ٤٨٨/٣، شذرات الذهب ٢١٥/٧.
(٤) أنظر عنوان الزمان جـ ١ ص ٩٦.
١٦٩

ونقل البقاعي أيضاً كلام الفاسي حيث قال: (( وبالجملة فهو أحفظ أهل العصر
للأحاديث، والآثار، وأسماء الرجال المتقدمين منهم والمتأخرين، والعالي من ذلك
والنازل، مع معرفة قوية بعلل الأحاديث، وبراعة حسنة في الفقه وغيره ... ثم قال:
وقد انتفعت به في علم الحديث وغيره كثيراً، جزاه الله عنا خيراً))(١). أهـ.
وقد نقل السخاوي ثناء جملة من العلماء عليه في كتابه الجواهر والدرر فقال:
- ومنهم محدث الحجاز، ومفيد الدنيا نجم الدين عمر بن فهد الهاشمي(٢)، ولد
القاضي نفع الله به، فقرأت بخطه في معجم الامام العلامة على الأعلام، عمدة
المحققين، حافظ السنة بركة هذه الأمة، خاتمة الحفاظ، ناقد الأسانيد، والألفاظ،
عين الأعيان، مفخر الزمان، من لم تر العيون كنظيره، قاضي القضاة، شهاب
الدين ... إلى أن قال: ((وكان - رحمه الله - فريد عصره، ونسيج وحده، إمام
وقته، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعمل، وأسماء الرجال، وأحوال الرواة، والجرح
والتعديل، والناسخ والمنسوخ، والمشكلات، تشد اليه الرحال في معرفة ذلك، محققاً،
فصيحاً، شديد الذكاء المفرط، حسن التعبير، لطيف المحاضرة، حسن الأخلاق
متين الديانة، عديم النظير وعليه من الجلالة ما يليق به، وما لأحد بعده إلى درجته
وصول ولسان الحال يقول:
هيهات أن يأتي الزمان بمثله
ان الزمان بمثله لبخيل(٣)
- ومنهم محدث مكة التقي محمد بن فهد الهاشمي - رحمه الله - فقرأت في آخر
ذيله على طبقات الحفاظ للذهبي لصاحب الترجمة، ترجمة مختصرة، قال فيها:
((الامام، العلامة، الحافظ، فريد الوقت، مفخر الزمان، بقية الحفاظ، علم الأئمة
الأعلام، عمدة المحققين، خاتمة الحفاظ المبرزين، والقضاة المشهورين، أبو الفضل
شهاب الدين ... إلى أن قال: ((وكان في حال طلبه مفيداً في زي مستفيد، إلى أن
(١) المرجع السابق جـ ١ ص ١٠٨.
(٢) هو نجم الدين عمر بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد الهاشمي المكي الشافعي المعروف بابن فهد الإمام العالم
العريق. المتوفى سنة (٨٨٥هـ). شذرات الذهب ٣٤٢/٧.
الجواهر والدرر ق ٥٦ أ.
(٣)
١٧٠

انفرد في الشبوبية بين علماء زمانه بمعرفة فنون علوم الحديث، ولا سيما رجاله وما يتعلق
بهم، فألف التواليف المفيدة، والمليحة الجليلة، والسائرة، والشاهدة له بكل فضيلة،
الدالة على غزارة فوائده، المعربة عن حسن مقاصده، جمع فيها فأوعى، وفاق أقرانه
جنساً، ونوعاً، التي شنفت بسماعها الأسماع، وانعقد على كمالها لسان الإجماع، ورزق
فيها الحظ السامي عن اللمز، وسارت بها الركبان سير الشمس ... إلى أن قال: وهو
إمام، علامة، حافظ، محقق، متين الديانة، حسن الاخلاق، لطيف المحاضرة، حسن
التعبير، عديم النظير، لم تر العيون مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، جد في طلب
العلوم، وبلغ الغاية القصوى في سرعة الكتابة والكشف، والقراءة إلى أن قال:
(( وكان ممن حمل نعشه السلطان فمن دونه من الرؤساء، والعلماء ولم يخلف بعده مثله
في الحفظ، رحمه الله تعالى، رحمة واسعة، وغفر له مغفرة جامعة))(١) أهـ.
- ومنهم القاضي قطب الدين الخيضري - وهو تلميذه - فقرأت بخطه في كتابه
المسمى ((اللمع الألمعية لأعيان الشافعية) ترجمة لصاحب الترجمة وما أعلم أنه ذكر في
كتابه من الأحياء غيره، قال: ((شيخنا الإمام، شيخ الإسلام، ملك العلماء الأعلام
امام الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، قدوة المحدثين، أستاذ المحققين، عمدة
المخرجين، علم الناقدين، محط رجال الطالبين، ساقي الظماء، صافي الماء المعين، لأنه
البحر الذي لو رآه ابن معين لصار فيه يعوم، أو البخاري لكان للشرب منه يدوم،
ولو أدركه الدار قطني لحام حول حماء، واستقطنه، أو الطبراني لم يحلل من رحلته إلا
عنده، وكان استوطنه، ولأنه حامل راية أهل الحديث بكلها، وفارس ميادين علومه
كلها، لو اجتمع به ابن عساكر لكان بعسكره من بعض جنده، أو ابن ماكولا
الأمير لصار من أنصاره، وذوي رفده، ولو سمع به ابن السمعاني لاستمع إلى
كلامه، ولو لحقه ابن عبدالبر لأقسم باراً لا يتمهد في أحواله الا ندر نظامه. فهو
صاحب المصنفات التي سارت بها الركبان، غرباً وشرقاً، والمؤلفات التي أضحى بها
شهاب سعادته في أفق السماء مشرقاً، إمام المحدثين، كنز المستفيدين، قاضي القضاة
أبو الفضل شهاب الدين ... إلى أن قال: ولازم الاشتغال، والاشغال، والافادة،
(١) الجواهر والدرر ق ٥٣ ب.
١٧١

وعرف العالي والنازل، وحفظ المتون، ونظر في الرجال، وطبقاتهم، ومعرفة تراجمهم
من جرح وتعديل، وحقق جميع أنواع هذه الصناعة، وغيرها من فقه وأصول،
وعربية ومشاركة في متون كثيرة، حتى مهر وساد على الاقران، وأقر له الأئمة
مشايخه بالفضل، والاتقان واغتبطوا بوجوده، وانتفعوا بملازمته(١))).
- ومنهم العلامة المفوه، النادرة، عز الدين عبد السلام القدسي، شيخ الصلاحية،
وقد أجاز لي: بلغني عنه أنه قال: ان لم يكن - يعني صاحب الترجمة - مثل
البخاري، فلا يقصر عنه))(٢).
إن هذا الثناء العاطر على الحافظ ابن حجر ليصور لنا تصويراً واضحاً شخصية
هذا العالم المتبحر في العلوم، والذي حاز قصب السبق في ميدان التصنيف والتأليف،
فضلا عن علو مكانته العلمية، وعظيم همته، وحسن سيرته، وجميل أخلاقه، فرحمه
الله رحمة واسعة.
(١) الجواهر والدرر ق ٥٦ ب.
(٢) انظر الجواهر والدرر ق ٥٦ ب.
١٧٢

المبحث السادس
في العوامل التي ساعدت على نبوغ الحافظ ابن حجر
وتكوين الملكة العلمية عنده
يتوقف تكوين الشخصية، وتنمية المواهب، وخلق الملكات عند المرء حتى ينبغ في
عصره، ويتميز عن أقرانه، على عوامل ومؤثرات، منها ما يكون خلقياً كالذكاء
والمواهب، ومنها ما يكون مكتسباً، ترجع إلى حسن استغلال المرء للظروف التي
تحيط به، وسلامة توجيهه، ومدى استعداده، وقابليته للافادة من ذكائه ومواهبه.
وفي العوامل المكتسبة يبرز التنافس، ويظهر التفاضل بين الاخوة والأقران فنرى
الأخوين، والقرينين يعيشان في عصر واحد، تحت ظروف معينة إلا أنه يتميز الأخ
عن أخيه، والقرين عن قرينه في تكوينه الشخصي، وفي صفاته وملكاته، ونبوغه،
وما إلى ذلك من الأمور التي يتفاضل فيها الناس.
وقد تضافرت عوامل ومؤثرات ساعدت على نبوغ الحافظ ابن حجر وجعلته من
بين أقرانه يحتل مكانة علمية مرموقة لم يصل إليها أحد من علماء عصره حتى
مشايخه، أهمها :
١ - بيئته الخاصة: وهي أكثر تأثيراً على الإنسان من البيئة العامة، اذ تطبع الإنسان
من الصغر بطابع خاص يتأصل فيه، ولا ينفك عنه في جميع مراحل حياته،
وهذا ما بينه الرسول عَ لّم في حديثه ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة،
فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه ... الحديث(١))) فيرث الطفل من
أسلافه السيرة الحميدة، والسلوك القويم، والأخلاق الطيبة، والبيئة التي نشأ
فيها ابن حجر بيئة على جانب كبير من العلم والصلاح، فوالده كان عالماً محباً
للصالحين اصطحبه معه في حجه ومجاوراته، ووصيه الز کي الخروبي اعتنى به،
وأدخله المكتب بعد الخامسة، فأكمل حفظ القرآن وهو في التاسعة من العمر ،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز (٢٣) باب إذا أسلم الصبى فمات هل يصلى عليه رقم (٧٩) حديث
رقم (١٣٥٨).
١٧٣

وأخذه معه في حجه ومجاوراته وهذا لا شك له تأثيره الطيب على الطفل.
وأخته ست الركب التي تربى في حجرها، واعتنت به، كانت قارئة،
كاتبة أعجوبة في الذكاء، وقال عنها: ((وهي أمي بعد أمي)) أصبت بها في
جمادي الآخرة(١))) أهـ. ومن تعبيره ((أصبت بها)) يلمس المرء مدى تأثيرها
عليه، ومدى تأثره بها، وتربية الطفل في حجر أمثال هذه الصالحة القانتة إلى
ربها، تنمي عنده بذور الخير، وتطبعه على حب الفضيلة، والترفع عن الرذيلة،
لذلك نشأ الحافظ ابن حجر أحسن نشأة، فلم تعرف له صبوة، مع كثرة
المال، وفراغ البال.
٢ - ثراؤه: وله تأثير كبير على حياة المرء، فالحافظ ابن حجر من عائله ثرية،
ورث عن أمه ووالده المال الكثير، وقد استغل هذا المال في طلب العلم،
والانقطاع إليه، والرحلة فيه، وشراء الكتب والأجزاء الضرورية، هذا فضلا
عن فراغ البال من هموم الدنيا، وتحصيل العيش فكانت همته منصرفة إلى
العلم، لذلك كان لا يطلب علما ويسير فيه، إلا فاق فيه، وبرز في أقرب مدة.
٣ - ورعه وتقواه: فقد أخلص النية إلى الله، فأورثه الله التقوى التي هي أساس
النجاح في كل عمل، ومفتاح الخيرات. فكان - رحمه الله - صائماً مصلياً،
قائماً، دقيق المراقبة لله، متنزها عن الشبهات، ومتحرياً في مأكله ومشربه
وملبسه، وقد مضى شيء من ذلك.
نقل لنا السخاوي عن الشيخ ولي الدين العراقي أنه قال فيه: (( و کان حسن
الشكالة، حمولاً، كثير الصدقات، متحرياً، ولما كان بحلب، صحبة السلطان،
كان له راتب لحم، يؤتى به إليه كل يوم من السلطان، فكان لا یأکله،
ويشتري لحماً، وعلى وجهه نور السنة))(٢) أهـ.
وقال تقي الدين المقريزي: ((أنه شاهده يهب، وهو صبي امرءاً المائتي
(١) انظر انباء الغمر ٥١٧/١، شذرات الذهب ٣٥٤/٦. توفيت سنة (٧٩٨هـ).
(٢) انظر الجواهر والدرر ق
١٧٤

درهم الفضة دفعة واحدة))(١).
كل هذا مع إحسانه إلى الفقراء، والسير في قضاء حوائج الناس،
والتواضع، والسلوك القويم.
٤ - مواهبه: وهبه الله - سبحانه وتعالى - ذكاء مفرطاً، وحافظة قوية وقدرة
كبيرة على المطالعة والاستيعاب، وجلداً وصبراً على الطلب والتحصيل.
قال السخاوي: ((رزق في صغره سرعة الحفظ، بحيث كان يحفظ كل يوم نصف
حزب، وبلغ من أمره أنه حفظ سورة مريم في يوم واحد، وأنه كان في أكثر الأيام
يصحح الصفحة من الحاوي الصغير، ثم يقرؤها تأملا مرة أخرى، ثم يعرضها في
الثالثة حفظاً، ولم يكن - رحمه الله - حفظه الدرس على طريقة الأطفال، بل كان
حفظه تأملا، كما سمعت ذلك من لفظه مراراً على طريقة الأذكياء في ذلك
غالباً)).(٢)
وقال البقاعي: ((حدثنا سنة تسع وثلاثين أنه ما درس قط شيئاً وإنما يحفظ
بالتكرار والتأمل، وأنه إذا مر بشيء في المطالعة، فإن كان له غرض في حفظه ألقى
إليه باله، وصرف نحوه همته، فيحفظه وإلا فلا (٣))) أهـ.
وأعانه على ذلك أمور يسرها الله تعالى له، قل أن تجتمع في غيره، وهي سرعة
القراءة والكتابة.
فقد قرأ السنن لابن ماجة في أربعة مجالس، وقرأ صحيح مسلم بالمدرسة
المنكوتمرية على مسند مصر الشرف أبي الطاهر محمد بن العز محمد بن الكويك
الربعي، في أربعة مجالس، سوى مجلس الختم، وذلك في نحو يومين وشيء، فإنه كان
الجلوس من بكرة النهار إلى الظهر.
وقرأ صحيح البخاري كله في عشرة مجالس، كل مجلس بعد صلاة الظهر إلى
العصر، ووقع له في رحلته إلى البلاد الشامية أن قرأ المعجم الصغير للطبراني في
(١) انظر عنوان الزمان جـ ١ ص ١٢٢.
(٢) انظر الجواهر والدرر ق ١٦ أ، ق ١٦ ب.
(٣) عنوان الزمان جـ ١ ص ٩٢.
١٧٥

مجلس واحد، فيما بين صلاة الظهر والعصر، وقرأ في مدة اقامته بدمشق وهي
شهران وثلث تقريباً قرابة مائة مجلد مع انشغاله بكتابة ما يختاره منها. وقد مضى
ذلك عند الكلام على رحلته إلى الشام.
وكان سريع الكتابة، ليس بجيد الخط، ولا يجري في كتاباته على نمط واحد،
ويكثر التغيير في كتاباته حتى تصير مبيضته مسودة، ولذلك اختلفت نسخ
مؤلفاته(١) .
قال السخاوي: ((سمعته يقول: (( كنت أكتب في تلخيص تهذيب المزي إلى
الزوال كراساً في الكامل، وهو كسلاسل الذهب، غاية في النسبة يكون بخط غيره
نحو كراسين فأكثر، وكتب التقييد لابن نقطة في خمسة أيام كما سلف، ورأيت
بخطه كتاب فصل الربيع في فصل البديع للزكي عبدالعظيم بن عبدالواحد بن أبي
الأصبغ المصري في تسعة كراريس، يكون بخط غيره في مجلد، وقال في آخره: ((أنه
علقه في يومين متتاليين، فرغ منه وقت العصر من اليوم الثاني، مع ما تخلل ذلك من
أكل وشرب، وحديث وصلاة، وغير ذلك من راحة، وأشياء كشطت من خطه،
وذلك بمدينة زبيد المحروسة في شهر ربيع الآخر سنة ثماني مائة. انتهى (٢).
٥ - مداومته على طلب العلم، والأخذ عن رؤوس مشايخ العصر: جد - رضي الله
عنه - بهمة وافرة، وفكرة سليمة باهرة في طلب العلوم، منقولها ومعقولها،
وواصل الغدو والرواح إلى المشايخ بالبواكير والعشايا، حتى بلغ الغاية
القصوى، وصار كلامه مقبولاً عند أرباب سائر الطوائف، لا يعدون مقالته
لشدة ذكائه، وقوة باعه.
قال السخاوي: ((واجتمع له من الشيوخ الذين يشار إليهم، ويعول في حل
المشكلات عليهم، ما لم يجتمع لأحد من أهل عصره، لأن كل واحد منهم كان
متبحراً، ورأساً في فنه الذي اشتهر به، لا يلحق فيه، فالبلقيني في سعة الحفظ،
وكثرة الاطلاع، وابن الملقن في كثرة التصانيف، والعراقي في معرفة علم الحديث،
(١) مقدمة الأعظمي في كتاب المطالب العالية ع.
(٢) الجواهر والدرر ق ٢٦ أ.
١٧٦

ومتعلقاته، والهيثمي في حفظه المتون، واستحضارها، والمجد الشيرازي في حفظه
اللغة، واطلاعه عليها، والغماري في معرفة العربية ومتعلقاتها، وكذا المحب بن
هشام كان حسن التصرف فيها، لوفور ذكائه، وكان الغماري فائقاً في حفظها
والأبناسي في حسن تعليمه، وجودة تفهيمه، والعز بن جماعة في تفننه في علوم
كثيرة، بحيث أنه كان يقول: ((أنا أقرأ في خمسة عشر علما، لا يعرف علماء عصري
أسماءها، والتنوخي في معرفة القراءات، وعلو سنده فيها)) (١).
وقال أيضاً: ((وقرأت بخط صاحب الترجمة في ترجمة الشيرازي من ذيله على
الحفاظ ما نصه: (( وهو آخر الرؤوس الذين أدر كناهم موتاً، فإني أدر کت على رأس
القرن رؤوساً في كل فن، كالبلقيني، والعراقي، والغماري، وابن عرفة، وابن الملقن،
والمجد هذا(٢))). أهـ.
٦ - توفر الكتب والمراجع لديه: وهي ضرورية للطالب ضرورة الأكل والشراب،
ولها أثر بالغ في تنمية معلوماته، وتوسيع مدار كه، وتنوير فكره، ومساعدته في
البحث والتصنيف، وتمكنه من الاطلاع على الآراء المتعددة في المسألة الواحدة،
وتنوع الاستدلال بمعرفة وجوه الاستنباط فقد اجتمع للحافظ ابن حجر
كتب، لم تجتمع لغيره، ولا قريب منها، فكلها تزيد ملكاً ووقفاً بما في
المدرسة المحمودية التي إليه أمر خزانتها على عشرة آلاف مجلدة، عنده من
الكتاب الواحد عدة نسخ، ويراجع كلا منها، بل قد يراجع أصولها، وأصول
أصولها، ما بينه وبين الكلام إلى أن ينظره، فيعرف من أين يأخذه قائله،
ومن أين أخذه ذلك المأخوذ عنه، فعله في ذلك يشبه القيافة (٣). لذا جاءت
مصنفاته في غاية الحسن والدقة، مع ما تتصف به من منهجية علمية سليمة.
٧ - حسن استغلاله الوقت، ودقة تنظيمه له: والوقت - كما قالوا - إن لم تقطعه
قطعك، وكل لحظة تمر على الإنسان اذا لم يشغلها في النافع من العمل ذهب
الوقت سدى، وقد كان الحافظ ابن حجر محافظاً على وقته بحيث لا تفوته لحظة
الجواهر والدرر ق ٢٠ أ، ق ٢٠ ب، الضوء اللامع ٤٤/٢، ذيل رفع الاصر ص ٧٩.
(١)
انظر الجواهر والدرر ق ٢٠ أ، ق ٢٠ ب، الضوء اللامع ٤٤/٢.
(٢)
أنظر عنوان الزمان جـ ١ ص ١٣٦.
(٣)
١٧٧

واحدة، إلا ويستغلها في المطالعة، أو الدراسة أو التصنيف، أو العبادة أو غير
ذلك. وكان كذلك دقيقاً في تقسيم وقته على أعماله، فبارك الله فيه، وفي
عمره.
قال السخاوي: ((وإنما كانت همته المطالعة والقراءة، والسماع، والعبادة،
والتصنيف، والافادة، بحيث لم يكن يخلي لحظة من أوقاته عن شيء من ذلك حتى في
حال أكله وتوجهه، وهو سالك، كما حكى لي ذلك بعض رفقته الذين كانوا معه
في رحلته، وإذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه وقد سمعته - رحمه الله - يقول غيره مرة:
((انني لأتعجب ممن جلس خالياً عن الاشتغال هذا، أو معناه)).
يدل على مصداق قوله ما أخبرني به بعض أصحابنا أنه شاهده يوماً بالمفهرسة
الصالحية النجمية، وهو جالس في بعض بيوتها، ولم يكن عنده إذ ذاك شيء من
الكتب، فاستدعى من بعض من حضره مصحفاً فبادر لذلك، فأخذ في التلاوة منه،
فمر فيه على سورة أخطأ الكاتب في عد آيها، فكتب مقابلها بالهامش الصواب
كذا، أو بل عدتها كذا، فلم يسهل به، رضي الله عنه، أن يجلس بطالاً ، ولم يخل
المصحف مع ذلك من فائدة. وهكذا كان دأبه في غالب ما يقف عليه من الكتب
العلمية والأدبية، وغيرها))(١).
ومما يدل على عدم تضييع وقته بدون عبادة، أنه توجه مرة للمدرسة المحمودية،
فلم يجد مفتاحها، وكان قد سها عنه بمنزله، فأمر بإحضار نجار، وشرع هو في
الصلاة إلى أن انتهى النجار من فتح الباب وقيل له: ((لو أرسلت أحضرت المفتاح
من البيت، كان أقل كلفة، فقال: هذا أسرع، ويحصل الانتفاع بالمفتاح الثاني))(٢).
وأما طريقته في تقضي أوقاته، فكان في أوائل أمره يصلي الصبح بغلس في
الجامع الحاكم، ثم صار - ولعله بعد ولايته القضاء - يصليه وقت الاسفار بالمدرسة
المنكوتمرية، يجىء إليها من خلوته النافذة، لمنزل سكنه، فاذا فرغ من الصلاة، فإن
كانت لأحد حاجة كلمه، ثم يدخل إلى منزله، فيشتغل بأذكار الصباح أو التلاوة،
(١) انظر الجواهر والدرر ق ٢٧ ب.
(٢) المرجع السابق.
١٧٨

ثم يأخذ بالمطالعة والتصنيف إلى وقت صلاة الضحى، فيصليها. ثم ان كان بالباب من
يستأذن للقراءة ظهر اليهم، فقرأ بعضهم رواية، وبعضهم دراية، واستمر جالساً
معهم إلى قريب الظهر، ثم يدخل إلى منزله، قدر ثلث ساعة، ثم يقوم، فيصلي
الظهر، داخل بيته، ثم يطالع، أو يصنف إلى بعد أذان العصر بنحو ثلثي ساعة، أو
أقل، أو أكثر، فيظهر إلى المدرسة، فيجد الطلبة وغيرهم في انتظاره، فيصلي بهم
العصر ثم يجلس للاقراء. وفي غضون قراءتهم عليه، وكذا في نوبة الصباح يكتب على
ما يجتمع عنده من الفتاوى الحديثية، والفقهية وربما دار بينه وبين الطلبة الكلام في
بعضها، ولا ينتهي غالباً من هذه الجلسة الا عند الغروب، فيدخل إلى منزله فإن لم
يكن صائماً تعشى، وإلا انتظر الأذان، فيأكل، ثم يصلي، ويشتغل، أو يطالع، إلى
أن يسمع العشاء، فيقوم إلى المدرسة، فيجد جمعاً من الطلبة أيضاً في انتظاره، فيصلي
ركعتين، ثم يجلس للقراءة غالباً، أو للمذاكرة أكثر من ساعة ثم يقوم فيصلي العشاء
بالجماعة، ثم يدخل إلى بيته، فيصلي سنة العشاء. وأما في أيام الدروس والولايات
فيختل هذا النظام قليلاً(١).
٨ - وظائفه ومناصبه التي تولاها وشغلها: وذلك من تدريس وخطابة ووعظ
وافتاء، واملاء، وقضاء، فمن شأنها ان توسع مداركه في معالجة الأمور،
وتبصره بأحوال الناس، وتساعده على معرفة أخبار العصر، فانعكس أثرها
على تواليفه لا سيما التاريخ منها .
وهكذا كانت هذه العوامل مجتمعة مع ما من الله به على الحافظ ابن حجر من
عطاء، وحفظ ورعاية، هي المؤثرات الفعالة في نبوغه وتكوين الملكة عنده رحمه الله
تعالى.
(١) ملخصات من الجواهر والدرر للشيخ عبدالقادر الجزائري ص ٥٢ - ٥٤ .
١٧٩