النص المفهرس

صفحات 1821-1840

٣٥٤
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
فلو أراد مَن سَمِعَه هكذا تقديمَ جميع الإسنادِ) بأن يبدأَ به أولًا ، ثم
يذكُرَ المَثْنَ (فَجوَّزَهُ بعضُهم) أي : أهل الحديثِ مِن المتقدِّمين .
قال المصنّفُ في ((الإرشادِ)): وهو الصَّحِيحُ.
قال ابنُ الصلاح: (وينبغي) أنْ يكونَ (فيه خلافٌ، كتقديم بعضٍ
المتنِ على بعضٍ) أي كالخلافِ فيهِ؛ فإن الخطيبَ حكَى فيه المَنْعَ (بناءً
على منعِ الروايةِ بالمعنى) والجوازَ على جوازِها .
قال البلقينيُّ : وهذا التخريج ممنوعٌ، والفَرْقُ: أنَّ تقديمَ بعضٍ
الألفاظِ على بعضٍ يُؤدِّي إلى الإخلالِ بالمقصودِ في العطفِ وعَودٍ
الضميرِ ، ونحوِ ذلكَ ، بخلافِ تقديم السَّندِ كلِّهِ أو بَعْضِهِ ، فلذلكَ جازَ فيه
ولم يتخرَّجْ على الخلافِ . انتهى .
● فائــدة :
قال شيخُ الإسلام : تقديمُ الحديثِ على السَّندِ يقعُ لابنٍ خزيمة إذا
كان في السَّند مَن فيه مقالٌ، فيبتدئ به، ثُمَّ بعدَ الفراغ يذكُر السَّندَ .
قال : وقد صرَّح ابنُ خُزيمةَ بأنَّ مَن رَواهُ على غيرِ ذلكَ الوجهِ لا يكون
في حِلِّ منه، فحينئذٍ يَنبغي أنْ يمنعَ هذا ولو جوَّزنا الروايةَ بالمعنى .
• إذا روى الراوي متنًا بإسنادٍ، ثم أتبعه بإسنادٍ آخر، وقال: «مثله» أو
«نحوه»:
(ولو رَوَىُ حديثًا بإسنادٍ) له (ثم أَتْبَعَهُ بإسنادٍ آخَرَ) وحذَف مَتنَهُ إِحالةً
على المتنِ الأوَّلِ (وقال في آخرِهِ: ((مثلَهُ)). فأراد السامعُ) لذلك منه

٣٥٥
السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
(روايةَ المتنِ) الأوَّلِ (بالإسنادِ الثاني) فقط (فالأظهرُ مَنْعُهُ، وهو قولُ
شعبةَ ، وأجازه) سُفيانُ (الثوريُّ، وابنُ معينٍ، إذا كانَ) الراوي (متحفظًا)
ضابطًا (مميزًا بينَ الألفاظِ) ومَنَعَاه، إن لم يكُنْ كذلك .
(وكان جماعةٌ من العلماءِ إذا رَوَى أحدهُم مثلَ هذا ذَكَر الإسنادَ، ثم
قال: ((مثلَ حديثٍ قبلَهُ متنُهُ كذا)). واختار الخطيبُ هذا.
وأما إذا قال: ((نحوَه)). فأجازهُ الثوريُّ) أيضًا كَ «مِثْله)) (ومَنَعَهُ شعبةُ)
وقال: هو شَكٌّ، بَلْ هو أَولى مِنَ المنعِ في ((مِثْله)) (وابنُ معينٍ) أيضًا ،
وإِنْ جوَّزه في «مِثْله)» .
(قال الخطيبُ: فَرْقُ ابنٍ معينٍ بينَ ((مثله)) و ((نحوه)) يَصِحُ على منع
الروايةِ بالمعنى، فأما على جوازِها فلا فَرَقَ .
قال الحاكمُ): إنَّ مما (يلزمُ الحديثيَّ من) الضبط و(الإتقانِ أن يفرِّقَ
بينَ «مثله)) و((نحوه))، فلا يحلُّ أنْ يقولَ: ((مثله)) إلا إذا) علم أنَّهما
(اتَّفَقَا في اللفظِ، ويَحِلُّ) أن يقولَ: (((نحوه)) إذا كان بمعناه).
• إذا ذكر الراوي الإسناد وبعض المتن، ثم قال: «وذكر الحديث»:
إذا ذَكَر الإسنادَ وبعضَ المتنِ، ثم قال: ((وذَكَر الحديثَ)) ولم يُتَمَّهُ،
أو قال: ((بطولِهِ))، أو: ((الحديثَ)) وأضمر: ((وذكر)) (فأرادَ السامعُ
روايتَهُ) عنه (بكمالِهِ، فهو أولى بالمنع مِن) مسألةٍ (((مثله)) و ((نحوه)))
السابقةِ .
لأنَّه إذا مُنعَ هناك مع أنَّه قد ساقَ فيها جميعَ المتنِ قبل ذلك بإسنادٍ

٣٥٦
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
آخَرَ ، فَلأَنْ يُمنع هنا ولم يَسُقْ إلا بعضَ الحديثِ من بابِ أولى، وبذلك
جَزَمَ قومٌ .
(فَمَنَعَهُ الأستاذُ أبو إسحاقَ) الإسفرايينيُّ (وأجازهُ الإسماعيليُّ إذا
عَرَفَ المحدثُ والسامعُ ذلك الحديث) .
قال: (والاحتياطُ أن يقتصرَ على المذكورِ، ثم يقول: ((قال: وذَكَر
الحديثَ، وهو هكذا))) أو ((وتمامه كذا)) (ويسوقَهُ بكمالِهِ) .
وفضّل ابنُ كثيرٍ فقال : إنْ كان سمع الحديثَ المشارَ إليه قبل ذلك
على الشيخِ في ذلك المجلسِ أو غيرِهٍ جازَ، وإلا فلا .
(وإذا جُوْزَ إطلاقُهُ، فالتحقيقُ أنَّه بطريقِ الإجازةِ القويةِ) الأكيدة من
جهات عديدة (فيما لم يذكره الشيخ) فجاز لهذا - مع كون أوَّله سَماعًا -
إدراجُ الباقي عليه (ولا يفتقرُ إلى إفرادِهِ بالإجازةِ).
· حكم إبدال «النبي» بـ «الرسول»، وعكسه:
(قال الشيخُ) ابنُ الصلاح: (الظاهرُ أنه لا يجوزُ تغييرُ ((قال النبيُّ ◌َّ)
إلى ((قال رسولُ اللَّهِ وَر))، ولا عكسُهُ، وإن جازت الروايةُ بالمعنى).
وكان أحمدُ إذا كان في الكتابِ ((عن النبي
رَالخر)»، وقال
المحدِّثُ: ((رسول اللَّه)). ضَرَبَ وكَتَبَ: ((رسول اللَّه)).
وعلّل ابنُ الصلاح ذلك (لاختلافه) أي: اختلافِ مَعنى ((النبيِّ))
و((الرسولِ))؛ لأنَّ الرسولَ مَن أُوحِي إليه للتبليغ، والنبيُّ مَن أُوحي إليه
للعملِ فقط .

٣٥٧
السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
قال المصنّفُ: (والصواب - واللَّهُ أعلمُ - جوازُهُ؛ لأنَّه) وإن اختلفَ
معناهُ في الأصل (لا يختلفُ به هنا معنًى) إذِ المقصودُ نِسْبَةُ القولِ لقائلهِ ،
وذلك حاصلٌ بكلِّ مِنَ الوصفين .
(وهذا مذهبُ أحمدَ بنِ حنبلٍ) كما سألَه ابتُهُ صالحٌ عنه، فقال : أَرْجُو
أنْ لا يكونَ به بأسٌ . وما تقدَّم عنه محمولٌ على استحبابِ اتباعِ اللفظِ
دُونَ اللَّزومِ (وحمادِ بنِ سلمةَ، والخطيبٍ).
وبعضُهم استدلَّ للمنع بحديثِ البراءِ بنِ عَازبٍ في الدُّعاء عِندَ النوم،
وفيه ((ونَبِّكَ الذِي أَرْسَلتَ)). فأعاده على النبيِّ وَّرَ فقال: ((ورسولِكَ الذي
أرْسَلتَ)). فقال: ((لا؛ ونَبِيَّكَ الَّذِي أَرْسَلتَ)) .
قال العراقيُّ: ولا دليلَ فيه؛ لأنَّ ألفاظَ الأذكارِ تَوقِيفيَّةٌ، ورُبَّما كان
في اللفظِ سرٍّ لا يَحصلُ بِغَيرِهِ، ولعلَّه أرادَ أنْ يجمعَ بين اللفظين في
موضعٍ واحدٍ .
قال: والصوابُ ما قالَهُ النوويُّ. وكذا قالَ البلقينيُّ .
· من كان في سماعه بعض الوَهَن، فعليه بيانه حالَ الرواية:
(إذا كان في سماعه بعضُ الوهن) أي الضعفِ (فعليه بيانُهُ حالَ
الروايةِ) فإنَّ في إغفالِهِ نوعًا من التدليسِ، وذلك كأن يسمع مِن غيرِ
أصلٍ، أو يحدث هو أو الشيخُ وقتَ القراءةِ، أو حصَلَ نومٌ أو نَسْخْ، أو
سمع بقراءةٍ مُصَحِّفٍ أو لَحَانٍ، أو كان التسميعُ بخطٌ مَنْ فيه نظرٌ .

٣٥٨
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
(ومِنْه : إذا حدَّثَهُ مِن حِفظِهِ في المذاكرةِ) لِتساهُلِهم فِيها (فليقلْ:
((حَدَّثَنا في المذاكرةِ))) ونحوه (كما فَعَلُهُ الأئمةُ).
(ومنعَ جماعةٌ منهم) كابنِ مهديٍّ ، وابنِ المباركِ ، وأبي زرعة
(الحملَ عنهم حالَ المذاكرةِ) لتساهُلِهِم فيها؛ ولأنَّ الحفظَ خوَّانٌ .
وامتنعَ جماعةٌ من روايةٍ ما يحفظونه إلا من كتبهم لذلك، مِنهم :
أحمدُ بن حنبلٍ .
• إذا كان الحديث عن رجلين، هل يجوز الاقتصار على أحدهما؟
(وإذا كان الحديثُ عن) رَجُلين أحدُهما (ثقة، و) الآخرُ (مجروح)
كحديثٍ لأنسٍ مثلًا، يرويه عنه ثابتٌ البُنانيُّ وأبانُ بنُ أبي عيَّاشِ (أو) عن
(ثقتين، فالأَوْلى أن يَذْكُرَهُما) لجوازٍ أن يكونَ فيه شيءٌ لأحدِهما لم
يذكره الآخَرُ، وحمل لفظ أحدِهما على الآخَرِ .
(فإن اقتصر على ثقةٍ فيهما لم يَحْرُم) لأنَّ الظاهرَ اتفاقُ الروايتين،
وما ذكر من الاحتمالِ نادرٌ بعيدٌ، ومحذورُ الإسقاطِ في الثاني أقلُّ من
الأوَّلِ .
قال الخطيبُ: وكان مسلمُ بنُ الحجّاجِ في مِثْلِ هذا رُبَّما أسقطَ
المجروحَ ويَذْكُرُ الثقةَ، ثم يقول: ((وآخَر))، كنايةً عن المجروح. قال :
وهذا القولُ لا فائدةَ فيه .
وقال البلقينيُّ : بل له فائدةُ تكثيرِ الطُرقِ .

٣٥٩
السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
• مَنْ أخذ بعضَ حديثٍ عن شيخ، وبعضَهُ عن آخر، هل يجوز أن يروي
جُمْلَتَهُ عنهما؟
(وإذا سَمِعَ بعضَ حديثٍ من شيخ وبعضَه) الآخَرَ (مِن) شيخ (آخرَ،
فَرَوَى جملتَهُ عنهما مبيّنًا أنَّ بعضه عن أحدِهما وبعضَه عن الآخرِ) غيرَ
مميزٍ لما سمعه مِن كلِّ شيخِ عنِ الآخرِ (جازَ، ثم يصيرُ كلُّ جزءٍ منه كأنَّه
رواه عن أحدِهما مبهمًا، فلا يحتجُ بشيءٍ منهُ إن كان فيهما مجروحٌ) لأنَّه
ما مِن جُزءٍ منه إلا ويجوزُ أنْ يكون عن ذلك المجروح .
(ويجبُ ذكرُهما) حينئذٍ (جميعًا مبيّنًا أن عن أحدهما بعضَه، وعن
الآخر بعضَه) ولا يجوزُ ذِكْرُهما ساكتًا عَن ذلك، ولا إسقاطُ أحدهما ،
مجروحًا كان أو ثقة .
ومن أمثلةِ ذلك : حديثُ الإفكِ في ((الصحيح)) مِن روايةِ الزُّهْريَّ،
حيثُ قال : حدَّثني عُروةُ وسعيدُ بنُ المسيبٍ وعلقمةُ بنُ وقّاصٍ وعُبِيدُ اللَّهِ
ابنُ عبدِ الله بنِ عثْبةَ، عن عائشةً، قال: وكُلِّ قد حدَّثني طائفةً من
حديثها، ودخل حديثُ بعضِهم في بعضٍ ، وأنا أَوعَى لحديثِ بعضِهم من
بعضٍ ، فذكر الحديثَ .

٣٦٠
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
• النوع السابع والعشرون :
مَعرِفَةُ آدَاب المُحَدِّثِ
• شرف علم الحديث:
(عِلْمُ الحديثِ شَريفٌ)، وكيفَ لا وهو الوصلةُ إلى رسولِ الله وَّ ؛
والباحثُ عن تصحيح أقوالِهِ وأفعالِهِ والذبِّ عن أن يُنسب إليه ما لم يَقُلُهُ،
وقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلّ أُنَاسِ يإِمَتِهِمْ﴾
[الإسراء: ٧١] ليس لأهلِ الحديثِ منقبةٌ أشرف من ذلك؛ لأنه لا إمام لهم
غَيرِهِ وََّ، ولأنَّ سائرَ العلوم الشرعيةِ مُحتاجةٌ إليه؛ أما الفقه فواضحٌ،
وأما التفسيرُ فلأنَّ أَولى ما فُسِّر به كلامُ اللَّه تعالى ما ثبتَ عنْ نبيِّهِ اَل
وأصحابه
وهو علمٌ (يُناسبُ مَكَارمَ الأخلاقِ، ومَحَاسنَ الشِّيم)، وينافرُ ضِدَّ
ذلك، (وهوّ من عُلُوم الآخرةِ) المَخْضَةِ، بخلافِ غيرِهِ في الجُملة .
قال أبو الحسنِ شبويه : مَن أراد عِلم القبرِ فعليهِ بالأثرِ ، ومَن أراد عِلم
الخُبزِ فعليه بالرأي .
(مَنْ حُرِمَهُ حُرِم خيرًا عظيمًا، ومن رُزِقَهُ نالَ فَضْلًا جَسيمًا) ويكفيه أنَّه
يدخل في دعوتِهِ وََّ حيث قال: ((نَضَّرَ اللَّهُ امرأً سمعَ مَقَالَتِي فَوَعاها)).
قال سُفيانُ بنُ عُيينةَ: ليسَ من أهلِ الحديثِ أحدٌ إلا وفي وَجْهه
نَضْرةٌ؛ لهذا الحديثِ .

٣٦١
السابع والعشرون : آداب المحدث
(فَعَلَى صاحِبِهِ تصحيحُ النِّيَّةِ)، وإخلاصُها، (وتطهيرُ قَلْبِهِ مِنْ أَغْراضٍ
الدُّنيا) وأدناسِها، كحُبِّ الرِّياسةِ ونحوِها، وليكن أكبرَ همِّه نشرُ الحديث
والتبليغُ عَنِ رسولِ اللَّهِ بَّهِ، فالأعمالُ بالنِّيَّاتِ.
، السِّنُّ الذي يتصدى فيه لإسماع الحديث:
(واختُلِفَ في السِّنِّ الذي) يَحسُنُ أنْ (يَتَصَدَّى فيه لإِسمَاعِهِ)؛ فقال
ابنُ خلادٍ : إذا بلَغَ الخمسينَ ؛ لأنَّها انتهاءُ الكُهولةِ ، وفيها مُجتَمعُ الأَشُدِّ .
قال: ولا يُنكَرُ عند الأربعين؛ لأنَّها حدُّ الاستواءِ ومُنتَهى الكَمالِ،
وعندها يَنتهي عزمُ الإنسانِ وقُوَّتُه، ويتوفّرُ عَقْلُهُ، ويجودُ رأيه .
وأنكر ذلك القاضي عياضٌ، وقالَ : كم مِنَ السَّلفِ فَمَنْ بَعدَهم مَن
لم يَنْتِهِ إلى هذا السِّنِّ، ونشَرَ من الحديثِ والعِلم ما لا يُحصَى، كعُمر بن
عبدِ العزيز، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، وإبراهيم النَّخعيِّ، وجلس مالكٌ للناسِ
ابنَ نِيِّفٍ وعشرينَ، وقيل: ابنَ سبع عشرةَ سَنة، والناسُ متوافرون
وشيوخُهُ أحياءٌ؛ ربيعةُ، والزُّهْرِيُّ، ونافعٌ، وابنُ المُنكدر ، وابنُ هرمز،
وغيرُهم، وكذلك الشافعيُّ وأئمةٌ من المتقدِّمين والمُتأخّرين، وقد حدَّث
بُنْدَار وهو ابنُ ثماني عشرة، وحدَّث البخاريُّ وما في وجْهِهِ شَعْرةٌ ، وهَلُمَّ
جَرًّا .
وقال ابنُ الصلاح: ما قالَه ابنُ خلادٍ محلُّه فيمن يُؤْخَذ عنه الحدیثُ
لمجرَّدِ الإسنادِ مِن غيرِ براعةٍ في العِلم؛ فإنَّه لا يحتاج إليه لعلوٌ إسنادِهِ إلا
عند السِّن المذكورِ، أمَّا من عنده براعةٌ فإنَّهُ يؤخَذ عنه قَبل السِّن
المذکورِ .

٣٦٢
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
قال: (والصحيحُ، أنَّه متى احتِيجَ إلى ما عِنْدَهُ، جَلَسَ له في أيِّ سنِّ
كان، وينبَغِي أَنْ يُمسِكَ عن التَّحْدِيثِ إذا خَشِيَ التخلِيطَ بِهَرم، أو خَرَفٍ ،
أو عَمَى ، ويختلفُ ذلك باختلافِ الناسِ) وضبطه ابن خلادٍ بالثمانين .
قال : والتسبيحُ والذِّكر وتِلاوةُ القرآنِ أَوْلَى به .
فإن يكُن ثابتَ العقلِ مُجتمعَ الرأىِ فلا بأس، فقد حدَّث بعدها أنسٌ ،
وسهلُ بنُ سعدٍ ، وعبد الله بن أبي أوفى في آخرين، ومن التَّابعينَ :
شريحٌ القاضي، ومجاهدٌ، والشعبيُّ في آخَرين، ومِن أتباعِهم: مالكٌ،
والليثُ ، وابنُ عُيينة .
وقال مالكٌ: إنما يخرفُ الكذَّابونَ .
وحدَّث بعد المائة من الصحابة : حكيمُ بنُ حزامٍ، ومِن التابعين :
شريكٌ النمريُّ، ومَمَّن بَعدهم : الحسنُ بنُ عَرفَةَ، وأبو القاسِم البغوي ،
والقاضي أبو الطَّيبِ الطبريُّ، والسِّلفيُّ، وغيرهم .
● لا يحدِّث بحضرة مَن هو أولى منه:
(الأَوْلَى ألَّا يُحدِّثَ بحضَرةِ مَن هو أَوْلَى منه لِسِنْه، أو عِلمه، أو
غَيْرِهِ) كأن يكونَ أعلى سَندًا، أو سماعُهُ مُتصلًا وفي طريقِهِ هو إجازةٌ ،
ونحو ذلكَ .
(وقِيلَ) أبلغُ مِن ذلك: (يُكْرَه أن يُحدِّثَ في بلدٍ فيها أَوْلَى مِنْهُ) .
فقد قال يحيى بن مَعينٍ : إنَّ مَن فَعَل ذلك فهو أحمقُ .

٣٦٣
السابع والعشرون : آداب المحدث
(ويَنْبَغِي له إذا طُلِبَ منه ما يَعْلِمُهُ عند أَرْجَح منه أن يُرْشِدَ إليه ؛ فالدِّينُ
النَّصِیحةُ) .
قال في ((الاقتراح)): يَنبغي أنْ يكونَ هذا عِند الاستواءِ، فيما عَدا
الصُّفة المُرجِحة، أما مع التفاوت بأن يكون الأعلى إسنادًا عاميًّا، والأنزلُ
عارفٌ ضابطً فقد يُتوقَّف في الإرشادِ إليه ؛ لأنَّه قد يكون في الرواية عنه ما
يُوجِبُ خَللا .
قلتُ : الصوابُ إطلاقُ أنَّ التحديثَ بحضرةِ الأَولى ليس بمكروهٍ ،
ولا خلافَ الأَولَى، فقد استنبط العلماءُ مِن حديثِ: ((إِنَّ ابني كانَ
عَسِيفًا))، الحديث، وقولِهِ: ((سألتُ أهلَ العلم فأخبروني)) أنَّ الصحابةَ
كانوا يُفْتونَ في عهدِ النبيِّ رَّر وفي بلدِهِ .
وقد عَقَدَ محمدُ بنُ سعدٍ في ((الطبقات)) بابًا لذلك، وأخرجَ بأسانيدَ
فيها الواقديُّ: أنَّ منهم أبا بكر، وعُمر، وعُثمان، وعليًّا، وعبد الرحمنِ
ابن عوفٍ، وأَبيَّ بنَ کَعبٍ، ومعاذَ بن جَبلٍ، وزيدَ بن ثابتٍ.
وروى البيهقيُّ في ((المدخلِ)) بسندٍ صحيحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ أنه قالَ
لسعيد بنِ جُبيرٍ : حدِّث، قال: أُحدِّثُ وأنتَ شاهدٌ، قال: أَوَليسَ من
نِعَم الله عليكَ أنْ تُحدِّث وأنا شاهدٌ، فإنْ أخطأتَ علَّمْتُكَ؟!
• لا يمتنع عن تحديث أحدٍ لكونه غيرَ صحيح النيَّة:
(ولا يَمْتَنِعُ من تحديثِ أحدٍ لِكَوْنِهِ غیرَ صحیح النِّيَّةِ ؛ فإنَّه يُرْجَى) له
(صِحَّتُها) بعدَ ذلك .

٣٦٤
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
قال معمرٌ، وحبيبُ بنُ أبي ثابتٍ: طَلَبْنَا الحديثَ وما لنا فيه نِيَّةٌ، ثم
رَزَقَ اللَّه النِيةَ بعدُ .
وقال معمرٌ: إنَّ الرجلَ ليطلبُ العلم لغيرِ اللَّهِ، فيأْبَى عليه العلمُ حتَّى
یکون لله.
وقال الثوريُّ : ما كان في الناسِ أفضلُ من طَلبِ الحديثِ، فقيل :
يَطْلبونه بغيرِ نيةٍ؟ فقال: طَلبُهم إِيَّاهُ نِيَّةٌ .
(وَلْيَخْرِضْ علىْ تَشْرِهِ، مُبْتِغِيًا جزيلَ أَجْرِهِ)، فقد كان في السلفِ مَن
يتألَّفُ الناسَ على حديثِهِ، منهم : عُروةُ بنُ الزُّبِيرِ.
ومن الأحاديثِ الواردةِ في فضلِ نشرِ الحديثِ والعِلم: حديثُ
((الصحيحين)) ((بلِّغوا عَنِّي)) - ((لِيُبَلِّغِ الشَّاهدُ الغائِبَ)) .
● ما يستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث:
(ويُستحبُّ لَهُ إذا أرادَ حضورَ مجلسِ التَّحدِيث أَنْ يَتَطَّهَّرَ) بِغُسلٍ
ووُضوءٍ، (وَيَتَطَئِّبَ)، ويَتَبِخَّر، ويَسْتَاك، (ويُسَرِّحَ لِحْيَتَهُ، ويَجْلِسَ) في
صَدْرِ مَجلسِهِ (مُتَّكثّا) في جلوسِهِ (بوقَارٍ) وهَيبةٍ .
وقد كان مالكٌ يفعلُ ذلك، فقيلَ له، فقال: أُحبُّ أن أُعِظُم حديثَ
رسولِ اللَّهِ وَلَه، ولا أُحدِّثَ إلا على طهارةٍ مُتمكنًا. وكان يكرهُ أنْ
يُحدِّث في الطريقِ أو وهو قائمٌ. أسندَهُ البيهقيُّ .
ويُكره أنْ يقوم لأحدٍ ، فقد قِيل : إذا قامَ القارئُ لحديثِ رسولِ اللَّهِ
وَلَه لأحدٍ فإنَّه تُكتبُ عليه خطيئة .

٣٦٥
السابع والعشرون : آداب المحدث
(فإن رَفَعَ أحدٌ صوتَهُ) في المجلسِ (زَبَرَهُ) أي: انتهرَهُ وزجَرَهُ؛ فقد
كان مالكٌ يفعلُ ذلك أيضًا، ويقول: قال اللَّه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ [الحجرات: ٢]، فَمَنْ رفعَ صوتَهُ عِندَ حديثِهِ
فكأنَّما رفَعَ صوتَهُ فوقَ صوتِهِ .
(ويُقْبِلَ على الحاضِرِينَ كلِّهِم)، فقد قالَ حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ : إنَّ مِن
السُّنة إذا حدَّثَ الرجلُ القومَ أن يُقْبِلَ عليهم جميعًا .
• كيفية افتتاح المجلس:
(وَيَفْتَتْحَ مَجْلِسَهُ، ويختِمُهُ بتَحمِيدِ اللَّهِ تعالَى، والصَّلاةِ على النَّبِيِّ
وَ﴿ ، ودعاء يليقُ بالحالِ، بَعْدَ قِراءةِ قارئٍ حَسَنِ الصوتِ شيئًا من القرآنِ
العَظِيمِ) .
فقد رَوَىُ الحاكمُ في ((المستدركِ)) عن أبي سعيدٍ قال: كانَ أصحابُ
رسولِ اللَّهِ وَّهِ إِذا اجْتَمَعُوا تَذَاكَروا العِلْمَ وقَرَءوا سُورَةً .
(ولا يَسردَ الحدیثَ سَزْدًا) عَجِلًا (يَمْنَعُ فَهْمَ بَعْضِهِ)، کما رُوي عن
مالكٍ : أَنَّه كان لا يَسْتَعجِلُ، ويقولُ: أُحبُّ أَنْ أتفهّم حَدِيثَ رسولِ اللهِ
·梅
وأورد البيهقيُّ في ذلك حديثَ البخاريِّ عن عُروةَ قال: جلسَ
أبو هريرة إلى جنبٍ حُجرةٍ عائشةَ وهي تُصلِّ، فجعل يُحدِّثُ، فلمَّا
قَضَتْ صَلاَتَها قالتْ: أَلا تَعْجَبُ إلى هذا وحديثِهِ؛ إِنَّ النَّبِيَّ وَّ إنَّما كان
يُحدِّث حديثًا لو عدَّه العادُ أَحْصَاهُ .
٠٠٠٣٠٠٧٥

٣٦٦
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وفي لفظٍ عِندَ مُسلم: إنَّ رَسولَ اللَّهِ وَ﴿ لم يَكُنْ يَسْردُ الحديثَ
گَسَردِكُمْ .
وفي لفظٍ عِندَ البَيْهِقَيِّ عَقِيبِه: إِنَّما كانَ حَدِيثُهُ فَصْلَا تَفْهَمُهُ القُلُوبُ .
• عقدُ مجالسِ الإملاءِ، واتخاذُ المُسْتَمْلِين:
(يُستحبُّ للمُحدِّث العارفِ عَقْدُ مَجْلسٍ لإملاءِ الحديثِ ؛ فإِنَّه أَعلَى
مَرَاتِبِ الرِّوَايَةِ)، والسماعُ فيه أحسنُ وُجوهِ التَّحمُّلِ وأقْوَاهَا .
(ويتخذُ مُسْتَمليًا محصّلاً متيقظًا، يُبَلِّغُ عنه إذا كَثُر الجمعُ ؛ على عادَةِ
الحفاظِ) في ذلك، كما رُوي عن مالك، وشعبةً، ووكيع، وخلائقٌ .
فإنْ كثُرَ الجمعُ بحيث لا يَكفي مستملِ اتَّخذ مُستَملَِيْنِ فأكثرَ .
ولا يكونُ المستملي بَليدًا، كمُستملي يزيد بن هارون، حيث سُئل
يزيدُ عن حديثٍ فقال: ((ثنا به عِدَّةٌ))، فصاح المستملي: يا أبا خالد،
عِدَّة ابن مَن؟ فقال له : ابن فَقَدْتُكَ .
(ويَسْتَملي مُرْتَفِعًا) على كُرسيٍّ ونحوِهِ، (وإلا قائمًا) على قدمَيهِ ،
ليكونَ أَبْلِغ للسَّامعينَ، (وعَليهِ) أي: المُستملي وُجُوبًا (تَبليغُ لَفْظِهِ)
أي : المُمْلي وأداؤه (على وَجْهِهِ) من غيرِ تغييرٍ .
· فائدة المُسْتَملي:
(وفائِدةُ المُستَمْلِي: تَفْهِيمُ السامعِ) لفظَ المُملي (عَلَى بُعدٍ) ليتحقَّقه
بصوتِهِ . (وأمَّا من لم يَسْمَعْ إلا المبَلْغَ ؛ فلا يجُوزُ له رِوايَتُهُ عن المُمْلِي ،
٥٠ترمز

٣٦٧
السابع والعشرون : آداب المحدث
إلا أن يُبَيِّن الحالَ، وقد تَقَدَّم هَذَا) بما فيهِ (في) النوعِ (الرَّابِعِ
والعِشْرِينَ) .
(ويَسْتَنْصِتُ المُستَملِي الناسَ) أي: أهلَ المجلسِ، حيثُ احْتِيجَ
للاستنصاتِ؛ ففي ((الصحيحين)) مِن حديثٍ جَرِيرِ: أنَّ النبيَّ وَِّ قالَ له :
((اسْتَنْصِتِ النَّاسَ))، (بعدَ قِرَاءةِ قارئٍ حَسَنِ الصَّوتِ شيئًا من القرآنِ) لما
تقدَّمَ .
(ثُمَّ يُيَسْمِلُ) المُستَملِي، (ويحمَدُ اللَّه تعالى، ويصلي على رسولِهِ
وَلَه، ويتحرَّى الأبلغَ فيه) من ألفاظِ الحمدِ والصَّلاةِ.
قال المصنف في ((الروضة)): والصوابُ الذي ينبغي أنْ يُجْزَمَ به، أنَّ
أبلَغها ما علَّمه النبيُّ نََّ لأصحابه، حيثُ قالوا: كيف نُصلي عليكَ؟
فقال : ((قُولوا: اللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما صَلَّيتَ على
إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ، وبارِكْ على مُحمدٍ وعَلى آلٍ محمدٍ، كما بَارَكْتَ
على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إِنَّك حميدٌ مجيدٌ)).
(ثُمَّ يقول) المستملي (للمحدِّثِ) المملي: ((مَنْ) ذكرتَ - أي :
من الشيوخ - (أو ما ذكرتَ) أي: من الأحاديث: (رَحِمك اللَّهُ، أو
رضي عَنْكَ))، وما أشبهه .
وكُلَّمَا ذَكَرَ النَّبيَّ نََّ صلَّى) المستملي (عليه وسلَّم).
(قال الخطيبُ : ويرفعُ بها صوتَهُ، وإذا ذَكَرَ صحابيًّا رضَّی علیه ، فإن
كان ابنَ صحابيٍّ قال: ((رضيَ اللَّهُ عنهما))).

٣٦٨
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وكذا يترحَّمُ على الأَئِمةِ، فقد روى الخطيبُ أنَّ الرَّبيعَ بنَ سُليمان قال
له القارئُ يومًا: «حدَّثكم الشافعيُّ))، ولم يقل: «رضي اللَّهُ عنهُ»، فَقَالَ
الربيعُ: ولا حَرْف، حتَّى يُقَالَ: ((رضي اللَّهُ عنهُ)) .
● ما يُسْتحسن من المحدث حالَ الرواية:
(ويَحْسُنُ بالمحدِّثِ الثناءُ على شيخِهِ حالَ الروايةِ) عَنه (بما هو أَهْلُهُ،
كما فَعَلَهُ جماعاتٌ من السَّلَفِ) كقولٍ أبي مسلم الخولانيِّ: حدَّثني
الحبيبُ الأمينُ عوفُ بنُ مُسلمٍ .
وكَقَولِ مَسْروقٍ: حدَّثَتْنِي الصِّدِيقةُ بنتُ الصِّدِيقِ حَبيبةُ حبيبِ اللَّهِ
المُبَرَّأةُ .
وكَقَولٍ عَطاءٍ: حدَّثَني البحرُ - يعني : ابنَ عباسٍ .
وكَقَولِ شُعبةً: حدَّثني سيدُ الفُقهاءِ أيوبُ .
وكَقَولِ وَكيعٍ : حدَّثنا سُفيانُ أميرُ المؤمنين في الحَدِيثِ .
(ولْيَعْتَنِ بالدُّعاءِ لهُ فهوَ أَهَمُّ) من الثناءِ المذكورِ .
ويجمعُ في الشيخِ بين اسمِهِ وكُنيتِهِ، فهو أبلغُ فِي إِعْظامِهِ .
قال الخطيبُ : لكنْ يقتصرُ في الروايةِ على اسم مَن لا يشكل،
كأيوبَ، ويونسَ، ومالكِ، والليثِ، ونحوِهم، وكذا على نِشْبة من هو
مشهورٌ بها كابنِ عونٍ، وابن ◌ُريجٍ، والشَّعبيِّ، والنَّخعيِّ، والثوريُّ،
والزُّهْريِّ، ونحو ذلك .
(ولا بأسَ بِذِكْرٍ مَنْ یَروي عنه بلقَبٍ) گَغُندر ، (أو وَضْفٍ) کالأعمشِ ،

٣٦٩
السابع والعشرون : آداب المحدث
(أو حِزْفَةٍ) كالحِنَّاطِ، (أو أمِّ) كابنِ عُلَيَّةَ، وإن كرِهِ ذلك، إذا (عُرِفَ
بِها)، وقَصَدَ تعريفَهُ لا عَيْبَهُ.
(ويُسْتَحبُّ) للمُملي (أن يجمعَ في إِملائِهِ) الرُّوايةَ عن (جماعةٍ من
شُيوخِهِ)، ولا يقتصرُ على شيخ واحدٍ (مقدِّمًا أرجَحَهم) بعلوٌ سندٍ أو
غيرِهِ، ولا يَروي إلا عن ثقات شُيوخِهِ، دون كذّابٍ أو فاسقٍ أو مُبتدعٍ .
روى مسلمٌ في مقدمة ((صحيحه)) عنِ ابنِ مَهْدِي قال: لا يكونُ
الرجلُ إمامًا وهو يُحدِّثُ بكل ما سَمِعَ، ولا يكون الرجلُ إمامًا وهو
يُحدِّثُ عن كلِّ أحدٍ .
(ويَروِيَ عنْ كُلِّ شَيْخِ حَديثًا) واحدًا في مجلسٍ، (ويَخْتارَ) من
الأحاديثِ (ما علا سَتَدُه وَقَصُرَ متُهُ) وكان في الفقهِ، أو الترغيبِ .
(و) يتحرَّى (المستفاد منه، ويُنَبِّه عَلَى صِحَّتِهِ) أي الحديثِ، أو
حُسْنِهِ، أو ضَعْفِهِ، أو عِلَّتِهِ إِنْ كان مَعلولًا، (و) على (ما فِيهِ منْ عُلُوٌ)
وجلالةٍ في الإسناد، (وفائِدةٍ) في الحديثِ أو السَّندِ ، كتقديم تاريخٍ
سَماعِهِ، وانفرادِهِ عن شَيخِهِ، وكونِهِ لا يُوجَدُ إلا عِنده، (وضَبْطِ مُشْكِلٍ)
في الأسماءِ، أو غريبٍ، أو معنَى غامضٍ في المتنِ .
( وليَتَجَنَّبْ) مِنَ الأحاديثِ ( ما لا تَحتَمِلُهُ عقُولُهُم، وما لا يَفْهَمُونَهُ)
كأحاديثِ الصفاتِ ؛ لما لا يُؤمَنُ عليهم من الخطإِ والوهم، والوقوعِ في
التَّشبيهِ والتجسيم .
فقد قال عليٍّ: تُحبُّون أن يُكذَّبَ اللَّهُ ورسولُه؟! حدِّثوا الناسَ بما
يَعْرِفون، ودَعُوا ما يُنكِرون. رواهُ البخاريُّ .

٣٧٠
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وقال ابنُ مسعودٍ : ما أنتَ بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تَبْلُغُه عُقولهُم، إلا
كان لبعضِهم فتنةً. رواهُ مُسلمٌ.
قال الخطيبُ : ويَجتنبُ أيضًا في روايتهِ للعوام أحاديثَ الرُّخَصِ ، وما
شَجَرَ بينَ الصَّحابةِ ، والإسرائيلياتِ .
● كيفية ختم المجلس:
(ويختمَ الإملاءَ بحكاياتٍ، ونَوادِرَ، وإنشادَاتٍ بأسانِيدِها) كعادةِ
الأئمةِ في ذلك، (وأَوْلاها ما في الزُّهدِ، والآدابِ، ومَكَارِمِ الأخلاقِ) .
• استعانة المحدث ببعض الحفاظ في تخريج الأحاديث:
(وإذا قصرَ المحدِّثُ) عن تخريج الإملاءِ لقصورِهِ عن المعرفةِ
بالحديث، وعِلَلهِ، واختلافِ وجوهه، (أو اشتَغَلَ عن تخريجِ الإملاءِ ،
استعانَ ببعضِ الحفّاظِ) في تخريج الأحاديثِ التي يريد إِملاءَها قبلَ يومٍ
مجلسِهِ ، فقد فعَلهُ .
(وإذا فَرَغَ الإملاءُ قابَلَهُ وأَنْقَتَهُ)، لإصلاحِ ما فسدَ منِهِ بِزَيغِ القَلمِ وطُغيانِهِ .

٣٧١
الثامن والعشرون : آداب طلب الحديث
• النوع الثامن والعشرون :
مَعرِفَةُ آدَابٍ طَلبِ الحَدِيثِ
، تصحيح النيَّة والإخلاص للَّه تعالى:
(قد تقدَّم منه جُمَلٌ متفرقةٌ، ويجبُ عليه تصحيحُ النّةِ، والإخلاصُ
للَّه تعالى في طلبِهِ، والحذَرُ من التَّوصُّلِ به إلى أغراضِ الدُّنيا).
فقد روى أبو داودَ وابنُ ماجَه مِن حديثِ أبي هريرة قال: قالَ
رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَن تعلَّم عِلمًا ممَّا يُبْتَغى به وَجْه اللَّهِ تعالَى لا يَتَعَلَّمُهُ إلا
لِيُصيبَ به عَرضًا من الدُّنيا، لمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يومَ القيامةِ)) .
وقال حمادُ بنُ سَلمةَ: مَن طَلَبَ الحديثَ لغيرِ اللَّهِ مکرَ بهِ .
وقال سُفيانُ الثوريُّ: ما أَعْلَمُ عَملًا هُوَ أفضلُ مِن طلبِ الحديثِ لِمَنْ
أرادَ الله .
قال ابنُ الصلاحِ : ومِن أقربِ الوجوهِ في إصلاحِ النّيةِ فيهِ، ما روينا عن
أبي عَمرٍو بن نُجيدِ أنَّه سألَ أبا جعفر بن حمدان، وكانا عَبْدینِ صالحين ،
فقال له: بأيِّ نيةٍ أَكْتُبُ الحديثَ؟ فقالَ: أَلَستُم تَرَون أنَّ عند ذِكْرٍ
الصالحين تَنزلُ الرحمةُ؟ قال: نعم، قال: فَرَسُولُ اللَّهِ بِله رأسُ
الصَّالِحين .
(وليسأل اللَّه تعالى التَّوفِيق، والتَّسدِيدَ) لذلك، (والتَّيْسِيرَ)، والإعانةَ
عليه، (وليستعمل الأخلاقَ الجَمِيلَةَ والآدَابَ) الرضية .

٣٧٢
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
فقد قال أبو عاصم النبيلُ: مَن طلبَ هذا الحديثَ فقد طلبَ أعلى
أمورِ الدِّين، فيجبُ أنْ يكونَ خيرَ الناسِ .
(ثم لْيفرِغُ جَهْدَهُ في تحصيلِهِ ، ويَغْتَنِم إمكانه) .
ففي ((صحيح مسلم)) مِن حديثٍ أبي هُريرة مَرفوعًا: ((احرص على
ما يَنْفَعُكَ واستَعنْ بِاللَّهِ ولا تَعْجزْ)) .
وقال يحيى بنُ أبي كثيرٍ : لا يُنالُ العلمُ براحةِ الجِسْمِ .
وقال الشافعيُّ: لا يَطلبُ هذا العِلمَ مَن يطلبُهُ بالتملُّلِ وغِنَى النفسِ
فَيَفْلِحُ ، ولكن مَن طَلَبِه بِذِلَّةِ النَّفْسِ ، وضيقِ العيشِ، وخدمةِ العِلم، أَفْلَحَ .
• الرحلة في طلب الحديث:
(ويبدأُ بالسماعِ من أرجح شيوخٍ بَلَدِهِ إسنادًا، وعلمًا، وشهرةً، ودِينًا
وغيرَه) إلى أنْ يفرِغَ منهم، ويبدأ بأفرادِهم فمن تفرَّدَ بشيءٍ أخذه عنه
أوَّلًا، (فإذا فَرَغَ مِن مُهِمَّاتهم) وسماعٍ عَوالِيهم، (فَلَيَرْحَل) إلى سائرِ
البُلدانِ (على عَادَةِ الحفّاظِ المبرزينَ) ولا يَرحَلُ قَبلَ ذلك .
قال الخطيبُ : فإنَّ المقصودَ بالرحلةِ أمران :
أحدهما : تحصيلُ عُلوُ الإسنادٍ، وقِدَمِ السماعِ .
والثاني: لقاءُ الحُفَّاظِ ، والمُذاكَرةُ لهم، والاستفادةُ منهم .
فإذا كان الأَمْران مَوجودَيْن في بلدِهِ ومعدومَيْن في غيرِهِ، فلا فائدةً في
الرِّحلةِ، أو موجودين في كلِّ مُنهما، فليحَصِّل حديثَ بلدِهِ ثُمَّ يرحَل .

٣٧٣
الثامن والعشرون : آداب طلب الحديث
قال: وإذا عَزَمَ على الرِّحلةِ، فلا يتركُ أحدًا في بلدِهِ مِن الرُّواةِ إلا
ويكتُبُ عنه ما تيسَّرَ مِن الأحاديثِ، وإن قَلَّتْ. فقد قالَ بعضُهم : ضيِّعْ
وَرَقَّةً ولا تُضِيُّعَنَّ شَيخًا .
وسألَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ أباه عمَّن طلبَ العِلمَ ، ترى له أنْ يلزمَ رجلًا
عندهُ عِلمٌ فيكتبُ عنه، أو ترى له أنْ يرحلَ إلى المواضع التي فيها العِلمُ
فيسمعُ منهم؟ قال : يَرْحلُ يكتبُ عن الكوفيِين والبَصْريين، وأهلِ المدينةِ
ومَكَّةَ، يُشامُ الناسَ يَسمعُ مِنهم .
وقال ابنُ معينٍ : أربعةٌ لا تأنسُ منهم رُشْدًا، مِنهم : رجل يكتبُ في
بَلدِهِ، ولا يرحلُ في طلبِ الحديثِ .
وقال إبراهيمُ بنُ أدهم: إنَّ اللَّهَ يرفعُ البلاءَ عن هذهِ الأمةِ برحلةٍ
أصحاب الحديثِ .
• الحَذَر من التساهل في التحمل:
(ولا يحملَتَّه الشَّره) والحرص (على التَّساهُلِ في التّحمُّلِ، فيُخِلَّ
بشيءٍ من شُرُوطِهِ) السابقة فإنَّ شهوةَ السَّماع لا تنتهي، ونهمةَ الطَّلبِ لا
تنقضي، والعِلمُ كالبِحارِ التي يتعذَّرُ كَيْلُها، والمعادن التي لا ينقطعُ
نَيْلُها .
• العمل بالحديث:
(ويَتْبَغِي أَنْ يستعمِلَ ما يسمعه من أحاديثِ العباداتِ والآدابِ)
وفضائِلِ الأعمالِ (فذلكَ زكاةُ الحديثِ وسَبَبُ حِفْظِهِ) فقد قال بشرٌ