النص المفهرس

صفحات 1841-1860

.... ٦٫٠
٣٧٤
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
الحافي : يا أصحابَ الحديثِ؛ أدُّوا زكاة هذا الحديث، اعْمَلوا مِن كلِّ
مِائتي حديثٍ بخمسةِ أحاديث .
وقال عمرُو بن قيسِ المُلائيُّ: إذا بلغك شيءٌ مِنَ الخيرِ فَاعْمَلْ بِهِ ولو
مَرَّةَ، تَكُنْ من أهلِهِ .
وقال وكيعٌ : إذا أردتَ أن تحفظَ الحديثَ فاعْمَلْ به .
وقال إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بن مُجمِّع : كُنا نستعينُ على حفظِ الحديثِ
بالعملِ به .
وقال أحمدُ بنُ حنبل : ما كتبتُ حديثًا إلا وقد عملتُ به، حتَّى مرَّ بي
أن النبيَّ نَّهِ احتجَمَ وأَعْطَى أبا طيبة دينارًا، فاحْتَجَمْتُ وأعطيتُ الحجَّامَ
دینارًا .
· تعظيم الشيخ وإجلاله:
(وينبغي) للطالبِ (أن يُعظُّمَ شَيْخَهُ ومن يسمعُ منه؛ فذلك من إجلالٍ
العلم وأسبَابِ الانتفاعِ بِهِ) .
وقد قال المغيرةُ : كنا نهابُ إبراهيمَ كما يُهَابُ الأميرُ .
وقال البخاريُّ : ما رأيتُ أحدًا أَوقَرَ للمُحدِّثين من يَحيى بنِ مَعينٍ .
وفي الحديثِ: ((تَوَاضَعوا لِمِنْ تَعَلَّمونَ منهُ))، رواه البيهقيُّ مرفوعًا
مِن حديثٍ أبي هُريرة وضعَّفه، وقال: الصحيحُ وَقْفُهُ علىَ عُمَرَ .
وأورَد في الباب حديثَ عبادة بن الصامتِ مرفوعًا: ((ليسَ منَّا مَنْ لم
يُجلَّ كَبِيرَنا ويَرْحَم صَغيرَنَا، ويَعْرفْ لِعالمِنا)) رواه أحمد وغيره .

٣٧٥
الثامن والعشرون : آداب طلب الحديث
وأسنَدَ عنِ ابنِ عباسٍ قال: وجدتُ عامةَ عِلم رسولِ اللَّه وَلَّ عِند هذا
الحيِّ من الأنصارِ ، فإنْ كُنتُ لآتي بابَ أحدِهم فأَقِيلُ بِبابِهِ، ولو شئتُ أن
يُؤذن لي عليه لأُذن لي بِقرابَتي من رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، ولكنْ كُنتُ أبتغي
بذلك طیبَ نَفْسِهِ .
وأسندَ عن أبي عُبيد القاسم بن سلام قال: ما دَقَقْتُ على مُحدِّثٍ بابه
قطُّ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَهُمْ صَبَرُواْ حَّى تَّخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَرَاً لَّهُمَّ﴾
[الحجرات: ٥].
(ويعتقد جَلالةَ شيخِهِ ورُجْحَانَه) على غيرِهِ، فقد روَى الخليليُّ في
((الإرشادِ)) عن أبي يُوسفَ القاضي قال: سمعتُ السَّلفَ يقولونَ: مَنْ
لا يَعْرِفُ لأستاذِهِ لا يُفْلِحُ .
(ويتحرَّىْ رِضاهُ) ويَحذَرُ سَخَطَهُ، (ولا يُطَوِّل عليه بحيثُ يُضچِره)
بل يقنع بما يُحدِّثه به؛ فإنَّ الإضجارَ يُغيِّرُ الأفهامَ، ويُفسدُ الأخلاقَ ،
ويُحيلُ الطَّباعَ .
قال ابنُ الصلاحِ: ويُخشى على فاعلِ ذلكَ أنْ يُحرَّمَ الانْتفاع .
قال: ورُوِّينا عن الزُّهريِّ أنه قال: إذا طالَ المجلسُ كان للشيطانِ فيه
نَصيبٌ .
(وليَسْتَشِرهُ في أمُورِهِ) التي تعرضُ له، (وفيما يَشْتَغِلُ فيه، وكَيْفِيَّةِ
اشتِغَالِهِ)، وعلى الشيخِ نُصحُه في ذلك .

٣٧٦
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
• الحَذَر من كَتْم العلم:
(وينبغِي له) أي: للطالبِ (إذا ظَفَرَ بسَمَاعٍ) لشيخ (أن يُرْشِدَ إليه
غيرَه) مِن الطلبةِ ، (فإِنَّ كِتمانَهُ) عَنهم (لُؤْمٌ يقعُ فَيهِ جَهَلَّةُ الطَّلَبَةِ، فِيُخَافُ
على كاتِمِه عَدَمُ الانتفَاعِ ؛ فإنَّ مِنْ بَرَكَةِ الحديثِ إفادَتَهُ) كما قال مالكٌ ،
(وبِنَشْره يُتَمَّى) .
وقال ابنُ معينٍ : مَن بَخِلَ بالحديثِ وكَتَمَ على الناسِ سماعهم لم
يفلخ، وكذا قال إسحاقُ بنُ راهويه .
وقال ابنُ المباركِ : مَن بخِل بالعلم ابْتُلَيَ بثلاثٍ : إمَّا أن يموتَ
فيذهبُ عِلمُه، أو يُنَسَّى، أو يَتْبَعَ السُّلطانَ .
قال الخطيبُ: ولا يَخْرُمُ الكتمُ عمَّن ليس بأهلِ ، أو لا يقبلُ الصوابَ
إذا أُرْشِد، إليه، ونحو ذلك، وعلى ذلك يُحملُ ما نُقل عن الأئمةِ مِن
الكَثْمِ .
• الحَذَر من أن يمنعه الحياء والكِبْر من تحصيل العلم:
(وليَحْذَرْ كُلَّ الحَذَرِ مِنْ أَنْ يمنعَهُ الحياءُ والكِبْرُ مِن السعي التَّام
والتَّحصيلِ، وأخذِ العِلم ممَّن دُونَه في نَسَبِ أو سنّ أو غيرِهِ) .
فقد ذكر البخاريُّ عن مجاهدٍ قال: لا يَنالُ العِلمَ مُسْتحي ولا مُسْتكبِرٌ .
وقال عُمرُ بنُ الخطابِ : مَن رقَّ وجهُهُ رقَّ عِلْمُهُ.
وقالت عائشةُ: نِعْمَ النساءُ نساءُ الأنصارِ ، لم يكُنْ يمنعْهُن الحياءُ أن
يتفقّهنَ في الدِّين .

٣٧٧
الثامن والعشرون : آداب طلب الحديث
وقال وكيعٌ: لا يَتْبُلُ الرجلُ مِن أصحابِ الحديثِ حتَّى يَكْتُبَ عمَّن
هو فَوقَهُ، وعمَّن هو مِثْلُهُ، وعمَّن هو دُونَه .
وكان ابنُ المباركِ يكتُبُ عمَّن هو دُونه، فقيل له، فقال: لعلَّ الكلمةَ
التي فيها نَجَاتي لم تقعْ لي .
● الاعتناء بالمهمّ، دون الاستكثار لمجرد اسم الكثرة:
(وليَصْبِرِ علىَ جَفَاءِ شَيْخِهِ، ولْيَعتَنِ بالمهِمُ، ولا يضيّعْ وقتَهُ في
الاستكثَارِ مِنَ الشُّيُوخِ لمجرَّدِ اسم الكَثْرَةِ) وَصيتِها؛ فإنَّ ذلك شيءٌ
لا طائلَ تحتَّهُ .
قال ابنُ الصلاح : وليسَ مِن ذلك قولُ أبي حاتم : إذَا كتبتَ فقَمِّشْ،
وإذا حدَّثْتَ فَفَتُشْ .
قال العراقيُّ: كأنَّهُ أراد: اكتب الفائدةَ ممِّن سَمعتَها، ولا تؤخّرْ حتَّى
تنظُرَ هل هو أهلٌ للأخذِ عنه أَمْ لا؟ فرُبَّما فاتَ ذلك بموتِهِ أو سفرِهِ أو غيرِ
ذلك، فإذا كان وقتُ الروايةِ أو العملِ فَفَتِّشْ حينئذٍ .
ويُحتملُ أنَّه أراد استيعابَ الكتابِ، وتَرْكَ انتخابِهِ، أو استيعابَ
ما عِند الشيخِ وَقْتَ التحمُّلِ ، ويكونُ النظرُ فيه حالَ الرّوايةِ .
قال : وقد يكونُ قصدُ المحدِّثِ تكثيرَ طُرقِ الحديثِ وجَمْعَ أطرافِهِ ،
فیکثُرُ بذلك شُیوخُهُ، ولا بأس به .
فقد قالَ أبو حاتم: لو لم نكتبِ الحديث من سِتِين وجْهًا ما عَقلْناه .

٣٧٨
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
الانتخاب:
•
(وليَكْتُب وليَسْمَعِ ما يَقَعُ له من كِتابٍ أو جُزْءٍ بِكَمَالِهِ، ولا ينَتَخِبْ)
فرُبما احتاجَ بعدَ ذلك إلى روايةٍ شئٍ منه لم يكُنْ فيما انتخَبه فَيَنْدَمُ .
وقد قال ابنُ المبارَكِ : ما انتخبتُ على عالمٍ قط إلا نَدِمْتُ .
وقال ابنُ معينٍ : صاحبُ الانتخابِ يَندمُ، وصاحبُ النسخ لا يندمُ .
(فإن احتاجَ إليه) أي: إلى الانتخابِ، لكون الشيخِ مُكثِرًا، وفي
الرواية عَسِرًا، أو كون الطالبِ غريبًا لا يُمكنه طول الإقامةِ (تَوَلاه
بنفسِهِ)، وانتخبَ عواليَهُ، وما تكرَّر مِن رواياتِهِ، وما لا يجدُهُ عِند غيرِهِ ،
(فإن قَصُرَ عنه)؛ لقلَّةِ مَعرفتِهِ (استَعَانَ) عليهِ (بحَافِظٍ) .
قال ابن الصلاح، ويُعلِّمُ في الأصلِ على أَوَّلِ إسنادِ الأحاديثِ
المُنتخَبَةِ بخطُ عريضٍ أَحمَر، أو بِصادٍ ممدودةٍ، أو بِطَاءِ مَمدودةٍ ، أو
نحوِ ذلك، وفائدتُهُ: لأجْلِ المُعارضةِ، أو لاحتمالِ ذهابِ الفرع فيرجعُ
إليه .
• ينبغي التفقه في الحديث، والاعتناء بما حواه من العلوم:
(ولا يَنبغِي) للطالبِ (أن يقتصِرَ) مِنَ الحديثِ (على سَماعِهِ وكَتْبِهِ ،
دُونَ معرفَتِهِ وفَهْمِهِ) فيكونُ قد أتعبَ نَفْسَهُ من غيرِ أنْ يظفَرَ بِطائلٍ،
ولا حصولٍ في عِداد أهلِ الحديثِ .
(فليَتَعرَّفْ صِحَّتَهُ)، وحسنَهُ، (وضعفَهُ، وفِقْهَهُ، ومَعانِيَهُ، ولُغَتَهُ،
وإعرَابَهُ، وأسماء رِجالِهِ، محققًا كل ذلكَ، معتنيًا بإتقَانِ مُشْكِلِهَا حِفْظًا
٠٫٠١٠٠٠٠

٣٧٩
الثامن والعشرون : آداب طلب الحديث
وكِتابةً، مقَدِّمًا) في السماع والضَّبطِ، والتَّفهم والمعرفَةِ ((الصَّحيحَينِ))،
ثمَّ ((سنن أبي داودَ))، و ((التّرمِذِيِّ))، و((النسائيّ)))، وابنَ خُزيمةً، وابنَ
حبَّانَ، (ثُّ ((السُّننَ الكبير)) للبَيْهَقِيّ، وليَحْرِص عليه فلمْ يُصَنَّف) في بابِهِ
(مثلُهُ .
ثمَّ ما تَمسُ الحاجةُ إِليهِ مِنَ المسانيدِ)، والجوامع ؛ فأهمُّ المسانيد :
(((مسند أحمدَ))، و) يليه سائرُ المسانيدِ (غيرهُ).
وأهمُّ الجوامع: ((الموطأ))، ثم سائرُ الكتبِ المُصنَّفة في الأحكام ،
ككتابٍ ابنِ جُريجٍ، وابن أبي عروبةَ ، وسعيد بنِ منصورٍ، وعبد الرزّاقِ ،
وابنِ أبِي شَيبة ، وغيرِهم .
(ثمَّ مِن) كُتبِ (العِللِ: كِتابَهُ) أي: أحمدَ ، (و(( كتابَ الدَّارِ قُطنيّ)) .
ومِن) كتب (الأسماءِ: ((تاريخَ البُخاريِّ) الكبيرَ))، (و) «تاريخَ (ابنِ
أبي خَيْثَمَةَ))، و((كتابَ ابنِ أبي حاتمٍ))) في الجرحِ والتعديلِ .
(ومن) كُتبِ (ضبطِ الأسماءِ: ((كتابَ ابنِ ماكُولا)) .
ولْيَعْتَنِ بـ(( كتابٍ غَرِيبِ الحَدِيثِ))، و) كُتُبِ (شُرُوحِه) أي : الحديثِ.
(ولْيَكُنِ الإتقانُ مِنْ شَأْنِهِ) بأنْ يكونَ كُلَّما مرَّ به اسمٌ مُشكلٌ، أو كلمةٌ
غريبةٌ؛ بحثَ عنها وأودعها قَلْبَهُ .
وقد قال ابنُ مهديٍّ : الحفظُ الإتقانُ .
(وليُذاكِر بمحفوظِهِ، ويُباحِثْ أهلَ المعرفَةِ) ؛ فإنَّ المُذاكَرَةَ تُعينُ على
دَوَامِهِ .

٣٨٠
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وليكنْ حِفْظُهُ له بالتدريج قليلاً قليلاً، ففي ((الصحيح)): ((خُذُوا مِنَ
الأعمالِ ما تُطِيقُونَ)) .
وقال الزُّهريُّ: مَن طلبَ العلمَ جُملةً فاتَهُ جُملةٌ، وإنَّما يُدْرَكُ العِلمُ
حدیثٌ وحدیثانٍ .
· الاشتغال بالتخريج والتصنيف؛ لمن تأهَّل له:
(ولْيَشتَغِلْ بالتخريج والتَّصنيفِ إذا تأَهَّلَ له) مُبادِرًا إليه، (ولْيَعتَنِ
بالتَّصنيفِ في شَرْحِهِ، وبيانٍ مُشْكِلِهِ، مُتقَنَا واضِحًا، فَقَلَّما تَمَهَّرَ في علم
الحديثِ مَنْ لمْ يَفْعَلْ هذا) .
قال الخطيبُ : لا يتمهَّرُ في الحديثِ ويقفُ على غَوامِضِهِ، ويستبينُ
الخفيَّ من فوائدِهِ، إلا مَن جَمَع مُتفرِّقَهُ، وأَلَّف مُتشتَهُ، وضمَّ بعضَهُ إلى
بعضٍ؛ فإنَّ ذلك مما يُقوي النفْسَ، ويُثَبتُ الحِفظَ، ويُذْكي القلبَ،
ويَشْحَذُ الطَّبْعَ، ويبسط اللسانَ، ويجيدُ البيانَ، ويكشفُ المُشْتَبِهِ،
ويوضح المُلْتَبِسَ، ويُكْسِب أيضًا جميلَ الذِّكْرٍ، ويخلده إلى آخرِ الدهرِ ،
كما قال الشاعر :
والجَهْلُ يُلْحِقُ أَمْوَاتًا بِأَمْوَاتِ
يَموتُ قَومٌ فَهُخِي العِلْمُ ذِكْرَهُمُ
قال : وكانَ بعضُ شيوخِنا يقولُ: مَن أراد الفائدةَ فليكسرْ قلمَ النَّسخِ ،
وليأْخُذْ قلمَ التخريج .
وقال المصنّفُ في ((شرح المهذَّبِ)): بالتصنيفِ يُطّلعُ على حقائقِ
العلوم ودقائقه، ويثبتُ معه؛ لأنَّه يضطره إلى كثرةِ التفتيشِ، والمطالعةِ،

٣٨١
الثامن والعشرون : آداب طلب الحديث
والتحقيقِ، والمراجعةِ، والاطلاع على مُختَلِفِ كلام الأئمةِ ومُتَّفِقِهِ،
وواضحِهِ مِنْ مُشْكِلِهِ، وصحيحه مِن ضَعيفِهِ، وجزله من رَكِيكِهِ، وما لا
اعتراضَ فيهِ من غيرِهِ، وبه يتَّصف المحقّقُ بصفةِ المجتهدِ .
• طرق العلماء في تصنيف الحديث:
(وللعُلماءِ في تَصْنِيفِ الحديثِ) وجَمْعِهِ (طَريقتانِ :
أجودُهُما : تصنيفُهُ على الأبوابِ) الفِقْهِيةِ، كالكُتُبِ السُّنةِ ونَحوِها .
(فِيَذْكُرُ في كلِّ بابٍ ما حَضَرَهُ) مما ورَد (فِیهِ) مما يدلُّ على حُكمه،
إثباتًا أو نَفيًا، والأوْلَى أن يقتصرَ على ما صحَّ أو حَسُن، فإنْ جمع الجميعَ
فَلْيُبَيِّن عِلَّةَ الضعيفِ .
(والثّانيةُ: تصنيفُهُ على المسانيدِ) كلُّ مسندٍ على حِدةٍ .
(فيجمَعُ في ترجَمةِ كلٌ صَحَابِيٍّ ما عندَهُ من حَدِيثِهِ : صَحِيحِهِ)،
وَحسنِهِ ، (وضَعیفِهِ .
وعَلى هذا؛ لهُ أنْ يُرَتِّبَهُ على الحروفِ) في أسماء الصحابةِ كما فعلَ
الطبرانيُّ، وهو أسهلُ تناولًا، (أو عَلَى القبائلِ؛ فيبدأ ببني هاشمٍ، ثم
الأقْرَبِ، فالأَقرَبِ نسبًا إلى رسولِ اللَّهِ وَّرَ، أو على السوابِقِّ) في
الإسلام، (فبالعشرةِ) يَبدأُ، (ثمَّ أهلٍ بدرٍ، ثُم الحديبيةِ، ثُم المهاجرِينَ
بينها وبينَ الفتحِ)، ثُمَّ مَن أسلمَ يومَ الفتحِ، (ثم أصاغرِ الصحابةِ) سِنَّا
كالسائبِ بن يزيدَ وأبي الطَّفيلِ، (ثم النساءِ بادئًا بأمهاتِ المؤمنين).

٣٨٢
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
(ومن أحسَنه) أي: التصنيفِ (تصنيفُهُ) أي: الحديث (مُعَلَّلًا؛ بأن
يجمعَ في كلِّ حديثٍ أو بابٍ طُرُقَه، واختلافَ رواتِهِ)؛ فإنَّ معرفةَ العللِ
أَجَلُّ أنواعِ الحديثِ .
والأَولَى جِعْلُهُ على الأبوابِ ليسْهِلَ تناولُهُ، وقد صنَّف يعقوبُ بن
شيبة ((مسنده)» معللًا، فلم يتمَّ .
تنبيه :
مِن طُرقِ التصنيفِ أيضًا: جَمْعُهُ على الأطرافِ، فيذْكُرُ طرفَ
الحديثِ الدالَّ على بَقِيَّتِهِ، ويجمعُ أسانيدَهُ، إمَّا مُستوعبًا أو مُقَيِّدًا بكتبٍ
مخصوصةٍ .
(ويجمعونَ - أيضًا - حديثَ الشيوخ ؛ كلُ شيخ على انفرادِهِ ،
كمالكِ، وسفيانَ، وغيرِهما)، كـ ((حديثِ الأعمشِ)) للإسماعيلي،
و((حديثِ الفضيلِ بنِ عياضٍ)) للنسائيِّ، وغيرِ ذلك .
(و) يَجمعون أيضًا: (التراجِمَ كـ((مالكِ عن نافعٍ عن ابنِ عمر))،
و((هشام عن أبيه عن عائشةَ)))، و((سهيلٍ بن أبي صالح عن أبيه عن
أبي هُريرة)) .
(و) يَجمعون أيضًا: (الأبوابَ) بأنْ يُفرِدَ كلَّ بابِ على حدةٍ
بالتصنيف، (كـ ((رُؤية اللَّه تعالى))) أفْردَه الآجريُّ، (و((رفع اليدينِ في
الصلاةِ)))، و((القراءةِ خلف الإمام)) أفْرَدهما البخاريُّ، و((النية)) أفردهُ ابنُ
أبي الدُّنيا، و((القضاءُ باليمين والشاهدِ)) أفرده الدارقطنيُّ، و((القنوت))
أفرده ابنُ مَنده، و((البسملة)) أفرده ابنُ عبدِ البرِّ وغيرُهُ، وغير ذلك .

٣٨٣
الثامن والعشرون : آداب طلب الحديث
ويجمعون أيضًا: الطُّرقَ لحديثٍ واحدٍ كـ «طُرُق حديثٍ: ((من كذبَ
عليَّ)) للطبرانيِّ، و((طُرق حديثِ الحوضِ)) للضياء، وغير ذلك.
• الحَذَر من إخراج التصنيف قبل انتقائه:
(وليَخذَرْ من إخراج تَصنيفِهِ) من يَدِهِ (إلا بَعدَ تهذيِهِ، وتحرِيرِه،
وتكرِيرِ النظَر فيه، وليحذَر من تصنيفِ ما لَمْ يتأهَّل له) فَمَنْ فَعلَ ذلك لم
يُفلِخِ، وضرَّه في دِينِهِ وعِلْمِهِ وعِرْضِهِ .
قالَ المُصنّفُ - من زوائده -: (ويَنبغِي أَن يَتَحَرَّى) في تَصنيفِهِ
( العباراتِ الواضِحَة)، والموجزة، (والاصطلاحاتِ المستَعمَلةَ)،
ولا يبالغ في الإيجازِ، بحيثُ يفضي إلى الاستغلاقِ، ولا في الإيضاحِ
بحيثُ ينتهي إلى الرَّكاكةِ، وأن يكُون اعتناؤه مِن التصنيف بما لم يسبقْ
إليه أكثر .
قال في ((شرح المهذَّب)): والمرادُ بذلك أنْ لا يكونَ هناك تصنيفٌ
يُغني عن مُصنَّهِ، في جميع أساليبهِ، فإنْ أَغتَى عَن بعضِها فليصنّف مِن
جِئْسِهِ ما يزيدُ زياداتٍ، يُحتفل بها مع ضمُّ ما فاتَّهُ من الأساليبِ.
قال : وليكُنْ تصنيفُه فيما يعم الانتفاع به ويَكثُرُ الاحتياجُ إليه .

٣٨٤
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
• النوع التاسع والعشرون :
مَعرِفَةُ الإِسنَادِ العَالِي وَالنَّازِل
• الإسناد من خصائص هذه الأمة، وطلب العلوِّ فيه ستةٌ:
(الإسنادُ) في أصلهِ (خصيصَةٌ) فاضِلةٌ (لهذه الأمةِ) ليستْ لِغَيرِها مِن
الأمم .
قال ابنُ حزم: نقلُ الثقةِ عن الثقةِ يبلغ به النبيَّ ◌َِّ مع الاتصالِ ،
خصَّ اللَّه به المسلمين دُون سائرِ المللِ، وأمَّا مَعَ الإرسالِ والإعضالِ
فيُوجَد في كثيرٍ من اليهودِ، لكن لا يَقْربون فيه من موسى قُرْبَنًا من مُحمدٍ
وَلٌ ؛ بل يَقِفُونَ بحيثُ يكون بينهم وبين موسى أكثرُ من ثلاثين عَصْرًا ،
وإنما يبلغون إلى شَمعونَ ونحوِه .
قال : وأمَّا النَّصارى فليسَ عندهم من صِفةِ هذا النَّقلِ إلا تحريم
الطلاقِ فقط، وأمَّا النَّقْلُ بالطريق المُشْتَمِلةِ على كذَّابٍ أو مجهولِ العينِ
فكثيرٌ في نَقْلِ اليهودِ والنّصارىُ .
قال : وأمَّا أقوالُ الصحابة والتابعينَ، فلا يُمكن اليهود أنْ يَبْلُغُوا إلى
صاحبٍ نبيِّ أَصلّا، ولا إلى تابع له، ولا يمكن النَّصارىّ أنْ يصلوا إلى
أَعلى من شَمْعون وبُولص .
وقال أبو عليٍّ الجيانيُّ : خصَّ اللَّه هذه الأُمةَ بثلاثة أشياءَ، لَم يُعْطها
مَنْ قَبْلَها: الإسنادُ، والأنسابُ، والإعرابُ .

٣٨٥
التاسع والعشرون : الإسناد العالي والنازل
ومن أدلةِ ذلك: ما رواهُ الحاكمُ وغيرُهُ عن مطرِ الوراقِ في قولهِ
تعالى: ﴿أَوْ أَثَرَقِ مِّنْ عِلْمِ﴾ [الأحقاف: ٤] قال: إسنادُ الحديث .
(وسنّةٌ بالغةٌ مؤكّدةٌ)، قال ابنُ المباركِ : الإسنادُ من الدِّين، ولولا
الإسنادُ لقال مَن شاءَ ما شاء. أخرجه مسلمٌ .
وقال سفيانُ بنُ عُيينةَ: حدَّث الزهريُّ يومًا بحديثٍ ، فقلتُ : هاتِهِ بلا
إسنادٍ، فقال الزهري : أَتَرقى السَّطْحَ بلا سُلَّم؟!
وقال الثوري : الإسناد سلاح المؤمن .
(وطلَبُ العلوِّ فيه سُنَّةٌ) قال أحمدُ بن حنبل : طلبُ الإسناد العالي سُنةٌ
عَمَّن سَلَف؛ لأنَّ أصحاب عبد اللَّه كانوا يَرْحَلون من الكُوفةِ إلى المدينةِ
فيتعلّمون من عُمرَ ويَسْمَعونَ منهُ .
وقال محمدُ بنُ أسلمَ الطُّوسيُّ : قُربُ الإسنادِ قربٌ - أو قُربةٌ -
إلى اللهِ .
(ولهذا استُحِبَّت الرِّحلةُ) كما تقدَّم.
· العلوُّ أقسامٌ خمسةٌ:
(أجلُها: القربُ من رسولِ اللَّه ◌َلَّ) من حيثُ العدد (بإسنادٍ صحيح
نظيفٍ)، بخلافِ ما إذا كانَ مع ضَعفٍ ، فلا التفاتَ إلى هذا العُلوِّ،
لا سيَّما إنْ كان فيه بعضُ الكذابين المُتأخرين ممَّنِ ادَّعى سماعًا من
الصَّحابةِ، كأبي هُدبةَ، ودينارٍ ، وخِرَاشٍ، ونُعيمٍ بن سالمٍ، ويَعلى بن
الأشْدقِ، وأبي الدُّنيا الأشجِّ .

٣٨٦
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
قال الذهبيُّ : متى رأيتَ المحدِّثَ يفرحُ بعوالي هؤلاءِ فاعلمْ أنَّه عامٌيٌّ
يَعُدُّ .
(الثاني : القربُ من إمام من أئمةِ الحديثِ) كالأعمشِ، وهُشيم،
وابنِ جُريجٍ، والأوزاعيِّ، ومالكِ، وشُعبة، وغيرِهم مع الصِّحَّةِ أيضًا،
(وإن كَثُرَ العددُ إلى رسول اللَّهِ وَه).
(الثالثُ: العُلوُّ) المُقيّدُ (بالنسبةِ إلى رِوايةِ أحدِ الكُتُبِ الخمسةِ، أو
غيرها مِن) الكتبِ (المعتمدَةِ) وسمَّاهُ ابنُ دقيقِ العيدِ ((عُلُوَّ التنزيل)).
وليس بعلوِّ مُطلقٍ ؛ إذ الرَّاوي لو روَى الحديثَ من طريقٍ كتابٍ مِنها
وقَع أَنْزِلَ ممَّا لو رواهُ مِن غيرِ طريقِها، وقد يكون عاليًا مُطلقًا أيضًا .
( وهو ما كَثُر اعتناءُ المتأخرِينَ به من ((الموافقةِ)) و((الإبدالِ))
و((المساواة)) و((المصافحةِ» :
فـ ((الموافَقَةُ)): أن يقعَ لك حديثٌ عن شيخ مسلم) مثلاً (من غير
جِهَتِهِ، بعددٍ أقلّ من عددك إذا رويتَه) بإسنادِك (عن مسلم عنه .
و((البدلُ)): أن يقعَ هذا العلوُّ عن) شيخ غير شيخٍ مُسلمٍ، وهُو (مثلُ
شيخٍ مسلمٍ) في ذلك الحديثِ .
(وقد يُسمَّى هذا ((موافقةً)) بالنسبةِ إلى شيخ شيخ مسلم) فهو موافقةٌ
مقيدةٌ .

٣٨٧
التاسع والعشرون : الإسناد العالي والنازل
وقد تُطلَقُ ((الموافقةُ)) و((البدلُ)) مع عدمِ العُلوِّ، بَلْ ومَع النُّزولِ
أيضًا، كما وقع في كلامِ الذهبيِّ وغيرِهِ .
وقال ابنُ الصلاح: هو موافقةٌ وبدلٌ، ولكنْ لا يُطلَقُ عليه ذلك لعدم
الالتفاتِ إليهِ .
(و((المساواةُ)) - في أعصارِنا -: قلَّةُ عددِ إسنادِكَ إلى الصحابيِّ أو من
قَارَبَهُ ، بحيثُ يقعُ بينَكَ وبينَ صحابيٍّ - مثلاً - من العددِ مثل ما وقعَ بين
مسلم وبينه) .
وهذا كان يُوجد قديمًا، وأمَّا الآن فلا يُوجدُ في حديثٍ بعينِهِ، بل
يوجّدُ مُطْلَقُ العددِ؛ كما قال العراقيُّ .
(و((المصافحةُ: أن تقع هذه المساواةُ لشيخِكَ ، فيكونُ لك مصافحةٌ ،
كأنَّك صافحتَ مُسلمًا فأخذتَه عنه ، فإن كانت المساواةُ لشيخ شيخِك ،
كانت المصافحةُ لشيخِك، وإن كانت المساواةُ لشيخ شيخ شيخك ،
فالمصافحة لشيخ شيخك .
وهذا العلوُ تابعٌ لنزول) غالبًا، (فلولا نزولُ مسلم وشبهِهِ، لم تعلُ
أنتَ)، وقد يكونُ مع عُلُوِّ أيضًا، فيكون عاليًا مطلقًا .
(الرابعُ: العلوُّ بتقدم وفاةِ الراوي) وإن تساويا في العدد .
قال المصنّفُ : (فما أرويه عن ثلاثةٍ، عن البيهقيّ، عن الحاكم أعلى

٣٨٨
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
مما أرويهِ عن ثلاثةٍ، عن أبي بكر ابنِ خلفٍ، عن الحاكم، لتقدُّم وفاةٍ
البيهقيّ على ابنِ خلفٍ) .
وكذلك مَن سمع ((مسند أحمد)) على الحلاويّ، عن أبي العباسِ
الحلبي، عنِ النَّجيبِ؛ أعلى ممَّن سمعه على الجمال الكنانيّ عن
العُرَضي عن زينب بنت مكي ؛ لتقدُّم وفاةِ الثلاثة الأوَّلين على الثلاثة
الآخرين .
(وأمَّا علؤُه بتقديم وفاةٍ شيخك) لا مع التفات لأمرٍ آخر أو شيخ آخر ،
(فحدَّه الحافظ) أحمدُ بنُ عُميرِ (ابنُ جوصًا) الدِّمشقيُّ (بمضي خمسین
سنةً من وفاة الشيخ .
و) حدَّه أبو عبد اللَّه (ابنُ مَنده: بثلاثين) سنة تَمْضِي من موته .
وليس يقعُ في تلكَ المُدَّةِ أَعلى من ذلك .
قال ابنُ الصلاحِ: وهو أوسعُ .
(الخامسُ : العُلوُّ بتقدُّم السَّماعِ) مِن الشيخِ، فَمَنْ سَمِع منه مُتَقدِّمًا
كان أعلى ممن سمع منه بعده .
(ويدخلُ كثيرٌ منه فيما قبلَهُ، ويمتازُ) عنه (بأن يسمعَ شخصانٍ من
شيخ، وسماعُ أحدِهِما من ستين سنة - مثلاً -، والآخرُ من أربعينَ)
سَنَةً، (وتساوَى العددُ إليهما؛ فالأوَّل أعلى) مِن الثاني .

٣٨٩
التاسع والعشرون : الإسناد العالي والنازل
ويتأكَّدُ ذلك في حقُّ مَنِ اختلطَ شيخُهُ أو خَرِفَ، ورُبَّما كان المُتَأَخِّر
أَرجحَ، بأنْ يكونَ تحديثُهُ الأوَّل قبل أن يبلغَ درجة الإتقانِ والضبطِ ، ثُم
حصَل له ذلك بعدُ ، إلا أنَّ هذا عُلُوٌّ مَعنويٌّ، كما سيأتي .
• النزول وأقسامه:
(وأما النزولُ: فضدُّ العلوِّ، فهو خمسةُ أقسام) أيضًا (تُعرَفُ من
ضِدُها) فكُلُّ قِسم مِن أقسام العُلوُ ضِدّه قسم مِن أقسامِ النزول .
(وهو مفضولٌ مرغوبٌ عنه على الصَّوابِ، وهو قولُ الجمهورِ).
قال ابنُ المدينيِّ : النُّزولُ شُؤْمٌ .
وقال ابنُ معينٍ : الإسنادُ النازلُ قرحةٌ في الوجهِ .
(وفضَّلَه بعضُهم على العلوِّ) حكاه ابنُ خلَّادٍ عن بَعضِ أهلِ النظرِ ؛
لأنَّ الإسنادَ كُلَّما زادَ عددُه زادَ الاجتهادُ فيه، فيزدادُ الثوابُ.
قال ابنُ الصلاحِ: وهذا مذهبٌ ضعيفُ الحُجَّةِ .
قال ابنُ دقيقِ العيدِ : لأنَّ كَثرةَ المشقةِ ليستْ مطلوبةٌ لنفسِها، ومُراعاةٌ
المعنى المقصودِ مِنَ الروايةِ - وهو الصُّحةُ - أَوْلَی.
(فإن تميَّزَ) الإسنادُ النازلُ (بفائدةٍ) كزيادةِ الثقةِ في رجالِهِ عَلى
العالي، أو كونهم أحفظَ أو أفقَهَ، أو كَونه مُتَّصلًا بالسماع، وفي العالي
حضورٌ، أو إِجازةٌ، أو مُناولةٌ، أو تساهلُ بعض رُواتِهِ في الحمل ونحوُ
ذلك (فمختارٌ) .

٣٩٠
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
قال وكيعٌ لأصحابِهِ: الأعمشُ أحبُّ إليكم عن أبي وائلٍ عَن
عبدِ اللَّه، أَمْ سُفيانُ، عَن مَنصورٍ عَن إبراهيمَ عن علقمةً عن عبدِ اللَّه؟
فقالوا: الأعمشُ عن أبي وائلٍ أَقربُ ، فقال: الأعمشُ شيخٌ، وأبو وائلٍ
شيخٌ، وسُفيانُ عن منصورٍ عن إبراهيمَ عن عَلقمةَ، فَقيةٌ عن فَقيهِ عن فَقیهِ
عن فَقیهِ .
قال ابنُ المبارك: ليس جَودةُ الحديثِ قرب الإسنادِ، بل جَودةُ
الحديثِ صحة الرِّجالِ .
وقال السِّلفي: الأصلُ الأخذُ عَنِ العلماءِ، فَتُزُولهم أَولىُ مِنَ العُلوُّ
عَنِ الجهلة على مَذهبِ المُحقِّقين مِنَ النَّقلة ، والنازلُ حينئذٍ هو العَالي في
المَعْنىَ عِندَ النَّظرِ والتحقيقِ.
قال ابنُ الصَّلاحِ: ليس هذا مِن قَبِيلِ العُلوُ المتعارفِ إطلاقه بين أهلِ
الحديثِ ، وإنَّما هو عُلوٍّ مِن حيثُ المعْنَى.
قال شيخُ الإسلام: ولابنٍ حِبَّان تفصيلٌ حَسَنٌ، وهو: أنَّ النَّظرَ إِنْ
كانَ للسَّندِ فالشيوخُ أَولى، وإنْ كان للمَتنِ فالفُقَهاءُ (١).
(١) هكذا نسب السيوطي هذا التفصيل للحافظ ابن الحجر نقلًا له عن ابن حبان ، بينما
صرح السخاوي في ((شرح الألفية)) (٣/ ٣٦١) بكونه من تفصيل ابن حجر نفسه.
ولا أعرف لابن حبان مثل هذا التفصيل، والله أعلم، لكن إنما يعرف لابن حبان مثل
هذا التفصيل في مسألة ((زيادات الثقات))، كما في ((مقدمة الصحيح)) (١٥٩/١
إحسان) و ((المجروحين)) (٩٣/١ - ٩٤).

٣٩١
الثلاثون : المشهور
النُّوعُ الثَّلاثون :
المَشهُورُ مِنَ الحَدِيثِ
تعريف المشهور:
قال ابنُ الصلاح : ومعنى الشهرةِ مفهومٌ. فاكْتَفَى بذلك عن حَدِّه.
وقال البلقينيُّ: لم يَذْكُر له ضابطًا، وفي كُتبِ الأُصول: المَشهور -
ويُقال له : المستفيض - الذي تزيدُ نقلتُه على ثلاثةٍ .
وقال شيخُ الإسلام: المشهورُ ما له طرق محصورةٌ بأكثرَ مِن اثنين ،
ولم يبلغ حدَّ التواتِر، سُمِّي بذلك لِوضُوحِه، وسماه جمَّاعةٌ مِنَ الفُقهاءِ
((المُستفيض)) لانتشارِهِ، مِن فاض الماءُ يفيضُ فَيَضًا.
ومنهم مَن غَايَر بَينهما؛ بأنَّ المُستفيض يكونُ في ابتدائِهِ وانتهائِه
سواءً، والمشهور أعمُّ مِن ذلك، ومِنهم مَن عكس .
• أقسام المشهور:
(هُو قسمانٍ: صحيحٌ، وغيرُه) أي: حَسَنٌّ وَضَعيفٌ، (ومشهورٌ بينَ
أهلِ الحديثِ خاصَّةً، و) مشهورٌ (بينهم وبينَ غيرِهم) مِن العُلماءِ
والعَامَّة .
وقد يُرادُ بهِ ما اشتهر على الألْسنةِ ، وهذا يُطلَق عَلى ما له إسنادٌ واحدٌ
فصاعدًا، بل ما لا يُوجَد له إسنادٌ أصلًا .

٣٩٢
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وقد صنّف في هذا القِسمِ الزَّركشيُّ: ((الَّذكرةُ في الأحاديثِ
المُشْتَهرةِ))، وأَلَّفتُ فِيهِ كِتابَا مُرتَّبًا على حُروف المُعجم، استدركتُ فِيهِ
مما فاتَّه الجمَّ الغفيرَ .
مثالُ المشهورِ عَلى الاصطلاحِ - وهو صحيحٌ :
حديثُ : ((إِنَّ اللَّه لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتزاعًا يَنْتَزِعُهُ)) .
وحديثُ : ((مَنْ أَتَى الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ)) .
ومثّله الحاكمُ وابنُ الصَّلاحِ بِحدَيثِ: ((إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) .
فَاعتُرِضَ : بأنَّ الشُّهرةَ إنَّما طَرأتْ لَه مِن عِندِ يحيى بنِ سعيدٍ ، وأَوَّلُ
الإسنادِ فَرْدٌ كما تقدَّم .
ومثالهُ - وهو حسَنٌ :
حديث: ((طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)) .
فقد قَالَ المِزِّيُّ: إنَّ له طُرُقًا يَزْتَقي بها إلى رُتبة الحَسَنِ .
ومثالهُ - وهو ضَعيفٌ :
((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأسِ)» مثّل بِهِ الحاكمُ .
ومثالُ المشهورِ عِندَ أهلِ الحديثِ خاصَّةً :
حديثُ أَنْسِ: أنَّ رسولَ اللَّهِ بَِّ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكوعِ يَدْعُو على
رِغْلٍ وذَكْوَان .
أخرجَه الشّيخان مِن روايةٍ سُليمانَ الثَّمِيِّ ، عَن أبي مجلزٍ، عَن أَنْسٍ .

٣٩٣
الثلاثون : المشهور
وقد رَواه عَن أنسٍ غيرُ أبي مِجْلَزِ، وعَن أبي مِجْلَزِ غيرُ سليمان ، وعَن
سُليمان جماعة، وهو مشهورٌ بين أهلِ الحديثِ، وقد يَستَغْرِبُه غيرهم ؛
لأنَّ الغالبَ على روايةِ التيميِّ عن أنسٍ كونها بلا واسطةٍ .
ومثالُ المشهور عِندَ أهلِ الحديثِ والعُلماءِ والعَوَامِ :
((المُسلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمونَ مِن لِسَانِهِ وَيدِهِ)) .
ومثالُ المشهورِ عندَ الفقهاء :
((أَبْغَضُ الحَلالِ عِندَ اللَّهِ الطَّلَاقُ)) صحَّحه الحاكمُ .
((مَنْ سُئل عَنْ عِلم فَكَتَمَهُ)) - الحديث، حسَّنه الترمذيُّ .
((لا غيبةَ لِفَاسقٍ)» حسَّنه بعضُ الحُفَاظِ، وضعَّفه البيهقيُّ وغيرُه.
((لا صَلاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إلَّ فِي الَمسْجِدِ)) ضعَّفه الحُفاظُ .
((اسْتَاكُوا عَرَضًا وادَّهِنُوا غبًّا واكْتَحِلُوا وترًا)). قال ابنُ الصلاحِ: بحثتُ
عنه فلم أَجِدْ له أَضْلًا، ولا ذِكْرًا في شيءٍ مِن كُتبِ الحديثِ .
ومثالُ المشهورِ عِندَ الأصوليين :
((رُفِعَ عَن أُمَّتي الخَطَأُ والنِّسْيانُ، وما اسْتُكرهُوا عَلَيهِ)) صحَّحه ابنُ حِبَّان ،
والحاكمُ بلفظِ : ((إنَّ اللَّه وَضَعَ)).
ومثالُ المشهورِ عِندَ النُّحاة :
«نِعْمَ العَبدُ صُهيبٌ، لَو لَمْ يَخْفِ اللَّه لَم يَعْصِه)). قال العراقيُّ وغيرُه :
لا أَصْلَ له، ولا يُوجدُ بهذا اللفظِ في شيءٍ مِن كُتبِ الحديثِ .