النص المفهرس

صفحات 1681-1700

٢١٤
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
للشيخ : مَن حدثك؟ فقال: حدثني رجلٌ بالمدائن، وهو حَيٍّ. فَصِرتُ
إليه فَقُّلت : مَن حدَّثك؟ فقال: حدَّثني شيخٌ بواسط، وهو حيٍّ. فصرتُ
إليه ، فقال : حدَّثني شيخٌ بالبصرةِ . فَصِرتُ إليه، فقال: حدَّثني شيخٌ
بعبَّادان. فَصِرتُ إليه، فأخذَ بيدي فأَدخلني بَيْتًا، فإذا فيه قومٌ مِن
المتصوفةِ ومعهم شيخٌ، فقال : هذا الشيخُ حدثني. فقلتُ: يا شيخُ، مَن
حدَّثك؟ فقال: لم يُحدِّثني أحدٌ ، ولكنَّا رأينا الناسَ قد رَغِبوا عنِ القُرآنِ ،
فوضَعنا لهم هذا الحديثَ ليصرفوا قلوبَهم إلى القرآنِ.
(وقد أَخطَأَ مَن ذَكَرَه مِن المفسرينَ) في تفسيرِه؛ كالثعلبيِّ،
والواحديٌّ، والزَّمخشريِّ، والبيضاويِّ .
قال العراقيُّ: لكن مَن أبرزَ إسنادَه منهم كالأَوَّلَينِ فهو أبسطُ لعذرِهِ،
إذ أحال ناظرَه على الكشفِ عَن سَندِه، وإن كان لا يجوزُ له السكوتُ
عليه، وأمَّا مَن لم يبرز سَندَه وأوردَه بصيغةِ الجزم، فخطؤه أَفحشُ .

٢١٥
الثاني والعشرون : المقلوب
• النَّوعُ الثَّانِي وَالعِشرُونَ :
المَقلُوبُ .
• القلب في المتن:
قال البلقينيُّ : القلبُ في المتنِ يُمكن تمثيلُه بما رواه حبيبُ بنُ
عبد الرحمن، عن عَمَّته أنيسة مَرفوعًا: ((إِذَا أَذَّنَ ابنُ أُمّ مَكتوم فَكُلُوا
واشرَبُوا، وإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فلا تَأْكُلُوا ولا تَشْرَبُوا)) - الحديث .
رواهُ أحمدُ ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ حِبانَ في ((صحيحيهما))، والمشهورُ
مِن حديثٍ ابنِ عُمرَ وعائشةَ: ((إِنَّ بِلالًا يُؤذِّنُ بِلَيلٍ، فَكُلُوا واشرَبُوا حَتَّى
يُؤْذِّنَ ابنُ أُمُ مَكْثُومٍ)) .
قال : فالروايةُ بخلافٍ ذلك مقلوبةٌ . انتهى .
وقد مثّل شيخُ الإسلام في ((شرح النخبة)) القلبَ في المتنِ بحديثٍ
مسلم في السَّبعةِ الذين يُظلهم اللَّهُ: (( رجلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقةٍ أَخفَاهَا، حَتَّى
لا تَعَلُّمَ يَمِينُهُ ما تُنفِقُ شِمَالُهُ» .
قال: فهذا مما انقلبَ على أحدِ الرواةِ، وإنما هو: ((حَتَّى لا تَعلَمَ
شِمَالُهُ ما تُنفِقُ يَمِينُهُ))، كما في ((الصحيحين)).
• القلب في الإسناد:
(هو ) قسمان :
الأولُ: أن يكون الحديثُ مشهورًا براوٍ، فيجعل مكانه آخر في

٢١٦
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
طبقته، (نحو حديثٍ مشهورٍ عن سالم، جُعِل عن نافعٍ لِيُرغَبَ فيه)
لِغَرابتِهِ، أو عن مالكِ، جُعل عن عُبيد الله بن عُمر.
قال ابنُ دقيق العيد : وهذا هو الذي يُطلق على راويه أنَّه يَسرقُ
الحديث .
قال العراقي : مثالُه: حديثٌ رواه عمرُو بنُ خالدِ الحرانيُّ، عن حمادٍ
النصيبي، عن الأعمش، عن أبي صَالح، عن أبي هريرة مَرفوعًا: ((إِذَا
لَقِيتُم المُشرِكِينَ في طريقٍ فَلَا تَبَدَءُوهُم بِالسَّلَامِ)) - الحديث .
فهذا حديثٌ مقلوبٌ، قلبَه حمادٌ، فجعله عن الأعمشِ، فإنَّما هو
معروفٌ بسُهِيلِ بنِ أبي صَالحِ، عَن أبيه، هكذا أخرجه مُسلمٌ مِن روايةٍ
شُعبةً ، والثوري، وجرير بن عبد الحميد، وعبد العزيز الدراوردي ،
كُلُّهم عن سُهيلٍ .
قال: ولهذا كره أهلُ الحديثِ تَتُبُّعَ الغَرائبِ ؛ فإنَّه قَلَّ ما يصحُ منها .
وقد مثّل شيخُ الإسلامِ فِي ((شرحِ النخبةِ)) القلبَ في الإسنادِ بنحوِ
((كعبٍ بن مرةً)) و ((مرةً بن كعبٍ)) .
القسم الثاني : أن يؤخذَ إسنادُ متنٍ فَيُجعلَ على متنٍ آخر، وبالعكس ،
وهذا قد يُقصدُ به أيضًا الإغرابُ، فيكون كالوضع، وقد يُفعل اختبارًا
لحفظِ المحدِّث أو لِقَبولِه التلقين، وقد فَعل ذلك شُعبةُ وحَمَّادُ بنُ سلمة
وأهلُ الحديثِ .
(وقَلَبَ أهلُ بغدادَ على البخاريِّ) لمَّا جاءهم (مائةَ حديثٍ امتحانًا،

٢١٧
الثاني والعشرون : المقلوب
فردَّها على وجوهِها، فأذعنوا بفضلِهِ) وذلك حيث اجتمعوا وعمدوا إلى
مائةِ حديثٍ فَقَلبوا متونَها وأسانيدَها، وجعلوا متنَ هذا الإسنادِ لإسنادٍ
آخر، وإسناد هذا المتنِ لمتنٍ آخر، ودفَعوه إلى عشرةٍ أنفسٍ، إلى كلِّ
رَجلٍ عشرة، وأمَروهم إذا حضَروا المجلسَ يُلقون ذلك على البخاري .
فلمَّا فَرَغُوا كلُّهم مِن إلقاءِ تلكَ الأحاديثِ المقلوبةِ إليهم، فردَّ كلَّ متنٍ
إلى إسنادِهِ، وكلَّ إسنادٍ إلى مَتنه، فأقرَّ له الناسُ بالحفظِ، وأَذعنوا له
بالفضل.
· حكم قلب الحديث امتحانًا:
قال العراقيُّ : في جَوازِ هذا الفعلِ نَظرٌ، إلَّا أنه إِذا فَعله أهلُ الحديثِ
لا يستقرُّ حديثًا، وقد أنكَر حرميٍّ على شعبةَ لمَّا قَلَب أحاديثَ على أبانٍ
ابنِ أبي عياشٍ، وقال : يا بِئْسَ ما صَنَعَ، وهذا يحلُّ؟!
• قد يقع القلب غلطًا لا قصدًا:
قد يقعُ القلبُ غلطًا لا قصدًا، كما يقعُ الوضعُ كذلك، وقد مَثَّله ابنُ
الصلاح بحديثٍ رواه جريرُ بنُ حازم، عن ثابتٍ، عن أنسٍ مَرفوعًا: «إِذَا
أُقيمتِ الصَّلاةُ فلا تَقُومُوا حَتَّى تَرَونِي» .
فهذا حديثٌ انقلبَ إسنادُه على جريرٍ، وهو مشهورٌ ليحيى بن
أبي كثيرٍ، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبيِّ بَّرَ، هكَذا
رواهُ الأئمةُ الخمسة ، وهو عند مسلم والنسائيِّ من روايةٍ حجاجٍ بن
أبي عثمان الصواف، عَن يحيى، وجريرٌ إنَّما سمعه من حجاج فانقلبَ
عليه .

٢١٨
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وقد بيَّن ذلك حمادُ بنُ زيدٍ ، فيما رواه أبو داود في ((المراسيل))، عن
أحمدَ بنِ صالحٍ، عن يحيى بنِ حَسَّان، عنه ، قال : كنتُ أنا وجريرٌ عند
ثابت ، فحدَّثَ حجاجٌ، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبيه ؛
فظن جريرٌ أنه إنما حدث به ثابتٌ ، عن أنسٍ .
• الحديث المتروك:
هذا آخِرُ ما أورده المصنّفُ مِن أنواع الضعيفِ، وبَقِي عليه
((المتروكُ))، ذكّره شيخُ الإسلام في ((النخبة))، وفسَّرَه بأن يَرويه من يُتَّھمُ
بالكذبِ، ولا يُعرف ذلك الحديثُ إلا مِن جِهته، ويكون مُخالفًا للقواعدِ
المعلومةِ .
قال : وكذا مَن عُرف بالكذبِ في كُلامه، وإن لم يظهر منه وقوعُه في
الحديثِ، وهو دُون الأوَّلِ . انتهى .
وتقدمتِ الإشارةُ إليه عَقِب الشاذِّ والمُنكَرِ .
● لا يحكم بضعف المتن لمجرد ضعف الإسناد:
(إذا رأيتَ حديثًا بإسنادٍ ضعيفٍ، فَلَكَ أن تقولَ: هو ضعيفٌ بهذا
الإسنادِ. ولا تَقُل : ضعيفُ المتنِ) ولا ضعيفٌ، وتطلقُ (لمجردِ ضعفٍ
ذلك الإسنادِ) فقد يكون له إسنادٌ آخرُ صحيحٌ (إلا أنْ يقولَ إمامٌ: إنه لم
يُروَ مِن وجهٍ صحيحٍ) أو ليس له إسنادٌ يَثبتُ بهِ (أو إنه حديثٌ ضعيف
مُفَسِّرًا ضعفَه، فإن أَطْلقَ) الضعفَ، ولم يبيِّن سببَهُ (ففيه كلامٌ يأتي قريبًا)
في النوعِ الآتي .

٢١٩
الثاني والعشرون : المقلوب
• إذا قال الحافظ المطّلع الناقد في حديث: «لا أعرفه» اعتمد ذلك في
نفيه :
إذا قال الحافظُ المُطَّلعُ الناقدُ في حديثٍ: ((لا أَعرفه)) اعتُمدَ ذلك في
نفيه، كما ذكر شيخُ الإسلام .
فإن قيل : يُعارضُ هذا ما حُكي عن أبي حازم أنه رَوَى حديثًا بحضرةِ
الزهريُّ، فأَنكره وقال: لا أعرفُ هذا. فقال له: أحفظتَ حديثَ
رسولِ اللَّهِ وَلَّه كله؟ قال: لا. قال: فَنِصِفَه؟ قال: أَرجو. قال: اجعل
هذا في النّصفِ الذي لَم تَعرفهُ.
هذا وهو الزُّهريُّ، فما ظَنُّك بغيرِهِ؟!
قُلنا : أجيب عن ذلك بأنه كان قَبل تَدوينِ الأخبارِ في الكُتبِ ، فكان
إذ ذاك عند بعضٍ الرواةِ ما ليس عِند الحفاظِ، وأمَّا بعد التدوينِ والرجوعِ
إلى الكُتب المُصنَّفةِ، فيبعدُ عدُ الاطلاعِ مِن الحافظِ الجهيِذ على ما يُورِدُه
غيرُه ؛ فالظاهرُ عَدمُه .
• الضعيف لا يُجزم بنسبته للنبي وَلقر، بخلاف الصحيح:
(وإذا أردتَ روايةَ الضعيفِ بغيرِ إسنادٍ فلا تَقُل: ((قال رسولُ اللَّهِ وَلِّلـ
كذا)، وما أشبهه مِن صيغ الجزم) بأنَّ رسولَ اللَّهُ نَّهِ قَالَه (بَل قُل:
((رُوِي) عنه (كذا))، أو ((بَلَغنا) عنه (كذا))، أو (( وَرَدَ) عَنه)) (أو ((جاء)
عنه)) (أو ((نُقِل) عنه)) (وما أشبهه) مِن صيغ التمريض، كَ «رَوَىُ بعضُهم))
(وكذا) تقول في (ما تَشُكُ في صحتِه) وضعفه .

٢٢٠
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
أمّا الصَّحيحُ فاذكُرُه بصيغةِ الجزمِ، ويَقْبُحُ فيه صيغةُ التمريض، كما
يقبحُ في الضعيفِ صيغةُ الجزمِ .
• العمل بالضعيف في الفضائل، وشرائطه:
(ويجوزُ عندَ أهلِ الحديثِ وغيرِهم التساهلُ في الأسانيدِ) الضعيفةِ
(وروايةُ ما سوى الموضوع من الضعيفِ، والعملُ به مِن غيرِ بيان ضعفِه
في غيرِ صفات اللَّهِ تعالى) وما يجوزُ ويستحيلُ عليه، وتفسيرِ كلامِه
(والأحكام؛ كالحلال والحرام و) غيرهما، وذلك كالقَصَص وفضائلٍ
الأعمالِ والمواعظِ وغيرِها (مما لا تَعَلَّقَ له بالعقائدِ والأحكامِ).
وممن نُقل عنه ذلك : ابنُ حَنبلٍ ، وابنُ مهديٍّ ، وابنُ المباركٍ ،
قالُوا : إذا روينا في الحلال والحرام شَدَّدنا ، وإذا روينا في الفضائل
ونحوها تَسَاهلنا .
ولم يذكرِ ابنُ الصلاحِ والمصنّفُ - هنا وفي سَائرٍ كُتبه - لما ذكر
سِوى هذا الشرطِ، وهو كَونه في الفضائلِ ونحوِها، وذكر شيخُ الإسلامِ
له ثلاثةَ شروطٍ :
أحدها : أن يكون الضعفُ غيرَ شديدٍ، فيخرجُ مَن انفردَ مِنَ الكَذَّابين
والمُتَّهمين بالكذبِ، ومَن فَحُشَ غَلطُهُ؛ نقل العلائيُّ الاتفاقَ عليه .
الثاني : أن يندرج تحت أصلٍ معمولٍ به .
الثالث : أن لا يعتقدَ عند العملِ به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط .
وقال : هذان ذكَرهما ابنُ عبدِ السلام وابنُ دقيقِ العيدِ .

٢٢١
الثاني والعشرون : المقلوب
وقيل : لا يجوزُ العملُ به مُطلَقًا؛ قاله أبو بكر ابن العربيِّ .
وقيل : يُعملُ بهِ مُطلقًا. وتقدَّم عزو ذلك إلى أبي داودَ وأحمدَ ،
وأنَّهما يَرَيان ذلك أَقوىُ مِن رأي الرِّجالِ .
وعبارةُ الزَّركشيِّ: والضعيفُ مردودٌ ما لم يقتضٍ تَرغيبًا أو ترهيبًا، أو
تَتَعَذَّدْ طُرُقُهُ ولم يكنِ المتابعُ مُنحطًا عنه .
وقيل : لا يُقبل مُطلقًا .
وقيل : يُقبل إن شَهد له أصلٌ أو اندرجَ تحتَ عُمومٍ. انتهى .
ويعملُ بالضعيفِ أَيضًا في الأحكام إذا كان فيه احتياطٌ .
... .... ... "

٢٢٢
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
ـيبو
· النَّوعُ الثَّالثُ وَالعِشِرُونَ :
صِفَةُ مَن تُقبَلُ رِوَايَتُهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ
(أجمعَ الجماهيرُ مِن أئمةِ الحديثِ والفقهِ) على (أنه يُشترطُ فيه) أي
مَن يُحتجُّ بروايته (أَن يكونَ عدلًا ضابطًا) لما يرويه .
وفَسَّر العدلَ (بأَن يكونَ مسلمًا بالغًا عاقلًا) فلا يُقبلُ كافرٌ ومجنونٌ
مُطبقٌ بالإجماع، ومَن تقطّع جنونهُ وأثّر في زمنٍ إِفاقته، وإن لم يؤثّر
قُبِلَ، قاله ابن السمعاني، ولا صبي على الأصحُّ، وقيل: يُقبل المميزُ إن
لَم يُجرَّب عليه الكذبُ .
(سليمًا مِن أسبابِ الفسقِ وخوارم المروءةِ) على ما حُرِّر في بابٍ
الشهاداتِ من كُتبِ الفقهِ، وتخالفهما في عدم اشتراطِ الحريةِ والذكورةِ .
وفسَّر الضبطَ بأن يكونَ (متيقظًا) غيرَ مغفلِ (حافظًا إن حَدَّث مِن
حفظِه، ضابطًا لكتابِهِ) مِنَ التبديلِ والتغييرِ (إن حَدَّث منه) ويُشترَطُ فيه -
مع ذلك - أن يكون (عالمًا بما يُحیلُ المعنی إن رَوَیُ به).
● ما تثبت به عدالة الراوي:
(تَثبتُ العدالةُ) للراوي (بتنصيصٍ عالمين عليها) وعبارةُ ابن
الصلاحِ : مُعَدُّلَين، وعَدَلَ عَنه لِمَا سيأتي أنَّ التعديلَ إنما يُقبل مِن عَالمِ .
(أو بالاستفاضةِ) والشهرةِ .

٢٢٣
الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
(فَمَن اشتَهَرت عدالتُه من أهلِ العلم) مِن أهلِ الحديثِ أو غيرِهم
(وشاع الثناءُ عليه بها، كَفَى فيها) أي في عَدالته، ولا يحتاجُ مع ذلك
إلى مُعدِّل ينصُ عليها (كمالكِ والسفيانَينِ والأوزاعيّ والشافعيّ وأحمدَ)
ابن حنبلٍ (وأشباهِهم).
قال ابنُ الصَّلاح : هذا هو الصحيحُ في مَذهبِ الشافعيِّ، وعليه
الاعتمادُ في أُصولِ الفقهِ .
وممَّن ذكّره من أهلِ الحديث الخطيب ، ومَثَّله بمن ذكر، وضمَّ
إليهم: الليثَ ، وشعبةَ، وابنَ المبارك ، ووكيعًا، وابنَ معينٍ ، وابن
المدينيِّ، ومَن جَرَى مَجرَاهم في نَبَاهة الذِّكرِ واستقامةِ الأمرِ، فلا يُسألُ
عَن عدالةِ هؤلاءٍ، وإنَّما يُسألُ عن عدالةِ مَن خَفِي أمُرُه .
وقد سُئل ابنُ حنبلٍ عن إسحاق بن راهويه؟ فقال : مِثلُ إسحاقَ يُسأل
عنه ؟ !
وسُئل ابنُ مَعينٍ عن أَبي عُبيدٍ؟ فقال: مِثلي يُسأَلُ عَن أَبي عبيد؟!
أبو عبيد يُسألُ عن الناسِ .
وقال القاضي أبو بكر البَاقلانيُّ : الشاهدُ والمخبِرُ إنما يحتاجان إلى
التزكية إذا لم يكونا مَشهورَينِ بالعدالةِ والرضَى، وكان أمرُهما مُشكِّلًا
ملتبسًا، ومجوَّزًا فيهما العدالة وغيرها .
قال : والدليلُ على ذلك: أنَّ العِلمَ بظهورٍ سترهما واشتهارِ عدالتهما
أَقوَىُ في النفوسِ مِن تعديلٍ واحدٍ واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة .

٢٢٤
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
(وتَوَسَّع) الحافظ أبو عُمر (ابنُ عبدِ البرِّ، فقال: كلُّ حاملٍ علمٍ
معروفِ العنايةِ به) فهو عَدلٌ (محمولٌ) في أَمره (أبدًا على العدالةِ ، حتى
يتبينَ جَرِحُه) .
ووافقه على ذلك ابنُ المَوَّاقِ - مِن المتأخّرِينَ - لقوله وَّهِ: ((يَحملُ
هذا العلمَ مِن كلِّ خَلَفٍ عُدُولُه، يَتفون عنه تحريفَ الغَالين، وانتحالَ
المُبطِلين، وتأويل الجاهلين)» .
رواه مِن طريقِ العقيليِّ مِن روايةِ معانٍ بن رفاعة السَّلامي، عن
إبراهيم بن عبد الرحمن العذري مرفوعًا .
(وقولُه هذا غيرُ مَرضِيٍّ) والحديثُ مِن الطريقِ الذي أَورده مُرسَلٌ أو
مُعضَلٌ .
وإبراهيمُ الذي أُرسله قال فيه ابنُ القطَّان : لا نَعرفه البتّة .
ومعان أيضًا؛ ضعَّفه ابنُ معين ، وأبو حاتم ، وابنُ حِبَّنَ ، وابنُ
عَديٍّ ، والجوزجانيُّ ، نعم وثَّقه ابنُ المديني وأحمدُ .
وفي كتاب ((العلل)) للخلال: أنَّ أحمد سُئل عن هذا الحديثِ، فقيل
له : كأنَّه موضوعٌ. فقال: لا، هو صَحيحٌ. فقيل له: ممَّن سمعتَه؟
فقال : مِن غيرٍ واحدٍ . قيل: مَن هُم؟ قال: حدَّثني به مسكين، إلا أنه
يقول : عَن معان عن القاسم بن عبدِ الرحمن، ومعان لا بأس به . انتهى
قال ابنُ القطّان: وخَفِي على أحمدَ مِن أمرِهِ ما عَلِمَه غيرُه .
قال العراقي : وقد وردَ هذا الحديثُ مُتَّصلًا مِن رواية عليٍّ، وابنٍ

٢٢٥
الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
عُمر، وابن عَمرِو، وجابرِ بنِ سَمُرةَ، وأبي أمامة ، وأبي هُريزة، وكلُّها
ضعيفةٌ لا يثبتُ منها شيءٌ، وليس فيها شيءٌ يُقوِّي المرسلَ .
قال ابنُ عدِيٍّ : ورواه الثقاتُ عنِ الوليدِ بنِ مُسلم، عن إبراهيمَ
العذريِّ، ثنا الثقةُ مِن أصحابنا، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﴿ - فذكره .
ثُم علی تقدیر ثبوته، إنما يصحُّ الاستدلال به لو کان خبرًا، ولا یصحُ
حملُه على الخبرِ لوجودٍ مَن يحملُ العلمَ وهو غيرُ عدلٍ وغيرُ ثقةٍ، فلم
يَبْقَ له مَحمَلٌ إلا على الأمر، ومعناه أنه أمرٌ للثقاتِ بحملِ العِلمِ؛ لأنَّ
العِلمَ إنَّما يُقبل عنهم .
والدليلُ على ذلك: أنَّ في بعض طُرقه عِندَ ابنِ أبي حاتم: ((لِيَحمِل
هذا العلمَ)) بِلَامِ الأَمرِ .
• كيف يعرف ضبط الراوي:
( يُعرفُ ضبطُه) أي الراوي (بموافقةِ الثقاتِ المتقنينَ) الضابطين ، إذا
اعتُبر حديثُه بحديثِهم، فإن وافَقهم في روايتهم (غالبًا) ولو مِن حيثُ
المعنى فضابطٌ (ولا تَضرُّ مخالفتُه) لهم (النادرةُ، فإن كَثُرَت) مخالفتُه
لهم، وَندَرَتِ الموافقةُ (اختَلَّ ضبطُه، ولم يُحتَجَّ به) في حَديثِهِ .
• الجرح والتعديل إذا لم يُبَيَّن سَبَبَهُمَا:
(يُقبلُ التعديلُ مِن غيرِ ذكرِ سببهِ على الصحيحِ المشهورِ) لأنَّ أسبابَه
كثيرةٌ، فيثقلُ ويشقُّ ذِكرُها؛ لأنَّ ذلك يحوج المعدلَ إلى أن يقولَ : لم
يفعل كذا، لم يرتكب كَذا، فَعَلَ كَذا وكذا، فيعدِّدُ جميعَ ما يفسقُ بفعلِه
أو بترکِه، وذلك شاقٌ جدًّا.
mm
كورسـ

٢٢٦
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
(ولا يُقبلُ الجَرحُ إلا مُبَيَّنَ السببِ) لأَنَّه يَحصُلُ بأمرٍ واحدٍ ، فلا يشقُّ
ذِكرُه، ولأنَّ الناسَ يَختلفونَ في أسبابِ الجرحِ، فيطلقُ أحدُهم الجرحَ
بناءً على ما اعتقدَه جَرحًا وليس بجرح في نفسِ الأمرِ، فلابُدَّ مِن بیانِ
سَببه لينظر هل هو قَادحٌ أو لا؟
قال ابنُ الصلاحِ : وهذا ظاهرٌ مقرَّرْ في الفِقهِ وأُصولِهِ .
وذكّر الخَطِيبُ أنَّه مَذهَبُ الأئمةِ مِن حُفاظ الحديثِ، كالشَّيخَين
وغَيرِهما .
ولذلك احتجَّ البخاريُّ بجماعةٍ سَبَقَ مِن غيرهِ الجرحُ لهم؛ كَعِكرمةَ
وعمرو بن مَرزوقٍ، واحتجَّ مسلمٌ بِسُويدٍ بنِ سَعيدٍ وجماعةِ اشتَهَر الطعنُ
فيهم، وهكذا فعل أبو داود، وذلك دالٌّ على أنَّهم ذَهَبوا إلى أنَّ الجرح لا
يَثبتُ إلَّا إذا فسر سببه .
ويدلُّ على ذلك أيضًا: أنَّه رُبَّما استُفْسِرَ الجارحُ فذكَر ما ليس بجَرحٍ ،
وقد عقَد الخطيبُ لذلك بابًا روى فيه عن مُحمدٍ بن جَعفرِ المدَائني قال :
قِيلَ لشُعبةَ: لِمَ تَركتَ حديثَ فلانٍ؟ قال: رأيتُه يركضُ على بِرِذَونٍ
فتركتُ حدیثَه .
وروى عن مسلم بن إبراهيمَ أنه سئل عن حديثٍ لصالحِ المَرِّي ،
مے
فقال: وما نصنعُ بصالح؟! ذكَروه يومًا عند حمادِ بنِ سلمة فامتخَطَ
حمادٌ .
وروى عن وهبٍ بن جريرِ قال : قال شُعبةُ : أتيتُ منزلَ المنهالِ بنِ

٢٢٧
الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
عَمرو، فسمعتُ منه صوتَ الطنبورِ فرجعتُ . فقيل له: فهلًا سألتَ عنه
عسى أن لا يعلمَ هو ؟
وروينا عن شُعبة قال : قلتُ للحَكم بنِ عُتِيبَة : لِمَ لَمْ تَروِ عن زاذان؟
قال : كان كثيرَ الكَلَام . وأشباه ذلك .
قال الصيرفيُّ: وكذا إذا قَالُوا: ((فلانٌ كذَّاب))، لابُدَّ مِن بيانه؛ لأنَّ
الكَذِبَ يَحمِلُ الغلطَ ؛ كقولهِ: كذبَ أبو مُحمدٍ .
ولمَّا صحَّحَ ابنُ الصلاحِ هذا القولَ أوردَ على نفسهِ سؤالًا ، فقال :
ولقائل أن يقولَ : إنما يَعتمدُ الناسُ في جَرِحِ الرُّواةِ ورَدٌ حديثهم على
الكُتب التي صنَّفها أَئمةُ الحديثِ في الجرحِ والتعديلِ ، وقلَّما يتعرَّضون
فيها لبيانِ السببِ ، بل يقتصرون على مُجرَّد قولِهِم : فلانٌ ضعيفٌ، وفلانٌ
ليس بشيءٍ، ونحو ذلك، أو هذا حديثٌ ضعيفٌ، أو حديثٌ غيرُ ثابتٍ ،
ونحو ذلك، واشتراطُ بيانِ السبب يُفضِي إلى تَعطيلِ ذلك وسدِّ بابِ
الجرحِ في الأغلبِ الأكثرِ .
ثم أجابَ عن ذلك بما ذكره المصنّفُ في قوله: (وأما كتبُ الجرحِ
والتعديلِ التي لا يُذكرُ فيها سببُ الجرح) فإنَّا وإن لَم نَعتمدها في إثباتِ
الجرح والحُكم به (ففائدتها التوقفُ فیمن جرحُوه) عن قبولِ حدیثه ؛ لما
أوقَع ذلك عِندنا مِن الريبةِ القويةِ فيهم (فإن بحثنا عن حالهِ ، وانزاحت عنه
الريبةُ، وحَصَلت الثيمةُ به، قَبلنا حديثَه، كجماعةٍ في الصحيحينِ بهذه
المثابةِ) كما تقدَّمتِ الإشارةُ إليه .

٢٢٨
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
ومقابِلُ الصحيحِ أقوالٌ :
أحدُها : قَبولُ الجرحِ غيرَ مُفسَّرٍ ، ولا يُقبلُ التَّعديلُ إلَّا بذكرِ سَببهِ ؛
لأنَّ أسبابَ العدالةِ يكثر التصنعُ فيها، فيبني المعدل على الظاهر. نقَله
إمامُ الحرمين، والغزاليُّ، والرازيُّ في ((المحصول)).
الثاني : لا يُقبلان إلا مفسَّرَيْنِ. حكَاه الخطيبُ والأُصوليون؛ لأنه
كما قد يَجرح الجارحَ بما لا يَقدحُ، كذلك يُوثَّق المعدلُ بما لا يقتضي
العدالةَ، كما روى يعقوبُ الفسويُّ في ((تاريخه)) قال: سمعتُ إنسانًا
يقول لأحمدَ بنِ يونس: عبد اللَّه العُمري ضعيفٌ؟ قال: إنما يضعفه
رافضيٌّ مُبغِضٌ لآبائهِ، لو رأيتَ لِحِيتَه وهَيئتَه لعرفتَ أنه ثقةٌ .
فاستدلَّ على ثِقته بِمَا ليس بحُجةٍ ؛ لأنَّ حُسن الهيئةِ يَشتركُ فيه العَدلُ
وغيرُه .
الثالثُ : لا يجبُ ذِكرُ السببِ في واحدٍ منهما إذا كان الجارحُ والمعدِّلُ
عالمًا بأسبابِ الجرح والتعديلِ والخلافِ في ذلك، بَصيرًا مرضيًّا في
اعتقاده وأفعاله .
وهذا اختيارُ القاضي أبي بكرٍ، ونقَله عن الجمهورِ ، واختاره إمامُ
الحرمين والغزالي والرازي والخطيبُ، وصحَّحه الحافظُ أبو الفضلِ
العراقيُّ، والبلقينيُّ في ((محاسن الاصطلاح)).
واختار شيخُ الإسلام تَفصيلًا حَسنًا: فإن كان مَن جُرِحَ مجملًا قد
وثّقه أحدٌ مِن أئمةِ هذا الشأن، لم يُقبل الجرحُ فيه مِن أحدٍ كائنًا مَن كان

٢٢٩
الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
إلا مُفسرًا؛ لأنه قد ثَبَتَت له رتبة الثقة، فلا يُزحزح عنها إلا بأمرٍ جَلِيٍّ،
فإنَّ أئمةَ هذا الشأنِ لا يُوثِّقون إلا من اعتبروا حالَه في دِينِهِ ثم في حَدِيثه ،
وتفقّدوه كما ينبغي، وهُم أيقظُ الناس، فلا يُنقض حُكمُ أحدِهم إلا بأمرٍ
صريحٍ، وإن خَلَا عَن التعديلِ قُبِل الجرحُ فيه غيرَ مفسَّرٍ إذا صَدَر مِن
عارفٍ؛ لأنه إذا لم يعدل فهو في حَيِّز المجهولِ، وإعمال قول المجرحِ
فيه أولى مِن إِهمالِهِ .
وقال الذّهبيُّ - وهو مِن أهلِ الاستقراءِ التامِّ في نقدِ الرجالِ - : لم
يجتمع اثنان مِن عُلماءِ هذا الشأنِ قَط على توثيقِ ضعيفٍ ولا على تضعيفٍ
ثقةٍ . انتهى .
ولهذا؛ كان مذهبُ النسائيِّ أن لا يَتركَ حديث الرجلِ حتَّى يُجمعوا
على تَركِهِ .
• الجرح والتعديل هل يثبتان بواحدٍ؟
(الصحيحُ أَنَّ الجرحَ والتعديلَ يثبتانِ بواحدٍ) لأنَّ العددَ لم يُشترط في
قبول الخبرِ، فلم يشترط في جرح راويه وتعديلهِ ، ولأنَّ التزكيةَ بمنزلةٍ
الحُكمِ وهُو أيضًا لا يشترط فيه العَددُ .
(وقيل : لابُدَّ مِن اثنين) كما في الشهادةِ، وقد تقدَّم الفرقُ .
قال شيخُ الإسلام : ولو قيل يفصلُ بين ما إذا كانت التزكيةُ مَستندَةٌ مِن
المزكي إلى اجتهادِه أو إلى النقل عن غيرِه لكان مُتَّجهًا؛ لأنَّه إنْ كان
الأول، فلا يُشترطُ العددُ أصلًا؛ لأنَّه بمنزلةِ الحُكم، وإن كان الثاني ،
حسينوسا

٢٣٠
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
فَيَجري فيه الخلافُ، ويتبيَّنُ أيضًا أنه لا يُشترطُ العَددُ؛ لأنَّ أصلَ النقل
لا يُشترط فيه، فكذا ما تفرَّع عنه. انتهى .
· حكم تعارض الجرح والتعديل:
(وإذا اجتمع فيه) أي الراوي (جَرِحٌ) مُفسَّرٌ (وتعديلٌ، فالجَرحُ مُقَدَّمٌ)
ولو زاد عددُ المعدِّلِ، هذا هو الأصحُ عند الفقهاءِ والأُصوليين، ونقله
الخطيبُ عن جهمور العُلماءِ؛ لأنَّ مع الجارحِ زيادة علم لم يطلع عليها
المعدِّل، ولأنه مُصدقٌ للمعدِّل فيما أخبر به عن ظاهرِ حالِهِ ، إلا أنه يُخبرُ
عن أمرٍ باطنٍ خفي عنه .
وتقييدُ الجرحِ بكونه مفسَّرًا جارٍ على ما صحَّحه المصنِّفُ وغيرُه ، كما
صرَّح به ابنُ دقيقِ العيدِ وغيرُه .
(وقيل : إن زاد المعدِّلون) في العددِ على المُجرِّحين (قُدُم التعديلُ) ؛
لأن كثرتَهم تُقَوِّي حَالَهم، وتوجبُ العملَ بخبرِهم، وقلّةُ المجرحين
تُضعِفُ خَبْرَهُم .
قال الخطيبُ : وهذا خطأٌ وبُعدّ ممَّن توهّمه؛ لأنَّ المعدِّلين وإن
كثروا، لم يخبروا عن عدم ما أَخبر به الجارحون، ولو أَخبروا بذلك
لكانت شهادة باطلة على نفي .
• التوثيق مع الإبهام؛ هل يُقْبل؟
(وإذا قال: ((حَدَّثني الثقةُ)) أو نحوه) مِن غَير أن يُسمِيه (لم يُكتَفَ به)
في التعديل (على الصحيح) حتى يسميه؛ لأنَّه وإن كان ثقةً عِندَه، فربما
...
.. 1

٢٣١
الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
لو سَمَّاه لكَانَ ممِّن جَرحه غيرُه بجرحٍ قادحِ، بل إضرابُه عن تسميته ريبةٌ
تُوقِعُ ترددًا في القَلبِ .
بل زاد الخطيبُ أنه لو صرَّح بأنَّ كلَّ شيوخهِ ثقاتٌ، ثُم رَوى عمّن لم
يُسمِه، لم يُعمل بتزكيتهِ ؛ لجوازٍ أن يُعرفَ إذا ذكرَه بغيرِ العدالةِ .
(وقيل: يُكتفى) بذلك مُطلقًا كما لو عيَّنه؛ لأنَّه مأمونٌ في الحالتين
معًا .
(فإن كان القائل عالمًا) أي مجتهدًا، كمالكِ والشافعيِّ - وكثيرًا
ما یفعلان ذلك - ( کفی في حقِّ موافقه في المذهب) لا غیرہ (عند بعض
المحققين).
قال ابنُ الصبّاغ: لأنه لا يورد ذلك احتجاجًا بالخبرِ على غَيرِه، بل
يذكرُ لأصحابِهِ قيامَ الحُجةِ عنده على الحُكم، وقد عَرَف هو مَن رَوَى عنه
ذلك .
· رواية العدل عمَّن سمَّاهُ؛ هل يُعَدُّ تعديلاً منه له؟
(وإِذَا رَوَى العدلُ عَمَّن سَمَّاه، لم يَكُن تعديلاً عندَ الأكثرينَ) من أهل
الحديث وغيرهم (وهو الصحيحُ) لجوازٍ روايةِ العَدلِ عَنِ غَيرِ العَدلِ ،
فلم تتضمن روايتُه عنه تعديله .
وقد روينا عن الشعبي أنه قال : ثنا الحارثُ، وأشهد باللّهِ أنَّه كان
كذَّابًا .
وروى الحاكمُ وغيرُه عن أحمد بن حنبل، أنَّه رأى يحيى بنَ معين

٢٣٢
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وهو يكتبُ صحيفة معمرٍ عن أبانٍ عن أنسٍ ، فإذا اطّلع عليه إنسانٌ كتّمه ،
فقال له أحمد: تكتبُ صحيفةً معمرٍ عن أبانٍ عن أنسٍ وتَعلمُ أنها
موضوعةٌ؟ فلو قال لك قائلٌ : أنت تَتَكلَّمُ في أبانٍ ثم تكتبُ حديثه؟!
فقال: يا أبا عبد اللَّه، أكتبُ هذه الصحيفةَ، فأحفظُها كلَّها، وأَعلمُ أنها
موضوعةٌ، حتى لا يجيءَ إنسانٌ فيجعل بدل ((أبانٍ)) ((ثابتًا»، ويرويها عن
مَعمرٍ عن ثابتِ عن أنسٍ، فأقولُ له: كذبتَ، إنما هي عن مَعمرٍ عن
أبانٍ ، لا عن ثابتٍ .
(وقيل هو تعديلٌ) إذ لو عَلم فيه جرحًا لَذكره، ولو لم يذكره لكان
غَاشًّا في الدِّين .
قال الصيرفيُّ: وهذا خطأً؛ لأنَّ الرواية تعريف له، والعدالة بالخبرة .
وأجاب الخطيبُ بأنه قد لا يعرف عدالته ولا جرحه .
وقيل : إن كان العدلُ الذي رَوى عنه لا يَروي إلَّا عن عدلٍ، كانت
روايته تعديلاً وإلَّ فلا. واختاره الأُصوليون، كالآمديِّ، وابنِ الحاجبِ ،
وغيرهما .
• لا يقتضي فتوى على وَفْق حديث صحتَهُ ولا تعديل رواته؛ كعكسه:
(وعملُ العالم وفتياه على وَفقِ حديثٍ رواه ليس حُكمًا) مِنه (بصحتِهِ)
ولا بتعديلِ رُواته ؛ لإمكانٍ أن يكون ذلك منه احتياطًا، أو لدليلِ آخَر وافق
ذلك الخبرَ .
وصحَّح الآمديُّ وغيرُه مِن الأصوليين أنه حكم بذلك.

٢٣٣
الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
وقال إمام الحرمين : إن لم يكن في مسالكِ الاحتياطِ .
وفرَّق ابنُ تيمية بين أن يعملَ به في الترغيب وغيرِه .
(ولا مخالفتُه) له (قَدحٌ) منه (في صحتهِ ولا في رواتِهِ) لإمكان أن
يكونَ ذلك لمانع مِن مُعارضٍ أو غيرِهِ، وقد روى مالكٌ حديثَ
((الخيارِ))، ولم يعمل به لعمل أهل المدينة بخلافه، ولم يكن ذلك قَدحًا
في نافعٍ راويه .
وقال ابنُ كثيرٍ : في القِسم الأول نَظرٌ، إذا لم يكن في الباب غيرُ ذلك
الحديثِ، وتعرَّض للاحتجاج به في فُتياه أو حُكمه، أو استشهد به عِندَ
العملِ بِمُقتضاه .
قال العراقي : والجوابُ : أنه لا يلزمُ مِن كون ذلك الباب ليس فيه
غيرُ هذا الحديثِ أن لا يكونَ ثَمَّ دليلٌ آخر مِن قیاسٍ أو إجماع، ولا يلزمُ
المُفِي أو الحاكمَ أن يذكرَ جميعَ أدلَّته، بل ولا بعضَها، ولَعلَّ له دليلًا
آخَر واستأنس بالحديثِ الواردِ في البابِ، ورُبَّما كان يرى العملَ
بالضعيفِ وتقديمَه على القياسِ كما تقدَّم .
● ما لا يقتضي أيضًا صحة الحديث، وتعديل رواته:
مما لا يدلُّ على صِحَّةِ الحديث أيضًا كما ذكره أهلُ الأُصول : موافقةُ
الإجماع له على الأَصحُ؛ لجوازٍ أن يكون المُستَدُ غيرَه . وقيل : يَدُلُّ .
وكذلك؛ بقاءُ خبرٍ تتوفّرُ الدواعي على إبطالِهِ . وقال الزيديةُ : يَدُلُّ .
وافتراقُ العلماءِ بين متأوْلٍ للحديثِ ومُحتجِّ به .