النص المفهرس

صفحات 21-40

١٢ - اعتمد الحافظ ابن حجر على أكثر من ثلاثمائة وخمسين مؤلفاً في كتابه تغليق
التعليق. فالمصادر التي لم أتمكن من الوصول إليها، ولم تساعدني الظروف من
الاطلاع عليها، كنت أوثق ما أخرجه الحافظ منها من كتاب فتح الباري،
وهدي الساري، أو عمدة القارىء، أو أي كتاب غيرها فيه ما يفي
بالغرض.
١٣ - شرحت بعض الألفاظ اللغوية الصعبة من كتب اللغة، وفتح الباري كذلك.
١٤ - ترجمت للأعلام الواردة في سند الحافظ ابن حجر إلى الكتب والأجزاء التي
خرج منها كتابه، ولم يفتني منها إلا اليسير، وقد رتبتها على الحروف
الهجائية، ووضعتها في آخر القسم الأول من الرسالة.
١٥ - أشرت إلى نهاية الورقة في كل نسخة من نسخ المخطوط، ورمزت للوجه
الأيمن بحرف (أ) وللأيسر بحرف (ب) ووضعته بين إشارتين هكذا/ /.
١٦ - عملت فهرساً مرتباً على حروف الهجاء بالكنى التي مرت في المخطوط لكي
تساعد القارىء في معرفة صاحب الكنية ليرجع إلى ترجمته في قسم التراجم،
وسيلاحظ القارىء أنه ذكر في بعض الأسماء أكثر من كنية - لكنها
قليلة - وأكثر من نسبة، وذلك راجع إلى أن الحافظ ابن حجر ينوع عند
سوق السند في النسبة، فمثلاً يقول في سند: ((حدثنا أبو اسحاق التنوخي))
وفي سند: ((أبو اسحاق الأقمري)) وفي سند: ((أبو اسحاق الحريري)) مع
أنها كلها كنية لعلم واحد وهو ابراهيم بن أحمد بن عبدالواحد التنوخي
المتوفى سنة ٨٠٠هـ، وقد حرصت على ذكر كل ذلك تيسيراً على القارىء ..
١٧ - ضبطت النص ضبطاً تاماً.
١٨ - ألحقت بقسم التحقيق فهرساً للمواضيع، وآخر للمراجع.
هذا وإنني لا أدعي الكمال فيما قمتُ به، بل هو جهد المقل، فإن كان صواباً
فهو من توفيق الله، جل شأنه، وله الحمد والشكر على ما أنعم وإن كان غير ذلك
- لا سمح الله - فهو مني، وأستغفر الله من ذلك، وحسبى أنني بذلت قصاري
جهدي وأفرغت ما في وسعي طيلة خمس سنوات تقريباً واصلت العمل فيها ليلاً
٢١

نهاراً، صيفاً وشتاءاً، دون ما رحمة للنفس من مشقة العمل ومعاناة الجسم من
الإرهاق والتعب.
خمس سنوات - أقولها في معرض الثناء والشكر لله الواحد الأحد الذي أنعم
بالصبر فأجزل، وبالعون فأغنى - قضيتها في جهاد مع هذا الكتاب، أحتسبها عند
الله عز وجل.
وإنني أختم كلمتي هذه بالشكر والعرفان بالجميل لفضيلة الأستاذ الدكتور /
الحسيني عبدالحميد هاشم، العالم الرباني، الذي تفضل مشكوراً بقبول الإشراف على
هذه الرسالة، على كثرة أعماله، فبذل لي من وقته الثمين، وأرشدني برأيه السديد ،
وأفادني بعلمه الغزير، وأعارني كتبه مع حاجته الماسة إليها هذه المدة الطويلة،
فجزاه الله عني، وعن طلبة العلم خير الجزاء، والله عنده حسن الثواب، وله الحمد
والثناء فسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب
العالمين.
وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
سعيد عبدالرحمن موسى القزقي
٢٢
٣٠

تمهيد
ولد الحافظ ابن حجر في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، وعاش في
حقبة من الزمن كان الحكم فيها لآخر سلاطين دولة المماليك البحرية، ولسلاطين
دولة الماليك البرجية الذين ورثوا عنهم الحكم.
ومما لا شك فيه أن للظروف التي تحيط بالإنسان، وللوسط الذي يعيش فيه،
دوراً كبيراً في تكوين شخصيته، وخلق الملكات المبدعة، وتنمية القدرات والمواهب
البناءة، لأن الانسان اجتماعي بطبعه، يتأثر ويؤثر في الوسط الذي يعيش فيه،
ويتفاعل مع الأحداث، وينعكس تأثيرها عليه.
لذا فمن الواجب عليّ أن ألقي الضوء على العصر الذي عاش فيه هذا العالم
الفذ، الذي بز أقرانه، وفاق علماء عصره، وشهد له أولوا العلم، وذووا الفضل
بالتفوق والنبوغ والتقدم في مختلف العلوم.
وأقدم دراسة سريعة عن عصره متناولاً ما يلي:
أولاً : الحالة السياسية.
ثانياً : الحالة الاقتصادية والإجتماعية
ثالثاً : الحالة العلمية والثقافية.
أولا : الحالة السياسية : -
يمثل حكم سلاطين المماليك(١) في مصر، وما تخلل ذلك من أحداث، وحروب
وفتن الحالة السياسية لهذا العصر الذي أطلق عليه المؤرخون ((عصر المماليك)) ابتداء
من انقضاء عهد الايوبيين عام (٦٤٨هـ) وانتهاءً بدخول مصر تحت نفوذ الخلافة
الإسلامية في آل عثمان سنة (٩٢٣هـ). فمن هم هؤلاء الماليك؟ وكيف توصلوا إلى
(١) الماليك جمع مملوك، وهو اسم مفعول، فعله ملك، وهو العبد الذي يملك بالبيع، أو الاسترقاق. ويبدو أن هذا
المعنى مأخوذ من قوله تعالى: ((ضرب الله مثلا عبداً مملوكاً، لا يقدر على شيء)) (النحل: ٧٥). أنظر تاج
العروس للزبيدي ١٨٣/٧، المعجم الوسيط ص ٨٩٣، المفردات للراغب ص ٤٧٣ .
٢٣

الحكم؟ وما هي أبرز الأحداث التي ساعدت على اشتهارهم، وتبوئهم قيادة العالم
الإسلامى مدة ثلاثة قرون؟
أ) أصل الماليك:
كان الرق منتشراً في العصور الوسطى، وقد كان له تجار مختصون هم
النخاسون، يجلبونهم إلى الأسواق للبيع، فتارة يحصلون عليهم عن طريق السرقة
والخطف، وأخرى عن طريق البيع والشراء.
كما كان منتشراً في أماكن متعددة، وبين أجناس مختلفة، فكان منهم التركي
والجركسي، والرومي، والزنجي، والحبشي، والفارسي، وغيرهم. وأروج ما كانت
تجارتهم في الأجناس التركية والجركسية، لما تتصف به من جمال، وطيب مجلس، ولما
ابتليت به بلادهم من غارات وحروب(١) .
وأول من استخدمهم في مصر أحمد بن طولون(٢)، بعدما استقل بمصر بعد الفتح
الإسلامي، قال ابن اياس، عند ذكر الدولة الطولونية(٣): ((قال ابن وصيف شاه:
فلما تم أمر الأمير أحمد بن طولون في ولايته على مصر، واستقامت أحواله بها،
استكثر من مشترى الماليك الديالمة، حتى بلغت عدتهم أربعة وعشرين ألف مملوك)»
فهذا العدد كان النواة لوجود المماليك في مصر، وقد اتبع هذه السنة ملوك
الفاطميين وخلطوا في جندهم بين أجناس مختلفة، فلما آل الملك الى صلاح الدين
الأيوبي(٤) اتخذ جنوده من الأكراد، ومجلوبي المرتزقة، وحذا خلفاؤه من بعده
(١) انظر عصر سلاطين الماليك ١٢/١، ١٣.
هو أحمد بن طولون، الأمير ابو العباس التركي، أمير مصر، ولي مصر بعد عزل أرخوز بن اولوغ طرخان في شهر
(٢)
رمضان سنة (٢٥٤هـ) وهو أول الولاة الذين استقلوا بمصر بعد الفتح الإسلامي، ولد سنة (٢٢٠هـ) وقيل سنة
(٢١٤هـ) ببغداد، وقيل: بسر من رأى، وهو الأشهر، وتوفي سنة (٢٦٩هـ). انظر النجوم الزاهرة ١/٣ وما
بعدها بدائع الزهور ص ٢٦ وما بعدها، العبر ٤٣/٢، ٤٤ وقد ذكره في وفيات سنة (٢٧٠هـ).
(٣)
انظر بدائع الزهور في وقائع الدهور ص ٢٦.
هو أبو المظفر يوسف بن أيوب شادي بن مروان الكردي السلطان صلاح الدين الدويني الاصل، التكريتي المولد ،
(٤)
ولد في سنة (٥٣٢هـ) كسر الفرنج مرات، توفي بقلعة دمشق في السابع والعشرين من صفر سنة (٥٨٩هـ). انظر
العبر ٢٧٠/٤، بدائع الزهور ص ٥٥.
٢٤

حذوه ثم جاء الملك الصالح نجم الدين بن أيوب (١)، سنة ست وثلاثين وستمائة
هجرية، فرأى أن يثبت ملكه بجنود جدد، فاستكثر من مشترى الماليك الأتراك،
حتى ضاقت بهم القاهرة، وصاروا يشوشون على الناس، وينهبون البضائع من
الدكاكين، فضج منهم الناس، وفي ذلك قال بعض الشعراء :
ترك بدولته يا شر مجلوب
الصالح المرتضى أيوب أكثر من
فالناس قد أصبحوا في ضر أيوب(٢)
قد أخذ الله أيوباً بفعلته
فلما بلغ الملك الصالح ذلك بنى لهم قلعة في الروضة، بالقرب من المقياس،
وأسكنهم بها، وسماهم المماليك البحرية، وجعل حول القلعة شواني حربية، مشحونة
بالسلاح، معدة لقتال الفرنج إذا طرقوا البلاد، فتكون هذه الماليك على أهبة(٣).
ب) كيف انتقل الحكم من الأيوبيين إلى الماليك؟
استكثر الملك الصالح نجم الدين من الماليك، ونشأهم تنشئة عسكرية، واتخذ
منهم أمراء دولته، وخاصته، وبطانته، وحراسه، وكانت لهم اليد الطولى في تدعيم
ملكه، والذود عن حياضه، وتثبيت دعائمه مع الاخلاص، والشجاعة، والبلاء في
ساحة الوغى، فقويت ثقته بهم، فقربهم واعتمد عليهم.
وقد تألق نجمهم بعد انتصارهم في قتال الفرنج، وأسر ملكهم لويس التاسع،
ملك فرنسا عام (٦٤٧هـ)، في موقعة فارسكر (٤)، والمنصورة(٥).
وإيجاز ذلك أن ريدا فرنسيس ملك فرنسا بعد أن استولى على غالب بلاد
(١) هو السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن السلطان الملك الكامل، ناصر الدين محمد بن السلطان العادل سيف
الدين أبي بكر بن الامير نجم الدين أيوب بن شادي الأيوبي، سلطان الديار المصرية، مولده في القاهرة سنة ٦٠٣هـ
وبها نشأ، وولي سلطنة مصر سنة (٦٣٦هـ) إلى أن مات في سنة (٦٤٧هـ). انظر النجوم الزاهرة ٣١٩/٦-٣٦١،
العبر ١٩٣/٥، بدائع الزهور ص ٦٧.
(٢) انظر بدائع الزهور ص ٦٧. النجوم الزاهرة ٣١٩/٦، غير أنه قال في الشطر الثاني من البيت الثاني: فالناس كلهم
في ضر أيوب.
(٣)
انظر بدائع الزهور ص ٦٧ .
فارسكر: من قرى بين مصر ودمياط، من كورة الدقهلية، انظر مراصد الاطلاع ١٠١٣/٣.
(٤)
المنصورة: مفعولة من النصر: بلدة أنشأها الملك الكامل بن الملك العادل ايوب بين دمياط والقاهرة، ورابط فيها في
(٥)
وجه الفرنج، حتى استنقذوا دمياط من الفرنج. انظر: مراصد الاطلاع ١٣٢٢/٣.
٢٥

الأندلس، وسبى أهلها، وقتل من المسلمين ما لا يحصى عددهم، ونهب أموالهم قدم
إلى دمياط(١) في مائتي مركب مشحونة بالرجال، فأعلن الملك الصالح النفير العام،
وتوجه لملاقاتهم، ثم ان الملك الصالح شنق نائب دمياط، وشنق معه خمسين أميراً،
بسبب خروجهم منها بغير اذن السلطان، وتركها لقمة سائغة للاعداء، فعز ذلك
على الأمراء، وهموا بقتل الملك، إلا أن بعضهم أشار بعدم ذلك، ثم مرض الملك
الصالح بالمنصورة، ومات سنة سبع وأربعين وستمائة هجرية وفق سنة تسع وأربعين
ومائتين وألف ميلادية، ونقل سراً إلى القاهرة، ودفن بالروضة، وأُخفي موته لئلا
يطمع الفرنج في بلاد المسلمين ولئلا يضطرب الجيش.
وكان ولده توران شاه(٢) في حصن كيفا(٣)، ببلاد الشام، فأرسلوا وراءه،
وتسلطن مكانه، وقد قامت شجرة الدر (٤)، زوجة الملك الراحل بتدبير الأمور
بمساعدة المماليك لها حتى حضر من الشام، إلا أن الفرنج طمعوا في أخذ مصر
عندما بلغهم وفاة الملك الصالح، فزحفوا إلى فارسكر، وقاد توران شاه المعركة
بنفسه، فانكسر الفرنج شر كسرة، وأسر ملكهم فرنسيس، وجمع من أمرائه(٥) .
وبعد أن تم النصر لتوران شاه تحول من المنصورة إلى فارسكر، ثم شرع يقرب
جماعة من حاشيته ممن حضر معه من حصن كيفا، وأبعد مماليك ابيه، وتوعد
شجرة الدر، وطالبها بالأموال، فألبت عليه الأمراء، ووعدتهم، ومنتهم، فأتمروا به،
وقتلوه أشنع قتله، وملكوا عليهم شجرة الدر، فساست الرعية في أيامها أحسن
دمياط: مدينة قديمة على زاوية من النيل والبحر، وكانت ثغراً من ثغور الإسلام انظر: مراصد الاطلاع ٥٣٦/٢.
(١)
هو ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب، تسلطن بعد موت ابيه بأربعة أشهر ونصف على الأرجح، وهو آخر
(٢)
سلاطين ملوك بني أيوب بمصر. مات في سنة (٦٤٨هـ). انظر العبر ٢٠٠/٥، النجوم الزاهرة ٣٦٤/٦.
(٣)
كيفا، ويقال: كيبا: بلدة وقلعة عظيمة مشرفة على دجلة، بين آمد وجزيرة ابن عمر من ديار بكر، وكانت ذات
جانبين، وعلى دجلتها قنطرة عظيمة، وهي طاق كبير، يكتنفه طاقان صغيران. أهـ. أنظر مراصد الاطلاع:
٤٠٧/١.
(٤) هي الملكة شجرة الدر بنت عبدالله، جارية السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب وزوجته، وأم ولده خليل،
كانت حظية عنده يحبها حباً عظيماً، ملكت مصر بعد موته، ثم تنازلت إلى المعز أيبك وتزوجها. وجدت مقتولة
مسلوبة، خارج القلعة، سنة (٦٥٦هـ) انظر النجوم الزاهرة ٣٧٣/٦ -٣٧٧، بدائع الزهور ص ٧٣ - ٧٦، العبر
٢٢/٥.
(٥) انظر بدائع الزهور ص ٦٩ - ٧١ (باختصار) النجوم الزاهرة ٣٧٣/٦-٣٧٧، العبر ١٩٢/٥، ١٩٣، ١٩٥،
١٩٦، ٠١٩٩
٢٦

سياسة، وكان عز الدين أيبك(١) مدبر المملكة.
قال ابن اياس(٢): ((قال الشيخ شمس الدين محمد بن ابراهيم الجزري: فلما بلغ
الخليفة المستنصر بالله أبا جعفر، وهو ببغداد، أن أهل مصر قد سلطنوا امرأة
أرسل يقول من بغداد لأمراء مصر: أعلمونا إن كان ما بقي عندكم في مصر من
الرجال من يصلح للسلطنة فنحن نرسل لكم من يصلح لها، أما سمعتم في الحديث،
عن رسول الله، عَ ◌ّله، انه قال: ((لا أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة))(٣)، وأنكر عليهم
بسبب ذلك غاية الإنكار وهددهم، وأمرهم بالرجوع عن ذلك ... ، وقد قال
القائل :
ما رأينا لهن رأياً سنيا
النسا ناقصات عقل ودين
تعالى من النساء نبيـا
ولأ جل الكمال لم يجعل الله
فلما بلغها ذلك خلعت نفسها من السلطنة، وأشار القضاة والأمراء بأن يولوا عز
الدين أيبك التركماني في السلطنة، وأن يتزوج بشجرة الدر، فتزوجها، وتولى السلطنة
بعدها في ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وستمائة هجرية. فكان أول سلاطين الماليك
بالديار المصرية، وعلى يده انتقل الملك من الأيوبيين إلى الماليك، وتوالى من بعده
سلاطينهم على عرش البلاد، سلطانا بعد سلطان، حتى عام (٩٢٣) أي نحو خمس
وسبعين سنة ومائتين (٤).
وانقسموا في هذه الحقبة دولتين هما: الدولة البحرية(٥)، والدولة البرجية أو
الجر كسية (٦).
(١) هو الملك المعز أيبك التركماني على يده انتقل الملك من بني أيوب إلى المماليك سنة (٦٤٨هـ). وكان ذا عقل
ودين، قتلته شجرة الدر زوجته في الحمام سنة (٦٥٥هـ). انظر العبر ٢٢٢/٥. شذرات الذهب ٢٦٨/٥.
(٢)
انظر بدائع الزهور ص ٧٣ .
(٣)
اخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الفتن (٩٢) باب رقم (١٨) حديث رقم (٧٠٩٩) من حديث أبي بكرة
بلفظ ((لما بلغ النبى، عَ لَّه، أن فارسا ملكوا ابنة كسرى، قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)). أهـ. انظر
البخاري بحاشية السندي ٢٢٨/٤.
(٤)
انظر بدائع الزهور ص ٧٣ (باختصار).
سموا بذلك لأنهم كانوا يسكنون في جزيرة الروضة ببحر النيل. انظر عصر سلاطين الماليك ١٢/١.
(٥)
سموا بذلك لأنهم ينتمون إلى فرقة من الجند، كانت تقيم في أبراج القلعة، انظر خطط المقريزي ٩٨/٣.
(٦)
٢٧

١ - دولة المماليك البحرية (٦٤٨ - ٧٨٤ هـ):
أطلقت كلمة البحرية على طائفة من الماليك، قبل تأسيس دولتهم، وهذه
الطائفة هي التي أسكنها سيدها الملك الصالح نجم الدين الأيوبي بقلعة الروضة،
فعرفوا بالبحرية، وصاحبهم هذا الاسم، وليس معنى ذلك أن كل سلاطين هذه
الدولة، أو مماليكها من المماليك الصالحية نفسها، بل منهم سلاطين ومماليك من غير
البحرية الصالحية(١).
وقد أسسها عزالدين أيبك، وحكمت نحو مائة وثلاثين سنة، وغزت جملة
غزوات موفقة، وكبحت جماح التتار في عدة وقائع، فدفعت خطرهم عن مصر
دفعاً تاماً، وكفكفت من عدوانهم على بلاد الشام، وكان ملوكها بمصر مستقلين،
وملكوا باسمها - في أغلب ايامهم - بلاد الشام وجزيرة العرب، ووصل نفوذهم
حينا إلى شواطىء الفرات والجزيرة، وما وراء ذلك، كما وصل حينا إلى بلاد
المغرب (٢)
.
وقد تعاقب منهم على العرش أربعة وعشرون سلطاناً، من بينهم أربعة عشر ملكاً
من أسرة قلاوون وحدها، أولهم الملك المعز عزالدين أيبك حكم من سنة (٦٤٨هـ)
إلى سنة (٦٥٥هـ) وآخرهم الصالح امير حاج بن سفيان(٣)، حكم من سنة
(٧٨٣هـ) إلى سنة (٧٨٤هـ) الذي بويع بعد وفاة أخيه، وكان في نحو الحادية
عشرة، فقام بتدبير ملكه برقوق العثماني الجركسي(٤)، وقد قام هذا الأمير بأعمال
جليلة، منها أنه أرسل حملة تأديبية إلى التركمان المغيرين على البلاد الحلبية (٥)،
وطردهم منها، وأدب عرب البحيرة (٦) الثائرين، وأقام جسراً عظيماً على أحد
خلجان النيل، جهة الروضة. إلا أن نفسه حدثته بالوثوب إلى السلطنة، فأخذ يعد
انظر عصر سلاطين المماليك ٢٢/١.
(١)
(٢)
انظر المرجع السابق ٢٣/١.
(٣)
انظر عصر سلاطين المماليك ٤٠/١، ٤٣.
هو الملك الظاهر برقوق بن انس بن عبدالله الجركسي العثماني. توفي سنة (٨٠١هـ) انظر بدائع الزهور ص ٢٧٢،
(٤)
شذرات الذهب ٦/٧.
(٥)
انظر بدائع الزهور ص ٢٢٠.
انظر المرجع السابق ص ٢٢١ .
(٦)
٢٨

العدة لذلك، فقضى على جماعة من منازعيه من الأمراء، ثم عمل على خلع الملك،
وتولية نفسه بحجة أن الرعية فسدت، وساءت أحوالها، وكثر خروج العربان عليها،
وذلك في سنة (٧٨٤هـ) وبذلك انتهت الدولة البحرية، وبدأ عهد الدولة الجركسية
التي يعتبر برقوق الجركسي، هو مؤسسها(١).
٢ - دولة الجراكسة(٢): (٧٨٤ - ٩٢٣ هـ):
وهي الدولة الثانية من دولتي المماليك، وأصل ملوكها من الجنس الجركسي،
ولعل هذا الاختلاف اليسير في الجنسية بينهما هو السبب في أن يعتبرها المؤرخون
دولة أخرى جديدة مغايرة الماضية، مع أن الحق أنهما لا يفترقان في مظهر
جوهري، لأن ملوكها من معتوقي الماليك المشتراة، أومن أتباعهم، واتبعا في الحكم
نظاماً واحداً في أصل حقيقته، على الرغم أن النظام الوراثي للسلطنة كان أكثر
مراعاة في الدولة البحرية(٣) حيث كان كل سلطان يأخذ العهد لابنه من بعده،
ويجيبه الأمراء إلى ذلك حتى اذا مات السلطان، رفعوا ابنه بالفعل على العرش
تحقيقاً لميثاقهم، ولكن إلى المدة التي يصفي فيها الأمراء الحساب فيما بينهم، ويتفقون
على من يكون سلطاناً عليهم، فيعزلون الصبى الصغير، ويولونه مكانه، وينفى الصبى
الصغير إلى دمياط، أو الاسكندرية(٤)، وأحياناً إلى خارج مصر كلها إلى أراضي
الدولة البيزنطية مثلا(٥). وهكذا نرى أنهم كانوا لا يؤمنون بالنظام الوراثي،
ولذلك كثرت القلاقل، والاضطرابات والفتن الداخلية نتيجة تطلع الأمراء إلى
الاستئثار بالسلطة. وقد كانت هذه الفتن والاضطرابات ظاهرة مميزة لهذا العصر،
والمحرك المباشر لها حب السلطة والوصول إلى مركز القيادة بأي ثمن، حيث كان
انظر عصر سلاطين الماليك ٤٠/١ وما بعدها.
(١)
(٢)
كانوا يسكنون قلعة الجبل، وأصلهم من رعايا مملكة خوارزم، أكثر المنصور قلاوون من شرائهم حتى بلغ عددهم
ثلاثة آلاف وسبعمائة، وأسكنهم في ابراج ولذلك يسمون ايضاً البرجية. انظر خطط المقريزي ٣٩١/٣ ((ذكر دولة
الماليك الجراكسة)».
(٣)
انظر عصر سلاطين الماليك ٤١/١.
(٤)
قالوا: بنى الاسكندر ثلاث عشرة مدينة وسماها كلها باسمه، ثم تغيرت أساميها بعده. ومنها الاسكندرية المشهورة
في بلاد مصر (باختصار) انظر مراصد الاطلاع ٧٦/١.
انظر موسوعة تاريخ مصر ٦٨١/٢.
(٥)
٢٩
-!

الأمراء في نزاع مستمر، وفي تدبير الاغتيالات، والاطاحة بالسلطان للإستلام محله،
وكان ذلك لا يتم إلا باستعمال العنف، فينجم عن ذلك التصادم والقتل، والفتك أو
ان ينتهز من يدبر المملكة للسلطان - اذا كان صغيراً - الفرصة، فينزع الملك منه
کما مضى.
وقد تتابع السلاطين من هذا الجنس إلى أن انتهت دولتهم في سنة (٩٢٣ هـ)
بدخول مصر تحت نفوذ الخلفاء العثمانيين.
ورغم ذلك كله، فقد قام الماليك بأعمال جليلة، حفظوا بها ديار الإسلام من
الدمار والخراب، فقد صدوا عنها هجمات التتار، وأعادوا وحدة مصر والشام، وهم
الذين أسقطوا امارة انطاكية، وإمارة طرابلس، والجزء الذي كان باقياً من مملكة
بيت المقدس، واستردوا مدينة عكا، ودمرت آخر الحصون الصليبية، واستسلمت
كل البلاد التي كانت باقية لهم، وانتهى عصر الصليبيين في الشرق، بجانب ذلك
المحافظة على الدين، والغيرة على الشريعة، وإكرام العلماء والتودد اليهم، وبناء
المساجد، والمدارس، والمستشفيات، والقلاع الحربية، وغيرها(١).
جـ ـ أبرز الأحداث التي ساعدت على اشتهارهم:
من أهم الأحداث في بداية عهدهم سقوط بغداد سنة (٦٥٦هـ) أمام هجمة
التتار. فقد قامت دولة المماليك والخلافة الإسلامية في بغداد راسية الأركان، شامخة
البنيان، فلابد والحال هذه من الحديث عن بغداد، دار الخلافة الإسلامية، وما
اعتراها من نكبات، وويلات انعكست على حياة الأمة الإسلامية، والأقطار
الإسلامية في ذلك الوقت، فضلا عن تأثيرها بعيد المدى على الأمة الإسلامية في
کل مکان وزمان.
ولا بد من تقرير حقيقة ثابتة وهي أن الإسلام والمسلمين في عزة، وقوة ومنعة،
ما تحققت الخلافة في الأرض، وما دام المسلمون يعيشون تحت نفوذها، ويخضعون
لسلطانها، ويأتمرون بأحكامها، أحكام الله التي ارتضاها لعباده.
(١) انظر موسوعة التاريخ الإسلامي ٢٢٢/٥، بدائع الزهور ص ٣٣٠ (بتصرف).
٣٠

ولقد نعم المسلمون في ظل الإسلام، وتحت حكم الخلفاء المسلمين، فعاشوا في
سعة من العيش، ورغد الحياة، وسعدت البشرية جمعاء، ذلك أن الإسلام هو دين
العدل والأمن والطمأنينة، يوفر العدل والأمن والطمأنينة والاستقرار للفرد والجماعة،
ونظام يؤمن هذه الأمور للرعية تزدهر فيه الحياة، وينشط الاقتصاد، ويتقدم العلم،
وتتفجر الطاقات الخلاقة، ويكثر النبوغ والإبداع، ويبرز فيه التنافس بين أتباعه في
فعل الخيرات. لذا تطلعت الخلائق بشوق، وإعجاب، وإكبار للافادة من هذا
الصرح الشامخ الذي بناه المسلمون في ظل نظام الإسلام.
لكن سنة الله التي لا تتبدل أن الامة اذا غيرت غير الله عليها، قال الله تعالى:
﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾(١) وقال: ﴿ذلك بأن الله لم يك
مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾(٢). وابتلاء الله للدول والأمم
والأفراد - اذا ما غيروا، وابتعدوا عن دينه - واقع لا محالة على أيدي أناس من
خلقه، فابتلى الله الأمة الاسلامية بغزو التتار (٣) الذين اجتاحوا أواسط آسيا وغربها
منذ عام (٦٠٦هـ) كالجراد الزاحف، فملكوا كثيراً من البلاد، وقتلوا ما لا يحصى
من أهلها حتى بلغوا خراسان فانتزعوها من ملكها (( خوارزم شاه محمد بن تكش))
عام (٦١٧هـ) بعد أن افنوا عدداً ضخماً من مسلميها، وتتابعت هجماتهم(٤).
وفي أول سنة (٦٥٦هـ) قصد الطاغية هولا كو ، مركز الخلافة الإسلامية، حاضرة
الملك، ومثابة العلم والعلماء بجيوشه، وكانت الفتنة بين أهل السنة والرافضة، فكاتب
العلقمي(٥)، وزير المستعصم (٦) التتار، وحرضهم على قصد بغداد، لأجل ما جرى
(١)
الآية ١١ من سورة الرعد.
(٢)
الآية ٥٣ من سورة الأنفال.
قال ابن الاثير: ((والتتار نوع من الترك يسجدون للشمس عند شروقها، ويأكلون لحم بني آدم، والدواب لا غير،
(٣)
ويأتي المرأة غير واحد، فاذا جاءت بولد لا يعرف من أبوه ومساكنهم جبال طغماج من نحو الصين، ملكوا البلاد
في سنة واحدة، دوابهم التي تحمل أثقالهم تحفر الأرض، وتأكل شروش العشب، ولا تعرف الشعير)) أهـ. نقلا عن
شذرات الذهب ٧٣/٥.
(٤)
انظر تفصيل ذلك في العبر ٦٤/٥ وما بعدها، شذرات الذهب ٥/ ٧٢ .
(٥)
هو محمد بن محمد بن علي، ابو طالب الوزير، مؤيد الدين بن العلقمي البغدادي وزير المستعصم، ولي الوزارة أربع
٠
عشرة سنة، وكان ذا حقد، وغل على أهل السنة مات غما في اوائل سنة (٦٥٧هـ) انظر فوات الوفيات ٣١٢/٢،
العبر ٢٣٥/٥، وذكره في وفيات سنة (٦٥٦هـ).
(٦) هو المستعصم بالله أبو أحمد عبدالله بن المستنصر بالله أبي جعفر منصور بن الظاهر محمد بن الناصر العباسي، آخر
الخلفاء العراقيين، وكانت دولتهم خمسمائة سنة وأربعا وعشرين سنة، قتل سنة (٦٥٦هـ) انظر العبر ٢٣٠/٥.
٣١

على إخوانه الرافضة من النهب والخزي، وظن المخذول أن الامر تم، وأنه يقيم خليفة
علويا، فأرسل أخاه ومملوكه إلى هولاوو، وسهل عليه أخذ بغداد، وطلب أن
يكون نائباً عليها، فوعدوه بالامان، فساروا إلى بغداد، ولم تستطع جيوش المسلمين
صدهم، حتى حاصروا بغداد، فأشار ابن العلقمى على المستعصم بالله أن يُخرج أي
العلقمي - إليهم في تقرير الصلح، فخرج الخبيث وتوثق لنفسه، ورجع فقال: ان
الملك قد رغب في أن يزوج ابنته بابنك، وأن تكون الطاعة له كما كان أجدادك
مع الملوك السلجوقية، ثم يرحل عنك فخرج إليه المستعصم في أعيان دولته، وأكابر
الوقت، ليحضروا العقد، فضربت رقاب الجميع، وقتلوا الخليفة، رفسوه حتى مات،
وصار كذلك تخرج طائفة بعد طائفة، فتضرب أعناقهم حتى بقيت الرعية بلا راع.
ثم استباحوا بغداد قتلا وتخريباً، وهتكا بالأعراض نيفا وثلاثين يوماً، فقل من نجا،
وأحرقوا الكتب، واغرقوها حتى بنوا بها جسوراً على ماء دجلة (١).
كان لهذه المحنة أثر بالغ في نفوس الناس في البلاد كلها، لا سيما من كان منهم
في مصر التي أصبحت تحت حكم سلاطين المماليك، فراعهم ما حل بالدين، والعلم،
وأهله على يد التتار ببغداد، وخشوا أن يصيبهم مثل ما أصاب القوم، فهيئوا،
وأعدوا العدة لقتالهم ووقعت بين الفريقين وقائع انتصر فيها الماليك في عين
جالوت (٢) سنة (٦٥٨هـ) ثم في بيسان، وأجلوهم عن بلاد الشام(٣)، وردوهم عنها
صاغرين، فوقف تيارهم عند هذا الحد، ولم يستطيعوا ان يصلوا إلى المسلمين في
مصر، وتفرقت دولتهم من بعد ذلك دولاً، عاصرت بقايا السلاجقة، ومماليك
مصر .
منذ ذلك الحين أصبحت مصر محط أنظار المسلمين، يفدون اليها من كل حدب
وصوب، فيجدون في كنف سلاطينها، وأهلها مراحا خصباً، وظلاً ظليلاً،
وأصبحت القاهرة مركزاً للعلوم الإسلامية، وآلت اليها كذلك الخلافة الزائلة من
بغداد، فوجد سلاطين الماليك في تجديدها شرعية لمكانهم في الملك، ومكملاً
انظر البداية والنهاية ٨٦/١٣. العبر ٢٢٥/٥، شذرات الذهب ٢٧٠/٥ فوات الوفيات ٣١٢/٢-٣١٥.
(١)
(٢)
عين جالوت بلدة لطيفة بين نابلس وبيسان، من أعمال فلسطين، انظر مراصد الاطلاع ٢/ ٩٧٧.
(٣)
انظر البداية والنهاية ٨٦/١٣.
٣٢

لمظهرهم الإسلامي، وسبيلاً إلى جمع قلوب الخاصة، والعامة من المسلمين، فأنشأ
الملك الظاهر بيبرس في سنة (٦٥٩هـ) منصب الخلافة في مصر (١)، مركزه القاهرة،
وأصبح أحد مناصب الدولة الرئيسية، وظل كذلك نحو ثلاثة قرون حيث حمل
العثمانيون آخر خلفاء العباسيين بمصر، وهو المتوكل على الله (٢) معهم إلى
القسطنطينية (٣)
ثانياً - الحالة الاقتصادية والإجتماعية:
ان الحالة الاقتصادية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأمن والاستقرار، وعدم الحروب
والفتن والاضطرابات، فالأحوال السياسية لها تأثير كبير على الحركة الاقتصادية لذا
ازدهرت التجارة في الفترة التي سقطت فيها القلاع والامارات الصليبية المنتشرة في
طول البلاد وعرضها، فأصبحت مصر التي تقوم بدور الوكلاء في عدن، والخليج
والهند والشرق الاقصى، وحلت محل المراكز التجارية الصليبية التي كانت موجودة
قبل سقوط الصليبيين، فتحسنت الحالة الاقتصادية، ونشطت التجارة، وأثرى
الناس، وجنت الدولة نتاج هذه الثمار الطيبة، إلا أن ازدهارها لم يكن سوى آخر
خفقة في سراج هذه التجارة، فاكتشفت امريكا طريق رأس الرجاء الصالح، فسبب
هذا خسارة مالية فادحة لكل من مصر وسوريا، وأضعف الحركة التجارية عبر
القطرين، لا سيما وأن الطرق البرية بين أوروبا وآسيا عبر الاناضول قد دمرتها
تحركات المغول، فأصبحت التجارة بين آسيا وأوروبا بحرية.
أما الزراعة فقد بذل السلاطين عناية بالترع والجسور، ونهضت الزراعة نهضة
واسعة في ظل الأمن، ولكن الاضطرابات التي حدثت في بعض العهود قللت من
النشاط الزراعي، على أن الفلاح على العموم كان مظلوماً، ومهملاً، وعاش في دولة
المماليك تابعاً وكل أمره كان في يد مالك الاقطاع.
وأما الصناعة فقد نشطت بعض الشيء، كصناعة النسيج، والأواني المعدنية
(١) انظر النجوم الزاهرة ٦٤/٧
(٢) هو المتوكل على الله بن المستمسك بالله يعقوب. انظر بدائع الزهور ص ١١٢٤.
(٣) انظر المرجع السابق.
٣٣

المنقوشة، والزجاج، والجلود، والأسلحة، والسفن، والزخرفة، وغير ذلك من
أدوات الزركشة والتزيين(١) .
أما الحالة الاجتماعية: فقد كان المجتمع في عصر المماليك ينقسم إلى طبقات:
١) طبقة الأمراء والماليك: وهي الطبقة العليا في المجتمع، فهم يعيشون في قلاعهم
وحصونهم، بعيدين عن الناس، لا يختلطون بهم، ولا يتزوجون منهم،
وينشئون تنشئة عسكرية ويدربون على أنواع الرياضة والفروسية، فكانوا
يشعرون بأنهم أقوى فئة في المجتمع يتميزون عن أفراده بالفروسية والشجاعة،
ولهم السلطة المطلقة(٢).
٢) طبقة العلماء: وهم القضاة والمدرسون في المدارس والمساجد وغيرها، وقد كانوا
يحتلون مكانة اجتماعية مرموقة، فكلمتهم مسموعة لدى السلاطين، ولدى
طبقات الشعب، مع الاحترام والتقدير، والانقياد والطاعة لهم في كل ما
يصدر عنهم فقد كانوا - كما قال احمد أمين (٣) - ملوكا غير متوجين.
٣) طبقة التجار والصناع: وقد كانوا يحتلون منزلة أعلى من منزلة الفلاحين، اذ
أن التجار والصناع كانوا يعيشون - غالباً - في المدن، بعيدين عن الاقطاع،
وما فيه من الاذلال، وقد يكون لبعضهم ثراء جدير بالذكر، مما جعلهم
ينعمون بمتع الحياة وملاذها (٤).
٤) طبقة الفلاحين: وهم سواد الشعب وغالبيته وقد كان الفلاح في القاع بين هذه
الطبقات، وحالته الاقتصادية متدنية ومعيشتهم قاسية، فضلاً عن أن معظمهم
شمله نظام الاقطاع(٥).
أما مظهر الحياة وصيغتها وبتعبير آخر تقاليد المجتمع وعاداته، فقد كان الناس
انظر موسوعة التاريخ الإسلامي للدكتور شلبى ٢٣٨/٥ (بتصرف).
(١)
(٢)
انظر خطط المقريزي ١٧٩/٢.
(٣)
انظر ضحى الإسلام ٢١٣/٤.
(٤)
انظر موسوعة التاريخ الإسلامي ٢٤٠/٥.
انظر موسوعة التاريخ الإسلامي ٢٣٨/٥.
(٥)
٣٤

يعيشون في ظل نظام الإسلام، وكانت العقيدة الإسلامية هي عقيدة المجتمع،
وأحكام الله هي النافذة، وكان السلاطين يبالغون في التمسك، والالتزام بها،
فعادات الناس وتقاليدهم وعلاقاتهم الإجتماعية منبثقة من مفاهيم الإسلام، وآدابه
العامة.
وقد كثرت المناسبات الدينية، وبولغ في احياء موالد الأولياء والصالحين وغيرها،
حتى أضحى ذلك ظاهرة مميزة لعصر الماليك، وعلى ما يبدو لي أن السلاطين كانوا
يقصدون من ذلك إرضاء الناس، وكسب ودهم عن طريق المبالغة في اظهارها،
فضلاً عن اشغال العامة بمثل هذه الأمور عما يجري بين الأمراء والسلاطين من صراع
وتنافس على السلطة والهائهم عن التطلع لاستلام قيادة البلاد وادارتها .
ثالثاً - الحالة العلمية والثقافية:
ظلت بغداد زهاء خمسة قرون مركز الخلافة الإسلامية، وقبلة المسلمين، وغيرهم
في العلم، والمعرفة، يفد اليها الطلاب من شتى أنحاء العالم ليفيدوا من علومها
المختلفة، وليأخذوا عن علمائها .
ولقد نشطت الحركة العلمية فيها نشاطاً كبيراً، ونبغ فيها علماء وامتلأت دور
الكتب فيها بالكتب المتنوعة في مختلف العلوم والفنون والمعرفة، فأصبحت بغداد
مصدر الاشعاع الفكري ومعلمة الأجيال.
واستمر الحال إلى أن كانت الفاجعة الكبرى، والمصاب الجلل الذي لحق بالخلافة
وسقوطها على يد التتار، فاتجهت الانظار إلى مصر والشام، فلاذ من نجا من العلماء
اليهما، وهاجر آخرون من الأندلس إلى مصر عندما سقطت أجزاء كثيرة منها في
القرن السابع الهجري في أيدي الاسبان، فوجدوا الرعاية والتكريم، فدبت الحياة من
جديد وتحركت عجلة الحياة في مختلف العلوم، ونشطت الحالة العلمية، وبهذا انتقل
النشاط العلمي من العراق والأندلس إلى مصر، فأصبحت القاهرة تتبوأ مركز
القيادة في كل شيء حتى في مختلف العلوم وصنوف المعارف والفنون زهاء الثلاثة
قرون التي عاشت فيها دولة المماليك. وهذه تمثل العوامل الخارجية التي ساعدت في
٣٥
:٠

ازدهار الحركة العلمية بمصر .
وبجانب ما أسلفنا من عوامل خارجية ساهمت في تنشيط الحركة العلمية والثقافية
في مصر كانت هنالك عوامل داخلية لها أثر فعال في إحياء هذه الحركة، فمن هذه
العوامل :
تعظيم السلاطين والأمراء لأهل العلم - وهم المتفقهون في الدين - حيث أقام
أ)
السلاطين وزناً لهم، وبَجَّلوهم، وقدموهم في مسائل كثيرة، واستشاروهم في
أمور الدولة العليا، وسمعوا شكاياتهم اذا تقدموا اليهم بها، وهذا من شأنه أن
يجعل لهم منزلة رفيعة، يصبو لها الجيل، ولا منال لها إلا بالعلم، فأقبل الناس
على العلم والعلماء، فنشطت الحركة العلمية، واهتم الناس بالعلوم الشرعية(١).
ب) شعور العلماء بالمسؤولية: شعر العلماء بواجبهم وأنهم أمام مسؤولية جسيمة
لتعويض ما أحرق من كتب، فقاموا بالتدوين والتأليف وأشاعوا حركة إحياء
علمية، وتنافسوا في ذلك تنافساً شديداً، فكان له أثره الفعال في ذلك (٢).
جـ) انشاء دور التعليم ونظامها: تعتبر عملية انشاء دور التعليم سبباً أساسياً وحيوياً
لتنشيط الحركة العلمية ونشر الثقافة، ومظهراً من مظاهر التقدم الحضاري،
لذا اهتم الخلفاء، والسلاطين، والأمراء، والوزراء بإنشائها، وتنافسوا في ذلك،
فكثرت المدارس وانتشرت في طول البلاد وعرضها .
وتتمثل دور التعليم في العصر المملوكي فيا أُنشىء من مدارس ومساجد للمذاهب
الأربعة، وما شيد من خوانق(٣)، وأربطة، وزوايا للصوفية، وكان بجوار هذه
المعاهد التعليمية مكاتب صغيرة متواضعة، ملحقة بها، تعنى بتعليم الصبية مبادىء
القرآن والكتابة، وطرفا من العلوم الأولية، وتحفيظ القرآن الكريم، تمهيداً للالتحاق
(١) انظر عصر سلاطين الماليك ٢١/٣، وما بعدها (بتصرف).
(٢) انظر عصر السلاطين الماليك ٢٥/٣، ٢٦ (بتصرف).
(٣)
الخوانق جمع خانقة، وهي كلمة فارسية معناها بيت، وقيل: أصلها خونقاه أي الموضع الذي يأكل فيه الملك،
والخوانق حدثت في الإسلام في حدود الأربعمائة من سني الهجرة، وجعلت لتخلي الصوفية، انظر خطط المقريزي
٣٩٩/٣، ولفظ الرباط والزاوية عربيان.
٣٦

بالمدارس ذات المستوى الرفيع(١). وقد عني ابن دقماق(٢)، والمقريزي(٣)،
والسيوطي(٤)، وابن اياس(٥)، بذكر المساجد، ودور التعليم من أول انشائها إلى آخر
عصر المماليك.
وسأذكر فيما يلي بعض المدارس الهامة التي أنشئت في عصر المماليك مع التعريف
بها بإيجاز :
١ - المدرسة الظاهرية القديمة: التي أنشأها الملك الظاهر بيبرس البندقداري(٦)
حيث شرع في بنائها سنة احدى وستين وستمائة، وتمت في أول سنة اثنتين
وستين وجعل لها أربع إيوانات، وجعل بها خزانة كتب تشتمل على أمهات
الكتب في سائر العلوم، وبنى بجانبها مكتباً لتعليم أبناء المسلمين كتاب الله
تعالى، وأجرى لهم الجرايات والكسوة، وقد كان يدرس فيها الفقه على
المذهب الشافعي والحنفي، والحديث، والقراءات بالروايات، ولا تزال بقاياها،
قائمة بشارع المعز لدين الله الفاطمي بجانب قبة الصالح بحي النحاسين(٧).
٢ - المدرسة المنصورية: التي أنشأها والبيمارستان الملك قلاوون(٨) سنة تسع وسبعين
انظر عصر الماليك (بتصرف) ٢٩/٣، ٣٠.
(١)
(٢)
هو ابراهيم بن محمد بن دقماق، صارم الدين، مؤرخ الديار المصرية، جمع تاريخاً على الحوادث وتاريخاً على التراجم،
وطبقات الحنفية. مات في ذي الحجة سنة تسعين وسبعمائة، وقد جاوز الثمانين. أنظر حسن المحاضرة ٥٥٦/١،
الضوء اللامع ١٤٥/١ .
(٣) هو تقي الدين أحمد بن علي بن عبدالقادر بن محمد، مؤرخ الديار المصرية ولد سنة (٧٦٩هـ) واشتغل في الفنون،
وخالط الأكابر، وولي حسبة القاهرة وألف كتباً كثيرة منها: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، والسلوك
بمعرفة الملوك، والتاريخ الكبير، وغير ذلك. مات سنة أربعين وثمانمائة. انظر البدر الطالع ٧٩/١، حسن المحاضرة
٥٥٧/١ .
(٤) هو جلال الدين عبدالرحمن بن ابي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري السيوطي، الشافعي، المسند المحقق
المدقق. ولد سنة (٨٤٩هـ) له مصنفات كثيرة نافعة. توفي في سنة (٩١١هـ). أنظر شذرات الذهب ٥١/٨، حسن
المحاضرة ٣٣٥/١ - ٣٤٤.
(٥) هو محمد بن أحمد بن اياس الحنفي المصري، المؤرخ المتوفى سنة (٩٣٠هـ).
(٦) هو الملك الظاهر العلائي البندقداري، ثم الصالحي النجصي، صاحب الفتوحات والآثار العظيمة، كان عبداً أخذه
الملك الصالح نجم الدين أيوب فأعتقه، ثم جعله قائداً على الجيش، ثم تولى الحكم سنة (٦٥٨هـ). وله وقائع عظيمة
مع التتار والصليبيين. توفي في سنة (٦٧٦هـ) بدمشق، انظر العبر ٣٠٨/٥، النجوم الزاهرة ٩٤/٧، شذرات
الذهب ٣٥٠/٥، الاعلام ٥٩/٢.
(٧) أنظر: خطط المقريزي ٣٤٠/٣، حسن المحاضرة ٢٦٤/٢، النجوم الزاهرة ١٢٠/٧ حاشية رقم (١).
(٨) هو السلطان الملك المنصور سيف الدين أبو المعالي، وأبو الفتوح قلاوون التركي الصالحي. كان من أكبر =
٣٧

وستمائة هجرية، ورتب فيها دروس فقه على المذاهب الأربعة، ودروس
تفسير، ودرس حديث، ودرس طب(١).
٣ - المدرسة الناصرية: ابتدأها العادل كتبغا (٢)، وأتمها الناصر محمد بن
قلاوون(٣)، فرغ من بنائها سنة ثلاث وسبعمائة، ورتب بها درسا للمذاهب
الأربعة قال المقريزي: أدركت هذه المدرسة وهي محترمة إلى الغاية، يجلس
بدهليزها عدة من الطواشية، ولا يمكن غريب ان يصعد إليها، وكان يفرق
بها على الطلبة والقراء، وسائر ارباب الوظائف بها السكر في كل شهر لكل
أحد منهم نصيب(٤) ((أهـ .
٤ - المدرسة الصاحبية البهائية: كانت بزقاق القناديل بمصر، قرب جامع عمرو
ابن العاص، أنشأها الوزير الصاحب بهاء الدين علي بن محمد بن حنا(٥)، عام
(٦٥٤هـ) وقد وقف عليها عدة أوقاف، وخصص لها خزانة كتب ثمينة،
و كان زقاق القناديل اذ ذاك اكثر أحياء مصر عمرانا، وسكانا، وكان يسكنه
الاشراف ويعلقون القناديل على أبواب منازلهم، قال المقريزي: ((وكانت من
أجل مدارس الدنيا، وأعظم مدرسة بمصر، يتنافس الناس من طلبة العلم في
النزول اليها ، ويتشاحنون في سكنى بيوتها حتى يصير البيت الواحد من بيوتها،
يسكن فيه الاثنان من طلبة العلم، والثلاثة، ثم تلاشى أمرها)) هـ.(٦).
الامراء زمن الظاهر، وتملك في رجب سنة (٦٧٨هـ) وكسر التتار، وغزا الفرنج عدة مرات. مات في سادس ذي
===
القعدة سنة (٦٨٩هـ) بالمخيم بظاهر القاهرة. انظر العبر ٣٦٣/٥، النجوم الزاهرة ٢٩٢/٧، الأعلام ٥٠/٦.
(١) انظر خطط المقريزي ٣٤٢/٣، حسن المحاضرة ٢٦٤/٢، عصر سلاطين المماليك ٤٢/٣.
(٢) هو زين الدين كتبغا المغلي المنصوري، كان على دين وسلامة باطن، وتواضع، تسلطن بمصر عامين، وخلع في صفر
سنة (٦٩٦هـ) فالتجأ إلى صرخد، ثم أعطي حماة، فمات بها سنة (٧٠٢هـ) ونقل فدفن بتربته في سفح قاسيون يوم
الجمعة يوم الأضحى. أهـ. انظر شذرات الذهب ٥/٦، دول الإسلام ٢١٠/٢.
(٣) هو الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون بن عبدالله الصالحي. ولد في سنة (٦٨٤ هـ) جدد وبنى جوامع،
ومدارس، وخوانق، وفتحت في زمنه ملطية وطرسوس، ووجدت له اجازة بخط البرزالي من ابن مشرف، وغيره،
وسمع من ست الوزراء وابن الشحنة، وخرج له بعض المحدثين جزءاً. توفي في سنة (٧٤١ هـ) أنظر العبر
١٣٥/٦، شذرات الذهب ١٣٤/٦.
(٤) انظر خطط المقريزي ٣٤٦/٣، حسن المحاضرة ٢٦٥/٢.
هو ابن حنا الوزير الأوحد، بهاء الدين علي بن محمد بن سليم المصري الكاتب أحد رجال الدهر حزماً، ورأياً،
(٥)
وجلالة، ونبلاً، وقياماً بأعباء الأمور، مع الدين والعفة، والصفات المجيدة، والأموال الكثيرة. توفي في سنة
(٦٧٤ هـ) .. انظر العبر ٣١٥/٥.
(٦) انظر عصر الماليك ٤٣/٣، خطط المقريزي ٣٢٨/٣، وما بعدها.
٣٨

٥ - المدرسة المنكوتمرية: كانت تقع بحارة بهاء الدين بالقاهرة، بناها الأمير سيف
الدين منكوتمر الحسامي(١)، نائب السلطنة في عهد السلطان لاجين المنصوري(٢)
بجوار داره، فكملت في صفر سنة (٦٩٨هـ) ورتب بها درس المالكية،
ودرس للحنفية وزودت بخزانة كتب، وأوقفت عليها أوقاف ببلاد الشام(٣).
٦ - المدرسة الجمالية: بناها الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي الذي كان وزيراً في
عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وقد توفي عام (٧٣٢هـ) بعد أن بنى
هذه المدرسة في سنة (٧٣٠هـ) وأوقف عليها عدة أوقاف بالقاهرة والشام،
وجعلها مدرسة للحنفية، وخانقاه للصوفية. قال المقريزي: ((وكان شأن هذه
المدرسة كبيراً، يسكنها أكابر فقهاء الحنفية، وتعد من أجل مدارس القاهرة
ولها عدة أوقاف بالقاهرة وظواهرها، وفي البلاد الشامية (٤).
٧ - المدرسة الظاهرية: وهي غير الظاهرية التي أسسها الظاهر بيبرس، أما هذه فقد
أسسها الظاهر برقوق بين القصرين، وكان الشروع في عمارتها في رجب سنة
(٧٨٦هـ) وانتهت في رجب سنة ثمان وثمانين وسبعمائة. وقد افتتحها السلطان
برقوق باحتفال عظيم، شهده الامراء والقضاة، ورتب بها دروساً في المذاهب
الأربعة، ودروساً في الحديث، ودروساً في القراءات(٥).
٨ - المدرسة المحمودية: أنشأها الامير جمال الدين محمود بن علي الاستادار(٦) في
سنة (٧٩٧هـ) ورتب بها درساً، وعمل فيها خزانة كتب، لا يعرف اليوم
بديار مصر ولا الشام مثلها(٧).
(١) هو أحد مماليك الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري، ترقى في خدمته واختص به اختصاصاً زائداً إلى أن
ولي مملكة مصر بعد كتبغا، سنة (٦٩٦ هـ) فجعله احد الأمراء، ثم اصبح نائباً له، قتل ليلة الجمعة في سنة
(٦٩٨ هـ). انظر خطط المقريزي ٣٥٥/٣، بدائع الزهور ص ١١٦.
(٢)
هو الملك المنصور صاحب مصر والشام، حسام الدين لاجين المنصوري السيفي، ولي مملكة مصر بعد كتبغا في سنة
(٦٩٦ هـ)، وقتل ليلة الجمعة سنة (٦٩٨ هـ) وقتل معه نائبه منكوتمر. انظر العبر ٢٩٠/٥، بدائع الزهور ص
١١٤ - ٠١١٧
انظر خطط المقريزي ٣٥٥/٣، عصر سلاطين المماليك ٤٨/٣.
(٣)
(٤)
انظر خطط المقريزي ٣٥٢/٣، ٣٦٤، عصر سلاطين المماليك ٤٩/٣.
(٥)
انظر بدائع الزهور ص ٢٢٨، حسن المحاضرة ٢٧١/٢، عصر الماليك ٥٦/٣.
(٦)
توفي محبوساً في خزانة شايل، سنة (٧٩٩هـ). أنظر بدائع الزهور ص ٢٦٦.
(٧)
أنظر خطط المقريزي ٣٦٨/٣ وما بعدها، عصر الماليك ٥١/٣.
٣٩

وقد كان بجانب المدارس التي أنشأها الماليك مدارس أنشئت قبلهم في جهات
متعددة من البلاد الإسلامية، وقد أدت دورها في ذلك الحين، واستمرت كذلك في
عصر المماليك، ومن هذه المدارس التي كانت في مصر ما يلي:
١ - المدرسة الصلاحية: أنشأها صلاح الدين الأيوبي(١) عام (٥٧٢هـ) بجوار قبة
الإمام الشافعي، وجعل بها مدرسين، ومعيدين. قال السيوطي(٢): ((وينبغي أن
يقال لها: تاج المدارس، وهي أعظم مدارس الدنيا على الإطلاق لشرفها بجوار
الشافعي ولأن بانيها أعظم الملوك، ليس في ملوك الإسلام مثله، لا قبله ولا
بعده)).أهـ. وقد عاشت هذه المدرسة في العصر المملوكي مدة طويلة(٣).
٢ - المدرسة الكاملية: وتعرف بدار الحديث الكاملية: انشأها الملك الايوبي (٤) سنة
(٦٢٢هـ) وهي ثانية الدور التي بنيت لرجال الحديث بخاصة، والاولى بناها
العادل نور الدين بن زنكي(٥)، بدمشق.
وقد أوقف الملك الكامل على هذه المدارس أوقافاً عدة، وظلت عامرة
برجالها، وبطائفة من المدرسين المشتغلين بالحديث حتى عام (٨٠٦هـ)، ومنذ
ذلك العام ولي أمرها من لم يحسن القيام به، فأخذت في الزوال (٦).
٣ - المدرسة الصالحية: التي أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك
الكامل، شرع في بنائها سنة تسع وثلاثين، وهي عبارة عن أربع مدارس
(١) هو صلاح الدين السلطان الملك الناصر أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شادي بن مروان بن يعقوب الدويني الأصل
التكريتي المولد. ولد في سنة (٥٣٢هـ). كسر الفرنج مرات. توفي في قلعة دمشق في سنة (٥٨٩هـ). أنظر العبر
٤/ ٢٧٠، بدائع الزهور ص ٥٥-٥٨ .
(٢)
انظر حسن المحاضرة ٢٥٧/٢.
انظر: بدائع الزهور ص ٥٨، عصر سلاطين الماليك ٣٧/٣.
(٣)
هو الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب بن شادي بن مروان، ولد سنة (٥٧٦هـ)
(٤)
كان عادلاً، عارفا بالأدب، حدث عن السلفي وتولى سلطة الديار المصرية بعد أبيه سنة (٦١٥هـ) واستمر في
حكمها إلى أن توفي في سنة (٦٣٥هـ). أنظر بدائع الزهور ص ٦٢ -٦٦، شذرات الذهب ١٧٢/٥ الاعلام
٢٥٥/٧.
(٥) هو السلطان نور الدين الملك العادل أبو القاسم محمود بن اتابك زنكي بن اقسنقر التركي، ولد سنة (٥١١هـ) وكان
أجمل ملوك زمانه، وأعدلهم، وأدينهم، وأكثرهم جهاداً، هزم الفرنج غير مرة، توفي في سنة (٥٦٩هـ). أنظر العبر
٢٠٨/٤، دول الاسلام ٢/ ٨٢.
(٦) انظر خطط المقريزي ٣٣٥/٣، بدائع الزهور ص ٦٥، عصر الماليك ٥٤٠/٣.
٤٠