النص المفهرس
صفحات 961-980
٢١٤ النوع السادس والثلاثون والمَجَازِ المشبهِ للحقيقةِ على غَيرِهِ، والشرعيةِ على غَيرِها، والعُرفيَّةِ على اللُّغويةِ، والمُستغْنِي عن الإضْمَارِ، وما يقلُّ فيه اللَّبْسُ، وما اتُّفقَ على وَضْعه لمُسمَّه، والمُومي للعلةِ، والمنطوقِ، ومفهوم الموافقةِ على المخالفةِ، والمنصوصٍ على حكمه مع تَشبيهه بمحل آخر، والمستفادِ عُمومه مِن الشرطِ والجزاءِ على النكرةِ المنفيةِ، أو مِن الجَمْع المعرَّفِ على ((من)) و((ما))، أو مِنَ الكُلِّ، وذلك من الجنس المعروف، وما خِطابه تكليفيٍّ على الوضْعِيِّ، وما حُكمُه معقولُ المعنى، وما قدِّم فيه ذكْر العلةِ، أو دلَّ الاشتقاقُ على حُكمِهِ ، والمقارنِ للتهديدِ ، وما تهديدُه أشدُّ ، والمؤكدِ بالتكرار والفصيح، وما بِلُغةِ قريشٍ، وما دلَّ على المعنى المراد بوَجْهين فأكثر، أو بغيرَِ (١) واسطةٍ، وما ذُكر معه مُعارضه(٢)، كـ((كُنْتُ نَهَيتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا»، والنَّص والقَول، وقولٍ قارنَه الفعلُ، أو تفسيرِ الرَّاوي، وما قُرن حُكمه بصفةٍ على ما قُرن باسمٍ، وما فيه زيادةٌ . القسم السادس : الترجيحُ بالحُكم، وذلك بِوُجوهٍ : أحدها : تقديمُ الناقلِ على البراءةِ الأَصليَّةِ على المقرر لها . وقيل : عَكْسُهُ . ثانيها : تقديمُ الدالُ على التحريم على الدالِ على الإباحةِ، أو الوجوبٍ(٣). (١) في ((ص)): ((وبغير)). (٣) في ((ص): ((والوجوب)). (٢) في ((ص)): ((معارضة)). ٢١٥ معرفة مختلف الحديث ، وحكمه ثالثها : تقديمُ الأَحوِ . رابعها : تقديمُ الدالِ على نَفي الحدِ . القسم السابع : الترجيحُ بأمرٍ خارجيٍّ : كتقديم ما وافَقَ ظاهر القُرآنِ، أو سُنَّة أُخرى، أو ما قبل الشّرع، أو القياس، أَو عَملِ الأُمَّة، أو الخُلفاء الرَّاشدين، أو معه مُرسَلٌ آخَرُ، أو مُنقَطِعٌ، أو لم يشعر بنوعٍ قدحِ في الصحابةِ، أو له نظيرٌ متفق على حُكمهِ، أو اتَّفق على إخراجهِ الشيخان . فهذه أكثرُ مِن مائةٍ مُرجِّح، وثَمَّ مرُجِحاتٌ أُخَرُ لا تنحصرُ، ومَثَارُها غلبةُ الظَّنِّ . · فوائدُ: الأولى: منعَ بعضُهم الترجيحَ في الأدلةِ ، قياسًا على البيّنات ، وقال : إذا تَعَارَضًا لزمَ التخييرُ أو الوَقِفُ . وأجيب: بأن مالكًا يرى ترجيحَ البيّنةِ على البيّنةِ، ومَن لم يَرَ ذلك يقولُ: البَيِّنَةُ مُستندةٌ إلى توقيفاتٍ تَعبُّديةٍ، ولهذا لا تُقْبِلُ إلَّا بلفظِ الشهادةِ . الثانية : إنْ لم يوجد مُرجِّح لأحدِ الحديثين تُوقُّف عَنِ العملِ به حتَّى یظھرَ . الثالثة : التعارضُ بين الخبرين إنَّما هُو لخلل في الإسنادِ بالنسبةِ إلى ظنِّ المجتهدِ، وأما في نفسِ الأمرِ فلا تعارضَ . --------.. ٢١٦ النوع السادس والثلاثون الرابعة: ما سَلِمَ مِنَ المُعارضةِ فهو مُحكَمٌ، وقد عقَد له الحاكمُ في ((علوم الحديثِ))(١) بابًا وعدَّه مِن الأنواع، وكذا شيخُ الإسلامِ في ((النخبة)) (٢) ٠ قال الحاكمُ : ومِن أمثلتِه : حديثُ: ((إِنَّ أَشَدَّ الناسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُشبهون بَخلْقِ اللَّهِ))(٣). وحديثُ: ((لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ بِغَيرِ طُهُورٍ، ولا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ)) (٤). وحديث : ((إذا وُضِعَ العَشَاءُ، وأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَابِدَءُوا بِالعَشاءِ (٥)) (٦) . وحديثُ : ((لا شِغَارَ فِي الإسْلَام)» (٧) . قال : وقد صنّف فيه عثمانُ بنُ سعيدٍ الدارميُّ كِتابًا کبیرًا . (١) ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ١٢٩). (٢) ((نزهة النظر)) (ص: ١٠٣). (٣) أخرجه مسلم (١٥٨/٦)، والنسائي (٢١٤/٨). (٤) أخرجه مسلم (١/ ١٤٠)، والترمذي (١). (٥) في ((ص))، و((م)): ((بالصلاة))، خطأ، وهو على الصواب في كتاب الحاكم (ص: ١٢٩) . (٦) أخرجه البخاري (١٧١/١)، ومسلم (٧٨/٢). (٧) أخرجه مسلم (١٣٩/٤). ٢١٧ معرفة المزيد في متصل الأسانيد • النوعِ السَّابِعُ وَالثَّلاثُونَ : مَعرِفَةُ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأسَانِيدِ مِثَالُهُ: مَا رَوَىُ ابنُ المُبارَكِ قَالَ: حدَّثَنا سُفيانُ، عَن عبدِ الرَّحْمنِ بنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي بُشْرُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ قالَ : سَمِعتُ أَبًا إِذْرِيسَ قَالَ: سَمِعتُ واثِلَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبًا مَرْثٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ بِّهِ يقولُ: ((لا تَجْلِسُوا عَلَى القبورِ)). فذِكْرُ سُفيانَ وَأَبِي إذْرِيسَ زِيادةٌ وَوَهْمٌ، فَالوَهْمُ فِي سُفْيَانَ مِمَّنْ دُونَ ابنِ المُبَارَكِ؛ لأنَّ ثِقَاتِ روَوْهُ عَنِ ابنِ المُبارَكِ، عنِ ابنِ يَزِيدَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَّحَ فِيهِ بِالإِخْبَارِ . وفي أبِي إِذْرِيسَ مِنِ ابنِ المُبارَكِ؛ لأنَّ ثِقَاتٍ رَوَوْهُ عنِ ابنِ يَزيدَ فلم يَذْكُرُوا أَبَا إِذْرِیسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَّحَ بِسَمَاعٍ بُشْرٍ مِنْ وَاثِلَةً . (النوعُ السابع والثلاثون : معرفةُ المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ . مثالُه : ما رَوَى) عبدُ اللَّه (بنُ المباركِ قال: حدثنا سفيانُ، عن عبد الرحمن بن يزيد، حدثني بسر بن عبيد اللَّه) - بضَمِّ الموحّدة ، وبالمُهْمَلة - وأبوه مُصَغَّرٌ، (قال: سمعتُ أبا إدريسَ) الخَولانيَّ (قال: سمعتُ واثلةَ) بنَ الأسقع، (يقول: سمعتُ أبا مرثدٍ) الغنويَّ، (يقول : ٢١٨ النوع السابع والثلاثون سمعتُ رسول اللّهَوَ لَّيقول: ((لا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ) ولا تُصَلُوا إِليها)) (١) . (فَذِكْرُ ((سفيانَ)) و((أبي إدريس))) في هذا الإسنادِ (زيادةٌ وَوَهم؛ فالوهمُ في ((سفيانَ)) ممنْ دونَ ابنِ المَبَارَكِ ؛ لأن ثقاتٍ رَوَوهُ عن ابن المبَاركِ، عن ابنِ يزيدَ) نَفْسِهِ، منهم: ابنُ مَهْديٍّ، وحَسَنُ بنُ الرَّبيعِ، وهنَّدُ بنُ السَّري، وغيرهم . (ومنهم مَنْ صَرَّح فيه بالإخبارِ) بينهما . (و) الوَهْمُ (في ((أبي إدريسَ)) من ابن المبارَكِ ؛ لأنَّ ثقاتٍ رَوَوه عن ابن يزيدَ) عن بسرٍ، عن واثلةَ (فلم يذكروا «أبا إدريسَ)))، منهم : عليُّ ابنُ حُجرٍ ، والوليدُ بنُ مُسلم، وعيسى بنُ يونسَ، وغيرُهم . (ومنهم مَنْ صرَّحَ بسماعٍ بُسرٍ من واثلةَ) وقد حَكم الأئمةُ على ابنِ المباركِ بالوَهم في ذلك، كَالبُخاريِّ(٢) وغيرِه . وقال أبو حاتم الرازي (٣): وكثيرًا ما يُحدِّث بسرّ عن أبي إدريسَ، فغلطَ ابنُ المبارك، وظنَّ أن هذا مما روى عن أبي إدريس عن وَاثلةَ ، وقد سمع هذا بسرٌ مِن واثلةَ نَفْسِه . ثُم الحديثُ على الوَجْهين عند مُسلم والترمذيّ (٤). (١) أخرجه الترمذي (١٠٥٠). (٢) كما في ((العلل الكبير)) للترمذي (ص: ١٥١). (٣) ((العلل)) لابنه (٨٠/١). (٤) أخرجه مسلم (٦٢/٣)، والترمذي (١٠٥١). ٢١٩ معرفة المزيد في متصل الأسانيد وصَنَّفَ الخَطِيبُ فِي هَذَا كِتَابًا فِي كَثِيرٍ مِنْهُ نَظَرٌ؛ لأنَّ الخَالِيَ عَنِ الزَّائِدِ إِنْ كانَ بحرفِ («عَنْ)) فَيَنْبَغِي أنْ يُجِعَلَ مُنْقَطِعًا. وإنْ صرّحَ فيهِ بِسَمَاعٍ أو إِخبارٍ ، احتَمَلَ أنْ يكونَ سَمِعَهُ مِنْ رِجُلٍ عنهُ، ثُمَّ سمِعَهُ مِنْهُ، إلا أنْ تُوجِدَ قَرِينةٌ تَدُلُّ على الوَهْمِ . وَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الظَّاهِرُ مِمَّن وَقَع لهُ هذا أن يَذْكُرَ السَّماعَيْنِ ، وإِذا لَمْ يَذْكُرْهُمَا ◌ُمِلَ على الزِّيادةِ. (وصنّف الخطيبُ في هذا) النوع (كتابًا) سمَّاه «تمييزُ المزيدِ في مُتَّصل الأَسانيدِ)) (في كثيرٍ منه نَظَرٌ؛ لأنَّ) الإسنادَ (الخالي عن) الراوي (الزائدِ إنْ كان بحرفِ (عَنْ))) ونحوِها، مما لا يقتضي الاتصالَ (فينبغي أن يُجعَلَ منقطعًا) ويعلَّ بالإسنادِ الذي ذُكِر فيه الراوي الزائد ؛ لأن الزيادة مِنَ الثقةِ مقبولةٌ (١). (١) قال الإمام العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص : ١٥٤ - ١٥٥) : ((إن الراوي متى قال: ((عن فلان)) ثم أدخل بينه وبينه في ذلك الخبر واسطة ، فالظاهر : أنه لو كان عنده عن الأعلى لم يدخل الواسطة؛ إذ لا فائدة في ذلك ، وتكون الرواية الأولى مرسلة إذا لم يعرف الراوي بالتدليس، وإلا فمدلسة، وحكم المدلس حكم المرسل، وخصوصًا إذا كان الراوي مكثرًا عن الشيخ الذي روى عنه بالواسطة، كهشام بن عروة عن أبيه، ومجاهد عن ابن عباس، وغير ذلك . فلو أن هذا الحديث عنده عنه لكان يساير ما روى عنه، فلما رواه بواسطة بينه وبين شيخه المكثر عنه علم أن هذا الحديث لم يسمعه منه، ولا سيما إذا كان ذلك الواسطة رجلًا مبهمًا أو متكلمًا فيه)) . قال: ((وأما ما يسلكه جماعة من الفقهاء، من احتمال أن يكون رواه عن الواسطة ثم = .......... ٢٢٠ النوع السابع والثلاثون (وإن صرَّح فيه بسماع أو إخبارٍ)، أو تحديثٍ (احتملَ أن يكونَ سَمِعَه من رجلٍ عنه، ثمَّ سمعه منه) اللَّهُمَّ (إلا أن تُوجدَ قرينةٌ تدلُّ على الوهمِ) كما ذكّر (١) أبو حاتم في المثالِ السابقِ . (ويمكنُ(٢) أَنْ يقالَ) أيضًا: (الظاهرُ ممَّن وقعَ له هذا أن يذكُرَ السماعين، وإِذَا لم يَذْكُرْهما حُملَ على الزيادةِ) المذكورةِ . = تذكر أنه سمعه من الأعلى ، فهو مقابل بمثله ، بل هذا أولى، وهو : أن يكون رواه عن الأعلى جريًا على عادته، ثم تذكر أن بينه وبينه فيه آخر، فرواه كذلك، والمتَّبَع في التعليل إنما هو غلبة الظن، وقد ذكر الترمذي في ((كتاب العلل)) أنه سأل البخاري عن حديث شيبان بن عبد الرحمن، عن عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس، عن أبيه ، عن جده - مرفوعًا: ((يمن الخيل في شقرها)»؟ فقال: يدخلون بين شيبان وبين عيسى في هذا الحديث رجلًا. فجعل البخاري كَُّ ذلك علة في السند» (١) في (ص)): ((ذكره)). (٢) في ((م)): ((وممكن)) . ٢٢١ المراسيل الخفي إرسالها • النوع الثَّامِنُ وَالثَّلاثُونَ : المَرَاسِيلُ الخَفِيُّ إِرسَالُهَا هُوَ فَنٌّ مُهِمٌّ عظِيمُ الفائدةِ، يُدْرَكُ بالاتْسَاعِ فِي الرِّوَايةِ، وجمعِ الطَّرُقِ، مَعَ المعرفَةِ التَّامَّةِ، وللخَطِيبِ فيهِ كِتَابٌ . (النوع الثامن والثلاثون : المراسيلُ الخفي إرسالُها) أي : انقطاعُها : (هو فنٌّ مهمٌّ عظيمُ الفائدةِ، يُذْرُ بالاتساع في الروايةِ، وجمع الطرقِ) للأحاديثِ، (مع المعرِفَةِ التامَّةِ . وللخطيب فيه كتابٌ) سَمَّاه: ((التفصيلُ لمبهم المَراسيل)). وأصلُ الإرسالِ : ظاهرٌ : كرواية الرجلِ عمِّن لم يُعاصِرْه، كروايةِ القاسم بنِ محمدٍ عن ابنِ مسعودٍ، ومالكِ عنِ ابنِ المسيبِ . وخَفيٍّ : وهو المذكورُ هُنا . وهُوَ ما عُرِفَ إِرْسَالُهُ، لِعَدَمِ اللَّقَاء أوِ السَّمَاعِ، وَمِنْهُ ما يُحْكَمُ بإِرْسَالِهِ؛ لَجيئه مِن وجهٍ آخَرَ بِزِیادة شخصٍ . (وهو ما عُرِفَ إرسالُه لعدم اللقاءِ) لمن رَوىُ عَنه مَعَ المُعاصَرَةِ ، (أو) لعدم (السَّمَاعِ) مع ثبوتِ اللقاءِ ، أو لعدمٍ سماعٍ ذلك الخبرِ بعينهِ مع سماعٍ غيرهٍ . ...... ٢٢٢ النوع الثامن والثلاثون ويُعرَفُ ما ذُكِرَ، إما بنصِّ بعض الأئمةِ عليه، أو بوجهٍ صحيحٍ ، كإخبارِه عن نَفسِهِ بذلك في بعضٍ طُرقِ الحديث، ونحو ذلك . كحديثٍ رواه ابنُ مَاجَه من روايةٍ عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، عن عُقبةَ بنِ عامرٍ، مرفوعًا: ((رَحِمَ اللَّهُ حَارِسَ الحَرَسِ))(١) . فإنَّ عُمرَ لم يلقَ عُقبةَ، كما قالَ المِزْيُّ في ((الأطرافِ))(٢) . وكأحاديثِ أبي عُبيدةً، عن أَبيه عبدِ الله بن مسعودٍ؛ فقد روى الترمذيُّ أن عَمرو بنَ مُرَّة قال لأبي عُبيدةَ : هل تَذكُرُ مِن عبدِ اللَّه شيئًا؟ قال : لا . (ومنه ما يحكمُ بإرسالهِ لمجيئه من وجهٍ آخرَ بزيادةِ شخصٍ) بينهما ، كحديثٍ رواه عبدُ الرزّاق، عن سُفْيَانَ الثوريِّ، عن أبي إسحاقَ، عن زيدِ ابن يُشيع، عن حُذيفةَ مَرفوعًا: ((إنْ وَلَّيْتموها أبًا بَكرٍ [فزَاهدٌ في الدُّنْيا راغِبٌ في الآخِرَةِ، وفي جِسْمه ضَعْفٌ، وإنْ وَلَّيْتُموها عُمَرَ] فَقَوِيٌّ أَمِينٌ))(٣) . فهو منقطعٌ في موضعين؛ لأنه رُوِي عَن عبدِ الرزّاق قالَ : حدَّثني النعمانُ بن أبي شيبة، عن الثوريِّ. ورويَ أيضًا: عن الثوريٍّ، عن شريكٍ ، عن أبي إسحاقَ . (١) أخرجه ابن ماجه (٢٧٦٩) . (٢) ((تحفة الأشراف)) (٣١٤/٧). (٣) هكذا اللفظ الصحيح عند: الحاكم في ((المستدرك)) (١٤٢/١)، وابن عدي في ((الكامل)) (١٩٥٠/٥)، والخطيب في ((التاريخ)) (٣٠٢/٣)، والذي بين المعقوفين سقط من ((ص))، و((م)) . ٢٢٣ المراسيل الخفي إرسالها وَهَذَا القِسْمُ مَعَ النَّوعِ السَّابقِ يُعْتَرَضُ بِكُلُّ مِنْهُمَا عَلَى الآخَرِ، وقَدْ يُجَابُ بِنَحْو مَا تَقَدَّمَ. (وهذا القسمُ مع النوعِ السَّابِقِ) وهو المزيدُ في مُتَّصل الأسانيدِ (يعترضُ بكلِّ منهما على الآخرِ) لأنَّ رُبما كان الحُكم للزائدِ ، ورُبما للناقصِ، والزائدُ وهمّ، وهو يَشتبه على كثيرٍ من أهلِ الحديثِ، ولا يُدركه إلا النقادُ، (وقد يجاب بنحوِ ما تقدَّم(١)). (١) قال الإمام العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص: ١٤٨)، بعد أن ذكر أن هذين النوعين يعترض بكل منهما عن الآخر، قال: ((وحاصل الأمر ؛ أن ذلك على أقسام : أحدها : ما يترجح فيه الحكم بكونه مزيدًا فيه، وأن الحديث متصل بدون ذلك الزائد . وثانيها : ما ترجح فيه الحكم عليه بالإرسال إذا روي بدون الراوي المزيد . وثالثها : ما يظهر فيه كونه بالوجهين ، أي : أنه سمعه من شيخه الأدنى وشيخ شيخه أيضًا، وكيفما رواه كان متصلًا. ورابعها: ما يتوقف فيه؛ لكونه محتملًا لكل واحدٍ من الأمرين)). ثم أخذ يمثل لكل قسم، فراجعه ؛ فإنه في غاية الأهمية . ٠٠ ٢٢٤ النوع التاسع والثلاثون • النوعِ التَّاسِعُ وَالثَّلاثُونَ : مَعرِفَةُ الصَّحَابَةِ هَذَا عِلمٌ كَبِيرٌ جَليلٌ عَظِيمُ الفَائِدَةِ ؛ وبِهِ يُعْرَفُ المُتَّصِلُ مِنَ المُرسَلِ، وفِيهِ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ، ومِنْ أَحْسَنِهَا وَأَكْثَرِهَا فوائدَ : ((الاسْتِيعابُ)) لابنِ عَبدِ البَرِّ، لَوْلا ما شَانَهُ بِذِكْر ما شَجَرَ بین الصَّحَابةِ وحكايته عَنِ الْأَخْبَارِيِّينَ. وقد جَمَعَ ابنُ الأثِيرِ الجَزَرِيُّ في الصَّحَابَةِ كِتَابًا حَسَنًا، جَمَعَ فِيهِ كُتُبًا كثيرةٌ، وضَبَطَ وحقَّقَ أشياءَ حَسَنةً، وقَدِ اخْتَصَرْتُهُ بِحَمْدِ اللَّهِ. (النوعُ التاسعُ والثلاثون: معرفةُ الصحابةِ مِ له: هذا علمٌ كبيرٌ جليلٌ عظيمُ الفائدةِ ، وبه يُعرَفُ المتصلُ من المرسَلِ . وفيه كُتُبٌ كثيرةٌ) مُؤْلَّفةٌ كـ((كتابِ الصحابة)) لابن حِبانَ، وهو مختصرٌ في مجلدٍ ، و((كتابُ أبي عبد الله بن مَنده))، وهو كبيرٌ جليلٌ، وذيَّل عليه أبو موسى المديني، و((كِتابُ أَبي نُعيم الأصبهاني))، و ((كِتابُ العسكريِ)) . (ومن أحسنِهَا وأكثرها فوائدَ: ((الاستيعابُ)) لابنِ عبدِ البَرِّ، لولا ما شائَه بذكر ما شَجَرَ بين الصَّحابةِ، وحكايته عن الأخباريينَ) والغالبُ عليهم الإكثارُ والتخليطُ فيما يَرْوونه، وذيَّل عليه ابنُ فتحون . ٢٢٥ معرفة الصحابة قال المصنّفُ - زيادةٌ على ابنِ الصلاحِ - : (وقد جَمَعَ) أبو الحسن عليُّ بنُ محمدِ (ابنُ الأثيرِ الجَزرِيُّ في الصحابة كتابًا حسنًا) سمَّاه «أُسْدُ الغابة)) (جمع فيه كتبًا كثيرةً) وهي كِتابُ ابنِ مَنده، وأبي مُوسَى، وأبي نُعيم ، وابن عبد البر، وزادَ مِن غيرِها أسماءَ، (وضَبَطَ وحقَّقَ أشياءَ حسنةً) على ما فيه مِن التكرارِ بحَسبِ الاختلافِ في الاسم، أو الكُنيةِ . قال المصنفُ : (وقد اختصرتُه بحمد اللَّه) ولم يَشتهر هذا المختصرُ ، وقد اختَصره الذهبيُّ أيضًا في كتابٍ لطيفٍ، سمَّاه ((التَّجريد)). ولشيخِ الإسلامِ في ذلك: ((الإصَابةُ في تمييزِ الصَّحابةِ)) كتابٌ حافلٌ ، وقد اختصرتُه ، ولله الحمد . ● فائدة : قولُ المُصنّفِ: ((الأَخْبَارِيِّين)) جمع ((أَخْبَارِي))، عدَّه ابنُ هشام مِن لَحن العُلماءِ وقال: ((الصَّوابِ الخَبَرِيُّ، أي: لأنَّ النَّسب إلى الجمع يرَدُّ إلى الواحدِ ، كما تقرَّر في عِلم التصريفِ ، تقول في الفرائضٍ : ((فَرضي)) . ونُكْتَتُهُ: أنَّ المرادَ النِّسبةُ إلى هذا النوعِ، وخصوصيةُ الجمع مُلغاةٌ ، مع أنَّها مؤدِّيةٌ إلى الثقلِ . قال: ومِن اللحنِ أيضًا قولُهم: ((لا يُؤْخَذُ العِلمُ مِن صُحُفِيِّ)) بضمتين، والصَّواب بفَتحين، ردًّا إلى صَحِيفةٍ، ثم فعل بها ما فُعِلَ بِ((حنِيفَة)) . ---- ٢٢٦ النوع التاسع والثلاثون ، فُرُوعٌ : أَحَدُها : اختُلِفَ في حدِّ الصَّحَابِيِّ؛ فالمَعْرُوفُ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ، أَنَّهُ كلُّ مُسلِمٍ رَأَىْ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ. وَعَنْ أَصْحَابِ الْأَصُولِ - أَوْ بَعْضِهِم -: أَنَّهُ مَنْ طَالَتْ مُجَالستُهُ على طريقِ التَّبَعِ . وعَنْ سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ: أنَّهُ لا يَعدُّ صَحَابِيًّا إلا مَن أَقَامَ مَعَ رسُولِ اللَّهِ وَّهِ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنٍ، وغَزًا معهُ غَزْوَةٌ أَوْ غَزْوَتَيْنِ. فإن صحَّ عَنْهُ فَضَعِيفٌ؛ فإنَّ مُقْتَضَاهُ أَلا يُعَذَّ جَرِيرُ البَجَلي وشِيْهِهُ صَحَابِيًّا، ولا خِلافَ أَنَّهم صَحَابةٌ . (فروع : أحدها : اختلِفَ في حدِّ الصَّحَابي، فالمعروفُ عند المحدثين أنَّه كلّ مسلم رأى رسولَ اللَّه ◌ِ﴿) كذا قالَ ابنُ الصلاح(١)، ونقله عن البخاريِّ(٢) وغيرِه . وأُوردَ عليه : إنْ كان فاعلُ الرؤيةِ الرائي الأعمى كابنٍ أُمّ مكتوم ونحوه، فهو صَحابيٍّ بلا خلافٍ، ولا رُؤية له . (١) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٩١). (٢) ((صحيح البخاري)) (١/٥). لفظه: ((ومن صحب النبي ﴿ أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه)). ٢٢٧ معرفة الصحابة ومَن رآه كافرًا، ثُم أَسْلمَ بعد موتِهِ كرَسُولٍ قَيصرَ، فلا صُحبة له . ومَن رآه بعدَ موتِهِ وَ ل﴿ قَبل الدفن، وقد وقَع ذلك لأبي ذؤيبٍ خويلدِ ابنِ خالدِ الهذلي ؛ فإِنَّه لا صُحبةً له . وإن كانَ فاعلَها رسولُ اللَّهِ وَهِ دَخَل فيه جميعُ الأُمة؛ فإنه كُشِفَ له عَنهم ليلةَ الإسراءِ وغيرها، ورآهُم . وأوردَ عليه أيضًا: مَن صَحِبِه ثُم ارتدَّ، كابنِ خطلٍ ونحوِه . فالأَولى أنْ يُقالَ: مَن لَقِي النبيَّ ◌َّرَ مُسلمًا وماتَ على إسلامِهِ. أما مَنِ ارتدَّ بعده ثُم أسلمَ وماتَ مُسلمًا، فقال العراقيُّ (١): في دُخوله فيهم نَظرٌ، فقد نصَّ الشافعيُّ وأبو حنيفة عَلى أنَّ الرِّدة مُحبِطٌ للعملِ. قال : والظاهرُ أنها مُحبطةٌ للصُحبةِ السابقةِ، كَقُرَّةَ بنِ هُبيرةَ (٢)، والأشعثِ بنِ قيسٍ، أما مَن رجعَ إلى الإسلامِ في حياتِه، كعبدِ الله بنِ أبي سرحٍ، فلا مانعَ مِن دُخولِهِ في الصُّحبةِ . وجزَم شيخُ الإسلام في هذا والذي قبله ببقاءِ اسم الصُّحبةِ له . قال (٣): وهل يُشترط لُقْيُّه في حالِ النُبوةِ، أو أعمُّ مِن ذلك، حتى يدخلَ مَن رآه قَبلها ومَات على الحَنِيفية ، كزيدِ بنِ عمروٍ بن نفيلٍ، وقد عدَّه ابنُ مَنده في الصَّحابةِ، وكذا لو رآه قَبْلها، ثُم أدركَ البعثةَ، وأسْلمَ ولم يَرَه . (١) ((التقييد)) (ص: ٢٩٢). (٢) في ((ص)) و ((م): ((ميسرة))؛ خطأ. (٣) ((قال)) ليس في ((م)) والقائل، هو العراقي . ٢٢٨ النوع التاسع والثلاثون قال العراقيُّ(١): ولم أَرَ مَن تعرَّض لذلك. قال : ويدلُّ على اعتبارِ الرؤيةِ بعدَ النبوةِ ذكْرُهم في الصحابةِ وَلَدَهُ إبراهيم دُون مَن مات قَبْلها، كالقاسمِ . قال: وهل يُشترط في الرائي التمييزُ، حتَّى لا يدخل مَن رآه وهو لا يَعقلُ، والأطفال الذين حَنَّكهم ولم يَرَوْه بعدَ التمييزِ أو لا يُشترط ؟ لم يذكُروه أيضًا، إلا أن العلائي قال في ((المراسيل)) (٢): عبدُ الله بن الحارثِ بنِ نوفل؛ حتّكه النبيُّ وَّرَ، ودعا له، ولا صُحبة له، بل ولا رُؤية أيضًا، وكذا قالَ في عبدِ الله بن أبي طلحة الأنصاريِّ، حنَّكه ودعَا له، ولا تُعرف له رُؤيةٌ، بل هُو تابعيٌّ . وقال في ((النُّكَتِ)) (٣): ظاهرُ كلام الأئمةِ : ابنِ معينٍ ، وأبي زُرعة، وأبي حاتم، وأبي داود وغيرِهم اشتراطهُ، فإنَّهم لم يُثبتوا الصُّحبةَ لأطفالٍ حَّكهم النّبِيُّ ◌ََّ، أو مسَح وجوهَهم، أو تَفلَ في أَفْواهِهم، كمحمدٍ بن حاطبٍ، وعبد الرحمنِ بنِ عثمان التيمي(٤)، وعُبيدِ اللَّه بنِ مَعمرٍ ، ونحوهم . قال : ولا يُشترطُ البلوغُ على الصحيحِ، وإلا لخرجَ مَن أجمع على عدِّه في الصحابةِ، كالحسَنِ، والحُسينِ، وابنِ الزبيرِ، ونحوِهم . قال : والظاهرُ اشتراطُ رؤيته في عالم الشهادةِ ، فلا يُطلق اسمُ الصُّحبةِ على مَن رآه مِن الملائكةِ والنَّبِيِّين . (١) ((التبصرة)) (٦/٣). (٣) ((التقييد)) (ص: ٢٩٢ - ٢٩٦) . (٢) ((جامع التحصيل)) (ص: ٢٥٣). (٤) في ((م)): ((التميمي)). ٢٢٩ معرفة الصحابة قال : وقد استشكلَ ابنُ الأثيرِ مُؤمِني الجنِّ في الصحابةِ دُون مَن رآه مِن الملائكةِ، وهم أولى بالذِّكرِ مِن هؤلاء . قال: وليسَ كما زَعَم؛ لأن الجنَّ مِن جُملةِ المُكلَّفين الذين شملتهم الرسالةُ والبعثةُ، فكان ذكرُ من عُرِفَ اسمُه ممن رآه حَسنًا، بخلافٍ الملائكةِ . قال : وإذا نزل عيسى وحَكمَ بشرعِهِ، فهل يُطلق عليه اسمُ الصُّحبةِ ، لأَنَّه ثبت أنه رَآه في الأرضِ؟ الظاهرُ : نَعم. انتهى . (وعن أصحابِ الأصولِ أو بعضهم : أنه مَنْ طَالت مجالستُه) له (على طريقِ التَّبَعِ) له، والأخذِ عنه، بخلافِ مَن وَفَدَ عليه، وانصرفَ بلا مُصاحبةٍ ولا مُتابعةٍ ، قالوا: وذلك مَعنى الصحابيِّ لُغةً. وَرُدَّ بإجماع أهلِ اللغةِ على أنه مُشتقٌّ من ((الصُّحبة))، لا مِن قدرٍ منها مخصوصٍ، وذلك يُطلق على كل مَن صَحِبَ غيرَه قليلًا كانَ أو كثيرًا، يُقال: ((صحبت فلانًا حَولًا، وشَهرًا، ويَومًا، وسَاعةٌ)) . وقولُ المصنّف: ((أو بعضهم)) مِن زيادَته؛ لأنَّ كثيرًا مِنهم مُوافقون لما تقدَّم نَقْلُه عن أهلِ الحديثِ، وصحَّحه الآمديُّ وابنُ الحاجبِ . وعن بعضٍ أهلِ الحديثِ موافقةُ ما ذُكِرَ عن أهلِ الأصولِ؛ لما رواه ابنُ سعدٍ بسندٍ جيدٍ في ((الطبقات)) عن عليٍّ بن محمدٍ ، عن شُعبة ، عن مُوسى السيلانيٌّ قال: أتيتُ أنسَ بنَ مالكِ، فقلتُ له : أنتَ آخِرُ مَن بقي مِن أصحابِ رسول اللَّهُ وَّ؟ قال: قَد بَقِي قومٌ مِن الأعرابِ، فأمَّا مِن أصحابِهِ فأنَا آخِرُ مَن بقي . ٢٣٠ النوع التاسع والثلاثون قال العراقي(١): والجوابُ: أنَّه أرادَ إثباتَ صُحبةٍ خاصةٍ ليستْ لأُولئك . (وعن سعيدِ بنِ المسيبِ أنه) كانَ (لا يَعدُّ صحابيًّا إلا من أقام مع رسولِ اللَّه ◌َ لّهِ سنة، أو سنتين، وغزا معه غزوةً أو غزوتين). وَوَجْهُه: أنَّ لصُحبته بِّهِ شَرفًا عَظِيمًا، فلا تُنالُ إلا باجتماعٍ طويلٍ يَظْهرُ فيه الخُلُقُ المطبوعُ عليه الشخص، كالغزوِ المشتملِ على السفرِ الذي هو قِطعةٌ مِن العذابِ، والسَّنةِ المشتملةِ على الفصولِ الأربعةِ التي بها يَختلف المزاجُ . (فإن صحَّ) هذا القولُ (عنه فضعيف؛ فإن مقتضاه أن لا يُعَدَّ جَرِير) ابن عبد اللَّه (البَجليُّ، وشبهُهُ) ممَّن فقَد ما اشترطه(٢) كوائلِ بنِ حُجٍ (صحابيًّا، ولا خلافَ أنَّهم صحابةٌ). قال العراقي (٣): ولا يصحُ هذا عنِ ابنِ المسيب، ففي الإسنادِ إليه محمدُ بنُ عُمر الواقديُّ ضعيفٌ في الحدیثِ . قال : وقد اعترِض بأنَّ جريرًا أسْلَم في أَوَّلِ البعثةِ؛ لما روى الطبرانيُّ (٤) عنه قال: لمَّا بُعث النبيُّ ◌َّل أتيتُه لأُبايعه، فقال: ((لأيُّ شيءٍ جئتَ يا جرير؟)) قلت: جئتُ لأُسْلِمَ عَلى يديكَ، فدَعاني إلى: ((شهادةِ أن لا إله إلَّ اللَّه وأنّي رسول اللَّه، وتُقيم الصلاةَ المكتوبةَ، وتؤدي الزكاةَ المفروضة)) الحديث . (١) ((التبصرة)) (٨/٣). (٣) ((التبصرة)) (٨/٣ - ٩). (٢) في ((ص): ((اشتراطه)). (٤) ((المعجم الكبير)) (٣٠٤/٢). ٢٣١ معرفة الصحابة قال: والجوابُ: أنَّ الحديثَ غيرُ صحيح ؛ فإنَّه من روايةِ الحُصينِ بنِ عُمر الأَحمسيِّ (١)، وهو منكَرُ الحديثِ، ولو ثبتَ فلا دليلَ فيه؛ لأَنَّه لا يلزم الفوريةُ في جواب «لمَّا))، بدليلٍ ذكرِ الصلاة والزكاةِ، وفَرْضُهُمَا متراخٍ عن البعثةِ . والصوابُ: ما ثبتَ عَنه أنه قال: ما أسلمتُ إلَّا بعد نُزول المائدةِ. رواه أبو داود(٢) وغيرُه، وفي ((تاريخ البخاريُّ الكبير)) (٣): أنَّه أسْلم عَام تُوفي النبيُّ ◌َ، وكذا قال الواقديُّ، وابنُ حِبان، والخطيبُ (٤) ، وغيرهم . ● فائدة: في حدِّ الصحابيِّ قولٌ رابعٌ: أنه من طالتْ صُحبتُه ورَوَىُ عنه، قالَه الجاحظ (٥) . وخامسٌ : أنه مَن رآه بالغًا، حكاه الواقديُّ، وهو شاذٌّ كما تقدَّم . وسادسٌ: أنَّه مَن أدرك زمنَهُ وَِّ وهو مُسلمٌ، وإِنْ لَم يَرَه، قاله يحيى ابنُ عُثمانَ بنِ صالحِ المِصْريُّ، وعَدَّ مِن ذلك عبد الله بن مالكِ الجيشانيَّ أبا تميم، ولم يَرحلْ إلى المدينة إلا في خلافةِ عُمر باتفاقٍ، وممَّن حكى هذا القولَ القرافيُّ في ((شرحِ التنقيحِ)). (١) في ((م): ((الأحمس)). (٣) (٢١١/٢) . (٢) ((السنن)) (١٥٤). (٤) ((التاريخ)) (١٨٧/١). (٥) ((الإصابة)) (٧/١) و((تحقيق منيف الرتبة)) للعلائي (ص: ٣٧). ٢٣٢ النوع التاسع والثلاثون وكذا مَن حُكِمَ بإسلامِه تَبَعًا لأبويه، وعليه عَملُ ابنِ عبدِ البرِّ وابنِ مَنده في كتابيهما . وشرطَ الماورديُّ في الصَّحابيِّ : أن يتخصَّصَ بالرسولِ ويتخصصَّ به الرسولُ اَلِّ . ثُمَّ تُعْرَفُ صُحْبَتُهُ بِالتَّواتُرِ ، أَو الاستِفَاضَةِ ، أو قَولِ صَحَابٌّ ، أَوْ قَوْلِهِ؛ إِذَا كَانَ عدْلًا . (ثم تُعرفُ صحبتُهُ) إِمَّا (بالتواترِ) كأبي بكرٍ، وعُمَرَ، وبقيةِ العشرةِ في خَلْقٍ منهم . (أو الاستفَاضَةِ) والشهرةِ القاصرِةِ عن التواترِ، كضمامٍ بنِ ثعلبةَ، وعكاشةَ بنِ محصنٍ . ( أو قولٍ صَحَابِيٍّ) عنه: أَنَّه صحابيٍّ، كحُمَمةَ بنِ أبي حُمَمةً الدوسيِّ، الذي مات بأصبهان مَبطونًا، فشهد له أبو موسى الأشعري أنه سمِع النبيَّ ◌َّ حكم له بالشهادةِ، ذكر ذلك أبو نُعيم في ((تاريخ أصبهان)) (١)، ورُوِّينا قصَّتُه في ((مسندِ الطيالسيِّ))، و((معجم الطبرانيِّ)) (٢). وزاد شيخُ الإسلام(٣) ابنُ حَجرٍ بَعدَ هذا: أنْ يُخبر آحادُ التابعين بأنَّه صحابيٌّ ؛ بناءً على قبولِ التزكيةِ مِن واحدٍ ، وهو الراجحُ . (١) ((أخبار أصبهان)) (١/ ٧١). (٢) ((مسند الطيالسي)) (٥٠٧)، و((المعجم الكبير)) للطبراني (٥٤/٤). (٣) ((الإصابة)) (٨/١). ٢٣٣ معرفة الصحابة (أو قوله) هو: ((أنا صحابيُّ)) (إذا كان عدلًاً) إذا أمكن ذلك، فإنٍ ادَّعاه بعدَ مائةٍ سَنةٍ مِن وفاتهِ نَِّ فإنَّه لا يُقبل، وإن ثبتتْ عدالتُه قبل ذلك؛ لقولهِ وَ﴿ في الحديث الصحيح: ((أَرَأَنْتَكُمْ ليلتكم هَذِهِ، فإنَّه عَلى رأسٍ مِائَةِ سَنةٍ لا يَبْقَى أَحَدٌ ممن عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ)) (١) - يريدُ انخرامَ ذلك القَرْنِ، قالَ ذلك سَنة وَفاته اَ لِهِ . وشرطَ الأُصوليون في قبوله : أنْ تُعرفَ معاصرتُه له . وفي أصل المسألةِ احتمالُ أنه لا يُصَدَّقُ؛ لكونِهِ مُتَّهمًا بدَغْوى رتبةٍ يُثبتُها لنَفْسه، وبهذا جزَم الآمديُّ ورجَّحه أبو الحسن ابنُ القطَّانِ . ● فائـدة : قالَ الذهبيُّ في ((الميزانِ)) (٢): رَتنُ الهنديُّ، وما أدراك ما رَتنُ! شيخٌ دجَّال بلا رَيب ، ظَهر بعد الستمائة، فادَّعى الصُحبةَ [والصَّحابة لا يَكْذِبون](٣)، وهذا جريٌ على اللَّهِ ورسولِهِ، وقد ألفتُ في أَمْرِه جُزءًا . الثَّانِي: الصَّحابةُ كلَّهم عُذُولٌ، مَنْ لابَسَ الفِتَنَ وغَيْرُهُم بِجْمَاعِ مَن يُعتَدُّ به. (الثاني : الصحابةُ كلُّهم عدولٌ، من لابسَ الفِتَنَ وغيرُهم بإجماعِ مَنْ يُعتدُّ به) . (١) أخرجه البخاري (٤٠/١)، ومسلم (١٨٦/٧، ١٨٧). (٢) (٤٥/٢) . (٣) زيادة من المطبوع و ((الميزان)).