النص المفهرس
صفحات 61-80
المبحث الخامس في مذهبه كان - رحمه الله - شافعي المذهب، وقد نسبه كل من ترجم له بقوله ((الشافعي)) نسبة الى المذهب الشافعي، وقد ولاه الملك الأشرف برسباي(١) في سنة سبع وعشرين وثمانمائة منصب قاضي القضاة بالديار المصرية، عن علم الدين البلقيني(٢) بحكم عزله، وللحافظ مؤلفات فقهية في المذهب الشافعي، سنذكرها - إن شاء الله - عندما نأتي على ذكر مؤلفاته في الفصل الأول من الباب الثاني(٣). ومع ذلك فقد كان منصفا في البحث فكثيراً ما قال مقالة: هذا هو الصواب مع كونه كان قرر خلافها، وقافاً عند الحق، دقيق المراقبة لله، منزهاً عن الهوى، وهذا شأن العالم المدقق، المحقق، المتأسي برسول الله محمد اله. قال الجمال ابن عبد الهادي في الرياض اليانعة عند ترجمة ابن حجر: ((كان محباً للشيخ تقي الدين بن تيمية، معظماً له، جارياً في أصول الدين على قاعدة المحدثين، ولهذه العلة كثير من الشافعية ينقص حقه، ولا يبلغ به التعظيم منزلته كفعلهم ذلك مع ابن ناصر الدين، تساهلاً، ومراعاة لجانبه كما يقع في غالب التقاريظ لكنه لم يكن ممن يساير ابن تيمية في مفرداته حتماً، بل فيه ما قاله: ان الواجب على من تلبس بالعلم، وكان له عقل أن يتأمل كلام الرجل من تصانيفه المشهورة، أو من السنة من يوثق به من أهل النقل، فيقرر من ذلك ما ينكر فيحذر منه على قصد النصح، ويثني عليه بفضائله فيما أصاب من ذلك كدأب غيره من العلماء (٥). أهـ (١) هو الملك الأشرف ابو النصر برسباي الدقماقي الظاهري، بويع بالسلطنة بعد خلع الملك الصالح محمد بن الظاهر ططر في يوم الاربعاء ثامن ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثمانمائة، مات في ثاني عشر ذي الحجة سنة احدى وأربعين وثمانمائة وله خمس وسبعون سنة وصلى عليه العلامة ابن حجر. وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية ست عشرة سنة وثمانية أشهر تقريباً. انظر بدائع الزهور ص ٣٣٠، شذرات الذهب ٢٣٨/٧ وما بعدها. هو صالح بن شيخ الإسلام، سراج الدين عمر البلقيني الشافعي الإمام العلامة، قاضي القضاة. ولد سنة (٧٩١هـ) (٢) ومات سنة (٨٦٨هـ.) انظر شذرات الذهب ٣٠٧/٧،، بدائع الزهور ص ٣٨٣ (٣) انظر شذرات الذهب ٢٧١/٧، وذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٣١ (٤) انظر ملخصات من الجواهر والدرر للشيخ طاهر الجزائري ص ٥٢ (٥) أنظر الجواهر والدرر ق ١٥٠ ب. ٦١ بحروفه. بل كتبه طافحة بالرد عليه في شواذه، ومن راجع ترجمة ابن تيمية في الدرر الكامنة لابن حجر وأحاط بما كتبه هناك في حقه يظهر له رأيه فيه بأجلى مظهر » أمـ (١) (١) انظر ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٣٨ (الحاشية). ٦٢ المبحث السادس ويشتمل هذا المبحث على مطلبين: المطلب الأول: في الأعمال التي قام بها والوظائف التي شغلها . المطلب الثاني: في مصدر رزقه. المطلب الأول: في الأعمال التي قام بها والوظائف التي شغلها. قام الحافظ ابن حجر بأعمال جليلة، وشغل وظائف ومناصب متعددة، كان فيها مثال العالم العامل بعلمه وقام بواجبه خير قيام، بجانب ما كان يقوم به من التصنيف والتأليف، وأوجز فيما يلي أعماله ووظائفه. أولاً: الاملاء: فأول الأعمال التي قام بها عقد مجلس الاملاء. قال السخاوي في الجواهر والدرر(١): أما الاملاء فأول ما شرع فيه في سنة ثمان وثماني مائة املاء كتاب الامتاع بالاربعين المتباينة بشرط السماع من حديثه عن شيوخه، وفي ستة عشر مجلساً بالشيخونية(٢)، وبعضها بمنزله بمصر على شاطيء النيل، وذلك باستملاء المحدث الأوحد شهاب الدين أحمد بن أبي بكر البوصيري الشافعي(٣)، ثم أملى بعدها عشاريات الصحابة المسماة بالإصابة، ابتدأها كما قرأته بخطه في شهور سنة تسع وثماني مائة بالشيخونية أيضاً، فأملى منها مجالس استملاها عليه شيخنا العلامة العز عبد السلام البغدادي الحنفي (٤). وكذا أملى منها بالمدرسة (١) انظر ق ١٠٧ أ، ق ١٠٧ ب (٢) الشيخونية، ويطلق عليها أيضاً خانقاه شيخو: اسم المدرسة انشأها الأمير سيف الدين شيخو العمري سنة (٧٥٧هـ) وهي المعروفة الآن بجامع شيخون بحي القلعة انظر بدائع الزهور ص ١٧٤، خطط المقريزي ٤١٢/٣، حسن المحاضرة ٢٦٦/٢. (٣) هو شهاب الدين أحمد بن ابي بكر اسماعيل بن سليم بن قاماز بن عثمان بن عمر البوصيري الشافعي، ولد في المحرم سنة (٧٦٢هـ). وتوفي ليلة ثامن عشرين المحرم سنة (٨٤١هـ) بالقاهرة. انظر شذرات الذهب ٢٣٣/٧، ٢٣٤. النجوم الزاهرة ٢٠٩/١٥. (٤) هو عز الدين عبد السلام بن أحمد بن عبد المنعم بن محمد بن أحمد القيلوي - بالقاف ثم تحتانية ساكنة، ثم لام مفتوحة، وبعد الواو ياء النسب نسبة الى قرية بأرض بغداد، يقال لها قيلويه مثل نفطويه - نزيل القاهرة الحنفي الإمام العلامة ولد سنة (٧٨٠هـ) تقريباً وتوفي في رمضان سنة (٨٥٩هـ) وقد جاوز الثمانين. أنظر شذرات الذهب ٢٩٤/٧، ٠٢٩٥ ٦٣ الجمالية المستجدة برحبة العيد(١)، أول ما فتحت باستملاء العلامة كمال الدين محمد الشمني المالكي(٢). وكان ابتداء الإملاء بالجمالية في ثاني عشر رجب سنة احدى عشرة وثماني مائة، وبالمدرسة المنكوتمرية المجاورة لمنزل سكنه، وكان ابتداء الاملاء بها في يوم الجمعة بعد صلاتها، مستهل جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة وثماني مائة باستملاء البوصيري أيضاً. وبعض ذلك بالخانقاه البيبرسية(٣) باستملاء الفخر بن درباس، حتى استكمل بالأمكنة المذكورة من العشاريات المشار إليها، فيما ظنه شيخنا زيادة على مائة مجلس، قال: لأني وجدت عندي من المجالس سبعة وسبعين مجلساً، وضاع باقي ذلك فما أمكن تجديده. فلما استقر بالقضاء بالديار المصرية عقد المجلس الحافل للاملاء بالخانقاه البيبرسية في يوم الثلاثاء من صفر سنة سبع وعشرين وثماني مائة، فأملى بها المجالس المطلقة التي لم يتقيد فيها بكتاب، بل في الغالب يحرص على المناسبات في الأزمان والوقائع حتى أكمل مائة وخمسين مجلساً في مجلد، وكان فراغها في يوم الثلاثاء خامس عشرى شوال سنة ثلاثين وثماني مائة باستملاء شيخنا المحدث الحافظ الزين أبي النعم رضوان العقبى (٤) وربما استملى في غيبته شيخنا العلامة المفنن المحقق أبو اسحاق (١) رحبة المسجد بفتح الحاء ساحتة وجمعها رحب ورحبات. أهـ مختار الصحاح ص ٢٣٧، وقال ابن حجر: هي بناء يكون أمام باب المسجد، غير منفصل عنه، ووقع فيها الاختلاف والراجح أن لها حكم المسجد، فيصح فيها الاعتكاف، وكل ما يشترط له المسجد، فإن كانت الرحبة منفصلة فليس لها حكم المسجد. وأما الرحبة بسكون الحاء فهي مدينة مشهورة أهـ. أنظر الفتح ١٥٥/١٣. (٢) هو كمال الدين محمد بن حسن بن محمد بن محمد بن خلف الله الشمني - بضم المعجمة والميم، وتشديد النون، نسبة الى شمنة مزرعة بباب قسطنطينية - ثم الاسكندراني المالكي. ولد سنة بضع وستين. واستوطن القاهرة. مات في ربيع الأول سنة (٨٢١هـ). أنظر أنباء الغمر ١٨٥/٣، شذرات الذهب ١٥١/٧. (٣) انشأها السلطان ركن الدين بيبرس الجاشكير المنصوري، قبل أن يلى سلطنة مصر. موضع دار الوزارة تجاه رحبة باب العيد سنة (٧٠٩هـ) قال المقريزي: ((وهي أجل خانقاه بالقاهرة بنياناً، وأوسعها مقداراً، وأتقنها صنعة)) وانشأ بها أيضاً رباطاً وقبة وقال: ((ولما كملت في سنة تسع وسبعمائة، قرر بالخانقه أربعمائة صوفي، وبالرباط مائة من الجند، وابناء الناس الذين قعد بهم الوقت)) وقال: ورتب بالقبة درسا للحديث النبوي له مدرس وعنده عدة من المحدثين، ورتب القراء بالشباك الكبير، يتناوبون القراءة فيه ليلا ونهاراً، وقال: ، ووقف عليها عدة ضياع بدمشق، وحماة، ومنية المخلص بالجيزة من أرض مصر، وبالصعيد والوجه البحري، والربع والقيسارية)) أهـ. انظر خطط المقريزي ٤٠٤/٣، حسن المحاضرة ٢٦٥/٢ وفيه ((بناها سنة (٧٠٧هـ)، عصر الماليك ٦١/٣. (٤) هو زين الدين ابو النعم، بفتح النون المشددة، رضوان بن محمد بن يوسف بن سلامة بن البهاء بن سعيد العقبى، الشافعي، المصري، البارع، مفيد القاهرة. ولد في رجب سنة (٧٦٠هـ) بمنية عقبى بالجيزة، لازم ابن حجر وكتب عنه الكثير توفي عصر يوم الاثنين ثالث رجب سنة (٨٥٨هـ) بالقاهرة. انظر شذرات الذهب ٢٧٤/٧، ٢٧٥. ٦٤ ابراهيم بن خضر العثماني. الأصلي، حتى أكمله في يوم الثلاثاء، سابع عشر رجب سنة ست وثلاثين وثماني مائة. وجاءت عدة مجالسه مائتين وثلاثين مجلساً في مجلد. ثم سافر عقبه صحبة الاشرف(١) الى آمد (٢) كما تقدم، فأملى بدمشق عند المرور بها مجلساً حافلاً بجامع بني أمية في يوم الثلاثاء. سادس عشر شعبان من السنة، استملاء برهان الدين العجلوني كما تقدم. وأملى بحلب(٣) أيضاً سبعة مجالس باستملاء العلامة القاضي نور الدين علي بن سالم المارديني، ابتدأ فيها يوم الثلاثاء، خامس عشر رمضان من السنة، وختمها في يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي القعدة منها، وأنشد فيها من نظم القاضي بدر الدين بن جماعة : أراد منك المقام أو رحلك أرض من الله ما يقدره وحيث ما كنت ذا رفاهية فاسكن فخير البلاد ما حملك ومن قوله مذيلاً على هذين البيتين: وحسن الخلق واستقم ومتى أسأت أحسن ولا تطل أملك ومن عصاه ولا يتوب هلك من يتق الله يؤته فرجا ثم رجع إلى وطنه، وقد انقطع الاملاء بالقاهرة نصف سنة، فشرع في املاء تخريج أحاديث الأذكار لولي الله تعالى ابن زكريا النووي(٤) بالبيرسية على عادته (١) هو السلطان الملك الأشرف برسباي (وقد مضى). وكان ابتداء سفره الى بلاد آمد في يوم الخميس تاسع عشر شهر رجب من سنة ست وثلاثين وثمانمائة الموافق لاول فصل الربيع وقد صحبه الخليفة المعتضد بالله والأمراء، والقضاة الأربعة، وهم: قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر الشافعي، وقاضي القضاة بدر الدين محمد العينتاني الحنفي، وقاض القضاة شمس الدين محمد البساطي المالكي، وقاضي القضاة محب الدين احمد البغدادي الحنبلي. انظر النجوم الزاهرة ٧/١٥، ١٠. (٢) بكسر الميم، وهي لفظة رومية: بلد قديم حصين ركين مبني بالحجارة السود على نشز، ودجلة محيطة باكثره، مستديرة به كالهلال. وهي تنشأ بعيون بقربه. أهـ مراصد الاطلاع ١/ ٦. حلب، بالتحريك، مدينة مشهورة بالشام، واسعة الخيرات، طيبة الهواء، وقد اختلف في سبب تسميتها، فيها مقام (٣) لابراهيم الخليل. انظر مراصد الاطلاع ٤١٧/١، (باختصار). (٤) هو أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري الحزامي النووي الحوراني الشافعي، الامام الفقيه الحافظ الاوحد، القدوة، شيخ الإسلام، علم الاولياء ولد سنة (٦٣١هـ) له مصنفات كثيرة ومات في سنة (٦٧٦هـ) انظر البداية والنهاية ٢٧٨/١٣، تذكرة الحفاظ ١٤٧٠/٤، طبقات الشافعية للسبكي ٣٩٥/٨، طبقات ابن هداية الله ص ٢٢٥. ٦٥ قبل سفره وكان الابتداء في يوم الثلاثاء، خامس عشرى ذي القعدة سنة اثنتين وخمسين وثماني مائة ستمائة وستين مجلساً، وكان قد ابتدىء به الوعك قبل بيسير، فانقطع لأجله، واستمر حتى مات، وكان المستملي لها الشيخ رضوان المذكور .... الخ(١). وجملة ما أملى - رحمه الله - ألف مجلس ومائة وخمسون مجلساً، تزيد قليلاً أو تنقص. ثانياً: التدريس: ولي الحافظ ابن حجر التدريس في مدارس وأماكن متعددة، وباشره في مختلف العلوم الشرعية الضرورية وفيما يلي بيان ذلك: أ - التفسير: وقد ولي تدريسه في الأماكن التالية: ١) المدرسة الحسينية بالرملة، في مستهل سنة تسع وعشرين وثمانمائة هجرية(٢). ٢) القبة المنصورية(٣). :: ب - الوعظ وهو مما يلتحق بالتفسير على ما قرره السخاوي في كتابه الجواهر والدرر (٤) وقد ولي الحافظ وظيفة الوعظ بجامع الظاهر بالحسينية(٥). والخطابة في الجامع الأزهر.(٦) جـ - الحديث: وقد ولي تدريس الحديث في عدة أماكن منها: (١) انتهى كلام السخاوي، وقد آثرت ذكره بالنص الكامل للفائدة، لانه الوحيد الذي ذكر من بين الذين ترجموا للحافظ ابن حجر مجالس الاملاء بهذا التفصيل، وأما غيره فكان يكتفي بذكر عدد المجالس. انظر الجواهر والدرر ق ١٠٧ أ، ١٠٧ ب. (٢) انظر الضوء اللامع ٣٨/٢، الجواهر والدرر ق ١٠٩ أ. (٣) أنظر الجواهر والدرر ق ١٠٩ أ. والقبة المنصورية بناها المنصور قلاوون (ت ٦٧٦هـ) داخل المارستان المنصوري، وجملها خاصة لنفسه، وابدع ما شاء زخرفتها، وقد أعدت لتكون مقبرة له، وكان بداية عمارة المارستان والقبة عام ٦٨٢هـ. وقد رتبت في هذه القبة دروس للفقهاء على المذاهب الأربعة، ودرس في الحديث وآخر في التفسير، ودروس في الوعظ، وعدة من المدرسين والمعيدين والقراء، وزودت بخزانة كتب عظيمة الشأن وأسس بجوارها مكتب لتحفيظ القرآن الكريم، واوقفت على ذلك كله أوقاف عدة مختلفة. واجريت المرتبات على موظفيها. أنظر خطط المقريزي ٣٤٢/٣، وعصر الماليك ٤٣/٣، ٤٤. (٤) أنظر الجواهر والدرر ق ١٠٩ أ. (٥) المرجع السابق. (٦) قضاة مصر للشيخ ابن عبد القادر الطوخي ص ١١٦ (مخطوط) ٦٦ ١) الشيخونية: وهي أول مكان ولي فيه تدريس الحديث، وكان ذلك في شوال سنة ثمان وثمانمائة، وأملى فيها نحواً من مائة مجلس كما تقدم(١). ٢) قبة الخانقاه البيبرسية، في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، بعد ولايته مشيخة الصوفية، ونظرها بيسير.(٢) ٣) المدرسة الجمالية المستجدة، أول ما فتحت، ولاه ذلك واقفها في رجب سنة احدى عشرة وثمانمائة، وعمل بها مجلساً يحضره الواقف والأكابر، تكلم فيه على حديث من بنى لله مسجداً، وكان من جملة الطلبة عنده فيه العلامة كمال الدين محمد بن محمد بن حسن الشمني(٣). ٤) الجامع الطولوني (٤)، وقد ولي تدريس الحديث فيه سنة ثلاث وثلاثين(٥). ٥) القبة المنصورية (٦). ٦) ثم ولي مشيخة الحديث بالمدرسة التي استجدها الزين الاستادار بعد الفراغ من عمارتها بمدة، بالتماس الواقف وغيره من حاشيته(٧). ٧) وولي أيضاً مشيخة دار الحديث الاشرفية(٨) بدمشق(٩) بعد شغورها من بعد موت الجمال ابن الشرايحي (١٠) مدة طويلة، فلما دخل الشام، سنة ست وثلاثين اعطاها للحافظ العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر عبدالله بن انظر الجواهر والدرر ق ١٠٩ ب. (١) انظر المرجع السابق. (٢) انظر المرجع السابق ق ١٠٩ ب، ق ١١٠ أ. (٣) أنشأه الامير أبو العباس أحمد بن طولون، ابتداء في سنة (٢٦٣هـ) وفرغ منه سنة (٢٦٦هـ) أنظر حسن المحاضرة (٤) ٢٤٦/١ -٢٥٠، عصر الماليك ٣٣/٣. (٥) انظر الجواهر والدرر ق ١١٠ أ. (٧) المرجع السابق ق ١١٠ ب (٦) المرجع السابق (٨) بناها السلطان نور الدين الملك العادل أبو القاسم محمود بن اتابك زنكي (٥١١-٥٦٩هـ) انظر عصر الماليك ٤٠/٣. (٩). دمشق بالكسر، ثم الفتح، وشين معجمة، وآخرة قاف: البلدة المشهورة قصبة الشام، قيل: سميت بذلك لانهم دمشقوا في بنائها أي أسرعوا. وقيل: هو إسم واضعها وهو دمشق بن كنعان. وقيل: غير ذلك، وهي مشهورة اهـ. أنظر مراصد الاطلاع ٥٣٤/٢ (باختصار). (١٠) هو جمال الدين عبدالله بن ابراهيم بن خليل البعلبكي الدمشقي المعروف بابن الشرايحي الشافعي (٧٤٨-٨٢٠هـ). انظر شذرات الذهب ١٤٦/٧ . ٦٧ محمد بن أحمد القيسي، الشهير بابن ناصر الدين(١)، وحضر فيها معه واستمرت مع ابن ناصر الدين حتى مات(٢). د - الفقه: وقد ولي تدريس الفقه في عدة أماكن(٣) منها: ١) الشيخونية في سنة احدى عشرة وثمانمائة. (٢) الشريفية الفخرية (٤) التي بحارة الجوذرية، سنة ثمان وثمانمائة. ٣) الكهارية. ٤) المؤيدية(٥)، وذلك أول ما فتحت في ثالث جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة. ٥) الصالحية تولاه عوضاً عن حفيد الشيخ ولي الدين العراقي في سنة ثلاث وثلاثين، ثم صار بعد ذلك مضافاً لوظيفة القضاء، لكنه لما انفصل عن القضاء آخر مرة انتزع له تدريسها تطبيباً لخاطره. ٦) المدرسة الصلاحية المجاورة للامام الشافعي، ونظرها، كذلك في يوم الاثنين ثاني عشرى رجب سنة ست وأربعين وثمانمائة(٦). ثالثاً: الافتاء : وهو ما يلتحق بالفقه. وقد ولي الحافظ افتاء دار العدل في سنة احدى عشرة وثمانمائة، واستمرت هذه الوظيفة معه حتى مات(٧). (١) هو حافظ دمشق شمس الدين ابو عبدالله محمد بن أبي بكر عبدالله بن محمد بن احمد بن مجاهد بن يوسف بن محمد بن احمد بن علي القيسي الدمشقي الشهير بابن ناصر الدين الشافعي وقيل الحنبلي. ولد في أواسط محرم سنة (٧٧٧هـ)، ومات سنة (٨٤٢هـ). أنظر شذرات الذهب ٢٤٣/٧. (٢) المرجع السابق. (٣) انظر المرجع السابق ق ١١٢ أ، ق ١١٢ ب. هي مدرسة انشأها الأمير فخر الدين أبو اسماعيل سنة (٦١٢هـ) وجددها الشيخ عبد السلام المغربي (وتعرف الآن (٤) بزاوية ابن العربي على رأس حارة الجودرية بالقرب من سوق النحاسين) نقلاً عن التعريف بأهم المدارس في كتاب الذيل على رفع الاصر ص ٤٩٢ (من جمع المحققين). (٥) هي مدرسة انشأها المؤيد شيخ المحمودي سنة (٨٢٣هـ) وهي المعروفة الآن بجامع المؤيد بجوار باب زويلة بالغورية. أنظر حسن المحاضرة ٢٧٢/٢، عصر الماليك ٥٨/٣، ذيل رفع الاصر ص ٤٩٢ (التعريف بالمدارس من وضع المحققين). انظر الجواهر والدرر ق ١١١ أ، ١١١ ب. (٦) انظر الجواهر والدرر ق ١١٢ أ. (٧) ٦٨ رابعاً: المشيخات: وقد ولى مشيخة البيبرسية ونظرها: في ثالث ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، ثم انتزعها منه شمس الدين أخو الجمال الاستادار كلها بعد أن شاركه مدة في سنة ست عشرة وثمانمائة. ثم اعيدت إلى الحافظ في سنة ثماني عشرة وثمانمائة، واستمر فيها إلى أن قرر الظاهر (١) فيها العلامة شمس الدين القاياتي(٢) في يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وثمانمائة(٣). خامساً: وقد ولي أيضاً وظيفة خزن الكتب بالمحمودية (٤). سادساً: القضاء: قد كان الحافظ ابن حجر مصمماً على عدم دخوله في القضاء، حتى انه لم يوافق الصدر المناوي(٥) لما عرض عليه قبل القرن النيابة عنه عليها، ثم قدر أن المؤيد ولاه الحكم في بعض القضايا، ولزم من ذلك النيابة، ولكنه لم يتوجه اليها، ولا انتدب لها إلا أن عرض عليه الاستقلال به. وقد ولي القضاء بالديار المصرية ست مرات. ١) ولى في سابع عشرين المحرم، سنة سبع وعشرين وثمانمائة بعد صرف القاضي علم الدين البلقيني(٦)، بأمر الملك الاشرف برسباي قضاء القضاة الشافعية بالديار المصرية(٧) . (١) هو الملك العزيز ابو المحاسن جمال الدين يوسف ابن الملك الأشرف برسباي الدقماقي الظاهري، وهو الثالث والثلاثون من ملوك الترك واولادهم بالديار المصرية. وهو التاسع من ملوك الجراكسة. وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية أربع عشرة سنة وعشرة أشهر. توفي سنة (٨٥٧هـ) أنظر بدائع الزهور ص ٣٣١-٣٤٣. (٢) هو شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن يعقوب القاياتي - بالقاف وبعد الالف الاولى ياء تحتية، وبعد الثانية مثناة فوقية، نسبة الى قايات بلد قرب الفيوم - ثم القاهري الشافعي قاضي القضاة، ومحقق الوقت، وعلامة الآفاق. ولد سنة (٧٨٥هـ) وتوفي سنة (٨٥٠هـ) أنظر شذرات الذهب ٢٦٨/٧، ذيل رفع الاصر عن قضاة مصر ص ٢٧٨. انظر المرجع السابق، وما ذكرته ههنا بتصرف. (٣) (٤) انظر الضوء اللامع ٣٩/٢ كان شافعي المذهب، وقد خرج مرة مع السلطان فرج الى بلاد الشام سنة (٨٠٣هـ) في حملته لقتال تيمورلنك، ملك التتار، فوقع في الأسر، ويقال ان تيمورلنك وضع القاضي صدر الدين في كيس فأغرقه في نهر الفرات سنة (٥) (٨٠٤هـ). أنظر حسن المحاضرة ١٠١/١ (٦) هو صالح بن شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني الشافعي، الامام، العلامة، قاضي القضاة. ولد سنة (٧٩١هـ) ومات سنة (٨٦٩هـ) انظر ذيل رفع الاصر عن قضاة مصر ص ١٥٥-١٨٤، شذرات الذهب ٣٠٧/٧ (٧) انظر النجوم الزاهرة ١٢٧/٧، حسن المحاضرة ١٧٤/٢، المنهل الصافي جـ ٣ ق ٨٦ ب. ٦٩ ٢) أعيد مرة ثانية بعد عزل الهروي(١)، في ثاني رجب سنة ثمان وعشرين وثمانمائة. وعزل في العشر الأخير من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة بالقاضي علم الدين البلقيني(٢). ٣) أعيد في العشر الأخير من جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثمانمائة، بعد عزل القاضي علم الدين البلقيني، وصرف في خامس شوال سنة أربعين وثمانمائة بالقاضي علم الدين البلقيني(٣). ٤) أعيد في سادس شوال سنة إحدى وأربعين وثمانمائة بعد صرف العلم البلقيني فاستمر الى أن عزل في حادي عشر المحرم سنة تسع وأربعين منه بالقاضي شمس الدين القاياتي، وانتزع منه الخانقاه البيرسية - كما مر - فنغص عيشه لذلك (٤). ٥) ثم أعيد في المحرم سنة خمسين وثمانمائة بعد موت القاياتي، ثم صرف في أول سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، بالقاضي علم الدين البلقيني(٥). ٦) ثم أعيد في ثالث شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة بعد صرف القاضي ولي الدين السفطي(٦). وكان لولايته في هذه المرة يوم مشهود، فدام في المنصب الى أن عزل نفسه في خامس وعشرين جمادى الآخرة من السنة وانقطع شيخ الاسلام شهاب الدين المذكور في بيته ملازماً للاشتغال والتصنيف إلى أن توفي في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة (٧) وقد كانت ولايته القضاء تزيد على احدى وعشرين سنة وبأشهر (٨) . (١) هو الشمس الهروي محمد بن عطاء الله بن محمد، واختلف فيمن بعده، فقيل احمد بن محمود بن الامام فخر الدين محمد بن عمر، وقيل محمد بن احمد بن فضل الله بن محمد، الشمس ابو عبدالله بن أبي الجود وأبي البركات الرازي الأصل الهروى، ولد بهراة سنة (٧٦٧هـ) واشتغل في بلاده حنفيا، ثم تحول شافعيا، واتصل بتمرلنك على هيئة المباشرين، ثم حصل له منه جفاء فتحول إلى بلاد الروم، ثم قدم المقدس سنة (٨١٤هـ) وقدم القاهرة سنة (٨١٨هـ). مات بالقدس سنة (٨٢٩هـ). أنظر الضوء اللامع ١٥١/٨، شذرات الذهب ١٨٩/٧، ١٩٠. انظر المنهل الصافي جـ ٣ ق ٨٦ ب، النجوم الزاهرة ١٢٧/٧، حسن المحاضرة ١٧٤/٢ . (٢) انظر المراجع السابقة. (٣) انظر المنهل الصافي جـ ٣ ق ٨٧ أ، النجوم الزاهرة ١٢٧/٧، حسن المحاضرة ١٧٤/٢ (٤) (٥) انظر المراجع السابقة. انظر المنهل الصافي جـ ٣ ق ٨٧ أ، النجوم الزاهرة ١٢٨/٧، حسن المحاضرة ١٧٥/٢ (٦) (٧) انظر المنهل الصافي جـ ٣ ق ٨٧ أ. انظر الجواهر والدرر ق ١١٦ ب. (٨) ٧٠ ولقد كان - رحمه الله - في توليته منصب القضاء محمود السيرة، لم يكن فيه ما يعاب الا لجهل كان في ولده، وسوء سيرته، وما عساه أن يفعل معه، وهو ولده لصلبه، ولم یکن له غيره(١). قال تلميذه البقاعي(٢): ((على أني ما لقيت أحداً من ذوي العقول إلا وهو يقول إن منصب القضاء لم يزده رفعة، بل منصب القضاء تشرف به ((أهـ)). ومع هذه الأمانة من جانبه، والثناء من الناس عليه، فقد ندم على قبوله وظيفة القضاء ندماً شديداً. قال السخاوي(٣): ((وقد ندم شيخنا على قبوله القضاء لكون ارباب الدولة لا يفرقون بين أولي الفضل، وغيرهم، ويبالغون في اللوم حيث ردت إشاراتهم، وإن لم يكن على وفق الحق، بل يعادون على ذلك، واحتاج القاضي بسببه الى مداراة الكبير والصغير، بحيث لا يمكنه مع ذلك القيام بكل ما يرومه على وجه العدل. وصرح بأنه جنى على نفسه بتقليد أمرهم ) أهـ. وقال في الضوء اللامع(٤): ((وزهد في القضاء زهداً تاماً لكثرة ما توالى عليه من الانكاد والمحن بسببه، وصرح بأنه لم تبق في بدنه شعرة تقبل اسمه)) أهـ. المطلب الثاني: في مصدر رزقه: كان الحافظ ابن حجر من عائلة ذات ثراء عريض، فوالده عمل تاجراً في مصر القديمة - كما مر - ووالدته من عائلة غنية، موفورة الثراء، ورث عنها مالاً کثیراً(٥) لذلك كان الحافظ ابن حجر في غنى عما في أيدي الناس ولا حاجة له في المساعدة، ولا ينتظر ذلك منهم، بل هيأ الله له من المال ما يكفيه، ويساعده على انظر النجوم الزاهرة ٥٣٣/١٥. (١) انظر ((عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والاقران)) له جـ ١ص ١١٠. (٢) (٣) انظر الجواهر والدرر ق ١١٦ ب. (٤) انظر ٣٩/٢ انظر الجواهر والدرر ق ١٤ ب حيث ذكر السخاوي ان اخاه من أمه حصل مالاً أصله من قبل أمه. (٥) ٧١ قضاء حوائجه، ويعينه على طلب العلم وتحصيله، والرحلة فيه، الى أن شب، وصار عالماً يشار إليه بالبنان، حيث تقلد المناصب المهمة، والوظائف التي تقاضى عليها المرتبات، وصنف المؤلفات التي سارت بها الركبان. يقول السخاوي(١): ((ولم يتفق له - رحمه الله - أن تنزل طالباً، ولا صوفياً في مدرسة ولا غيرها، حتى الخشابية، فإنه وان تنزل فيها بعد موت والده فلم يقبض من معلومها شيئاً كما قرأته بخط بعض أصحابنا، وبلغني مما يؤيد ذلك أن القاضي علم الدين، قال للمباشر: ((ارفع من الأسماء اسم رجلين، أحدهما يحضر ولا يطالب، والآخر لا يحضر ويطالب، وحكى ذلك لصاحب الترجمة :١٦ !.. أما الأول فهو أنا، فمن الثانى؟ فقيل السفطي)) أهـ. وقال البقاعي(٢): ((لا يأكل من هدايا الاخوان، ولا من مرتبات السلطان وكان في السفر يشتري له من ماله ما يشتهي من دجاج وغيره، وربما فنى ذلك في المفاز ، قبل القسماط، ويأكله بسكرة، ونحوه، ومن معه يأكلون اللحم المرتب له على السلطان، على السفرة التي يأكل عليها)) ((أهـ)). وكان يتحرى في مأكله، ولم يزل يتحرى الى أن مات، وكانت وظائفه التي يباشرها يتحرى فيها ما كان أقرب الى الحل، فيبدأ منه، وكذا التصدق، ثم يليه اللبس. ونستفيد مما مضى أنه كان متعففاً، محتاطاً في مأكله، وملبسه ومشربه. ينفق من مرتباته التي كان يتقاضاها على الوظائف التي وليها، ومما يعود عليه من مؤلفاته التي ذاع صيتها في الآفاق، وتهادتها الملوك والأمراء، حيث جلبت له نفعاً مادياً ومعنوياً، فعاش - رحمه الله - في عزة المؤمن، وشهامة العالم، يدور مع الحق، ولا تأخذه في الله لومة لائم(٢). انظر الجواهر والدرر ق ١٠٩ أ (١) (٢) انظر: عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران حـ ١٤٢/١ انظر ملخصات من الجواهر والدرر في ترجمة ابن حجر تأليف السخاوي لخصها الشيخ طاهر الجزائري ص ٥٠ (٣) ٧٢ المبحث السابع في وفاته ومدفنه ومراثيه ويشتمل هذا المبحث على مطلبين: المطلب الأول: في وفاته وتاريخها، ودفنه. المطلب الثاني: في مراثيه. ١ - المطلب الأول: وفاته وتاريخها: انقطع في بيته بعد أن عزل نفسه من منصب قاضي القضاة في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة من سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة ولازم التصنيف، والتأليف ومجالس الاملاء، إلى أن مرض، رضي الله عنه، في ذي القعدة من السنة نفسها، واستمر يطلع الى الجامع الطولوني للصلوات والاقراء والاملاء على العادة، ولم يتركه إلى أن اشتد به المرض جداً في يوم الثلاثاء رابع عشر ذي الحجة، بحيث صار يصلي الفرض جالساً، وترك قيام الليل، ثم صرع يوم الأربعاء، وتكرر ذلك منه، وسمع منه يوم الجمعة عند الاذان لها اجابة المؤذن، وكانت وفاته ليلة السبت ثامن عشري ذي الحجة بعد العشاء بنحو ساعة، سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة في القاهرة، رحمه الله تعالى(١). ٢ - دفنه: جهز يوم السبت، وقد بكى الناس عليه، وتأثروا، حتى أهل الذمة. قال السخاوي(٢): ((واجتمع في جنازته من الخلق مالا يحصيهم الا الله عز وجل بحيث ما أظن كبير أحد من سائر الناس تخلف عن شهودها، وقفلت الأسواق والدكاكين)». قال البقاعي(٣) ((ومشى أعيان الناس من بيته داخل باب القنطرة الى القرافة، انظر الجواهر والدرر ق ٢٣٨ أ، ق ٢٣٨ ب، ق ٢٤١ أ، ق ٢٤١ ب (باختصار). (١) (٢) انظر الجواهر والدرر ق ٢٤١ أ، ٢٤١ ب. (٣) انظر: عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران له جـ ١ ق ٨٧ أ. ٧٣ حيث دفن، وحضر السلطان الظاهر جقمق(١) الصلاة عليه، ومشى الخليفة المستكفي بالله ابو الربيع سليمان(٢)، والقضاة، والعلماء، والأمراء، والأعيان بل غالب الناس في جنازته حتى قيل عن بعض الاذكياء انه حضر في الجنازة أكثر من خمسين ألف انسان، وكان لموته يوم عظيم على المسلمين حتى على أهل الذمة)) اهـ . وتوجهوا به إلى تربة الخروبي بجامع الديلمي، فدفنوه هناك بمقصورة صدر التربة المذكورة من جهة اليسار القبلة فسقية فيها غيره، وكان قد أوصى بدفنه بحوش والده وهو بتلك النواحي أيضاً، لكن اعتذر عن ذلك بما لا يسوى (٣). وقد صلوا عليه صلاة الغائب بغالب البلاد الاسلامية، وحصل الضجيج والبكاء والانتحاب أسفاً على فقده. فمن الأماكن التي صلى عليه بها مكة المشرفة، وبيت المقدس، وبلد الخليل، عليه الصلاة والسلام، وحلب، وغيرها (٤). المطلب الثاني: في مراثيه: ان رحيل عالم مثل الحافظ ابن حجر ليترك فراغاً كبيراً، ويحدث أثراً بالغاً في النفوس، لذا بكى الناس ابن حجر، وحزنوا عليه حتى أهل الكتاب، ولا غرو أن يكون هذا التعبير الصادق، عن محبتهم لهذا العالم الذي لم يخلف بعده مثله، خبروه عالماً فأخذ بأسماعهم، ومؤلفاً ومصنفاً، فبهر عقولهم، وقاضياً فسلموا له بالعدل والإنصاف وطهر النفس، وصفاء القلب، وبعد النظر. ولا عجب ان يتبارز الأدباء في رثائه بذكر مآثره، ومحامده، وفضائله، تعبيراً عما في نفوسهم من الحب والتقدير والثناء، فجاءت عبارتهم صادقة. (١) هو الملك الظاهر ابو سعيد جقمق بن عبدالله العلائي الظاهري، سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية، والأقطار الحجازية، وكان عفيفاً عن المنكرات ولم يكن احد من ملوك مصر في الدولة الأيوبية والتركية على طريقه في الفقه والعبادة، مرض وطال به المرض الى أن خلع نفسه من السلطنة في يوم الخميس ٢١ المحرم سنة ٨٥٦هـ، وتوفي في سنة (٨٥٧هـ). أنظر بدائع الزهور ص ٣٣٢، وما بعدها، الضوء اللامع ٧١/٣، شذرات الذهب ٢٩١/٧. هو الخليفة المستكفي بالله سليمان بن المتوكل على الله، بويع هذا بالخلافة يوم موت اخيه المعتضد بالله، وذلك في (٢) سنة خمس واربعين وثمانمائة، وأقام في الملك عشر سنين، وبلغ من العز فوق اخيه، توفي في سنة (٨٥٥هـ) وحمل السلطان نعشه. أنظر بدائع الزهور ص ٣٤٠، شذرات الذهب ٢٨٤/٧. (٣) انظر الجواهر والدرر ق ٢٤١ ب، الضوء اللامع ٤٠/٢ أنظر الجواهر والدرر ق ٢٤١ أ. (٤) ٧٤ وممن رثاه الشاعر الأديب شهاب الدين أبو الطيب أحمد بن محمد بن علي بن حسن، عرف بالحجازي الأنصاري(١)، وضمن مرئيته هذه الأبيات : - سائرة فشيئاً وقفوا لها شيئاً كل البرية للمنية صائرة لم ترض كانت عند ذلك خاسرة والنفس ان رضیت بذا ربحت وان عن ربنا البر المهيمن صادره وأنا الذي راض بأحكام مضت قد خلف الأفكار منا حائره لكن سئمت العيش من بعد الذي هو شيخ الإسلام المعظم قدره قاضي القضاة العسقلاني الذي وشهاب دين الله ذي الفضل الذي لا تعجبوا لعلوة فأبوه في الد من كان أوحد عصره والنادرة لم ترفع الدنيا خصياً ناظره أربى على عدد النجوم مكاثره نيا علا من قبله والآخرة ثم قال في آخره: يا رب فارحمه واسق ضريحه يا نفس صبراً فالتأسي لائق بسحائب من فيض فضلك غامرة بوفاة أعظم شافع في الآخرة حاز العلا والمعجزات الباهرة المصطفى زين النبيين الذي فينا وجرد للبرية باتره صلى عليه الله ما حال الردى وعلى عشيرته الكرام وآله وعلى صحابته النجوم الزاهرة(٢) وقال السيوطي في حسن المحاضرة(٣): حدثني الشهاب المنصوري، شاعر العصر أنه حضر جنازته فأمطرت السماء على نعشه، وقد قرب الى المصلى، ولم يكن زمان مطر، قال: فأنشدت في ذلك الوقت: قاضي القضاة بالمطر قد بكت السحب على كان مشيداً من حجر وانهدم الركن الذي (١) توفي هذا الشاعر في رمضان سنة (٨٧٥هـ). انظر شذرات الذهب ٣١٩/٧ (٢) انظر: حسن المحاضرة ٣٦٦/١، ٣٦٨، ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٤٢، الجواهر والدرر ق ٢٥٠ أ، ق ٢٥١ ب. (٣) انظر: حسن المحاضرة ٣٦٦/١ ٧٥ وقال ابن اياس في بدائع الزهور (١): وقد رثاه الشيخ شهاب الدين المنصوري(٢) بقصيدة منها : مع التصريف بعدك في جدال بكاك العلم حتى النحو أضحى وقد أضحى البديع بلا بيان وقد درست دروس العلم حزناً وقد سلفت معانيه الغوالي وقد ضل الجواب عن السؤال وتمييزي غداً في سوء حال تنكرت المعارف في عياني سوى توليد سقمي واعتلالي وما عوضت من بدل وعطف وجندلت الكمي بلا قتال وكم جنت المنون على كرام فقد حزت الجميل مع الجمال فيا قبراً ثوى فيه تهنى واسبغ ما عليك من الظلال سقاك الله عيناً سلسبيلا وقد ذكر تلميذه السخاوي كثيراً من الشعر الذي ألقاه الأدباء الشعراء في رثائه، فمن أراد الاستزادة فلينظر ذلك في الجواهر والدرر ترجمة شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر (٣) انظر بدائع الزهور ص ٣٣٩، ٣٤٠ (١) (٢) هو شهاب الدين ابو العباش احمد بن محمد بن علي بن محمد السلمي المنصوري الشافعي، ثم الحنبلي ويعرف بابن الهايم، وبالشهاب المنصوري، وبالقائم، كان شاعر زمانه (٧٩٩ - ٨٨٧هـ) انظر: شذرات الذهب ٣٤٦/٧. (٣) انظر ق ٢٥٠ أ وما بعدها. ٧٦ الفَصْل الثَانى فِي حَيَاة الحافظ ابن حجر العُلمَيَة ويشتمل على ستة مباحث: ١ - المبحث الأول: في نشأته وطلبه العلم . ٢ - المبحث الثاني: في رحلاته العلمية. ٣ - المبحث الثالث: ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: في شيوخه. المطلب الثاني: في تلاميذه. ٤ - المبحث الرابع: في العلوم التي برع فيها. ٥ - المبحث الخامس: في مكانته العلمية وثناء العلماء عليه. ٦ - المبحث السادس: في العوامل التي ساعدت على نبوغه وتكوين الملكة العلمية عنده . ٧٧ ٠٠ * .. المبحث الأول في نشأته وطلبه العلم ماتت أمه قبل والده، وهو طفل، ثم مات والده في رجب سنة سبع وسبعين وسبعمائة - بعد أن كان حج، وزار بيت المقدس، وجاور في كل منهما، واستصحبه معه - فنشأ رضي الله عنه في غاية العفة والصيانة والرياسة في كنف أحد أوصيائه الزكي الخروبي(١) إلى أن مات (٢). وبعد أن أكمل الخامسة من عمره دخل المكتب، وقرأ عند شمس الدين بن العلاف الذي ولي حسبة مصر وقتاً، وشمس الدين الأطروش، لكنه لم يكمل حفظ القرآن العظيم إلا عند فقيهه، ومؤدبه، شارح مختصر التبريزي صدر الدين محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق السفطي وهو ابن تسع سنين، لكن لم يتفق أن يصلى به للناس التراويح على جاري العادة إلا في سنة خمس وثمانين بمكة، وقد أكمل اثنتي عشرة سنة، فإن وصية زكي الدين أبا بكر بن نور الدين علي الخروبي كان قد حج سنة أربع وثمانين، واستصحب صاحب الترجمة معه، إذ لم یکن له من یکفله، وكانت وقفة الجمعة، فحجا وجاورا، وصلى بالناس هناك في سنة خمس وثمانين، وكان قد ختم من أول سنة ثلاث. واشتغل بالاعادة في هذه السنة، وشغل بأمر الحج إلى أن قدر ذلك بمكة، وكانت الخيرة في ذلك، وسمع إذ ذاك على الشيخ عفيف الدين عبدالله بن محمد بن محمد النشاوري ثم المكي(٣)، آخر أصحاب الرضي الطبري، (١) هو أبو بكر بن علي بن أحمد زكي الدين الخروبي، رئيس الكارمية بمصر، وتاجر السلطان ولد سنة خمس وعشرين وسبعمائة تقريباً، ونشأ فقيراً، ثم انه ورث من ابن عمه بدر الدين مالاً عظياً، وتعانى الرياسة، وعظم قدره في الدولة، ولم يحسن على طريقة التجار في التقتير، بل كان جواداً ممدحاً، وقد حج غير مرة، وجاور، وكان يحفظ القرآن، ويجوده. مات سنة (٧٨٧هـ) ويقال: انه مات مسموماً، ودفن بقرافة مصر، بالقرب من الامام الشافعي. انظر الدرر الكامنة ج ١ رقم (١٢٠٥)، أنباء الغمر ٣٠٦/١. (٢) ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة اخته فقال: ست الركب بنت علي بن محمد بن محمد بن حجر أخت كاتبه، ولدت في رجب سنة سبعين في طريق الحج، وكانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذكاء وهي أمي بعد أمي، أصبت بها في جمادى الآخرة من هذه السنة. أنظر أنباء الغمر ٥٩٧/١ في حوادث سنة ٧٩٨هـ. ويظهر من كلامه أنها اعتنت به، وتربى في رعايتها. وأنظر شذرات الذهب ٣٥٤/٦. (٣) ولد سنة (٧٠٥هـ) ومات في ذي الحجة سنة (٧٩٠هـ) انظر المجمع المؤسس ص ١٥٠، الدرر الكامنة جـ ٢ رقم (٢٢٢٩)، شذرات الذهب ٣١٣/٦. ٧٩ إمام المقام، اتفاقا بغير طلب ولا قصد غالب صحيح البخاري، وهو أول شيخ سمع عليه الحديث، وذلك بقراءة الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الدمشقي الحريري، عرف بالسلاوي(١)، الذي صحبه صاحب الترجمة بعد ذلك، وهو اسناد جيد، حصل به مساواة كثير من الشيوخ(٢). وأما طلبه العلم، فإنه - رحمه الله - قرأ القرآن تجويداً على الشهاب أحمد بن محمد ابن الفقيه علي الخيوطي، وبحث في سنة خمس وثمانين وسبعمائة، وهو ابن اثنتي عشرة سنة في مجاورته بمكة على القاضي الحافظ جمال الدين أبي حامد فهد بن عبدالله بن ظهيرة المكي (٣) في كتاب ((عمدة الأحكام)) للحافظ عبد الغني المقدسي(٤)، قال الحافظ: ((وكان يعجبني سمته، فكان أول شيخ بحث عليه في علم الحديث، ثم كان أول شيخ سمع الحديث بقراءته بمصر بعد ذلك))(٥). ثم قرأ على الصدر سليمان بن عبد الناصر الابشيطي(٦) شيئاً من العلم في السنة التي قدم(٧) فيها من مكة، وفتر عزمه عن الاشتغال من أجل أنه لم يكن من يحثه على ذلك، فلم يشتغل الا بعد استكمال سبع عشرة سنة، فلازم حينئذ أحد أوصيائه العلامة شمس الدين بن محمد بن علي بن محمد بن عيسى بن محمد بن أبي بكر بن (١) ولد سنة ثمان وثلاثين أو نحوها، قال ابن حجر في أنباء الغمر ٤٦٩/٢: وقد سمعت بقراءته ((صحيح البخاري) - إلا ما فاتني منه - بمكة المشرفة على العفيف النشاوري سنة (٨٥هـ)، واجتمعت به بعد ذلك، وكانت بيننا موده، ومات في صفر سنة (٨١٣هـ)، وهو آخر من بقي من فقهاء الشافعية وأكبرهم سناً، وانظر شذرات الذهب ٧ /٠١٠٠ (٢) انظر الجواهر والدرر ق ١٥ ب، ق ١٦ أ (باختصار). (٣) هو الحافظ جمال الدين أبو حامد محمد بن عبدالله بن ظهيرة بن أحمد بن عبدالله بن عطية بن مرزوق القرشي المخزومي المكي الشافعي. ولد سنة (٧٥١هـ)، وعني بالفن، ورحل، ولازم العراقي في الحديث، والبلقيني في الفقه والأصول، وأخذ أيضا عن البهاء السبكي، والشهاب الأذرعي، وصنف في الفنون، قال ابن حجر في أنباء الغمر ٤٦/٣: وحدث بكثير من مروياته بالمسجد الحرام، وقد سمعت منه، وحدثني من لفظه، وهو أول شيخ سمعت الحديث بقراءته بمصر في سنة ست وثمانين. مات سنة (٨١٧هـ). أنظر ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٧٥، أنباء الغمر ٤٥/٣، ٤٦، طبقات الحفاظ ٥٤٢، شذرات الذهب ١٢٥/٧. (٤) انظر الجواهر والدرر ق ١٦ أ، وذيل رفع الأصر ص ٧٦. (٥) انظر الجواهر والدرر ق ١٦ أ. هو سليمان بن عبد الناصر بن ابراهيم الأبشيطي الفقيه الشافعي، الشيخ صدر الدين أبو داود، ولد سنة بضع (٦) وثلاثين، برع في الفقه وغيره، وكتب الخط الحسن، وجمع ودرس، وأفاد، وأفتى، سمع الحافظ من لفظه المسلسل بالأولية بشرطه، والجزء الرابع من ثمانيات النجيب. مات سنة (٨١١هـ) وقد قارب الثمانين. انظر المجمع المؤسس ص ١١٤، أنباء الغمر ٤٠٩/٢. (٧) قدم في سنة ست وثمانين وثمانمائة صحبة وصيه. انظر الجواهر والدرر ق ١٥ ب. ٨٠