النص المفهرس
صفحات 941-960
١٩٤ النوع الرابع والثلاثون · النَّوْعُ الرَّابعُ وَالثَّلاثُونَ : نَاسِخُ الحديثِ ومَنْسُوخُهُ وَهُوَ فَنَّ مُهِمٌّ صَغْبٌ، وَكَانَ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ يَدّ طُولَى، وسابِقةٌ أُولى. وَأَدْخَلَ فيه بعضُ أهلِ الحَديثِ ما لَيْسَ مِنْهُ، لِخَفَاءِ مَعْنَاهُ. (النوع الرابع والثلاثون: ناسخُ الحديثِ ومنسوخُهُ : وهو فنٌّ مهمٌّ) . فقد مرَّ عليٍّ على قاصِّ، فقال : تعرفُ الناسخَ مِنَ المنسوخ؟ فقال : لا ، فقال: هلكتَ وأهلكتَ، أسنده الحازميُّ في ((كتابه)) (١)، وأُسنَد نحوَه عنِ ابنِ عباسٍ (٢) . وأسنَد عن حُذيفَةً (٣)، أنه سُئل عن شيءٍ، فقال: إنما يُفتي مَن عرَفَ النَّاسخَ والمنسوخَ ، قالوا: ومَن يعرفُ ذلك؟ قال: عُمرُ. (صعبٌ) فقد رُوِّينا عنِ الزهريِّ قال: أعيا الفقهاءَ وأعْجَزَهم أنْ يعرِفُوا ناسخَ الحديثِ مِن مَنسوخِهِ (٤) . (١) ((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار)) (ص: ٦). (٢) ((الاعتبار)) (ص: ٧). (٤) انظر ((الاعتبار)) (ص: ٤). (٣) ((المصدر السابق)). ١٩٥ ناسخ الحديث ومنسوخه (وكان للشافعيِّ فيه يدّ طُولَى، وسابقةٌ أُولَى) فقد قالَ الإمامُ أحمدُ لابنٍ وَارَه وقد قَدِمَ مِن مِصر : كتبتَ كُتُبَ الشافعيِّ؟ قال: لا ، قال : فَرَّطْتَ، ما عَلمِنَا المجمَلَ والمُفسَّر(١)، ولا ناسخَ الحديثِ مِن مَنسوخِهِ حتَّى جَالَسْنا الشافعيَّ(٢) . (وأدخلَ فيه بعضُ أهلِ الحديثِ) ممَّن صنَّف فيه (مَا ليسَ منه؛ لِخِفَاءِ معناه) أي : النَّسخ وشَرطه . وَالمُخْتَارُ: أنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الشَّارِعِ حُكْمًا مِنْهُ مُتَقَدِّمًا بِحُكْمٍ مِنْهُ مُتأخٍّ . (والمختارُ) في حدِّه: (أَنَّ النسخَ: رفعُ الشارع حُكمًا منه متقدِّمًا بحكم منه مُتأخرٍ ) . فالمرادُ بـ((رفع الحُكم)) قطعُ تعلُّقِه عَن المُكلَّفين ، واحترزَ به عن بيانٍ المُجمَلِ ، وبإضافتِه (للشارع)) عن إخبارِ بعضٍ مَن شَاهَد النسخَ مِنَ الصَّحابةِ؛ فإنَّه لا يكون نَسْخًا، وإن لم يحصلِ التكليفُ به لمن لم يبلغه قَبل ذلك إلا بإخبارِه . وبـ((الحُكم)) عن رفع الإباحةِ الأصليةِ؛ فإنه لا يُسمَّى نَسخًا . وبـ((المتقدِّم)) (٣) عن التخصيص المتصلِ بالتكليفِ، كالاستثناءِ ونحوِه. (١) في ((ص)): ((من المفسر)). (٣) في ((ص)): ((وبالتقدم)). (٢) ((الاعتبار)) للحازمي (ص: ٥). ١٩٦ النوع الرابع والثلاثون سميبـ وبقولِنا: ((بحُكم منه مُتأخّر))، عن رَفع الحُكم بموتِ المكلّف، أو زوالٍ تکلیفه بجنونٍ ونحوه، وعن انتهاء الوقت . كقوله وَلِّر: ((إِنَّكُمْ لَاقُو العَدُوِّ غَدًا، والفِطْرُ أَقْوىُ لَكُم؛ فَأَفْطِرُوا))(١) ، فالصومُ بعدَ ذلك اليوم ليس نَسخًا . فَمِنْهُ: ما عُرِفَ بِتَصريحِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ: كـ((كُنْتُ نَهَيَتُكُمْ عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا)). وَمِنْهُ: مَا عُرِفَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ كـ(«كَانَ آَخِرَ الْأُمْرَينِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّةِ تَرْكُ الوُضُوءِ مَِّّا مَسَّتِ النَّارُ)) وَمِنْهُ: مَا عُرِفَ بِالتَّارِيخِ. وَمِنْهُ: مَا عُرِفَ بِدَلالَةِ الإِجْمَاعِ، كَحَدِيثٍ قَتْلِ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعةِ . وَالإِنْمَاعُ لا يُتْسِخُ، ولا يَنْسَخُ، وَلَكِنْ يَدُلُّ عَلَىُ نَاسِخِ . (فمنه: ما عُرِف) النَّسخُ فيه (بتصريح رسولِ اللهِ ﴿ ﴿) بذلك، (كـ((كنت نَهَيْتُكُمْ عَنِ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوها)، وكنتُ نهيتُكُم عنَ لحُومِ الأَضَاحي فوق ثلاثٍ، فَكُلوا ما بَدَا لَكُمْ، وكُنْتُ نَهِيتُكُم عَنِ الظَّرُوفِ)) الحديث، أخرجهُ مسلمٌ (٢) عن بُريدةً . (١) أخرجه: مسلم (١٤٤/٣) من حديث أبي سعيد (٢) ((الصحيح)) (٦٥/٣). ١٩٧ ناسخ الحديث ومنسوخه (ومنه : ما عُرِفَ بقولِ الصَّحَابي: كـ((كَانَ آخِرِ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسولِ اللهِ ونَ﴿ تَرْكُ الوُضُوءِ ممَّ مَسَّتِ النَّارُ))) رَواهُ أبو دَاودَ والنسائيُّ عن جابرٍ (١). وكقولٍ أُبيِّ بنِ كَعبٍ : كَانَ المَاءُ مِنَ الماءِ رُخْصَةً في أوَّلِ الإسلامِ ، ثُمَّ أُمِرَ بِالغُسْلِ ، رَواهُ أَبو دَاودَ والتِّرمذيُّ وصحَّحه(٢) . وَشَرَط أهلُ الأُصولِ في ذلك أنْ يُخبر بتأخُّرِهِ، فإن قال: ((هذا ناسخٌ)) لم يثبتْ به النسخُ ، لجوازٍ أن يقولَه عن اجتهادٍ . قال العراقي (٣): وإطلاقُ(٤) أهلِ الحديثِ أوضحُ وأشهرُ؛ لأنَّ النَّسْخَ لا يُصارُ إليه بالاجتهادِ والرأي، إنما يُصارُ إليهِ عِند معرفة التاريخ، والصحابةُ أَورِعُ مِن أن يَحِكُمَ أحدٌ منهم على حُكم شرعيٍّ بِنَسخِ ، مِن غيرِ أن يعرفَ تأخّر النَّاسِخِ عَنه، وقد أطلق الشافعيُّ ذلك أيضًا . (ومنه : ما عُرِفَ بالتاريخ) كحديثِ شدَّادِ بنِ أوسٍ مَرفوعًا: «أفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ))، رَواهُ أَبَو داودَ والنَّسائيُّ(٥) . ذكّر الشافعيُّ أنه منسوخٌ بحديثٍ ابنِ عباسِ: أنَّ النبيَّ رَِّ احْتَجَمَ وهُو (١) أخرجه أبو داود (١٩٢)، والنسائي (١٠٨/١). لكنه بهذا اللفظ معلول؛ كما بينته في ((الإرشادات)) (ص : ١٧٣ - ١٧٥). (٢) أخرجه أبو داود (٢١٤)، والترمذي (١١٠، ١١١) وقال: ((حديث حسن صحيح)). راجع: ((فتح الباري)) لابن رجب (٣٨٠/١ - ٣٨١ بتحقيقي). (٣) ((التبصرة)) (٢٩٢/٢). (٤) في ((ص)): ((قال القرافي: ويجوز إطلاق))، وهو خطأ، والكلام في ((شرح العراقي لألفیته)) (٢/ ٢٩٢) . (٥) أخرجه أبو داود (٢٣٦٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣١٣٨). ١٩٨ النوع الرابع والثلاثون مُحرِمٌ صائِمٌ. أخرجه مسلمٌ (١)، فإنَّ ابن عباسٍ إنَّما صَحِبِه مُحرمًا في حجة الوداعِ سَنة عَشرٍ، وفي بعض طُرقِ حديثٍ شداد : أنَّ ذَلِكَ كانَ زَمَنَ الفتْحِ، سَنةً ثمانٍ(٢). (ومنه : ما عُرِفَ بدلالةِ الإجماع ؛ كحديثِ : قتلٍ شَاربِ الخمْرِ في الرابعة) وهو ما رَواه أبو داود والترمذيُّ مِن حديثٍ مُعاويةَ: «مَن شَرِبَ الخمرَ فاجْلِدُوه، فإن عادَ في الرابعة فاقتلوه)) (٣) . قال المصنّفُ في ((شرحٍ مسلمٍ)): دلَّ الإجماعُ على نَسْخِهِ (٤). وإنْ كان ابنُ حزم خالف في ذلك، فخلافُ الظاهريةِ لا يَقدحُ في الإجماعِ . نَعَم ؛ ورَد نَسخُه في السُّنة أيضًا، كما قَال الترمذيُّ مِن روايةِ محمدٍ ابنِ إسحاقَ، عَن محمدِ بنِ المُنكَدر، عن جابرٍ: أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((إنْ شَرِبَ الخَمْرَ فاجْلِدُوه، فَإِنْ شَرِبَ فِي الرَّابعَةِ فَاقْتُلُوهُ))، ثُم أُتي النبيُّ ◌َّ بَعدَ ذلك برَجلٍ قد شَرِبَ في الرَّابعةِ فَضَرَبَهُ ولَم يَقْتُلُهُ . قال: وكذلك روى الزُّهريُّ عن قَبِيصَةَ بنِ ذُؤيبٍ، عَنِ النبيِّ ◌َِله . نحوَ هذا. قال : فرفع القَتل وكانتْ رُخصةً . انتهى (٥) . (١) ((الصحيح)) (٢٢/٤). (٢) كما عند أحمد (١٢٢/٤)، وابن حبان (٣٥٣٤)، وعبد الرزاق (٧٥٢١)، والبيهقي (٤/ ٢٦٧) . (٣) أخرجه أبو داود (٤٤٨٢)، والترمذي (١٤٤٤). (٤) (شرح النووي)) (٢١٧/١١). (٥) ((جامع الترمذي)) (٤٩/٤). ١٩٩ ناسخ الحديث ومنسوخه وما علَّقه الترمذيُّ، أسنَده البزَّارُ (١) في ((مسندِهِ)) . وقَبيصة ذكره ابنُ عبدِ البر في الصحابةِ، وقال: وُلد أوَّل سَنةٍ مِنَ الهِجْرةِ، وقيل : عام الفتح . فالمثالُ الصحيحُ لذلك: ما رواه الترمذيُّ(٢) مِن حديثٍ جابرٍ قال: كُنَّا إِذَا حَجَجْنَا مَعَ النَّبِّ ◌ََّ، فَكُنَّا نُلَبِي عَنِ النِّسَاءِ، ونَرْمِي عَنِ الصِّبْيانِ. قال الترمذيُّ : أجمعَ أهلُ العِلمِ أنَّ المرأةَ لا يُلِبِّي عنها غَيرُها . ثُم الحديثُ لا يُحكمُ عليه بالنَّسخِ بالإجماعِ على تَركِ العملِ به ، إلَّا إذا عُرف صِخَّته، وإلا فَيَحتمِلُ أنَّه غلطٌ، صرَّح به الصيرفيُّ . (والإجماعُ لا يُنسَخُ) أي: لا يَنسخه شيءٌ، (ولا يَنْسَخُ) هو غَيْرَهُ (ولكن يدلُّ على ناسخ) أي: على وجودٍ ناسخِ غيرِه(٣). (١) ((كشف الأستار)) (١٥٦٢). (٢) ((السنن)) (٩٢٧). (٣) راجع: ((فتح الباري)) لابن رجب (٨٧/٣ - ٨٨). ٢٠٠ النوع الخامس والثلاثون · النَّوْعُ الخَامِسُ وَالثَّلاثُونَ: مَعْرِفَةُ المُصَخَّفِ هُوَ فنٌّ جَلِيلٌ، إِنَّمَا يُحَقّقُهُ الْحُذَّاقُ، والدَّارَقُطْنِي مِنْهُم، ولَهُ فِيهِ تَصْنِيفٌ مُفِيدٌ. (النوع الخامسُ والثلاثون: معرفةُ المصَخَّفِ : هو فنٌّ جليلٌ) مُهمٌّ، (إنما يحققه الحذَّاقُ) مِنَ الحُفَّاظِ (والدَّار قطنيُّ منهم، وله فيه تصنيفٌ مفيدٌ) وكذلك أبو أحمدَ العَسكريُّ . وعن أحمدَ أنه قالَ : ومَن يعرَى عَنِ الخطإِ والتصحيفِ؟! ويَكُونُ تَصْحِيفَ لفظٍ وبَصَرِ فِي الإِسْنَادِ والمَتْنِ، فَمِنَ الإِسنَادِ: ((العَوَّامُ بنُ مُرَاجِم)» - بِالرَّاءِ والجِيم - صَحِّفَهُ ابنُ مَعِينٍ فَقَالَ بالزَّايٍ والحَاءِ . ومن الثَّانِي: حديثُ زيدِ بنِ ثَابِتٍ: ((أنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ احْتَجَرَ فِي المَسْجِدِ . أي: اتَّخَذَ حُجرَةً مِن حَصِيرٍ أو نَحْوِهِ يُصَلِّي فِيها ، صَحَّفَهُ ابنُ لَهَيعَةَ، فَقَالَ: ((احتَجَمَ))، وحديثُ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ ستَّا مِنْ شَوَّالٍ)) صَحَّفه الصُّولِيِّ فقالَ: ((شَيْئًا)) بالمُعجِمةِ. ٢٠١ معرفة المصحف (ويكونُ تصحيفَ لفظٍ) ويقابلُه تصحيفُ المعنى، (وبَصَرِ) ومقابلُه تصحيفُ السَّمعِ . ويكون (في الإسنادِ والمتنِ : فَمِنَ) التصحيفِ في (الإسنادِ ((العَوَّامُ بنُ مُراجِم))، بالرَّاءِ والجيمِ، صحَّفه ابنُ معينٍ فقالَ): ((مُزَاحمٌ)) (بالزاي والحاءِ). و ((عتبةُ بن النُّدَّر))، بالنون المضمومة والمهملةِ المشدَّدة المفتوحة، صحَّفه ابنُ جريرِ الطبري بالموحّدة والمُعجَمة . (ومن الثَّاني) أي : التصحيفُ في المتنِ : (حديثُ زيدِ بنِ ثابتٍ : أَنَّ النبيَّ ◌َِّ ((اخْتَجَرَ)) في المسجدِ) وهو بالرَّاءِ (أي: اتخذَ حجرةً مِن حصير أو نحوِه يصلي فيها(١) صحَّفَه ابنُ لهيعة) - بفتح اللَّم وكسرِ الهاءِ - (فقال : ((احتجَمَ))) بالميمِ . (وحديثُ : ((من صامَ رمضانَ، وأتبَعَهُ ستَّا من شؤَّال))) بالسِّين المهملة والتاء الفوقية - لفظُ العددِ - (صحَّفه الصُّولي فقال: ((شيئًا)) بالمعجمةِ) والتَّحتية . وحديثُ أبي ذرِ ((تُعِينُ صانِعًا)) بالمُهملة والنون، صحَّفه هشامُ بنُ عُروةَ بالمعجمة والتَّحتية . وحديثُ معاويةً: لعَنَ رسولُ اللَّه وَّل الذين يشققون الخطب، (١) في ((ص)، ((م)): ((عليها)) والصواب المثبت من المطبوع. ٢٠٢ النوع الخامس والثلاثون بالمعجمة، صحَّفه وكيعٌ بفتح المُهملةِ، وكذا صحَّفه ابنُ شاهين أيضًا ، فقال بعضُ الملَّاحين - وقد سمعه - : فكيفَ يا قومُ والحاجَةُ ماسَّةٌ؟! وحديثُ : ((أو شاة تَيْعَر))، بالياء التحتية، صحَّفه أبو موسى محمد بن المُثَنَّى بالنونِ . وصحَّف بعضُهم حديثَ: ((زُرْ غبًّا تَزْدَدْ حُبًّا)) فقال: زرْعُنا تَرَدَّدَ حِنَّا، ثم فسَّره بأنَّ قومًا كانوا لا يُؤدُّون زكاةَ زُروعِهم، فصارت كُلها حِنَّاء . ويكُونُ تصحيفَ سمع؛ كحديثٍ عَنْ ((عاصم الأحول)) رَوَاهُ بعضُهُم فقال: ((واصِل الأخدَب)). ويكُونُ في المعنَى: كَقَولِ مُحمَّدِ بنِ المُثَنَّى: نحنُ قومٌ لَنَا شَرَفٌ، نَحنُ من عنَزَةَ صَلَّى إِلَيْنَا رسولُ اللَّه ◌ِهِ. (ويكونُ تصحيفَ سمع) بأن يكونَ الاسمُ واللقبُ، أو الاسمُ واسمُ الأبِ، على وزنِ اسمٍ آخَر ولقبِهِ، أو اسم آخرَ واسم أبيهِ ، والحروفُ مُختلفةٌ شكلاً ونَقْطًا، فَيَشتبِه ذلك على السَّمعِ . ( كحديثٍ عن ((عاصم الأحولِ))، رواه بعضُهم فقال : واصل الأحدب) أو عَكْسه. وحديثٌ عن ((خالدِ بنِ عَلقمةَ))، رواه شُعبةُ فقالَ: ((مَالِكُ بنُ عُرفُطة)) . (ويكونُ) التصحيفُ (في المعنى، كقولِ) أبي مُوسى (محمدٍ بن المثنَّى) العَنزي الملقَّب بالزمن، أحد شيوخ الأئمةِ السِّتةِ : (نحن قومٌ لنا ٢٠٣ معرفة المصحف شرفٌ، نحنُ مِنْ عَنَزَةَ صلى إلينا رسولُ اللَّهِ وَلَ) يريدُ: أنَّ النبيَّ ◌ََّ صلَّى إلى عَنَزةٍ. فتوهَّم أنه صلَّى إلى قَبِيلتهم، وإنَّما («العنزةُ)) هُنا: الحربةُ تُنْصَبُ بينَ یدیه . وأعجبُ مِن ذلك ما ذكّره الحاكمُ، عَن أعرابيٍّ أنَّه زعَمَ أنَّه ◌َلّهِ صلَّى إلى شاةٍ، صحَّفها ((عَنْزَةً)) - بسُكون النُّونِ - ثُم رواه، بالمعنى على وَهْمِه، فأخطأَ مِن وَجهين . ومِن ذلك: أنَّ بعضَهم سمعَ حديثَ الثَّهي عن التحليقِ يوم الجُمعةِ قَبل الصلاةِ ، قال : ما حلَقتُ رَأْسي قَبل الصلاةِ مُنذُ أربعين سنة ، فَهِمَ مِنه تحليق الرأس، وإنَّما المرادُ تحليقُ الناسِ حِلَقًا . قال ابنُ الصلاح: وكثيرٌ مِنَ التصحيفِ المنقولِ عَنِ الأكابرِ الجلَّةِ ، لَهُمْ فيه أعذارٌ لم يَثْقُلْهَا ناقِلُوه (١). • تنبية: قسَّمَ شيخُ الإسلامِ (٢) هذا النوعَ إلى قسمين: أحدهما: ما غُيِّر فيه النَّقْطُ، فهو المصُحَّف. والآخر: ما غُيِّر فيه الشَّكْل مع بقاءِ الحُروف، فهو المُحرَّف(٣). (١) راجع: ((الإرشادات)) (ص: ١٧٧ - ٢١٨). (٢) ((نزهة النظر)) (ص: ١٢٧، ١٢٨). (٣) قال الشيخ أحمد شاكر في ((شرح ألفية السيوطي)) (ص: ٢٠٣ - ٢٠٤): ((هو اصطلاح جديد، وأما المتقدمون فإن عبارتهم يفهم منها أن الكلَّ يُسمَّى بالاسمین)) . ٢٠٤ النوع الخامس والثلاثون ● فائـدة : أَوردَ الدَّارِقُطْنِيُّ في كتاب «التصحيفِ)» كلَّ تصحيفٍ وقعَ للعُلماءِ ، حتَّى في القُرآنِ . مِن ذلِك: ما رَواه أنَّ عثمان بن أَبِي شَيبة، قرأ على أصحابِهِ في التفسيرِ: ((جعَل السفينةَ في رَحْلِ أَخيهِ))، فقيل له: إنما هو ﴿جَعَلَ السّقَايَةَ﴾ [يوسف: ٧٠]، فقال: أنا وأخي أبو بكر لا نَقْرأُ لعاصم . قال: وقَرأ عليهم في التفسيرِ : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبٍ اٌلْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]، قالها: ((أ ل م)) يعني: كأَوَّلِ البقرةِ". فعل ذلك الذهبي في «الميزان)» (٥٠/٥)، وقال ومكتُ: لعله سبق لسان، وإلا فقطعاً كان نقدا سورة المثل، وهذا تفسيره قد جمله التاسسي منه)). ٢٠٥ معرفة مختلف الحديث ، وحكمه النَّوْعُ السَّادِسُ وَالثَّلاثُونَ : مَعْرفةُ مُخْتَلِفِ الحديثِ ، وحُكْمُهُ هَذَا مِنْ أَهَمِّ الأنْوَاعِ، ويُضْطَرُّ إِلَى معرفَتِهِ جَمِيعُ العُلَمَاءِ مِنَ الطَّوائِفِ . وَهُوَ أَنْ يَأتِيَ حَدِيثَانِ مُتَضَادَّانِ فِي الْمَعْنَى ظَاهِرًا، فَيُوَفَّقَ بَيْنَهُمَا أَوْ يُرَجَّحَ أَحَدُهُمَا. وَإِنَّما يَكْمُلُ لَهُ الْأَئِمَّةُ الْجَامِعُونَ بِينَ الَحَديثِ والفِقْهِ، والأصوليُّونَ الغوَّاصُونَ عَلَى المَعَانِي. وصَنَّفَ فيه ((الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ))، ولَمْ يَقْصِدْ رَظْتُ اسْتِيفاءَهُ، بلْ ذَكَرَ بُملةً يُنَبِّهُ بِهَا عَلَى طريقِهِ، ثُمَّ صَنَّفَ فيهِ ((ابنُ قُتَيْبَةَ))، فَأَتَّى فِيهِ بِأَشْيَاءَ حَسَنَّةٍ وَأَشْيَاءَ غَيْرِ حَسَنَةٍ ؛ لِكَوْنِ غيرِهَا أَوْلَى وأقْوَىُ، وَتَرَكَ مُعْظَمَ المُخْتَلفِ ، وَمَنْ جَمَعَ مَا ذَكَرْنَا لا يُشْكِلُ عَلَيْهِ إلا النَّادِرُ فِي الأخيَانِ . (النوعُ السادس والثلاثون : معرفةُ مختلفِ الحديثِ، وحُكمُهُ : هذا مِن أهمِّ الأنواعِ، ويُضطرُّ إلى معرفتِه جميعُ العلماء مِنَ الطَّوائفِ . وهو: أن يأتي حَدِيثان مُتضادَّانَ في المعنى ظاهرًا، فيوفَّق بينهما، أو يُرجَّح أحدهما). فيعملَ به دُون الآخِرِ . ٢٠٦ النوع السادس والثلاثون (وإنما يكمُلُ له الأئمةُ الجامعون بين الحديثِ والفقهِ، والأصوليون الغَوَّاصُون على المعاني) الدقيقةِ . (وصنَّف فيه ((الإمامُ الشَّافِعِيُّ))) كَُ، وهو أَوَّلُ مَن تكلّم فيه، (ولم يقصد رَُّ استيفاءَه) ولا أفرده بالتأليفِ، (بل ذكرَ جملةً) منه في كتاب ((الأمّ))(١) (يُنَبِّه بها على طريقِهِ) أي : الجمع في ذلك. (ثم صنّف فيه ابنُ قتيبةً، فأتى فيه بأشياءَ حسنةٍ ، وأشياءَ غير حَسَنةٍ) قَصُرَ فيها باعه، (لكون غيرِها أَوْلَى وأقْوَى) مِنها، (وتَرَكَ معظَمَ المختلِفِ) . ثم صنّف في ذلك ابنُ جريرٍ، والطحاويُّ كتابه «مُشْكلُ الآثار)). وكان ابنُ خزيمةَ مِن أحسنِ الناسِ كَلامًا فيه، حتى قال: لا أعرفُ حديثين مُتضادّين، فمن كان عنده فليأتِني به لأُؤَلف بينهما (٢) . (ومَنْ جَمَعَ ما ذكرنا) من الحديث، والفقهِ، والأُصولِ، والغوصِ على المعاني الدقيقةِ (لا يُشكِّلُ عليه) مِن ذلك (إلا النادرُ في الأحيان) . وَالمُخْتَلِفُ قِسْمَانِ : أَحَدُهما: يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ فَيَتَعيَّنُ ويَجِبُ العَمَلُ بِهِمَا. (١) وهو كتاب ((اختلاف الحديث))، فهو جزء من كتاب ((الأم)). انظر: ((شرح العراقي لألفيته)» (٣٠٢/١). (٢) ((الكفاية)) (ص: ٦٠٦). .. popm ٢٠٧ معرفة مختلف الحديث ، وحكمه وَالثَّانِي: لا يُمْكِنُ بِوَجْهٍ؛ فَإِنْ عَلِمْنَا أَحَدَهُمَا نَاسِخًا قَدَّمْنَاهُ، وإِلا عَمِلْنَا بالرَّاجِحِ، كالتَّرْجِيحِ بِصِفَاتِ الرُّواةِ وَكَثْرَتِهِمْ؛ في ◌َمَسِينَ وَجْهًا . (والمختلف قسمانِ : أحدُهما : يمكنُ الجمعُ بينهما) بوجهٍ صحيحٍ، (فيتعيَّنُ) ولا يُصارُ إلى التعارضٍ، ولا النسخِ، (ويجبُ العملُ بهما) . ومِن أمثلةِ ذلك في أحاديثِ الأَحكام : حديثُ : ((إِذَا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ)) (١) . وحديثُ: «خَلَقَ اللَّهُ الماءَ طَهُورًا لا يُنَجِّسُهُ [شيءٌ] (٢)، إلَّا ما غَيَّرَ طَعْمَهُ أو لَوْنَهُ أو رِيحَهُ))(٣) . فإنَّ الأوَّلَ ظاهرهُ طهارةُ القُلَّتين، تغيَّر أم لا ، والثاني ظاهرُه طهارةُ غيرِ المتغيِّر، سواءٌ كان قُلَّتَينِ أم أقلّ، فَخُصَّ عمومُ كلِّ مِنهما بالآخَرِ . وفي غيرِها: حديثُ : ((لا يُورِد مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحّ)) (٤)، و((فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ)) (٥)، مع حديث: ((لا عَذْوَىُ، ولا طيرة)) (٦) ، وكلُّها صَحيحٌ . (١) أخرجه ابن ماجه (٥١٧). (٢) ليس في ((م)). (٣) أخرجه ابن ماجه (٥٢١) بنحوه . (٤) أخرجه البخاري (١٧٩/٧)، ومسلم (٧/ ٣٢). (٥) أخرجه أحمد (٤٤٣/٢) . (٦) أخرجه البخاري (١٧٤/٧)، ومسلم (٣٢/٧). ٢٠٨ النوع السادس والثلاثون وقد سلَك الناسُ في الجمع مَسالكَ : أحدها: أنَّ هذه الأمراضَ لا تُعْدِي بطَبْعها، لكنَّ اللَّه تعالى جعلَ مخالطةَ المريضِ بها للصحيح سَبًا لإعدائِهِ مَرَضه، وقد يتخلّف ذلك عن سَببه، كما في غَيرِهِ مِنَ الأسبابِ . وهذا المَسْلَكُ هو الذي سَلَكه ابنُ الصَّلاحِ(١). الثاني : أنَّ نَفيَ العَذْوَىُ باقٍ على عُمومهِ ، والأمرُ بالفرارِ مِن بابِ سدٌ الذرائع؛ لِئلا يتّفقَ للذي يُخالطُه شيء مِن ذلك بتقديرِ اللَّه تعالى - ابتداءً لا بالعَدْوىُ المَنْفِيَّةِ - فَيظن أنَّ ذلك بسببِ مُخالطتِه، فيعتقد صِحَّةً العَدْوى، فيقع في الحَرجِ، فأمر بتجنُبهِ حَسمًا للمادّةِ . وهذا المَسلكُ هو الذي اخْتَارِه شيخُ الإسلامِ . الثالث : أنَّ إثباتَ العَدْوى في الجُذَامِ ونحوِهِ مخصوصٌ مِن عُموم نَفْي العدَوى، فيكون معنى قوله: ((لا عَذْوى)) أي: إلَّا مِنَ الجُذَام ونحوِهِ، فكأنّه قال: لا يُعدي شيء شيئًا إلَّا فيما تقدَّم تبييني له أنَّه يُعدي . قالَه القاضي أبو بكر الباقلاني . الرابع: أنَّ الأمرَ بالفرارِ رعايةٌ لخاطرِ المَجذوم؛ لأنَّه إذا رأى الصحيحَ تَعْظُمُ مُصيبتُه وتزدادُ حَسْرتُه، ويؤيِّدُه: حديثُ : ((لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلى المَجْذُومِينَ)) (٢) فإنَّه محمولٌ على هذا المعنى . (١) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٨٥). (٢) أخرجه ابن ماجه (٣٥٤٣). ٢٠٩ معرفة مختلف الحديث ، وحكمه وفيه مسالكُ أُخْرُ . (و) القِسْمُ (الثّاني: لا يمكنُ) الجمعُ بينهما (بوجه؛ فإن عَلمنَا أحدهما ناسخًا) بطريقٍ ممَّ سَبَقَ (قدَّمناه، وإلا عملنا بالرَّاجحِ) مِنهما ( كالترجيحِ بصفاتِ الرُّواةِ) أي: كَون رُواةِ أحدِهما أَتَقْنَ وأَحفظَ ، أو نحو ذلك ممَّا سَيُذكَرُ، (وكثرتِهِم) في أحدِ الحدِيثين (في خمسين وجهًا) مِنَ المُرجِّحاتِ، ذكّرها الحازمي في كتابه ((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ)) (١)، ووصلها غيرُه إلى أكثرَ مِن مائةٍ، كما استوفى ذلك العراقيُّ في ((نُکَتِهِ))(٢) . • وقد رأيتُها منقسمةً إلى سبعة أقسامٍ: الأول : الترجيحُ بحالِ الراوي، وذلك بِوُجوهٍ : أحدها : كثرةُ الرواةِ ، كما ذكر المُصنّفُ ؛ لأنَّ احتمالَ الكذبِ والوهْمِ على الأكثر أَبعدُ مِنِ احتمالِه على الأقلِّ. ثانيها: قِلَّةُ الوَسَائطِ ، أي: عُلوُ الإسنادِ، حيثُ الرجال ثقاتٌ؛ لأنَّ احتمالَ الكذبِ والوهم فيه أقلُّ . ثالثها : فِقْهُ الرَّاوي، سواءٌ كانَ الحديثُ مرويًّا بالمعنى أو اللَّفظِ ؛ لأنَّ الفقيهَ إذا سَمِع ما يمتنعُ حَمَلُه على ظاهرِهِ بَحثَ عنه، حتَّى يطلعَ على ما يزولُ به الإشكالُ، بخلافِ العامّي(٣) . (١) (ص : ١٥ - ٤٠) . (٣) في ((ص)): ((العابد)). (٢) (التقييد)) (ص: ٢٨٦ - ٢٨٩). ٢١٠ النوع السادس والثلاثون رابعها : عِلْمُهُ بالنَّحوِ؛ لأنَّ العالمَ به يَتَمكَّنُ مِن التَّحفظِ عن مواقع الزَّلَلِ، ممَّا لا يتمكَّنُ منه غيرُه . خامسها : عِلْمُهُ بِاللُّغةِ . سادسها : حِفْظُهُ، بخلافِ مَن يعتمدُ عَلى كتابِهِ . سابعها: أَفْضَلِيَّتُه في أحدِ الثلاثةِ ، بأنْ يكونَا فقيهَيْن، أو نَحْوِيَّيْن، أو حافظَيْن، وأحدهما في ذلك أفضلُ مِن الآخرِ . ثامنها : زيادةُ ضَبطهِ ، أي : اعتناؤُه بالحديثِ واهتمامُه به . تاسعها : شُهرتُه ؛ لأنَّ الشهرةَ تمنعُ الشخصَ مِنَ الكذب ، كما تَمنعهُ مِن ذلك التقوى . عاشرها إلى العشرين: كونُه وَرِعًا، أو حَسنَ الاعتقادِ - أي: غير مبتدع -، أو جليسًا لأهلِ الحديثِ أو غيرهم مِنَ العُلماءِ، أو أكثرَ مجالسةً لهم، أو ذكرًا، أو حُرًّا، أو مشهورَ النَّسَبِ، أو لا لَبْسَ في اسمهِ بحيث يُشاركه فيه ضعيفٌ وصَعُبَ التمييزُ بينهما، أو له اسم واحد ، ولذاك أكثر أو لم يختلط ، أو له كتابٌ يرجع إليه . حادي عشرينها: أنْ تثبتَ عدالتُه بالاختبار(١)، بخلافِ مَن تثبتُ بالتزكية، أو العملِ بروايتهِ، أو الروايةِ عنه إنْ قُلْنا بِهِمَا . ثاني عشرينها إلى سابع عشرينها : أنْ يعملَ بخبرِهِ مَن زكَّاه، ومعارضه (١) في ((ص)): ((بالاختيار)). ٠٠٠ ٢١١ معرفة مختلف الحديث ، وحكمه لم يعملْ به مَن زَّاه، أو يُتَّفقَ على عدالتِه، أو يذكرَ سببُ تعديلِه، أو يكثرَ مُزَكُوه، أو يكونوا عُلماء، أو كَثيري الفَحصِ عن أحوالِ الناسِ . ثامن عشرينها : أنْ يكونَ صاحبَ القصةِ ، كتقديم خبر أَمِّ سَلمةَ زوجٍ النبيِّ نََّ فِي الصَّوم لِمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، عَلى خبرِ الفضلِ بنِ العِبَّاسِ في مَنْعِهِ ؛ لأنَّها أعلمُ منه . تاسع عشرينها : أن يُباشِرَ ما رواه . الثلاثون : تأخّر إِسْلامِهِ . وقيل عَكْسُه، لقوةٍ أصالةِ المتقدِّم ومعرفتهِ . وقيل : إنْ تأخّرَ موتُه إلى إسلام المتأخّرِ لم يرجح بالتأخيرِ ، لاحتمالٍ تأخّرٍ روايتِهِ عنه، وإن تقدَّم أو علم أنَّ أكثرَ رواياتِه متقدّمٌ على روايةٍ المتأخرِ، رجع . الحادي والثلاثون إلى الأربعين: كَونه أحسن سِياقًا واستقصاءً لحديثهِ، أو أقربَ مكانًا، أو أكثرَ ملازمةً لشيخِه، أو سمعَ مِن مشايخٍ بلدِه، أو مُشافِهَا مُشاهِدًا لشيخِه حالَ الأخذِ ، أو لا يجيزُ الروايةَ بالمعنى، أو الصحابيُّ مِن أكابرِهم، أو عليٍّ وهو في الأقضيةِ، أو معاذٌ وهو في الحَلالِ والحرام، أو زيدٌ وهو في الفرائضِ، أو الإسنادُ حجازيٍّ، أو رواتُه مِن بلدٍ لا يَرْضُون التدليسَ . القسم الثاني : الترجيحُ بالتَّحمُّلِ ، وذلك بوجوهٍ : ... ٢١٢ النوع السادس والثلاثون أحدها : الوقتُ، فيرجح من لم يتحمَّل الحديثَ إلا بعدَ البلوغ على مَن كان بعضُ تحمُّلِهِ قَبله و بعضُه بَعده ؛ لاحتمالٍ أنْ يكونَ هذا مما قَبْله ، والمتحمل بعدَه أقوىُ لتأهُّله بالضبط(١). ثانيها وثالثها: أن يتحمَّل تحديثًا والآخر عَرْضًا، أوعَرْضًا والآخر كِتابةً أو مناولةً أو وِجَادةً . القسم الثالث : الترجيحُ بكيفيةِ الروايةِ ، وذلك بوجوهٍ : أحدها : تقديمُ المحكيِّ بلفظهِ على المحكيِّ بمعناه، والمشكوكِ فيه على ما عُرف أنه مرويّ بالمعنى . ثانيها : ما ذُكر فيه سببُ ورودِه، على ما لم يذكر فيه؛ لدلالته على اهتمامِ الراوي به، حيثُ عَرَفَ سبَّبَه . ثالثها : أنْ لا يُنكرَه راويه ولا يتردَّدَ فيه . رابعها إلى عاشرها : أنْ تكونَ ألفاظُه دالةً على الاتصالِ، كـ((حدثنا)) و((سمعت))، أو اتفق على رَفعِه، أو وَصله، أو لم يُختَلف في إسنادِه، أو لم يضطرب لَفُه، أو روي بالإسنادِ وعُزِي ذاك لكتابٍ معروفٍ ، أو عزيزٌ والآخرُ مشهورٌ . القسم الرابع : الترجيحُ بوقتِ الورودِ، وذلك بوُجوهِ : أحدها وثانيها : بتقديم المدنيِّ على المكِّيِّ، والدالِ على عُلوّ شأنٍ (١) في ((ص)): ((للضبط)). ٢١٣ معرفة مختلف الحديث ، وحكمه المصطفىْ وَلَ﴿، على الدالُ على الضعفِ، كـ«بَدَأْ الإِسْلَامُ غَرِيبًا))(١) ثُم شُهرتُه، فيكونُ الدال على العلوِّ مُتأخّرًا . ثالثها: ترجيحُ المتضمنِ للتخفيفِ، لِدلالِهِ على التأخّرِ (٢)؛ لأنَّه ◌َّهُ كان يُغَلِّظُ في أوَّل أمرِهِ زَجْرًا عن عاداتِ الجاهليةِ، ثُم مَالَ للتخفيف . كذلك قال صاحبُ ((الحاصل))، و((المنهاج))، ورجّح الآمديُّ وابنُ الحاجب وغيرُهما عَكسه، وهو تقديمُ المتضمنِ للتغليظِ، وهو الحقُّ ، لأَنَّه وَِّ جَاء أولًا بالإسلام فقَط، ثم شُرِعَتِ العباداتُ شيئًا فشيئًا . رابعها : ترجيحُ ما تحُمِّلَ بعدَ الإسلامِ على ما تُحمِّلَ قبله، أو شكَّ أنَّه أظهر تأخّرًا . خامسها وسادسها : ترجيحُ غيرِ المؤرَّخِ على المؤرِّخ بتاريخِ مُتقدمٍ ، وترجيحُ المؤرَّخِ بِمُقَاربٍ لوفاتِهِ نََّ على غيرِ المؤرَّخِ . قال الرازي: والترجيحُ بهذه السِّتة - أي : إفادتُها للرُّجْحان - غيرُ قَوَّیةٍ . القسم الخامس : الترجيحُ بلفظ الخبرِ، وذلك بوجوهٍ : أحدها إلى الخامس والثلاثين : ترجيحُ الخاصِّ على العامِّ، والعامِّ الذي لم يُخْصَّصْ على المُخصَّصِ ؛ لضعفِ دِلالتهِ بعدَ التخصيصِ على بَاقي أفرادِه، والمُطْلَقِ على ما وَرَدَ على سببٍ، والحقيقةِ على المجَازِ، (١) أخرجه مسلم (١/ ٩٠). (٢) في ((ص)) و((م)): ((المتأخر)) .