النص المفهرس
صفحات 1601-1620
١٣٤ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي ● احتجاج الشافعي بمراسيل سعيد بن المسيب: اشتَهرَ عن الشافعيِّ أنَّه لا يحتجُ بالمرسَلِ، إلا مراسيلَ سعيدِ بنِ المسيب . قال المصنّفُ في ((شرح المهذَّب)) وفي ((الإرشادِ)): والإطلاقُ في النفي والإثباتِ غلطٌ، بل هو يَحتجُّ بالمرسَلِ بالشروطِ المذكورةِ ، ولا يَحتجُّ بمراسيلِ سعيدٍ إلَّا بها أيضًا . قال: وأَصلُ ذلك أنَّ الشافعيَّ قال في ((مختصر المزني)): أخبرنا مالكٌ، عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ نَھَىَ عَنْ بَيْعِ اللَّحمِ بِالحَيوَانِ . وعن ابنِ عباسٍ : أَنَّ جَزُورًا نُحِرَت على عَهدِ أَبِي بَكرٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِعَنَاقٍ فقال: أَعطوني بهذهِ العناقِ، فقال أبو بكر: لا يصلحُ هذا. قال الشافعيُّ : وكان القاسمُ بنُ محمدٍ وسعيدُ بن المسيبٍ وعروةُ بن الزبيرِ وأبو بكر بن عبد الرحمن يُحرِّمون بيعَ اللَّحم بالحَيوان . قال: وبهذَا نأخذُ، ولا نعلم أحدًا مِن أصحابٍ رسولِ الله وَلّ خالف أبا بكرِ الصديق، وإرسالُ ابنِ المسيبِ عندنا حَسَنٌ . انتهى . فاختلفَ أصحابنا في معنى قوله : ((وإرسالُ ابنِ المسيب عندنا حَسَنٌ)) على وجهين، حكَاهما الشيخُ أبو إسحاق الشيرازي في ((اللَّمَع)) والخطيبُ البغداديُّ وغيرُهما . ١٣٥ التاسع : المرسل أحدُهما : معناه أنه حُجَّةٌ عِنده بخلافِ غيرِها مِن المراسيلِ . قالوا : لأنَّها فُتْشت فَوجِدَت مُسنَدَةً . والثاني : أنَّها ليست بِحُجةٍ عنده، بل هي كَغيرها. قالوا: وإنما رجَّح الشافعيُّ بمرسَلِهِ، والترجيحُ بالمرسَلِ جائزٌ . قال الخطيبُ : وهو الصوابُ، والأَوَّلُ ليس بِشَيءٍ؛ لأن في مراسيله ما لم يُوجد مُسندًا بحال مِن وجهٍ يصحُّ، وكذا قال البيهقيُّ . قال : وزيادةُ ابنِ المسيب في هذا على غيره أنَّه أصحُ التابعين إرسالًا فيما زعم الحُفَّاظُ . قال المصنّف : فهذان إمامان حافظان فَقيهان شافعيَّن مُتضلِّعان مِن الحديث والفقهِ والأُصولِ والخبرةِ التامةِ بنصوصِ الشافعيِّ ومعاني كَلامِهِ . • من صوَّر المسند العاضد بأن لا يكون منتهض الإسناد: صَوَّر الرازي وغيرُه مِن أهلِ الأُصول المُسنَدَ العاضدَ بأن لا يكون مُنتِهِضَ الإسنادِ، ليكونَ الاحتجاجُ بالمجموع، وإلّا فالاحتجاجُ حينئذٍ بالمُسندِ فَقط، وليس بمخصوصٍ بذلك، كما تقدَّم الإشارةُ إليه في كلام المُصنَّفِ (١) . • من زاد في الاعتضاد غير ما ذكره الشافعي: زادَ الأُصوليون في الاعتضادِ أن يوافقه قياسٌ، أو انتشارٌ مِن غيرِ (١) وقد بينت ما في كلام الرازي وغيره في ((النقد البناء)). ١٣٦ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي إنكارٍ، أو عَمَلُ أهلِ العصرِ به. والظاهرُ أنهما دَاخِلتان في قولٍ الشافعيِّ : وأَفتى أكثرُ أهلِ العِلمِ بِمُقتضاه . • من لم يقبل المرسل مطلقًا: قال القاضي أبو بكرٍ : لا أقبلُ المُرسَلَ، ولا في الأماكنِ التي قبلها الشافعي حَسمًا للبابِ ، بل ولا مُرسَل الصحابيِّ، إذا احتمل سَماعُه مِن تابعيٍّ . قال : والشافعيُّ لا يوجبُ الاحتجاجَ به في هذه الأماكن بل يَستحبُّه ، كما قال: أَسْتَحِبُّ قَبَولَهَ، ولا أستطيعُ أن أقولَ : الحُجَّةُ تَثبتُ به ثُبُوتَها بالمتصلِ . وقال غيرُه : فائدةُ ذلك أنَّه لو عارَضه مُتصلٌ قُدِّمَ عليه، ولو كان حُجَّةٌ مطلقًا تَعَارِضًا . لكن قالَ البيهقيُّ: مُرادُ الشافعيِّ بقولِهِ: ((أستحب)): أَختَارُ، وكذا قال المصنّفُ في ((شرح المُهذَّب)). • إذا لم يكن في الباب دليل سوى المرسل؟ إن لم يكن في البابِ دليلٌ سِوى المُرسَلٍ ، فَثلاثةُ أقوالٍ للشافعي : ثَالثُها . وهو الأظهرُ: يجبُ الانكفافُ لأَجله . • ملخص الأقوال في الاحتجاج بالمرسل: تَلخّصَ في الاحتجاجِ بالمرسلِ عشرةُ أقوالٍ: حُجَّةٌ مُطلقًا، لا يُحتجُّ ١٣٧ التاسع : المرسل به مُطلقًا، يحتجُّ به إن أرسَله أهلُ القرونِ الثلاثةِ، يُحتجُّ به إن لم يرو إلَّا عن عَدلٍ ، يُحتجُّ به إن أرسَلَه سعيدٌ فقط، يُحتجُّ به إن اعتضدَ ، يُحتجُّ به إن لم يكن في البابِ سِواهُ، هو أَقوى مِن المُسنَدِ ، يُحتجُّ به نَدبًا لا وُجوبًا، يُحتجُّ به إن أرسلَه صحابيٍّ . • ضَغْف المراسيل بعد تغيّر الناس وظهور الكذب والبدع: تقدَّم في قولِ ابنِ جريرِ أنَّ التابعين أجمعوا على قَبولِ المرسلِ ، وأنَّ الشافعيَّ أوَّلُ مَن أَباه، وقد تنبَّه البيهقيُّ لذلك فقال في ((المدخل)»: بابُ ما يُستدلُّ به على ضعفِ المراسيل بعدَ تَغيِّرِ الناسِ وظُهورِ الكَذبِ والبِدَعِ، وأورد فيه ما أخرجه مسلمٌ ، عنِ ابنِ سِيرينَ، قال: لقد أتَى على الناس زمانٌ وما يُسألُ عن إسنادِ حديثٍ، فلما وقعتِ الفتنةُ سُئل عنِ إسنادٍ الحديثِ، فَيُنظرُ مَن كان مِن أَهلِ السُّنة يُؤْخَذُ مِن حديثه، ومَن كان مِن أَهلِ البِدَعِ تُرك حديثُه . · أكثر ما تُروى المراسيل، وأصحُها: قال الحاكمُ في ((علوم الحديث)) : أكثرُ ما تُروى المراسيلُ مِن أَهلِ المدينةِ عنِ ابن المسيب، ومِن أهلِ مكةً عن عطاء بن أبي رباحٍ ، ومِن أهَلِ البصرةِ عَنِ الحسنِ البصريِّ، ومِن أهلِ الكوفةِ عن إبراهيم بن يزيد النخعي، ومِن أهلِ مِصر عن سعيد بن أبي هِلالٍ، ومِن أهلِ الشامِ عن مَكحولٍ . قال: وأصحُها . كما قال ابن معين - مراسيلُ ابنِ المسيب؛ لأنَّه مِن ١٣٨ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي أولادِ الصحابةِ، وأدرك العشرةَ، وفقيهُ أهلِ الحجازِ، ومُفتيهم ، وأولُ الفقهاءِ السبعةِ الذين يَعتدُّ مالكٌ بإجماعهم كإجماع كافةِ الناسِ، وقد تأمَّل الأئمة المتقدِّمون مراسيلَه فوجَدُوها بأسانيدَ صحيحةٍ ، وهذه الشرائطُ لم تُوجد في مراسيلٍ غيرِه . قال : والدليلُ على عدمِ الاحتجاجِ بالمُرسَلِ غيرِ المسموعِ، مِنَ الكتاب: قَولُهُ تعالى: ﴿لِيَنَفَقَّهُواْ فِى الْذِينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، ومِن السُّنة حَديثُ: («تَسْمِعُونَ ويُسمعُ مِنكُم، ويُسمَعُ مِمن يَسمَعُ مِنْكُم)) . • المصنفات في المراسيل: صنَّف في المراسيل : أبو داود ، ثُم أبو حاتم، ثُم الحافظ أبو سعيدٍ العلائيُّ مِن المتأخّرين . · حكم مرسل الصحابي: (هذا كُلُّه في غيرِ مرسَلِ الصحابيّ، أما مرسَلُه) كإخبارِهِ عن شيءٍ فَعَله النبيُّ بَّهَ، أو نحوه مما يُعلم أنَّه لم يَحضره لِصِغَرِ سِنْه، أو تأخّرٍ إسلامِهِ (فمحكومٌ بصحتِه على المذهبِ الصحيح) الذي قَطع به الجمهورُ مِن أصحابِنا وغيرهم، وأطبقَ عليه المُحدِّثون المُشترِطون للصحيحِ القائلون بضعفِ المرسلِ، وفي ((الصحيحين)) من ذلك ما لا يُحْصَى، لأَنَّ أكثرَ روايتِهم عن الصحابةِ، وكلُّهم عُدولٌ، وروايتهم عن غيرهم نادرةٌ، وإذا رَووها بيَّنوها، بل أكثرُ ما رواه الصحابةُ عن ١٣٩ التاسع : المرسل التابعين، ليس أحاديثَ مرفوعةً، بل إسرائيلياتٌ، أو حِكَاياتٌ، أو مَوقوفاتٌ . (وقيل: إنه كمرسلٍ غيرِهِ) لا يُحتجُّ بِهِ (إلا أن تَتَبَيَّنَ الروايةُ له عن صحابيٍّ) زاده المصنّف على ابنِ الصلاح، وحكَاه في ((شرح المُهذِّب)) عن أبي إسحاق الإسفراييني، وقال : الصوابُ الأَوَّلُ. ـيوجين ١٤٠ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي • النَّوعُ العَاشِرُ : المُنْقَطِعُ (الصحيحُ الذي ذَهَب إليه الفقهاءُ، والخطيبُ ، وابنُ عبدِ البرِ ، وغيرُهم من المحدِّثينَ أن المنقطعَ ما لم يَتَّصِل إسنادُه على أيِّ وجهٍ كان انقطاعُه) سواءً كان الساقط منه الصحابي أو غيره، فهو والمرسَل واحدٌ . (و) لكن (أكثرُ ما يُستعملُ في روايةٍ مَن دونَ التابعيّ عن الصحابيِّ ؛ كمالكِ عن ابنِ عُمَر . وقيل: هو ما اختَلَّ) أي سقط (منه رجلٌ قبلَ التابعيِّ) هكذا عبَّر ابنُ الصلاح تبعًا للحاكم ، والصوابُ: قَبل الصحابي (محذوفًا كان) الرجل (أو مبهمًا؛ كـ((رجلٍ))) هذا بناءً على ما تقدَّم أن ((فلانًا عن رجلٍ)) يُسمَّى منقطعًا. وتقدَّم أنَّ الأكثرين على خِلافه . ثَم إنَّ هذا القولَ هو المشهورُ، بشرطِ أن يكونَ الساقطُ واحدًا فقط ، أو اثنين لا عَلى التوالي، كما جَزم به العراقيُّ وشيخُ الإسلام . (وقيل : هو ما رُوِي عن تابعيٍّ أو مَن دُونَه قولًا له أو فعلًا، وهذا غريبٌ ضعيفٌ) والمعروفُ أنَّ ذلك مقطوعٌ لا مُنقطعٌ كما تقدَّم . ثُمَّ إِنَّ الانقطاعَ قد يَكونُ ظاهرًا، وقد يخَفى فلا يُدركه إلا أهلُ المعرفةِ ، وقد يُعرَفُ بمجيئِهِ مِن وجهٍ آخر بزيادةِ رجلٍ أو أكثر . ١٤١ الحادي عشر : المعضل · النَّوعُ الحَادِي عَشَرَ : المُعْضَل (هو بفتحِ الضادِ) وأهلُ الحديثِ (يقولون: أَعضَلَه فهو مُعضَلٌ). قال ابنُ الصلاحِ : وهو اصطلاحٌ مُشكلُ المَأخَذِ مِن حيثُ اللغة . أَي لأنَّ مُفْعَلًا بفتح العين لا يكون إلا مِن ثُلاثيٍّ لازم عُدِّي بالهَمزةِ، وهذا لازمٌ معها . قال : وبحثتُ فوجدتُ له قولَهم: أَمرٌ عَضيلٌ، أي مُستغلقٌ شَديدٌ . وفعيلٌ بمَعنى فاعلٍ يَدلُّ على الثُلاثيِّ، فعلى هذا يكون لنا عضل قاصرًا، وأعضلَ متعديًا، كما قالوا: ظَلَمَ الليلُ وأَظلَمَ . ● تعريفه : (وهو ما سَقَطْ مِن إِسنادهِ اثنانٍ فأكثر) بِشَرطِ التوالي، أما إذا لم يتوالَ فهو مُنقطِعٌ مِن مَوضعین . قال العراقيُّ : ولم أجد في كلامِهم إطلاقَ المعضلِ عَليه . (ويُسمَّى) المعضلُ (منقطعًا) أيضًا (ويُسَمَّى مرسلًا عندَ الفقهاءِ وغيرِهم، كما تقدم) في نوعِ المرسلِ . (وقيل: إنَّ قولَ الراوي: ((بلغني))؛ كقولِ مالكِ) في ((المُوطٍَّ)) (بَلَغَني عن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ قال: ((لِلمَمِلُوكِ طَعامُهُ وكِسوَتُهُ) ١٤٢ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي بالمعروفِ، ولا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ)) (يُسَمَّى معضلًا عندَ أصحاب الحديثِ) نقَله ابنُ الصلاحِ عن الحافظِ أبي نَصرِ السجزيِّ . قال العراقيُّ : وقد استشكل؛ لجوازٍ أن يكون الساقطُ واحدًا، فقد سمع مالكٌ مِن جماعةٍ مِن أصحابٍ أبي هريرة، كسعيد المقبريِّ، ونُعيم المُجمِرِ، ومحمدِ بنِ المُنكّدرِ . والجوابُ: أنَّ مالكًا وصَله خارجَ ((الموطٍ)) عن محمدِ بنِ عجلانَ عن أبيه عن أبي هريرةَ، فَعَرفنا بذلك سقوطَ اثنينٍ منه . قلتُ: بل ذكَر النسائيُّ في ((التمييز)) أنَّ محمدَ بنَ عجلان لم يسمعه من أبيه، بَل رَواه عن بكيرٍ عَن عَجلانَ . قال ابنُ الصلاح: وقَولُ المُصنِّفين: ((قال رسول الله ﴿ كَذا)) مِن قَبِيلِ المُعضَلِ . • نوع آخر من المعضل: (وإذا رَوَى تابعُ التابعيِّ عن تابعيٍّ حديثًا وقَفَه عليه، وهو عند ذلك التابعيّ مرفوعٌ متصلٌ، فهو مُعضَلٌ) نقَله ابنُ الصلاحِ عَنِ الحاكمِ . ومَثَّلَهُ بما رُوي عَنِ الأعمشِ عَن الشعبيِّ قَالَ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَومَ القِيَامَةِ: عَمِلتَ كَذَا وَكَذَا. فيقولُ: مَا عَمِلتُهُ. فَيختمُ عَلَى فِيهِ . الحديث . أَعضله الأعمشُ، ووصَله فضيلُ بن عَمرٍو، عن الشعبيِّ، عَن أنسٍٍ قال: كُنَّا عِندَ النَّبِيِّ وَ - فذكر الحديثَ. جججججسس ......-- ..----... ١٤٣ الحادي عشر : المعضل قال ابنُ الصلاح : وهذا جيدٌ حسنٌ؛ لأنَّ هذا الانقطاع بواحدٍ مضمومًا إلى الوقفِ مشتملٌ على الانقطاع باثنينِ ؛ الصحابيِّ ورسولِ اللَّه وَّ، فذلك باستحقاقِ اسم الإعضال أولى. انتهى. قال ابنُ جَماعة : وفيه نظرٌ. أي لأن مِثلَ ذَلك لا يُقال مِن قَبِيل الرأي، فَحُكمه حُكمُ المرسَلِ ، وذلك ظاهرٌ لا شكَّ فيه . ثم رأيتُ عن شيخِ الإسلامِ أنَّ لِمَا ذكره ابنُ الصلاح شرطين : أحدُهما: أن يكونَ مما يَجوزُ نَسبتُه إلى غيرِ النبيِّ وَّر، فإن لَم يكن فمُرسَلٌ . الثاني : أن يُروَى مُسندًا مِن طريقٍ ذلك الذي وقف عليه، فإن لم یکن فموقوفٌ لا مُعضَلٌ، لاحتمالِ أنَّه قاله مِن عِنده، فلم يتحقَّق شرطُ التسميةِ مِن سُقوطِ اثنين . • من مظانٌ المعضل والمنقطع والمرسل: مِن مَظانُ المُعضَلِ والمُنقَطعِ والمُرسَلِ كتابُ ((السُّنن)) لسعيدِ ابن منصورٍ ، ومؤلفاتُ ابنِ أبي الدُّنيا . · حكم الإسناد المعنعن: (الإِسنادُ المعنعَنُ، وهو) قولُ الراوي (فلانٌ عن فلانٍ) بلفظِ ((عَن))، مِن غيرِ بيانٍ للتَّحديثِ والإخبارِ والسَّماعِ . (قيل: إنه مرسلٌ) حتَّى يَتْبيَّنَ اتِّصالُهُ . ١٤٤ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي (والصحيحُ الذي عليه العملُ وقاله الجماهيرُ مِن أصحابِ الحديثِ والفقهِ والأصولِ أنه متصلٌ) . قال ابنُ الصلاح : ولذلك أودَعه المُشترِطونَ للصحيح في تَصَانيفهم ، وادَّعى أبو عَمرِو الدَّاني إجماعَ أهلِ النقلِ عليه، وكاد ابنُ عبد البريَدَّعي إجماعَ أئمةِ الحديثِ عليه . قال العراقيُّ: بل صرَّح بادِّعائِه في مقدمةِ ((التمهيد)). (بشرطِ أن لا يكونَ المعنعِنُ) بكَسرِ العينِ (مُدَلْسًا، وبشرطِ إِمكانٍ لقاءِ بعضِهم بعضًا) أي لقاء المُعنعِنِ مَن رَوى عنه بلفظِ ((عن))، فحينئذٍ يُحكَمُ بالاتصالِ إلا إنْ تَبَيَّنَ خلافُ ذلك . (وفي اشتراطِ ثبوتِ اللقاءِ) وعدم الاكتفاء بإمكانه (وطول الصحبةِ) وعدم الاكتفاء بثبوت اللقاء (ومعرفتهِ بالرواية عنه) وعدم الاكتفاء بالصحبة (خلاف : منهم: مَن لم يَشترط شيئًا مِن ذلك) واكتفَى بإمكانِ اللقاءِ، وعبَّر عنه بالمُعاصَرةِ (وهو مذهبُ مسلم بنِ الحجاج، ادَّعى الإجماعَ فيه) في خُطبة ((صحيحه))، وقال: إنَّ اشتراطَ ثُبُوتِ اللقاءِ قولٌ مُخترٌَ لم يُسبق قائلُه إليه، وأنَّ القولَ الشائعَ المُتَّفْقَ عليه بين أهلِ العِلم بالأخبارِ قَديمًا وحديثًا، أنه يَكفي أن يثبتَ كونُهما في عصرٍ واحدٍ ، وإن لم يأتِ في خبرِ قَط أنَّهما اجتَمعا أو تَشَافها . قال ابنُ الصلاح : وفيما قاله مسلمٌ نظرٌ. قال: ولا أرى هذا الحُكم ١٤٥ الحادي عشر : المعضل يستمر بعد المتقدِّمين فيما وجد مِن المصنّفين في تَصَانيفهم، فما ذكَروه عن مشايخهم قائلين فيه : ذكَر فُلانٌ، أو قال فلانٌ. أي فليسَ له حُكمُ الاتصالِ ما لم يكن له مِن شَيخه إجازةٌ . (ومنهم: من شَرَط اللقاءَ وحدَه، وهو قولُ البخاريِّ وابنِ المدينيِّ والمحققينَ) مِن أئمةِ هذا العِلمِ . قيل : إلَّا أنَّ البُخاريَّ لا يَشترطُ ذلك في أصلِ الصِّحة ، بل التزمَه في (جامعه))، وابنُ المديني يَشترطُه فيها . ونصَّ على ذلك الشافعيُّ في ((الرسالة)). (ومنهم: مَن شَرَط طُولَ الصحبةِ) بَينهما، ولم يكتفِ بثبوتِ اللقاءِ، وهُو أبو المظفر السَّمعانيُّ . (ومنهم: من شَرَط معرفتَه بالروايةِ عنه) وهو أبو عَمرو الدَّاني . واشترط أبو الحَسَن القابسيُّ أن يُدركه إدراكًا بَيًِّا، حكاه ابنُ الصلاحِ . قال العراقي : وهذا دَاخلٌ فيما تقدَّم من الشروطِ . فلذلك أسقطه المصنّفُ . قال شيخُ الإسلام: مَن حَكَم بالانقطاع مُطلقًا شدَّد، ويليه مَن شَرَطَ طُولَ الصُّحبِةِ، ومَنِ اكتفى بالمُعاصرةِ سَهَّل، والوسَطُ الذي لَيس بَعده إلَّا التعنت مذهبُ البخاري ومَن وافقه، وما أَورده مسلمٌ عليهم من لزوم ١٤٦ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي ردِّ المُعنعَنِ دائمًا لاحتمالِ عَدمِ السماع ليس بواردٍ ؛ لأن المسألةَ مفروضةٌ في غيرِ المدلِّس، ومَن عنعن ما لم يسمعه فهو مُدلْسٌ . قال : وقد وَجَدتُ في بعضِ الأخبارِ وُرود ((عن)) فيما لا يمكن سَماعُه مِنَ الشيخِ، وإن كان الراوي سمع منه الكثيرَ؛ كما رواه أبو إسحاق السَّبيعيُّ، عن عبدِ الله بن خبابٍ بن الأرتُ، أنَّه خرج عليه الحروريةُ فَقَتْلُوه حتى جَرَى دمُه في النهرِ ، فهذا لا يُمكن أن يكونَ أبو إسحاق سَمعه مِن ابن خباب كما هو ظاهرُ العبارة؛ لأنَّه هو المقتولُ . قلتُ: السماعُ إنَّما يكون مُعتبرًا في القولِ، وأمَّا الفِعلُ فالمُعتَبرُ فيه المشاهدةُ، وهذا واضحٌ . (وكَثُر في هذه الأعصارِ استعمالُ ((عن)) في الإجازةِ، فإذا قال أحدُهم) مثلًا (قرأتُ على فلانٍ عن فلان، فمراده أنه رواه عنه بالإجازةِ) وذلك لا يُخرجه عن الاتصالِ . · حكم «أنَّ»: (إذا قال) الرَّاوي، كمالكِ مَثَلًا: (حدَّثنا الزهريُّ أَنَّ ابنَ المسيبِ حَذَّثه بكذا، أو قال) الزُّهريُّ (قال ابنُ المسيبِ كذا، أو فَعَل كذا، أو) قال (كان ابنُ المسيبِ يَفعلُ، وشِبهُ ذلك : فقال أحمدُ بنُ حنبلٍ وجماعةٌ) مِنهم فيما حكاه ابنُ عبد البر عن البَردِيجيِّ (لا تلتحقُ أَنَّ وشِبهُها بعَن) في الاتصالِ (بل يكونُ منقطعًا حتى يتبينَ السماعُ) في ذلك الخبرِ بِعَينه مِن جهةٍ أُخرى . ١٤٧ الحادي عشر : المعضل (وقال الجُمهُورُ) فيما حكَاه عنهم ابنُ عبد البر، مِنهم مالكٌ: (((أَنَّ)) كَ((عَن))) في الاتّصالِ (ومطلقه محمولٌ على السماع بالشرطِ المتقدمِ) مِن اللقاءِ والبراءةِ مِن التدليس . قال ابنُ عبد البر: ولا اعتبار بالحُروف والأَلَّفاظِ، وإنما هو باللقاءِ والمُجالسةِ والسَّماعِ والمُشاهدةِ . قال : ولا مَعنى لاشتراطٍ تَبيَّنِ السماعِ؛ لإجماعهم عَلى أنَّ الإسنادَ المُتصلَ بالصحابيِّ سواءٌ أَتَّى فيه بـ((عن)) أو بـ((أن)) أو بـ((قال)) أو بـ((سمعت)) فكلُّه مُتَّصلٌ . قال العراقيُّ : ولقائلِ أن يُفرِّقَ بأنَّ للصحابيِّ مَزِيَّةً، حيث يعملُ بإرسالِهِ بخلافٍ غيره . قال ابنُ الصلاح : ووجدتُ مِثل ما حُكِي عَنِ البَرديجيِّ للحافظِ يعقوبَ بنِ شَيبة في ((مسنده)) فإنه ذكر ما رواه أبو الزبير، عن محمدِ ابنِ الحنفيةِ، عن عَمَّارٍ قال: أَتَيتُ النَّبِيَّ وَّهِ وهُو يُصَلِّي فَسَلَّمت عليه فَرَدَّ عليَّ السَّلامَ، وجَعَله مُسنَدًا موصولًا . وذكّر روايةً قيسٍ بن سعدٍ لذلك، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن الحنفية: أنَّ عَمَّرًا مَرَّ بالنَّبِيِّ بَِّ وهو يُصَلِّي، فَجَعله مُرسَلًا مِن حيث كونه قال: أنَّ عَمَّارًا فعل، ولم يَقُل: عَن عَمَّارٍ . انتهى . قال العراقي : ولم يقع على مقصودٍ يعقوبَ؛ وبيانُ ذلك أنَّ ما فَعَله يعقوبُ هو صوابٌ مِنَ العملِ ، وهو الذي عليه عَمَلُ الناسِ، وهو لم ١٤٨ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي يَجعله مرسلًا مِن حيثُ لفظ ((أن)) بل مِن حيث إنَّه لم يُسند حكايةَ القِصَّة إلى عمارٍ، وإلَّا فلو قال: ((أنَّ عَمَّارًا قال: مررتُ)) لَمَا جَعله مُرسَلًا، فَلمَّا أتَى بلفظِ: ((أنَّ عَمَّارًا مَرَّ))، كان محمدٌ هو الحاكي لِقِصةٍ لم يُدرِكها؛ لأنه لم يُدرِكُ مُرورَ عَمَّارٍ بالنبيِّ نَّهِ، فَكَان نقلُه لذلِكَ مرسَلًا . قال : والقاعدةُ أن الراوي إذا رَوى حَديثًا فيه قِصَّةٌ أو واقعةٌ، فإن كان أدرك ما رَواه بأن حَكَى قصةً وقعت بين النبيِّ وٍَّ وبَين بعضِ الصحابةِ ، والراوي لذلك صحابيٍّ أَدركَ تِلكَ الواقعةَ، فهي محكومٌ لها بالاتصال وإن لم يعلم أنه شاهدها ، وإن لم يدرك تِلكَ الواقعةَ فهو مرسَلُ صَحابيٍّ، وإن كان الراوي تابعيًّا فهو مُنقطِعٌ، وإن روى التابعيُّ عن الصحابيِّ قصةً أَدرك وُقُوعَها فُمتَّصِلٌ، وكذا إن لم يدرك وقوعها ولكن أسندها له، وإلَّا فَمُنْقِطِعَةٌ . قال: وقد حكَى اتفاقَ أهلِ التمييزِ مِن أهلِ الحديثِ على ذلك ابنُ المواقٍ . قال: وما حكاه ابنُ الصلاح قبلُ عن أحمد بن حنبل مِن أنَّ ((عن)) و((أنَّ)) ليسا سواءً، مُنزَّلٌ أيضًا على هذه القاعدةِ، فإنَّ الخطيبَ رواه في ((الكفاية)) بِسَندِه إلى أبي داود قال: سمعتُ أحمدَ قِيل له: إنَّ رجلًا قال : ((قال عروةُ إنَّ عائشةَ قالت: يا رسولَ اللَّه))، و((عن عروة عن عائشةً)) سواءٌ. قال: كيف هذا سواء؟! ليس هذا بسواءٍ . فإنَّما فَرَّقَ أحمدُ بين اللَّفظين؛ لأنَّ عروةَ في اللفظِ الأولِ لم يُسند ١٤٩ الحادي عشر : المعضل ذلك إلى عائشةً، ولا أدركَ القصةَ، فكانت مرسلةٌ، وأمَّا اللفظُ الثاني ، فأسند ذلك إليها بالعَنعنةِ، فكانت مُتصلةً . انتهى . تنبية : كَثُرَ استعمالُ ((أنَّ)) أيضًا في هذهِ الأعصارِ في الإجازةِ، وهذا وما تقدَّم في ((عن)) في المَشَارِقة، أمَّا المغَارِبة فيستعملُونها في السماعِ والإجازةِ معًا . ● حكم المعلقات: (التعليقُ الذي يذكرُه الحميديُّ وغيرُه) مِن المَغاربة (في أحاديثَ مِن كتابِ البخاريِّ، وسَبَقَهم باستعمالِهِ الدار قطنيُّ، صورتُه: أن يُحذَفَ مِن أولِ الإِسنادِ واحدٌ فأكثرَ) على التوالي بصيغةِ الجزمِ، ويُعزَىُ الحديثُ إلى مَن فوق المحذوفِ مِن رُواته . وبينَه وبينَ المعضَلِ عمومٌ وخصوصٌ مِن وجهٍ، فيجامعه في حذفٍ اثنين فصاعدًا، ويُفارِقهُ في حذفٍ واحدٍ ، وفي اختصاصِه بأَوَّلِ السَّند . (وكأَنَّهُ مأخوذٌ مِن تعليقِ الجدارِ أو الطلاقِ لقطعِ الاتصالِ) فيهما . (واستَعمَلَه بعضُهم في حذفِ كلِّ الإِسنادِ، كقولهِ: قال رسولُ اللَّهِ (وَ))، أو ((قال ابن عباسٍ)) أو) ((قال (عطاءٌ))، أو غيرُه كذا) وإن لم يذكرهُ أصحابُ الأطرافِ، لأنَّ موضوعَ كُتبهِم بيانُ ما في الأسانيدِ مِن اختلافٍ أو غيرِه . ١٥٠ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي (وهذا التعليقُ له حكمُ الصحيح) إذا وقَع في كتابٍ التزمت صحته (كما تَقَدَّم في) المسألة الرابعة من (نوع الصحيحِ . ولم يستعملوا التعليقَ في غيرِ صيغةِ الجزم؛ كـ«يُروى عن فلانٍ كذا))، و ((يُقال عنه))، و((يُذكر)) و((يُحكى)) وشِبهها، بل خَصُوا به صيغةَ الجزم، كـ((قال))، و((فَعَل))، و((أَمَر))، و(نَهى))، و(ذَكَر))، و((حَكَى))) كذا قالَ ابنُ الصلاح . قال العراقي: وقد استعمله غيرُ واحدٍ مِن المتأخّينَ في غير المجزوم به، منهم الحافظُ أبو الحجّاج المزيُّ حيث أوردَ في ((الأطراف)» ما في ((البخاري)) مِن ذلك مُعلِّمًا عليه علامةَ التعليقِ. بل المصنّفُ نفسه أوردَ في ((الرياضٍ)) حديثَ عائشةً: أُمِرنا أن ننزلَ الناسَ منازلَهم، وقال: ذكّره مسلمٌ في ((صحيحه)) تعليقًا فقالَ: وذكِر عن عائشةً . (ولم يَستعملوه فيما سَقَط وسَطُ إسنادِهِ) لأنَّ له اسمًا يخصُّه مِنَ الانقطاعِ والإرسالِ والإعضالِ . أما ما عَزاهُ البخاريُّ لبعضٍ شُيوخِه بصيغةٍ: «قال فلانٌ))، ((وزاد فلان ◌ٌ، ونحو ذلك ، فليس حُكمه حُكمَ التعليقِ عن شيوخ شيوخه ، ومَن فوقهم، بل حُكمُه حُكمُ العنعنةِ مِن الاتصالِ بشرطِ اللقاءِ، والسلامةِ من التدليسٍ، كما جزَم به ابنُ الصلاح . قال: وبَلغني عن بعضِ المتأخّرِينَ مِن المَغَاربة أنَّه جَعله قِسمًا مِن ١٥١ الحادي عشر : المعضل التعليقِ ثانيًا، وأضاف إليه قولَ البخاريٍّ: ((وقال لي فلانٌ))، و((زادنا فلانٌ))، فوسَم كل ذلك بالتعليقِ . قال العراقي : وما جزَم به ابنُ الصلاح هنا هو الصوابُ، وقد خالف ذلك في نوعِ الصحيحِ، فجعلَ مِن أمثلةِ التعليقِ قولَ البخاريِّ: ((قال عفانٌ كذا))، و((قال القعنبيُّ كذا))، وهُما مِن شيوخِ البخاريِّ، والذي عَليه عملُ غيرٍ واحدٍ من المتأخّرينَ كابنِ دقيقِ العيد والمِزُيِّ أنَّ لذلك حُكمَ العنعنةِ . قال ابن الصلاح هنا : وقد قال أبو جعفر بن حمدان النيسابوري - وهو أَعرفُ بالبخاريِّ .: كل ما قالَ البخاريُّ: ((قال لي فلانٌ)) أو: ((قالَ لنا)) فهو عَرضٌ ومُناولٌ . وقال غيرُه: المُعتمَدُ في ذلك ما حقَّقه الخطيبُ مِن أنَّ ((قال)) ليست كـ ((عن))؛ فإنَّ الاصطلاحَ فيها مُختلفٌ، فبعضُهم يستعملُها في السماعِ دائمًا كحجَّاج بنِ موسى المصيصي الأعور، وبعضُهم بالعكسِ لا يَستعملها إلَّا فيما لم يَسمعه دائمًا، وبعضُهم تارةً كَذا وتارةً كذا كالبخاريٍّ، فلا يحكم عليها بحُكم مُطردٍ . ومثلُ ((قال)): ((ذكَر))، استعملها أبو قُرَّةَ في ((سننه)) في السماع، لم يذكر سِواها فيما سمعه من شيوخه في جميعِ الكتابِ . · حكم المُخْتَلَف في وَضْله أو رَفْعه: (إذا رَوَى بعضُ الثقاتِ الضابطين الحديث مرسلًا وبعضُهم متصلًا، ١٥٢ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي أو بعضُهم موقوفًا وبعضُهم مرفوعًا، أو وَصَلَه هو أو رَفَعَه في وقتٍ ، وأَرسَلَه ووَقَفَه في وقتٍ) آخر . (فالصحيحُ) عِندَ أهلِ الحديثِ والفقهِ والأُصولِ (أن الحكمَ لمن وَصَله أو رَفَعه، سواءٌ كان المخالفُ له مثلَه) في الحِفظِ والإتقانِ (أو أكبرَ ) منه (لأنَّ ذلك) أي : الرَّفع والوَصل (زيادةُ ثقةٍ، وهي مقبولةٌ) على مَا سيأتي . وقد سُئل البخاريُّ عن حديث: ((لا نِكاحَ إلا بَوليٌ)) . وهو حديثٌ اختلف فيه على أبي إسحاق السَّبيعي؛ فَرَواه شُعبةُ والثوريُّ عنه، عن أبي بُردَةَ، عَنِ النبيِّ وََّ مُرسلً. ورواه إسرائيلُ بن يونسَ في آخرين، عن جَدِّه أبي إسحاقَ، عن أبي بُردة، عن موسى متصلاً . فحَكَمَ البخاريُّ لمن وَصَله، وقال: الزيادةُ مِن الثقةِ مقبولةٌ . هذا مَعَ أنَّ مَن أرسلَه شعبةُ وسُفيانُ، وهما جَبَلان في الحِفظِ والإتقانِ . وقيل : لم يَحكم البخاريُّ بذلك لمجردِ الزيادةِ، بل لأنَّ لحذاقٍ المُحدِّثين نَظَرًا آخَرَ ، وهو الرجوعُ في ذلك إلى القرائنِ دُون الحُكم بحكم مُطَّردٍ، وإنَّما حَكَم البخاريُّ لهذا الحديثِ بالوصلِ ؛ لأنَّ الذي وصَله عن أبي إسحاقَ سبعةٌ، مِنهم إسرائيلُ حَفيدُه، وهو أثبتُ الناسِ فِي حَديثه لكثرةٍ مُمارستِهِ له، ولأنَّ شُعبةَ وسُفيانَ سَمعاه منه في مَجلسٍ واحدٍ ، بدليلٍ روايةٍ الطيالسيِّ في ((مُسنده)) قال: حدَّثنا شُعبةُ قال: سمعتُ سُفيانَ الثوريَّ يقول لأبي إسحاق: أحدَّئك أبو بردة عَنِ النبي ◌َّ - فذكَر الحديث ، فرجَعا كأنَّهما واحدٌ ، فإنَّ شعبة إنما رَواه بالسماع عَلى أبي إسحاقَ بقراءةِ سُفيان . ١٥٣ الحادي عشر : المعضل وحَكَم الترمذيُّ في ((جامعه)) بأنَّ رِوايةَ الذين وَصَلوه أصحُ. قال : لأنَّ سماعَهم منه في أوقاتٍ مختلفةٍ، وشُعبةُ وسُفيانُ سَمعاه في مجلسٍ واحدٍ ، وأيضًا سُفيانُ لم يقل له: ولم يحدِّثك به أبو بردة إلا مرسلًا. وكأن سُفيان قالَ له : أسمعتَ الحديثَ منه؟ فَقَصدُه إنَّما هو السؤالُ عن سَماعه له لا كيفيةِ روايتِه له . (ومنهم مَن قال: الحكمُ لمن أَرسَلَه أو وَقَفَهُ. قال الخطيبُ : وهو قولُ أکثرِ المحدِّثين . وعن بعضِهم الحكمُ للأكثرِ . و) عن (بعضِهم) الحُكمُ (للأحفظِ. وعلى هذا) القولِ ؛ (لو أرسَله أو وَقفَه الأحفظُ لا يَقدَحُ الوصلُ والرفعُ في عدالةِ راويه) ومسندِه من الحديث غير الذي أرسله (وقيل: يَقدَحُ فيه وصلُه ما أرسَله) أو رَفعُه ما وَقَفَه (الحفاظُ) . وصحح الأُصوليُّون في تعارض ذلك مِن واحدٍ في أوقاتٍ أنَّ الحُكمَ لِمَا وَقَع منه أكثرَ، فإن كان الوصلُ أو الرفعُ أكثرَ قُدِّم، أو ضدهما فكذلك . قلتُ : بَقي عليهم ما إذا استويا، بأن وَقَعَ كلِّ مِنهما في وقتٍ فقط أو وَقْتَيْن فقط .