النص المفهرس
صفحات 1661-1680
١٩٤ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي النَّوعُ العِشْرُونَ : ء المُدْرَجُ (هو أقسامٌ) : ● مدرج المتن: (أحدُها: مَدرَجْ في حديثِ النبيِّ وَّهِ؛ بأن يَذْكُرَ الراوي عَقِيبَه كلامًا لِنَفْسِهِ أو لغيرِهِ، فيرويه مَن بَعده متصلًا) بالحديثِ مِن غيرِ فَصلِ (فَيْتَوَهَّمُ أنه مِن) تتمة (الحديثِ) المرفوع . ويُدركُ ذلك بورودِهِ مُفصلًا في روايةٍ أُخرى ، أو بالتنصيصٍ على ذلك مِن الراوي، أو بعضِ الأئمةِ المُطَّلعين، أو باستحالةِ كونِهِ وَّهِ يقولُ ذلك . مثالُ ذلك: ما رواه أبو داود : ثنا عبدُ اللَّه بن محمد النفيلي : ثنا زهيرٌ: ثنا الحسنُ بن الحر، عَنِ القَاسِم بن مُخيمرة، قال: أَخَذَ عَلقَمَةُ بِيَدِي فَحَدَّثَنِي أَنَّ عَبدَ اللَّه بنَ مَسعُودٍ أَخَذْ بِيَدِهِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَخَذَ بِيَدِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، فَعَلَّمِنَا التَّشَهُدَ في الصَّلاةَ - الحديث، وفيه: ((إِذَا قُلْتَ هَذَا - أو قَضَيتَ هذا - فَقَد قَضَيتَ صَلَاتَكَ، إن شِئتَ أَن تَقومَ فَقُم، وإن شِئتَ أَن تَقْعُدَ فَاقعُد)) . فقوله: ((إذا قلتَ)) إلى آخره، وصَله زهيرُ بنُ مُعاويةَ بالحديث المرفوعِ في روايةٍ أبي داودَ هذه، وفيما رواه عنه أكثرُ الرواةِ . .......... ...... ١٩٥ العشرون : المدرج قال الحاكم : وذلك مُدرَجْ في الحديثِ مِن كلام ابنِ مَسعودٍ، وكذا قال البيهقيُّ والخطيبُ . وقال المصنّف في ((الخلاصة)): اتَّفق الحفاظُ على أنَّها مدرجةٌ ، وقد رواه شَبَابة بن سَوَّار، عن زهيرٍ، ففصله، فقال: قالَ عبدُ اللَّه : فَإِذا قلتَ ذلك - إلى آخِرِه . رواه الدار قطنيُّ وقال: شَبابة ثقةٌ، وقد فصل آخر الحديث وجعله من قولِ ابنِ مسعودٍ، وهو أصحُ من روايةٍ مَن أدرج، وقولُه أشبه بالصوابِ ؛ لأنَّ ابنَ ثَوبان رواه عن الحَسَن كذلك، مع اتفاقٍ كلِّ مَن روىُ التشهدَ عَن عَلقمةَ وعَن غيرِهِ عنِ ابنِ مسعودٍ عَلى ذلك . وكذا؛ حديثُ ابنِ مسعودٍ - رفَعه -: ((مَن مَاتَ لا يُشرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن مَاتَ يُشرِكُ بِاللَّه شَيئًا دَخَلَ النَّارَ)). ففي روايةٍ أُخرىُ: قالَ النبيُّ نَِّ كلمةً وقلتُ أنا أُخرى - فذكرهما . فأفاد ذلك أنَّ إِحدى الكلمتين مِن قولِ ابنِ مسعودٍ، ثم وردت روايةٌ ثالثٌ أفادت أنَّ الكلمةَ التي هِي مِن قوله هي الثانيةُ، وأكَّد ذلك روايةٌ رابعةٌ اقتصرَ فيها على الكلمةِ الأولى مُضافةً إلى النبيِّ ◌ََِّ . وفي ((الصَّحيح)) عَن أَبي هُريرةَ مَرَفوعًا: ((لِلعَبدِ المَمِلُوكِ أَجرَانٍ))، والَّذِي نَفسي بِيَدِهِ، لولا الجهادُ في سبيلِ اللَّهِ والحجُّ وبِرُّ أُمِّي لأَحبَبتُ أَن أَمُوتَ وَأَنَا مَملُوٌ . فقوله: ((والَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ)) إلى آخره، مِن كلام أبي هُريرة؛ لأَنَّه ١٩٦ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي يمتنعُ منه بَّرَ أن يتمنى الرُّقَّ، ولأنَّ أُمَّه لَم تَكُن إذ ذاك موجودةً حتى يبرّها . ومدرجُ المتنِ ، تارةً يكونُ في آخرِ الحديثِ، كما ذكره، وتارةً في أَوَّله، وتارةً في وسَطه، كما ذكره الخطيبُ وغيرُه . والغالبُ وقوعُ الإدراج آخر الخبرِ، ووقوعُه أَولَه أكثرُ مِن وَسَطه ؛ لأنَّ الراوي يقولُ كلامًا يريدُ أن يستدلَّ عليه بالحديثِ، فيأتي به بلا فَصلٍ ، فَيُتوهَّم أنَّ الكلَّ حديثٌ . مِثالُ المدرج في الأول: ما رواه الخطيبُ مِن روايةٍ أبي قطنٍ وشبابةَ - فَرَّقهما - ، عَن شُعبةَ، عن مُحمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هُريرةَ قالَ : قالَ رسولُ اللَّهِ وَّرَ: ((أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيَلْ لِلأَعقَابِ مِنَ النَّارِ)). فَقوله: ((أَسبِغُوا الوُضُوءَ)) مُدَرَجٌ مِن قولٍ أبي هريرة، كما بُيِّن في رواية البخاري، عن آدمَ، عن شُعبةَ، عن محمدِ بن زيادٍ، عن أبي هريرة، قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم ◌َّ قال: ((وَيَلّ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» . قال الخطيبُ : وَهِمَ أبو قطن وشبابةُ في روايتهما له عَن شعبة على ما سُقناه، وقد رواه الجَمُّ الغفيرُ عنه كروايةٍ آدم . ومِثالُ المدرج في الوسَط - والسبب فيه : إمَّا استنباطُ الراوي حُكمًا مِن الحديث قبل أن يتم فيدرجه، أو تفسيرُ بعضِ الألفاظِ الغَرِيبةِ ، ونحو ذلك . ١٩٧ العشرون : المدرج فَمِنَ الأَول: ما رواه الدار قطنيُّ في (( السُّنن)) مِن رواية عبد الحميدِ ابن جعفرٍ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن بُسرَة بنتِ صَفوان، قالت : سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَ له يقولُ: ((مَن مَسَّ ذَكَرَهُ أو أُنثَيهِ أو رُفَغَيهِ فَلَيْتَوضَّأ)) . قال الدارقطنيُّ : كذا رواه عبدُ الحميد عن هِشَامٍ، وَوَهِمَ في ذِكرِ ((الأُنثَيِين والرفع))، وإدراجه لذلك في حديثٍ بُسرَة، والمحفوظُ أنَّ ذلك قولُ عُروةً، وكذا رواه الثقات عن هشام، منهم: أيوب، وحماد بن زيد، وغيرهما . ثم رواه من طريق أيوب، بلفظ: ((مَن مَسَّ ذَكَرَهُ فليتوضأ)). قال: وكَان عُروة يقولُ: إِذا مسَّ رُفغيه أو أُنثِيه أو ذَكَره فَليتوضأ. وكذا قالَ الخطيبُ . فعروةُ لمَّا فَهِم من لفظ الخبرِ أنَّ سببَ نقضِ الوضوءِ مَظِنَةُ الشهوةِ ، جَعل حُكم ما قَرُبَ مِنَ الذَّكَرِ كذلك، فقالَ ذلك، فظنَّ بعضُ الرواةِ أنَّه مِن صُلب الخبرِ، فنقَله مُدَرَجًا فيه، وفهم الآخرون حقيقةً الحالِ فَفَصلوا . ومِنَ الثاني: حديثُ عائشةً في بدءِ الوَحِي -: كانَ النبيُّ وٍَّ يَتَحَنَّثُ في غَارِ حِرَاءٍ ، وهو التعبدُ الليالي ذواتِ العددِ . فقوله : ((وهو التعبدُ)) مُدرَجْ مِن قولِ الزهريٌّ. وحديثُ: فضالةَ: (( أنا زَعِيمٌ - والزَّعِيمُ الحميلُ - ببيتٍ فِي رَبَضٍ الجَنَّةِ)) الحديث . ١٩٨ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي فقوله: ((والزعيمُ الحميلُ)) مُدرَجْ مِن تفسيرِ ابنِ وهبٍ. وأمثلةُ ذلكَ كَثيرةٌ . قال ابنُ دقيقِ العيد : والطريقُ إلى الحُكم بالإدراج في الأولِ أو الأثناءِ ضعيفٌ، لا سيَّما إن كان مُقدَّمًا على اللفظِ المرويِّ ، أو معطوفًا عليه بواوٍ العطفِ . ● مدرج الإسناد : (الثاني: أن يكونَ عندَه متنانِ) مُختلِفان (بإسنادينٍ) مُختلِفِين (فیرویهما بأحدِهما) أو یَروي أحدهما بإسنادِه الخاصِّ به، ویزیدُ فیه مِن المتنِ الآخَرِ ما ليس في الأولِ، أو يكون عنده المتنُ بإسنادٍ إلا طرفًا منه ، فإنَّه عنده بإسنادٍ آخر، فيرويه تامًّا بالإسنادِ الأولِ . ومنه: أن يسمعَ الحديثَ مِن شيخِه إلا طَرِفًا مِنه، فَيَسمعه بواسطةٍ عَنه، فيرويه تامًّا بحذفِ الواسطةِ . مثالُ ذلك: حديثٌ رواه سعيدُ بنُ أبي مَريمَ، عن مالكٍ، عَنِ الزهريِّ، عن أَنْسِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ بَلَه قال: ((لا تَبَاغَضُوا، ولا تَحَاسَدُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا تَنَافسُوا)) - الحديث . فقوله : ((ولا تَنَافسُوا)) مُدرَجْ، أدرجه ابنُ أبي مريم من حديث آخَرَ لمالكِ، عن أبي الزنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُريرة، عَنِ النبيِّ ◌َّه : (( إِيَّاكُم والّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أكذَبُ الحَدِيثِ، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَنَافِسُوا، ولا تَحَاسَدُوا)) . ١٩٩ العشرون : المدرج وكلا الحديثين مُتَّفقٌ عَليه من طريق مالكِ ، وليس في الأولِ : ((ولا تَنَافسُوا))، وهي في الثاني، وهكذا الحديثان عِند رُواةِ ((الموطٍ)). قال الخطيبُ : وَهِمَ فيها ابنُ أبي مريم عن مالكِ عن ابن شهاب ، وإنما يرويها مالكٌ في حديثه عن أبي الزناد . وروى أبو داود مِن روايةٍ زائدةَ وشريكِ - فَرَّقهما - والنسائيُّ مِن روايةٍ سُفيانَ ابنِ عُيينةً، كلهم عَن عاصمٍ بن كُليبٍ ، عن أبيه، عن وائل ابن حُجرٍ - في صِفَةِ صلاةِ رسولِ اللَّهِ وَّ -، قال فيه: ثُمَّ جِئْتُهُم بَعدَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ فيه بَردٌ شَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّاسَ عَلَيهم جل الثيابِ تحرك أيديهم تَحتَ الثَّابِ . فقولُه: ((ثم جئتهم)) إلى آخره، ليس هو بهذا الإسنادِ، وإنما أُدرج عليه، وهو مِن روايةٍ عاصم، عن عبدِ الجبار بن وائلٍ ، عن بعضٍ أهله ، عن وائلٍ . وهكذا رواه مبينًا: زهيرُ بنُ مُعاوية، وأبو بدرٍ شُجاعُ بنُ الوليد ؛ فميَّزا قِصةَ تحريكِ الأيدي، وفَصَلاهَا مِن الحديث، وذكرا إسنادَها. قال موسى بنُ هارونَ الحَمَّال: وهُما أثبتُ ممَّن روى رَفعَ الأيدي تحتَ الثيابِ عن عاصم عن أبيهِ عن وائلٍ . (الثالثُ : أَن يسمعَ حديثًا مِن جماعةٍ مُختلفينَ في إسنادِه أو متنِهِ، فيرويه عنهم باتفاقٍ) ولا يبيِّنُ ما اختلف فيه . ٢٠٠ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي ولفظة ((المتن)) مزيدةٌ هُنا، كأنَّه أَرَاد بها ما تقدَّم مِن أن يكون المتنُ عنده بإسنادٍ إلا طرفًا منه، وقد تقدَّم مِثالُه . ومثالُ اختلافِ السندِ : حديثُ الترمذيِّ، عن بندارٍ ، عن ابن مهديٍّ ، عن سفيان الثوريِّ، عن واصلٍ ومنصورٍ والأعمشِ، عن أبي وائلٍ ، عن عَمرو بن شُرَحِيل، عن عبدِ اللَّه قال: قُلتُ: يا رسول اللَّه، أيُّ الذنب أعظمُ؟ الحديث . فروايةُ واصلٍ هذه مُدرَجةٌ على روايةٍ منصورٍ والأعمشِ ؛ لأن واصلًا لا يَذْكُرُ فيه ((عَمرًا)»، بل يجعلُه عن أبي وائلٍ عن عبدِ الله؛ هكذا رواهُ شعبةُ ومهديُّ بن ميمون ومالكُ بنُ مغولٍ وسعيدُ بنُ مسروقٍ، عن واصلٍ، كما ذكره الخطيبُ . وقد بَيَّن الإسنادين معًا يحيى بنُ سعيدِ القَطَّانُ في روايتهِ عن سفيان، وفصل أحدهما مِنَ الآخر، رواه البخاري في ((صحيحه)) عن عمرو بن عليّ، عن يحيى، عن سفيان، عن مَنصورٍ والأعمشِ - كِلَاهما - عن أبي وائلٍ، عن عَمرِو، عن عبد اللَّه - وعن سُفيان، عن واصلٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبد اللَّه -، من غيرِ ذِكر ((عَمرٍو)). وقال عمرو بنُ عليٍّ : فذكرتُه لعبدِ الرحمن - وكان حدَّثنا سفيان، عن الأعمشِ ومنصورٍ وواصلٍ، عن أبي وائلٍ ، عن عَمرِو - فقال: دَعهُ ، دَعهُ . ٢٠١ العشرون : المدرج · حكم تعمد الإدراج: (وكُلُّه) أي الإدراجُ بأقسامه (حَرامٌ) بإجماعِ أهلِ الحديثِ والفِقهِ . وعندي ؛ أنَّ ما أَدرج لتفسيرِ غريبٍ لا يُمنع، ولذلك فَعله الزهريُّ وغيرُ واحدٍ مِن الأئمةِ . • المصنفات في المدرج: (وَصنَّف فيه) أي نوع المُدرَج (الخطيبُ كتابًا) سمَّاه ((الفصل للوصل المدرج في النقل)» (شَفَى وكفَى) على ما فيه مِن إِعوازٍ . وقد لخَّصه شيخُ الإسلام وزادَ عليه قَدرَهُ مرتين أو أكثرَ في كتابٍ سمَّاه (( تقريب المنهج بترتيبِ المُدرَج)) . ٢٠٢ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي النَّوعُ الحَادِي وَالْعِشْرُونَ : المَوْضُوعُ ● تعريفه: (وهو) الكَذِبُ (المختَلَقُ المصنوعُ، و) هو (شَرُّ الضعيفِ) وأقبحه (وتَحرُمُ روايتُه مع العلم به) أي بوضعِهِ (في أيِّ معنّى كان) سواء الأحكام والقَصَص والترغيب وغيرها (إلا مبيًّا) أي مقرونًا ببيان وضعهِ ؛ لحديثٍ مسلم: ((مَن حَدَّثَ عَنِّي بحديثٍ يرى أنَّه كَذِبٌ فهو أحدُ الكاذبين)» . • كيف يعرف الوضع؟ (وُيُعرَفُ الوضعُ) للحديثِ (بإقرارِ واضِعِه) أنَّه وضَعه، كحديثٍ فضائل القرآنِ الآتي، اعترفَ بوَضعه ميسرةُ . وقال عُمَرُ بنُ صبح: أنَا وَضَعتُ خُطبَة النَّبِيِّ وََّ . وقد استَشكّل ابنُ دقيق العيد الحُكمّ بالوضع بإقرارِ مَنِ ادَّعى وَضعَهُ ، لأنَّ فيه عَملًا بقولِه بعدَ اعترافهِ على نَفسِه بالوضعِ . قال : وهذا كافٍ في ردِّه، لكن ليس بقاطع في كونه موضوعًا، لجوازِ أن يَكذِبَ في هذا الإقرارِ بِعينه . قيل: وهذا ليس باستشكالٍ منه، إنما هو توضيحٌ وبيانٌ، وهو أنَّ الحُكمَ بالوضعِ بالإقرارِ ليس بأمرٍ قطعيِّ موافقٍ لما في نَفس الأمر ، لجوازٍ ٢٠٣ الحادي والعشرون : الموضوع كَذْبهِ في الإقرار، على حدٍّ ما تقدَّم أنَّ المرادَ بالصحيح والضعيفِ ما هو الظاهرُ، لا ما في نفسِ الأمرِ، ونحا البلقينيُّ في (( محاسنِ الاصطلاحِ)» قریبًا مِن ذلك . (أو معنى إقرارِه) عبارةُ ابنِ الصلاحِ : وما يَتَنزَّلُ مَنزلةَ إقرارِه. قال العراقي : كأن يُحدِّثَ بحديثٍ عن شيخ، ويُسأل عن مولدِه، فيذكر تاريخًا يُعلم وفاة ذلك الشيخ قَبله، ولا يُعرف ذلك الحديثُ إلا عِنده، فهذا لم يعترف بوضعه، ولكن اعترافه بوقتٍ مولده يَتَنزَّل منزلةً إقرارِه بالوضع؛ لأنَّ ذلك الحديثَ لا يُعرف إلا عن ذلك الشيخِ ، ولا يُعرف إلا بروايةِ هذا عنه . وكذا مثَّل الزركشيُّ في ((مُختصره)). (أو قرينةٍ في الراوي، أو المرويّ، فقد وُضِعَت أحاديثُ) طويلةٌ (يَشْهَدُ بوضعِها ركاكةُ لفظها ومعانيها) . قال الربيعُ بنُ خُثيم : إن للحديثِ ضَوءًا كضوءِ النهارِ تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره . وقال ابن الجوزي : الحديثُ المنكَرُ يَقشعرُ له جِلدُ الطالبِ للعلم، وينفرُ مِنه قلبُه في الغالبِ . قال البلقيني : وشاهدُه أنَّ إنسانًا لو خدَم إنسانًا سِنين، وعرف ما يحبُّ وما يَكره، فادَّعى إنسانٌ أنه كان يكرهُ شيئًا يعلم ذلك أنَّه يحبه ، فبمجرد سماعِهِ يُبادر إلى تكذيبه . ٢٠٤ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي وقال شيخُ الإسلام : المدارُ في الرِّكَّةِ على رِكَّة المعنى، فَحيثما وُجِدت دلَّ على الوضع وإن لم ينضم إليه رِكةُ اللفظِ ؛ لأنَّ هذا الدِّين كله محاسن، والركةُ تَرجِعُ إلى الرَّداءةِ . قال : أما رَكاكةُ اللفظِ فقط فلا تدلُّ على ذلك، لاحتمالِ أن يكونَ رواه بالمعنى فغيَّر ألفاظَه بغيرِ فَصيحٍ، ثم إن صرَّح بأنَّه مِن لفظِ النبيِّ وَل فكاذب . قال : وممَّا يدخل في قرينةِ حالِ المرويِّ، ما نُقل عن الخطيبِ، عن أبي بكرِ ابن الطيب، أنَّ مِن جُملة دَلائلِ الوضع أن يكونَ مُخالِفًا للعقلِ بحيث لا يقبل التأويلَ، ويلتحق به ما يدفعه الحسُّ والمشاهدةُ، أو يكون منافيًا لدلالةِ الكتابِ القطعيةِ، أو السُّنةِ المتواترةِ، أو الإجماع القطعيِّ، أما المعارضةُ مع إمكانِ الجمعِ فلا . ومنها : ما يصرح بتكذيبٍ رُواة جمع المتواتر، أو يكون خبرًا عن أمرٍ جسيم تتوفر الدواعي على نَقله بمَحضرِ الجمع ثم لا ينقله منهم إلا واحدٌ . ومنها : الإفراطُ بالوعيدِ الشديدِ على الأمرِ الصغيرِ، أو الوعدِ العظيمِ على الفعلِ الحقيرِ، وهذا كثيرٌ في حَديثِ القصاصِ، والأخيرُ راجعٌ إلى الرِّكة . قلتُ : ومِن القرائنِ كون الراوي رافضيًّا والحديثُ في فضائلِ أهل البيت . ٢٠٥ الحادي والعشرون : الموضوع ومِن المقطوع بِكَذبه ما نقب عنه مِن الأخبارِ ولم يوجد عند أهله مِن صُدور الرواةِ وُبطونِ الكُتبِ، وكذا قال صاحب ((المعتمد)). قال العِزُّ بنُ جماعة: وهذا قد يُنازع في إفضائه إلى القطعِ، وإنما غايتُه غلبةُ الظَّنِّ . ولهذا قال القرافيُّ: يُشترطُ استيعابُ الاستقراءِ بحيث لا يبقى ديوانٌ ولا راوٍ إلا وكشفَ أمره في جميعٍ أقطارِ الأرضِ، وهو عَسِرٌ أو مُتَعَذِّرٌ . وقد ذكّر أبو حازم في مجلسٍ الرشيد حديثًا بحضرةِ الزُّهريٍّ، فقال الزُّهريُّ: لا أعرفُ هذا الحديثَ. فقال: أحفظت حديثَ رسول الله وَلَه؟ قال: لا. قال: فَنِصفَه؟ قال: أرجو. قال: اجعل هذا في النصفِ الآخر . انتهى. وقال ابنُ الجوزي : ما أحسنَ قول القائل : إذا رأيتَ الحديث يُباين المعقولَ، أو يُخالِفُ المنقولَ، أو يُناقِضُ الأُصولَ، فاعلم أنه موضوعٌ . قال : ومعنى مناقضتِه للأُصول : أن يكون خارجًا عن دواوين الإسلامِ مِن المسانيدِ والكُتب المشهورةِ. ومن أمثلة ما دلَّ على وضعه قرينةٌ في الراوي : ما أسنده الحاكم، عَن سيف بن عُمر التميمي ، قال : كنتُ عِند سعدِ بن طَريفٍ ، فجاء ابنُه مِن الكُتَّاب يَبكي، فقال: مَا لَك؟ قال: ضَرَبني المُعلِّمُ. قال: لأخزينَّهم اليومَ؛ حدَّثني عكرمةُ، عن ابن عباسٍ مرفوعًا: ((مُعَلِّمُو صِبيَانِكم شِرَارُكم، أَقْلْهم رحمةً لليتيمِ، وأَغلَظُهم على المسكينِ)) . ٢٠٦ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي وقيل المأمونِ بنِ أحمدَ الهرويِّ : ألَا ترى إلى الشافعيِّ ومَن تَّبِعه بِخُراسان؟ فقال: حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه : ثنا عبدُ اللَّه بنُ معدان الأزدي، عن أنسٍ مرفوعًا: ((يَكُونُ في أُمتي رَجُلٌ يُقالُ له مُحمَّدُ بنُ إِدِرِيسَ، أضَرُّ على أُمَّتِي مِن إِبِلِيسَ، ويَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالَ لَه أَبو حنيفة ، هُو سِرَاجُ أُمَّتي، هُوَ سراج أمتي)) . وقيل لمحمدِ بنِ عُكاشة الكرمانيّ : إنَّ قومًا يَرفعون أيديهم في الركوع وفي الرفعِ منه؟ فقال : ثنا المسيبُ بنُ واضح: ثنا ابنُ المبارك، عن يونسَ بنِ يزيدَ، عنِ الزهريِّ، عن أنسٍ مرفوعًا: ((مَن رَفَعَ يَديه في الرُّكُوع فَلَا صَلَاةَ لَهُ)) . ومِن المُخالِفِ للعقلِ : ما رواه ابنُ الجوزي من طريقِ عبدِ الرحمن بنٍ زيدٍ بن أَسلم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: ((إِنَّ سَفِينَ نوحٍ طَافَت بالبيتِ سَبعًا، وَصَلَّت عِندَ المِقَامِ رَكَعَتينِ)) . وأسَنَدَ من طريقِ محمدِ بن شُجاعِ البلخي، عن حبَّان بنِ هَلالٍ، عن حماد بن سلمةَ، عن أبي المهزم، عَن أبي هريرة مرفوعًا: ((إنَّ اللَّه خَلَقَ الفَرَسَ فَأَجْرَاهَا فَعَرِقَتْ، فَخَلَقَ نَفْسَه مِنَّها)) . هذا لا يضعهُ مُسلِمٌ، والمتهمُ به محمدُ بن شُجاع، كان زَائغًا في دِينه ، وفيه أبو المهزم، قال شعبةُ : رأيتُهُ ولو أُعطي درهمًا وضَع خمسين حديثًا . • كتاب «الموضوعات» لابن الجوزي: (وقد أكثرَ جامعُ الموضوعاتِ في نحوِ مجلدين - أعنِي: أبا الفرج ابنَ ٢٠٧ الحادي والعشرون : الموضوع الجوزيَّ -، فَذَكَر) في كتابه (كثيرًا مما لا دليلَ على وضعهِ، بل هو ضعيفٌ) بل وفيه الحَسَنُ ، بَل والصحيحُ، وأَغربُ مِن ذلك أن فيها حديثًا مِن ((صحيح مسلم)) . وهو ما رَواه مِن طريق أبي عامرِ العَقَدي، عن أفلحَ بنِ سعيدٍ ، عن عبدِ الله بن رافع، عن أَبِي هُريرة قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إن طَالَت بِكَ مُدَّةٌ أوشَكَ أَنْ تَرَى قَومًا يَغْدُون فِي سَخَطِ اللَّهِ ويَرُوحون في ◌َعنَتِهِ، في أيديهم مِثلُ أذنَابِ البَقَرِ)) . قال شيخُ الإسلام: لَم أقف في كتاب ((الموضوعات)) على شيءٍ حُكم عليه بالوضع وهو في أحدِ ((الصحيحين)) غير هذا الحديثِ ، وإنها الغفلةٌ شديدٌ، ثم تكلّم عليه وعلى شواهدِه . قال الذهبيُّ : رُبما ذكر ابنُ الجوزي في ((الموضوعات)) أحاديثَ حِسانًا قويةً . قال: ونقلتُ مِن خطّ السيدِ أحمدَ بن أبي المَجدِ ، قال: صنَّف ابنُ الجوزي كتابَ ((الموضوعات))، فأصابَ في ذِكره أحاديثَ شنيعةً مخالفةً لِلنقلِ والعقلِ، ومما لم يصب فيه إطلاقه الوضع على أحاديثَ بكلامٍ بعضٍ الناس في أحد رُواتها، كقوله: ((فلانٌ ضعيفٌ))، أو ((ليسَ بالقويِّ))، أو ((لَيِّنٌ))، وليس ذلك الحديثُ مما يَشهدُ القلبُ بِبُطلانِهِ، ولا فيه مُخالفَة ولا معارضة لِكِتابٍ ولا سُنةٍ ولا إجماع، ولا حُجة بأنَّه موضوعٌ سوى كلام ذلك الرَّجلِ في رواتِهِ، وهذا عُدوانٌ ومُجازَفةٌ . انتھی . ٢٠٨ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي وقال شيخُ الإسلام : غالبُ ما في كتابِ ابنِ الجوزي موضوعٌ، والذي يُنتَقَدُ عليه بالنسبةِ إلى ما لا يُنتقد قَليل جدًّا. • أقسام الواضعين، وحكم تعمد الوضع في الترغيب والترهيب: (والواضعون أقسامٌ) بحسبِ الأمرِ الحاملِ لهم على الوضعِ : (أعظمُهم ضررًا: قومٌ يُنسَبون إلى الزهدِ، وَضَعُوه حِسْبَةً) أي احتسابًا للأجرِ عِندَ اللَّهِ (في زعمِهِم) الفاسد (فَقُبِلَت موضوعاتُهم ثِقَّةً بهم) ورُكونًا إليهم، لما نُسبوا إليه مِن الزُّهدِ والصَّلاحِ . ولهذا، قال يحيى القطّانُ: ما رأيتُ الكذبَ في أحدٍ أكثرَ مِنه فِيمَن يُنسب إلى الخيرِ . أي : لعدمٍ عِلمهم بتفرقةِ ما يَجوزُ لهم وما يمتنعُ عليهم، أو لأنَّ عندهم حُسنَ ظنِّ وسلامةَ صَدرٍ، فَيَحملون ما سمعوه على الصدقِ ، ولا يهتدون لتمييزِ الخَطٍ مِن الصوابِ . ولكن الواضعون منهم، وإن خَفي حالُهم على كثيرٍ مِن الناسِ؛ فإنه لم يخفَ على جَهابذةِ الحديثِ ونُقَّادِهِ . وقد قيل لابنِ المباركِ : هذه الأحاديثُ المصنوعةُ . فقال : تَعيشُ لها الجهَابذةُ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومِن أمثلةِ من وضع حِسبةً: ما رواه الحاكمُ بسَندِه إلى أبي عَمَّارٍ المروزي ، أنه قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم : مِن أينَ لكَ عن عكرمةً عن ابنِ عباسٍ في فَضَائل القرآن سورة سورة، وليس عِند أصحابٍ عكرمةً ٢٠٩ الحادي والعشرون : الموضوع هذا؟ فقال: إنِّي رأيتُ الناسَ قد أعرضوا عنِ القرآنِ، واشتغلوا بفقهِ أبي حنيفة ومغازي ابنِ إسحاقَ ، فوضعتُ هذا الحديثَ حِسبةً . وكان يُقال لأبي عصمة هذا: ((نوحُ الجامِعُ)) قال ابنُ حبان: جَمَع كلَّ شيءٍ إلَّا الصِّدِقَ . وروى ابن حبان في ((الضعفاءِ)) عن ابن مَهدي قال : قلتُ لميسرة بن عبد ربه: مِن أين جئتَ بهذه الأحاديث: مَن قرأ كذا فله كذا؟ قال : وضعتُها أُرغِّب الناسَ فيها . (وجوَّزَت الكَرَّامِيَّةُ) - وهُم قومٌ مِنَ المُبتدعةِ نُسبوا إلى محمد بِن كرَّامِ السجستاني المتكلّم ، بتشديد الراء في الأشهر - ( الوضعَ في الترغيب والترهيبٍ) دُون ما يتعلق به حُكمٌ مِن الثوابِ والعقابِ ؛ تَرغيبًا للناسِ في الطاعةِ، وتَرهيبًا لهم عَنِ المعصيةِ . واستدلُّوا بما رُوي في بعضٍ طُرق الحديثِ: ((مَن كَذَب عَليَّ مُتَعَمِّدًا لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ)» . وحَمَل بعضُهم حديثَ ((مَن كَذَب عَليّ)) أي قال: إنه شاعرٌ أو مجنونٌ . وقال بعضهم: إنَّما نكذبُ له لا عَليه . قال المصنّفُ - زيادةٌ على ابنِ الصلاح - : (وهو) وما أَشبهه (خلافُ إجماع المسلمينَ الذين يُعتَدُّ بهم) بل بالغَ الشيخُ أبو محمدٍ الجُويني فجزَم بتكفيرِ واضعِ الحديثِ. ٢١٠ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي (ووَضعَت الزنادقةُ جُمَلًا) مِن الأحاديثِ يُفسدون بها الدِّين (فبيَّن جَهابذةُ الحديثِ) أي نقاده (أَمرَها، ولله الحمدُ) . وروىُ العقيليُّ بسَندِه إلى حمادٍ بن زيدٍ قال : وضعتِ الزنادقة على رسولِ اللَّهِ وَ لّ أربعةَ عشَر ألف حديثٍ . مِنهم : عبدُ الكريم بنُ أبي العوجاء الذي قتل وصلب في زمن المهدي، قال ابن عدي : لما أُخذ ليُضرب عنقُه قال: وَضعتُ فيكم أربعةً آلافٍ حديثٍ، أحرِّم فيها الحلالَ، وأُحلِّلُ فيها الحرام . وكَبَيَانِ بنِ سمعان النهدي ، الذي قَتله خالدٌ القَسريُّ، وأحرقه بالنار . قال الحاكمُ: وكمحمد بن سعيدِ الشاميِّ المصلوبِ في الزندقةِ ، فَرَوَىُ عن حُميدٍ عن أنسٍ مرفوعًا: ((أَنَّا خَاتَمُ الشَّبِيِّينَ، لا نَبِيَّ بَعدِي إلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ)). وضَع هذا الاستثناءَ لِما كان يَدعو إليه مِن الإلحادِ والزندقةِ والدعوةِ إلى التَّنبي . وهذا القِسمُ مُقابِلُ القِسمِ الأولِ مِن أقسام الواضعين، زاده المصنّفُ على ابنِ الصلاح . ومنهم: قِسمٌ يَضعون انتصارًا لِمذهبهم؛ كالخطّابيةِ، والرافضةِ، وقومٍ مِن السَّالمية . روى ابنُ حبان في ((الضعفاءِ)) بسندهِ إلى عبدِ الله بن يزيد المقري ، أن رجلًا مِن أهل البِدَع رجَع عَن بِدعته، فجعل يقول : انظُروا هذا الحديثَ عمَّن تَأْخُذونه، فإنَّا كُنا إذا رأينا رأيًا جَعلنا له حديثًا . ..-.- ٢١١ الحادي والعشرون : الموضوع وروى الخطيبُ بسندٍ عن حماد بن سلمةً قال: أخبرني شيخٌ مِنَ الرافضةِ أنَّهم كانوا يَجتمعون على وضع الأحاديثِ . وقال الحاكمُ : كانَ محمدُ بنُ القاسم الطايكاني مِن رُءوس المرجئةِ ، وكَان يضعُ الحديثَ على مَذهبهم . وقِسمٌ: تقرَّبوا لبعضِ الخُلفاءِ والأُمراءِ بوضع ما يُوافق فِعلَهم وآراءهم؛ كغياثِ بنِ إبراهيمَ، حيث وضَع للمهديُّ في حديثٍ: (( لا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصلٍ أَو خُفُ أو حَافٍ)). فزاد فيه (( أو جَنَاحِ))، وكان المهدي إذ ذاكَ يلعب بالحَمَام ، فتركها بعد ذلك وأمرَ بذبحها، وقال: أنا حملتُه على ذلك. وذكر أنه لمَّا قام قال: أشهدُ أن قَفَاكَ قَفَا كذَّابٍ. أسنده الحاكم . وأَسند عن هارونَ بن أبي عبيد اللّه، عن أبيه، قال: قال المهديُّ: ألا ترى ما يقولُ لي مُقاتِلٌ؟ قال: إن شِئتَ وَضعتُ لك أحاديث في العباس. قلتُ : لا حاجة لي فيها . وضَربٌ: كانوا يَتكسَّبون بذلك، ويَرتزقون به في قَصَصهم، كأبي سَعيدٍ المدائنيٌّ . وضَربٌ: امتُحنوا بأولادِهم، أو ربائبَ، أو ورَّاقين، فوضَعوا لهم أحاديثَ، ودسُوها عليهم، فحدَّثوا بها مِن غَيرِ أن يشعروا ؛ كعبدِ اللهِ بنِ محمدٍ بن ربيعةً القدامي، وكحماد بنِ سَلمة، ابتُلي بِرَبيِهِ ابنِ أبي العوجاء، فکان یدسُّ في كُتبه . ٢١٢ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي وكمعمرٍ، كان له ابنُ أخ رافضيٍّ، فدسَّ في كُتبه حديثًا عن الزُّهريِّ، عن عُبيدِ اللَّهِ بن عبدِ الله، عن ابنِ عباسٍ قال: نظَر النبيُّ وَ إِلَى عَليٍّ فقال: ((أنتَ سَيّدٌ فِي الدُّنيا سَيّدٌ فِي الآخِرَةِ، ومَن أَحَبَّكَ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وحَبِيبِي حَبِيبُ اللَّهِ، وعدوك عدوي، وعدوي عدو اللَّهِ، والويلُ لِمَن أَبِغَضَكَ بَعدِي)) فحدَّث به عبد الرزّاق عن مَعمرٍ، وهو باطلٌ موضوعٌ، كما قالَه ابنُ معينٍ . وضربٌ: يَلجئونَ إلى إقامةِ دليلٍ على ما أَفتوا به بآرائِهم فَيَضعون، وقيل : إنَّ الحَافِظ أبا الخطّاب ابنَ دحيةً كان يَفعلُ ذلك، وكأنَّه الذي وضَع الحديثَ في قَصرِ المَغرب . وضَربٌ: يَقْلِيُونَ سَنَدَ الحديثِ ليستغربَ، فيرغبَ في سَماعِهِ مِنهم، كابنِ أبي حَيَّة ، وحَمادِ النصيبي، و بهلول بن عُبيدٍ، وأصرم بنِ حَوشب . وضَربٌ: دعتهم حاجةٌ إليه، فوضَعوه في الوقتِ ، كما تقدَّم عن سعد ابنِ طريفٍ ، ومحمدٍ بن عكاشة، ومأمون الهرويِّ . (وربما أَسَد الواضعُ كلامًا لنفسِه) كأكثرِ الموضوعاتِ (أو لبعضٍ الحكماءِ) أو الزهاد أو الإسرائيليات، كحديث: ((المَعِدَةُ بَيتُ الدَّاءِ، والحميةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ)) لا أصل له مِن كلام النبيِّ بَّه بل هُو مِن كَلامِ بعض الأطباءِ ، قيل: إنَّه الحارثِ بنِ كلدةً طبيب العرب . (وربما وَقَع) الراوي (في شبهِ الوضعِ) غلطًا منه (بغيرِ قصدٍ) فليسَ بموضوع حقيقةً، بل هو بقِسمِ المُدرَج أولى، كما ذكره شيخُ الإسلام في ((شرح النخبة))، قال: بأن يسوق الإسناد، فيعرض له عارضٌ، فيقولُ .١ .... ٢١٣ الحادي والعشرون : الموضوع كلامًا مِن عند نَفسه، فيظنُّ بعضُ مَن سَمِعه أنَّ ذلك متنُ ذلك الإسناد فيرويه عنه كذلك . كحديثٍ رواه ابنُ ماجه عن إسماعيلَ بنِ محمدِ الطلحي، عن ثابتٍ ابنِ مُوسى الزاهدِ ، عن شريكٍ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيان، عن جابرٍ مرفوعًا: ((مَن كَثرت صَلاَتُه بالليلِ حَسُنَ وَجهُهُ بالنهارِ)) . قال الحاكم: دخل ثابتٌ على شريكٍ وهو يُملي ويقولُ: ثنا الأعمش، عن أبي سُفيان، عن جَابرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللّه وَتِ . وسكّت لِيَكْتُبَ المُستَملي، فلمَّا نظَر إلى ثابتٍ قال: ((مَن كَثُرَتَ صَلَاتُهُ بِاللَّيلِ حَسُنَ وَجِهُهُ بِالنَّهَارِ))، وقصَد بذلك ثابتًا لزُهدِهِ وورعِه، فظنَّ ثابتٌ أنَّه متنُ ذلك الإسنادٍ، فكان يُحدِّث به . وقال ابن حبان : إنَّما هو قولُ شَريكِ ، قالَه عَقِبَ حديثِ الأعمشِ ، عن أبي سفيان، عن جابر: ((يَعقِدُ الشَّيطَانُ عَلى قَافِيةِ رَأسِ أحَدِكُم» فأَدرجَه ثابتٌ في الخبرِ، ثم سَرقه منه جماعةٌ مِن الضُّعفاءِ، وحدَّثوا به عَن شريكٍ ؛ كعبد الحميدِ بنِ بَحرٍ ، وعبدِ اللَّه بنِ شُبرمة، وإسحاقَ بنِ بِشرٍ الگاهليِّ، وجماعةٍ آخرین. • من الموضوع في فضائل القرآن سورة سورة: (ومن الموضوع: الحديثُ المرويُّ عن أبيّ بنِ كعبٍ) مرفوعًا (في فضلِ القرآنِ سورةً سورةً) مِن أوَّلِهِ إلى آخرِه . فروينا عن المؤملِ بنِ إسماعيلَ، قَالَ : حدثني شيخٌ به، فقلتُ