النص المفهرس

صفحات 861-880

١١٤
النوع السابع والعشرون
(وإذا فَرَغَ الإملاءُ قابَلَهُ وأَثْقَنَهُ)، لإصلاح ما فسدَ منهِ بِزَيغ القَلمِ وطُغيانِهِ ،
وفيهِ حديثُ زيدِ بنِ ثابتٍ رَفيَ السابقُ في فرعِ المُقابلةِ .
قال العراقيُّ (١): وقد رخّص ابنُ الصلاح هُناك في الروايةِ بدُونها
بشُروطٍ ثلاثةٍ، ولم يذكُرْ ذلك هُنا فيحتملُ أنْ يُحمل هذا على ما تقدَّمَ،
ويحتمل الفَرْقُ بين النسخ من أصلِ السماعِ والنسخ من إملاءِ الشيخِ
حِفظًا؛ لأنَّ الحفظَ خوَّانٌ .
قال: ولكنَّ المقابلةَ للإملاءِ أيضًا إنما هي مَعَ الشيخ أيضًا مِن حفْظِهِ ،
لا عَلی أُصولِهِ .
قلت : جَرَتْ عادتُنا بتخريجِ الإملاءِ وتحريرِهِ في كَرَّاسةٍ، ثُم نُملي
حِفظًا، وإذا نَجَزَ قابَلهُ المملي مَعنا على الأصلِ الذي حرَّرْناه، وذلك غايةٌ
الإتقانِ .
وقد كان الإملاءُ دَرَسَ بعد ابنِ الصلاحِ إلى أواخِرِ أيام الحافظِ أبي
الفَضْلِ العراقيِّ، فافْتتحه سَنة ستُّ وتسعينَ وسبعمائة فأملى أربعمائةٍ
مجلسٍ وبضعةَ عشرَ مجلسًا إلى سنةِ موتِهِ سنة ستٍّ وثمانمائة، ثم أملى
ولدُهُ إلى أنْ ماتَ سنة سِتِّ وعشرين ستمائة(٢) مجلسٍ وكَشْرًا.
ثم أملى شيخُ الإسلامِ ابنُ حجَرٍ إلى أن مَاتَ سَنة ثِنتين وخمسين أَكْثَرَ
مِن ألفِ مجلسٍ، ثُم درسَ تِسِعَ عَشرَة سنةٌ، فافتتحتُهُ أوَّل سنة ثنتين
وسبعين، فأمليتُ ثمانين مجلسًا، ثم خمسين أُخرى .
(١) ((التبصرة)) (٢٢٢/٢ - ٢٢٣).
(٢) في ((ص)): ((وستمائة)) بزيادة الواو ؛ خطأ .

١١٥
معرفة آداب المحدث
ويَنبغي أن لا يملي في الأسبوع إلا يومًا واحدًا؛ لحديثٍ
الشيخين(١)، عن أبي وائلٍ قال: كان ابنُ مسعودٍ يذكِّرُ الناسَ في كلِّ
يومٍ خَميسٍ، فقال له رجلٌ : لَوَدِدْنا أَنَّك ذَكَّرتنا كلَّ يومٍ، فقال : أما إنَّه ما
يَمنعني من ذلك إلا أني أكره أن أُمِلَّكُم، وإني أتخوَّلُكُمْ بالموعظةِ كما كانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَله يتخوَّلُنا بالموعِظَةِ مخافةَ السآمةِ علينا .
وروى البخاريُّ (٢)، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: حدِّث الناسَ
كلَّ جمعةٍ مرةً، فإن أبيتَ فَمَرَّتَين، فإنْ أكثرتَ فثلاثَ مرارٍ ، ولا تمل
الناسَ هذا القرآنَ ، ولا تأتِ القومَ وهُم في حديثٍ فتقطعَ عليهم حَديثَهم ،
ولكنْ أَنْصِتْ، فإن(٣) أمروكَ فحدِّثهم، وهُم يَشْتهونَه .
ولم أظفرْ لأحدٍ بتعيين يوم الإملاءِ ولا وقتِهِ، إلا أنَّ غالب الحقَّاظِ
كابنِ عساكرَ، وابنِ السمعاني، والخطيبِ كانوا يُمْلونَ يومَ الجمعةِ بعدَ
صلاتِها ، فتبعتُهم في ذلك .
وقد ظفرتُ بحديثٍ يدلُّ على استحبابِهِ بعد عصرٍ يوم الجمعةِ، وهو
ما أخرجه البيهقيُّ في ((الشّعب)) (٤) عن أنسٍ مرفوعًا: ((من صلَّى العَصْرَ،
ثمَّ جلسَ يُملي خيرًا حتَّى يُمْسي، كان أفضَلَ مِمَّنُ(٥) أعتقَ ثمانيةً مِنْ وَلَدٍ
.(٦).
إسماعيلَ(٦))) .
(١) أخرجه: البخاري (٢٧/١)، ومسلم (١٤٢/٨).
(٢) ((الصحيح)) (٩١/٨).
(٣) في (ص)): ((فإذا)).
(٤) (١ / ٤١٠ ) .
(٥) في ((ص)): ((من أن)).
(٦) ليس في الحديث أنه يوم الجمعة، والحديث غير صحيح .
-----

١١٦
النوع الثامن والعشرون
النوع الثامن والعشرون :
مَعرِفَةُ آدَابٍ طَلبِ الحَدِيثِ
قَد تَقَدَّمَ مِنْهُ جُمَلٌ مُتَفَرَّقَةٌ، وَيَجِبُ عَليهِ تَصحِيحُ النِّيَّةِ،
وَالإِخْلَاصُ للَّهِ تَعَالى فِي طَلَبِهِ، وَالحَذَرُ مِنَ التَّوصُّلِ بِهِ إِلَى
أَغْرَاضِ الدُّنيَا، وَلْيَسْأَلِ اللَّه تَعَالَى التَّوفِيقَ، وَالتَّسدِيدَ،
وَالتَّيسِيرَ، وَلْيستَعمِلِ الأخلاقَ الْجَمِيلَةَ وَالآدَابَ، ثُمَّ لْيُفرِغُ
جُهدَهُ فِي تَحَصِيلِهِ، وَغتَنِمْ إِمكَانَهُ.
(النَّوعُ الثامنُ والعشرون: معرفةُ آدابٍ طلبٍ(١) الحديثِ، قد تقدَّم منه
جُمَلٌ متفرقةٌ، ويجبُ عليه تصحيحُ النّيةِ، والإخلاصُ للَّه تعالى في
طلبِهِ، والحذَرُ من التَّوصُّلِ به إلى أغراضِ الدُّنيا).
فقد روى أبو داودَ وابنُ ماجه (٢) مِن حديثٍ أبي هُريرة قال: قالَ
رسولُ اللَّهِ وَرَ: ((مَن تعلَّم عِلمًا ممَّا يُبْتَغى به وَجْه اللَّهِ تعالَى لا يَتَعَلَّمُهُ إلا
لِيُصيبَ به عَرضًا من الدُّنيا، لمْ يَجِدْ عَزْفَ الجَنَّةِ يومَ القيامَةِ)) .
وقال حمادُ بنُ سَلمةَ(٣): مَن طَلَبَ الحديثَ لغيرِ اللَّهِ مکرَ بهِ .
(١) في (ابن الصلاح)): ((طالب)).
(٢) أخرجه: أبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٥٢).
(٣) ((الجامع)) للخطيب (٨٤/١ - ٨٥)، و((تهذيب الكمال)) (٢٦٦/٧).
:

١١٧
معرفة آداب طلب الحديث
وقال سُفيانُ الثوريُّ (١): ما أَعْلَمُ عَملًا هُوَ أفضلُ مِن طلبِ الحديثِ
لِمَنْ أرادَ اللَّه .
قال ابنُ الصلاح(٢): ومِن أقربِ الوجوهِ في إصلاح النّةِ فيهِ ، ما روینا
عن أبي عَمرِو بن نُجيدٍ أَنَّه سألَ أبا جَعفر بن حمدَان، وكانا عَبْدینِ
صالحين، فقال له : بأيّ نيةٍ أَكْتُبُ الحديثَ؟ فقالَ: أَلَستُم تَرَون أنَّ عند
ذِكْرِ الصالحين تَنزلُ الرحمةُ؟ قال: نعم، قال: فَرَسُولُ اللَّهِ نَِّ رأسُ
الصَّالِحین .
(وليسأل اللَّه تعالى التَّوفِيق، والتَّسدِيدَ) لذلك، (والتَّيْسِيرَ)، والإعانةَ
عليه، (وليستعمل الأخلاقَ الجَمِيلَةَ والآدَابَ) الرضية .
فقد قال أبو عاصم النبيلُ(٣): مَن طلبَ هذا الحديثَ فقد طلبَ أعلى
أمورِ الدِّين، فيجبُ أنْ يكونَ خيرَ الناسِ .
(ثم لْيَفرِغُ جَهْدَهُ في تحصيلِهِ، ويَغْتَنِم إمكانه) .
ففي ((صحيح مسلم)) (٤) مِن حديثٍ أبي هُريرة مَرفوعًا: ((احرص على
ما يَنْفَعُكَ واستَعنْ بِاللَّهِ ولا تَعْجزْ)) .
وقال يحيى بنُ أبي كَثيرِ (٥): لا يُنالُ العلمُ براحةِ الجِسْمِ .
وقال الشافعيُّ (٦) : لا يَطلبُ هذا العِلمَ مَن يطلبُهُ بالتملُّلِ وغِنَى النفسِ
(١) ((المحدث الفاصل)) (ص: ١٨٢).
(٣) ((الجامع)) (٧٨/١).
(٥) ((صحيح مسلم)) (١٠٥/٢).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٥٠).
(٤) (٨/ ٥٦) .
(٦) ((الحلية)) (١١٩/٩ - ١٢٠).

١١٨
النوع الثامن والعشرون
فَيَفْلِحُ ، ولكن مَن طَلَبِهِ بِذِلَّةِ النَّفْسِ ، وضيقِ العيشِ، وخدمةِ العِلمِ، أَفْلَحَ .
وَيَبْدَأُ بِالسَّمَاعِ مِن أَرْجَحِ شُيُوخِ بَلَدِهِ إِسْنَادًا، وَعِلمًا، وشُهِرَةً ،
وَدِينًا، وَغَيْرَهُ، فَإِذَا فَرَغَ مِن مُهِمَّاتِهِمْ فَلْيَرْحَلْ عَلَى عَادَةِ
الْحُفَّاظِ المُبَرِزِينَ، وَلَا يجِمِلَنَّهُ الشَّرَهُ عَلَى التَّسَاهُلِ فِي
التَّحَمُّلِ؛ فَيُخِلَّ بِشَيءٍ مِن شُرُوطِهِ .
(ويبدأُ بالسماع من أرجح شُيوخٍ بَلَدِهِ إسنادًا، وعلمًا، وشهرةً، ودِينًا
وغيرَه) إلى أنْ يفرغَ منهم، ويبدأ بأفرادِهم فمن تفرَّدَ بشيءٍ أخذه عنه
أوَّلًا ، (فإذا فَرَغَ مِن مُهِمَّاتهم) وسماعٍ عَوالِيهم، (فَلَيَرْحَل) إلى سائرٍ
البُلدانِ (على عَادَةِ الحفّاظِ المبرزينَ) وَلا يَرحَلُ قَبَلَ ذلك .
قال الخطيبُ (١) : فإنَّ المقصودَ بالرحلةِ أمران :
أحدهما : تحصيلُ عُلوِّ الإسنادِ، وقِدَمِ السماعِ .
والثاني : لقاءُ الحُفَّاظِ ، والمُذاكَرةُ لهم، والاستفادةُ منهم .
فإذا كان الأَمْران مَوجودَيْن في بلدِهِ ومعدومَيْن في غيرِهِ ، فلا فائدةً في
الرِّحلةِ، أو موجودين في كلِّ مُنهما، فليحَصِّل حديثَ بلدِهِ ثُمَّ يرحَل .
قال: وإذا عَزَمَ على الرِّحلةِ، فلا يتركُ أحدًا في بلدِهِ مِن الرُّواةِ إلا
ويكتُبُ عنه ما تيسَّرَ مِن الأحاديثِ، وإِن قَلَّتْ. فقد قالَ بعضُهم : ضيِّعْ
وَرَقَةٌ ولا تُضيّعَنَّ شَيخًا .
(١) ((الجامع)) (٢٢٣/٢).

١١٩
معرفة آداب طلب الحديث
والأصلُ في الرحلةِ ما رواه البيهقيُّ في ((المدخلِ))، والخطيبُ في
((الجامع)) (١)، عن عبد الله بن مُحمدٍ بن عَقيلٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله
قال: بَلَغني حديثٌ عن رسولِ اللَّهِوَّه لم أسمعْه، فابتعتُ بعيرًا فشددتُ
عليه رَحْلي، وسِرتُ شهرًا حتى قدمتُ الشَّامَ فأتيتُ عبد الله بن أنيسٍ،
فقلتُ للبؤَّابِ : قُلْ له: جابرٌ على البابِ، فأتاه فقال له : جابر بن
عبد اللَّه؟ فأتاني فقال لي، فقلتُ: نعم، فرجَعَ فأخبرَهُ، فقام يطأ(٢) ثوبَهُ
حتّى لَقِيني، فاعتنَقَني واعتنقتُهُ، فقلتُ : حديثٌ بلغني عَنك سمعتَّهُ مِن
رسولِ اللَّهِ وَل﴿ه في القصاص، لم أسْمَعْه، فخشيتُ أن تموتَ أو أموت
قَبْلَ أنْ أسمعه، فقال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَّهِ يقول: ((يَحشُرُ اللَّهُ العبادَ -
أو قال: الناسَ - عُراةً غُزْلًا بُهْمًا)) قلنا: وما بُهمّا؟ قال: ((ليس معهم شيءٌ ،
ثم يُناديهم ربُّهم بصوتٍ يَسمعه مَن بَعُدَ كما يَسمعه مَن قَرُبَ: أنا المَلكُ، أنا
الدَّيَّانُ، لا ينبغي لأحدٍ (٣) من أهلِ الجنةِ أن يدخُل الجنَّةَ، ولا أحدٍ من أهلٍ
النارِ عندهُ مظلمةٌ حتَّى أُقِصَّه منه، حتَّى اللَّطْمة)»، قُلنا: كَيفَ وإنَّما نأتي الله
عُراةً غُرْلَا بُهمًا، قال: ((بالحسناتِ والسيئاتِ)) .
واستدلَّ البيهقيُّ أيضًا برحلةٍ مُوسى إلى الخَضِرِ، وقِصَّته في
((الصحيح)) (٤).
(١) (الجامع)) (٢٢٥/٢) .
(٢) في ((ص)): ((يطاطئ)).
(٣) في ((م)): ((ولأحد)).
(٤) أخرجه: البخاري (١١٠/٦)، ومسلم (١٠٣/٧).

١٢٠
النوع الثامن والعشرون
وروى (١) أيضًا من طريقِ عَيَّاشِ بنِ عبَّاسٍ عن واهبِ بنِ عبدِ الله
المُعافريِّ قال: قَدِمَ رجلٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ وَلَّ منَ الأنصارِ على
مَسْلمة بن مخلدٍ ، فألفاه نائمًا فقال: أيقِظُوه، قالوا: بلْ نَتركُه(٢) حتَّى
يستيقظَ، قال: لستُ فاعِلًا، فأيقَظوا مسلمةَ له فرحبَ به وقال : انْزِلْ
قال : لا ، حتَّى تُرسل إلى عُقْبَةَ بنِ عامرٍ لحاجةٍ لي إليهِ، فأرسل إلى عُقْبَةً
فَأَتَّاهُ، فقال: هلْ سمعتَ رسولَ اللّهِ وَ له يقول: ((مَنْ وَجَدَ مُسْلِمًا على
عورَةٍ فَسَتَرَهُ، فكأنَّما أحيا مَوْءُودَةً مِن قَبْرِها))؟ فقالَ عُقبةُ: قد سمعتُ
رسولَ اللَّهِ وَلِّ يقولُ ذلك .
وسألَ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ أباه عمَّن طلبَ العِلمَ ، ترى له أنْ يلزمَ رجلًا
عندهُ عِلمٌ فيكتبُ عنه، أو ترى له أنْ يرحلَ إلى المواضعِ التي فيها العِلمُ
فيسمعُ منهم؟ قال : يَرْحلُ يكتبُ عن الكوفيِين والبَصْريين، وأهلِ المدينةِ
ومَكَّةَ، يُشامُ الناسَ يَسمعُ(٣) مِنهم (٤) .
وقال ابنُ معينٍ (٥): أربعةٌ لا تأنسُ(٦) منهم رُشْدًا، مِنهم: رجل
يكتبُ في بَلِدِهِ، ولا يرحلُ في طلبِ الحديثِ .
(١) ((الرحلة في طلب الحديث)) للخطيب (ص: ١١٨).
(٢) في ((ص)) و((م)): ((تنزل))، والمثبت من ((المطبوع))، و((تالي التلخيص)) (٥٦/١).
(٣) في (م): ( بسمعه)) .
والحكاية في ((المسائل)) لعبد الله (١٥٨٨) و((الرحلة للخطيب)) (١٢).
(٤) ((الجامع)) للخطيب (٢٢٤/٢).
(٦) في ((ص))، ((م): ((تؤنس)).
(٥) ((الجامع)) للخطيب (٢٢٥/٢).

١٢١
معرفة آداب طلب الحديث
وقال إبراهيمُ بنُ أدهم (١): إنَّ اللَّهَ يرفع البلاءَ عن هذهِ الأمةِ برحلةٍ
أصحابِ الحديثِ .
(ولا يحملَتَّه الشَّره) والحرص (على التَّساهُلِ في التَّحمُّلِ، فيُخِلَّ
بشيءٍ من شُرُوطِهِ) السابقة فإنَّ شهوةَ السَّماع لا تنتهي ، ونهمةَ الطَّلبِ لا
تنقضي، والعِلمُ كالبِحارِ التي يتعذَّرُ كَيْلُها، والمعادن التي لا ينقطعُ
نَيْلُها .
أخرج المروزيُّ في كتاب ((العلم))، قال: حدثنا ابنُ شُعيبٍ بن
الحبحاب، حدَّثني عمِّي صالحُ بنُ عبدِ الكبير، حدَّثني عمِّي أبو بكر بن
· شُعيب، عن قتادةَ قال : قلتُ لشعيبٍ بن الحبْحابِ : نزل عليَّ أبو العاليةِ
الرياحيُّ، فأقللتُ عنه الحديثَ، فقال شعيبٌ: السماعُ من الرجالِ
أَزْزَاقٌ .
وَيَنبَغِي أَن يَستَعمِلَ مَا يَسمَعُهُ مِن أَحَادِيثِ العِبَادَاتِ
وَالآدَابِ؛ فَذَلِكَ زَكَاةُ الَحَدِيثِ، وَسَبَبُ حِفظِهِ.
(ويَنْبَغِي أَنْ يستعمِلَ ما يسمعه من أحاديثِ العباداتِ والآدابِ)
وفضائِلِ الأعمالِ (فذلكَ زكاةُ الحديثِ وسَبَبُ حِفْظِهِ) فقد قال بشرٌ
الحافي (٢): يا أصحابَ الحديثِ؛ أدُّوا زكاة هذا الحديث، اعْمَلُوا مِن
كلِّ مِائتي حديثٍ بخمسةِ أحاديث .
(١) ((الرحلة)) للخطيب (ص: ٨٩).
(٢) ((الجامع)) (١٤٤/١).

١٢٢
النوع الثامن والعشرون
وقال عمرُو بن قيسِ المُلائيُّ (١): إذا بلغك شيءٍ مِنَ الخيرِ(٢) فَاعْمَلْ
بِهِ ولو مَرَّةً، تَكُنْ من أهلِهِ .
وقال وكيعٌ (٣): إذا أردتَ أن تحفظَ الحديثَ فاعْمَلْ به .
وقال إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بن مُجمِّع (٤): كُنا نستعينُ على حفظٍ
الحديثِ بالعملِ به .
وقال أحمدُ بنُ حنبل (٥) : ما كتبتُ حديثًا إلا وقد عملتُ به، حتّى مرَّ
بي أن النبيَّ وَِّ احتجَمَ وأَعْطَى أبا طيبة دينارًا، فَاحْتَجَمْتُ وأعطيتُ
الحجّامَ دینارًا .
• فصل :
وَينبغي أَنْ يُعَظِّمَ شَيخَهُ وَمَن يَسمَعُ مِنْهُ؛ فَذَلِكَ مِن إِجلال
العِلمِ وَأسبَابِ الانتِفَاعِ بِهِ، وَيعتَقِدَ جَلَالةَ شَيخِهِ وَرُجِحَانَهُ،
وَيَتحَرَّىْ رِضَاهُ، وَلا يُطَوِّلَ عَلَيهِ بِحيثُ يُضِجِرُهُ، وَلِيَسْتَشِرِهُ
في أُمورِهِ، وَفِي مَا يَشْتَغِلُ فِيهِ، وَكَيفِيَّةِ اسْتِغَالِهِ.
٠٥٠١٠٠٠
(فصل : وينبغي) للطالبِ (أن يُعظّمَ شَيْخَهُ ومن يسمعُ منه؛ فذلك من
إجلالِ العلمِ وأسبَابِ الانتفاعِ بِهِ).
(١) ((الحلية)) (١٠٢/٥).
(٣) ((المنهل الروي)) (ص: ١٠٩).
(٥) ((السير)) (٢٩٦/١١).
(٢) في ((ص)): ((الخبر)).
(٤) ((الجامع)) (٢٥٩/٢).

١٢٣
معرفة آداب طلب الحديث
وقد قال المغيرةُ(١): كنا نهابُ إبراهيمَ كما يُهَابُ الأميرُ.
وقال البخاريُّ : ما رأيتُ أحدًا أَوقَرَ للمُحدِّثين من يَحيى بنِ مَعينٍ .
وفي الحديثِ (٢): ((تَوَاضَعوا لِمِنْ تَعَلَّمونَ منهُ))، رواه البيهقيُّ
مرفوعًا مِن حديثِ أبي هُريرة وضعَّفه، وقال: الصحيحُ وَقْقُهُ على
عُمَرَ .
وأورَد في الباب حديثَ عبادة بن الصامتِ مرفوعًا: ((ليسَ مَّا مَنْ لم
يُجِلَّ كَبِيرَنا ويَرْحَم صَغيرَنَا، ويَعْرِفْ لِعالمِنا)) رواه أحمد (٣) وغيره.
وأسنَدَ عنِ ابنِ عباسٍ (٤) قال: وجدتُ عامةَ عِلم رسولِ الله ◌ِّ عِند
هذا الحيِّ من الأنصارِ، فإِنْ كُنتُ لآتي بابَ أحدِهم فأَقِيلُ بِیابِهِ، ولو
شئتُ أن يُؤذن لي عليه لأُذن لي بِقرابَتي من رَسُولِ اللَّهِ وَلَهِ، ولكنْ كُنتُ
أَبْتغي بذلك طيبَ نَفْسِهِ .
وأسندَ عن أبي عُبيد القاسم بن سلام قال : ما دَقَقْتُ على مُحدِّثٍ بابه
قطُّ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَنَ خَيْرَاً لَّهُمَّ﴾
[الحجرات: ٥].
(ويعتقد جَلالةَ شيخِهِ ورُجْحَانَه) على غيرِهِ، فقد روَى الخليليُّ في
(١) ((تاريخ بغداد)) (٣٤٨/١٢)، و((الجامع)) (١٨٣/١).
(٢) ((الجامع)) (٣٥٠/١).
(٣) ((المسند)) (٣٢٣/٥)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣١٢/٧).
(٤) أخرجه: البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣/٥).

١٢٤
النوع الثامن والعشرون
((الإرشادِ))(١) عن أبي يُوسفَ القاضي قال: سمعتُ السَّلفَ يقولونَ: مَنْ
لا يَعْرِفُ لأستاذِهِ لا يُفْلِحُ .
(ويتحرَّىْ رِضاهُ) ويَحذَرُ سَخَطَهُ، (ولا يُطَوِّل عليه بحيثُ يُضجِره)
بل يقنع بما يُحدِّثه به ؛ فإنَّ الإضجارَ يُغيِّرُ الأفهامَ، ويُفسدُ الأخلاقَ،
ويُحيلُ الطُباعَ .
وقد كان إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ مِن أحسنِ الناسِ خُلقًا، فلم يَزَالُوا بِهِ
حتَّى ساء خُلُقُهُ (٢) .
ورُوِّينا عن ابنِ سيرينَ (٣) أنه سألَه رجلٌ عن حديثٍ وقد أرادَ أن يقومَ،
فقال :
إِنَّك إنْ كلَّفْتَني ما لَمْ أُطِقْ سَاءَكَ مَا سَرَّكَ مِنِّي مِن خُلُقْ
قال ابنُ الصلاح(٤): ويُخشى على فاعلِ ذلكَ أنْ يُحرَمَ الانْتفاع.
قال: ورُوِّينا عن الزُّهريِّ (٥) أنه قال: إذا طالَ المجلسُ كان للشيطانِ
فيه نَصيب .
(وليَسْتَشِرُهُ في أُمُورِهِ) التي تعرضُ له، (وفيما يَشْتَغِلُ فيه، وكَيْفِيَّةِ
اشتِغَالِهِ)، وعلى الشيخ نُصحُه في ذلك .
(١) (٢ /٥٧٠) .
(٢) ((الجامع)) للخطيب (٢١٨/١).
(٣) ((الحلية)) (٢٦٥/٢)، و((الجامع)) (٢١٥/١).
(٤) ((علوم الحديث)) (ص : ٢٥٢).
(٥) ((الحلية)) (٣٦٦/٣)، و((الجامع)) (١٢٨/٢)، و((أدب الإملاء والاستملاء))
للسمعاني (ص: ٦٨).

١٢٥
معرفة آداب طلب الحديث
وَيَنْبَغِي لَهُ إِذَا ظَفِرَ بِسَمَاعٍ أَن يُرِشِدَ إلَيهِ غَيْرَهُ؛ فَإِنَّ كِتمانَهُ لُؤْمٌ
٠
يَقَعُ فِيهِ جَهَلَةُ الطَّلَبَةِ، فَيُخَافُ عَلَى كَاتِمِهِ عَدَمُ الانتفَاعِ ؛ فَإِنَّ
مِن بَرَكَةِ الحَدِيثِ إِفَادَتَهُ، وَبَنَشْرِهِ يُنَمَّى.
(وينبغِي له) أي: للطالبِ (إذا ظَفَرَ بسَمَاع) لشيخ (أن يُرْشِدَ إليه
غيرَه) مِن الطلبةِ ، (فإنَّ كِتمائَهُ) عَنْهم (لُؤْمٌ يقعُ فَيهِ جَهَلَةُ الطَّلَبةِ، فيُخَافُ
على كاتِمِه عَدَمُ الانتفَاعِ ؛ فإنَّ مِنْ بَرَكَةِ الحديثِ إفادَتَهُ) كما قال مالكٌ ،
(وبِنَشْرِه يُتَمَّى (١)).
وقال ابنُ معينٍ (٢): مَن بَخِلَ بالحديثِ وكتّمَ على الناسِ سماعَهم لم
يفلخ، وكذا قال إسحاقُ بنُ راهويه .
وقال ابنُ المباركِ (٣): مَن بخِل بالعلم ابْتُليَ بثلاثٍ: إمَّا أن يموتَ
فيذهبُ عِلمُه، أو يُنَسَّى، أو يَتْبَعَ السُّلطانَ .
وروى الخطيبُ (٤) في ذلك بسندِهِ عنِ ابنِ عباسٍ رفَعه: ((إِخواني،
تناصحُوا في العِلم، ولا يَكتُم بعضُكم بَعضَا؛ فإنَّ خيانةَ الرَّجلِ في عِلمِهِ أشدُ
من خِيانَتِهِ فِي مَالِهِ» .
قال الخطيبُ: ولا يَخْرُمُ الكتمُ عمَّن(٥) ليس بأهلِ، أو لا يقبلُ
(١) في ((المطبوع)): ((ونَشْرُهُ يُمْنٌ)) .
(٢) ((الجامع)) (٢٤٠/١)، وفيه: ((وكسر)) مكان: ((وكتم)).
(٣) ((الجامع)) (٣٢٤/١).
(٤) ((تاريخ بغداد)) (٣٥٧/٦، ٣٨٩)، و ((الجامع)) (١٤٩/٢).
(٥) في ((م)): ((على من)).

١٢٦
النوع الثامن والعشرون
الصوابَ إذا أُرشِد إليه، ونحو ذلك، وعلى ذلك يُحملُ ما نُقل عن
الأئمةِ مِن الكَثْمِ .
وقد قال الخليلُ(١) لأبي عُبيدَةَ: لا تَردَّن على مُعْجَبٍ خطأ، فيستفيدَ
مِنْكَ علمًا، ويَتَّخِذَك به عَدُوًا .
وَلَيَحْذَرِ كُلَّ الَحَذَرِ مِن أَن يَمِنَعَهُ الَحَيَاءُ وَالكِبرُ مِنَ السَّعي التَّامِّ
والتحصِيلِ وَأخذِ العِلم ثَمَّن دُونَهُ فِي نَسَبٍ أَوْ سِنُّ أَو غَيِهِ .
(وليَحْذَرْ كُلَّ الحَذَرِ مِنْ أَنْ يمنعَهُ الحياءُ والكِبْرُ مِن السعي التَّامِ
والتَّحْصيلِ، وأخذِ العِلمِ ممَّن دُونَه في نَسَبٍ أو سنٍّ أو غيرِهِ).
فقد ذكر البخاريُّ (٢) عن مجاهدٍ قال: لا يَنالُ العِلمَ مُسْتحيٍ
ولا مُسْتكبِرٌ .
وقال عُمرُ بنُ الخطابِ (٣) : مَن رقَّ وجهُهُ رقَّ عِلْمُهُ.
وقالتْ عائشةُ(٤): نِعْمَ النساءُ نساءُ الأنصارِ، لم يكُنْ يمنعْهُن الحياءُ
أن يتفقَّهنَ في الدِّين .
(١) ((الجامع)) (١٥٤/٢).
(٢) (٤٤/١) تعليقًا، وأسند البيهقي في ((المدخل إلى السنن)) (٣٦٩/١)، والخطيب في
(«الفقيه والمتفقه)) (١٤٤/٢).
(٣) أخرجه الدارمي (١٣٧/١)، والبيهقي في ((المدخل إلى السنن)) (٣٦٦/١).
(٤) أخرجه: البخاري (١٤٤/١) تعليقًا، ومسلم (١/ ١٨٠).

١٢٧
معرفة آداب طلب الحديث
وقال وكيعٌ (١): لا يَنْبُلُ الرجلُ مِن أصحابِ الحديثِ حتَّى يَكْتُبَ عمِّن
هو فَوقَهُ، وعمَّن هو مِثْلُهُ، وعمَّن هو دُونَه .
وكان ابنُ المباركِ يكتُبُ عمَّن هو دُونه، فقيل له، فقال : لعلَّ الكلمةَ
التي فيها نَجَاتي لم تقعْ لي (٢) .
وروى البيهقيُّ (٣) عنِ الأصمعيِّ قالَ: مَن لم يَحتملْ ذُلَّ التَّعليم ساعةً
بَقيَ في ذلُ الجهلِ أبدًا .
وروى أيضًا (٤) عن عُمر قال: لا تتعلَّم العِلمَ لثلاثٍ، ولا تتركهُ
لثلاثٍ : لا تَتَعلَّم لتُماري به، ولا تُرائي به، ولا تُباهِي به، ولا تتركهُ
حياءٌ مِن طلَبه، ولا زهادةً فيهِ، ولا رضَى بجهالةٍ .
وَلْيَصْبِرْ عَلَى جَفَاءِ شَيْخِهِ، وَلْيَعْتَنِ بِالْمُهِمِّ، وَلَا يُضَيِّغْ وَقْتَهُ فِي
الاستِكثَّارِ مِنَ الشَّيُوخِ؛ لِمُجَرَّدِ اسمِ الكَثْرَةِ، وَلْيَكْتُبْ وَلْيَسمَغْ
مَا يَقَعُ لَهُ مِن كِتَابٍ أَوْ جُزءٍ بِكَمَالِهِ، وَلَا يَنتَخِبِ، فَإِنِ احتَاجَ
إِلَيْهِ تَوَلَّهُ بِنَفسِهِ، فَإِن قَصَرَ عَنَّهُ اسْتَعَانَ بِحَافِظٍ .
(وليَصْبِر علىَ جَفَاءِ شَيْخِهِ، ولْيَعتَنِ بالمهِمِّ، ولا يضيّعْ وقتَهُ في
الاستكثَارِ مِنَ الشُّيُوخ لمجرَّدِ اسم الكَثْرَةِ) وَصِيتِها؛ فإنَّ ذلك شيءٌ
لا طائلَ تحتَهُ .
(١) «الجامع)) (٢١٦/٢).
(٣) ((المدخل إلى السنن)) (٣٦٢/١).
(٢) ((الجامع)) (٢١٩/٢ - ٢٢٠).
(٤) ((المدخل إلى السنن)) (١/ ٣٧٤).

١٢٨
النوع الثامن والعشرون
قال ابنُ الصلاح(١): وليسَ مِن ذلك قولُ أبي حاتم (٢): إذَا كتبتَ
ہے
فَقَمِّشْ، وإذا حدَّثْتَ فَفَتِّشْ .
قال العراقيُّ(٣): كأنَّهُ أراد: اكتب الفائدةَ ممَّن سَمعتَها، ولا تؤخّرْ
حتَّى تنظُرَ هل هو أهلٌ للأخذِ عنه أَمْ لا؟ فرُبَّما فاتَ ذلك بموتِهِ أو سفرِهِ
أو غيرِ ذلك، فإذا كان وقتُ الروايةِ أو العملِ فَفَتِّشْ حينئذٍ .
ويُحتملُ أنَّه أراد استيعابَ الكتابِ، وتَرْكَ انتخابِهِ ، أو استيعابَ
ما عِند الشيخِ وَقْتَ التحمُّلِ، ويكونُ النظرُ فيه حالَ الرِّوايةِ .
قال : وقد يكونُ قصدُ المحدِّثِ تكثيرَ طُرقِ الحديثِ وجَمْعَ أطرافِهِ،
فيكثُرُ بذلك شُيوخُهُ، ولا بأسَ به .
فقد قالَ أبو حاتم : لو لم نكتبِ الحديث من سِتِين وجْهًا ما عَقلْناه .
(وليَكْتُب وليَسْمَعِ ما يَقَعُ له من كِتَابٍ أو جُزْءٍ بِكَمالِهِ، ولا ينَتَخِبْ)
فرُبما احتاجَ بعدَ ذلك إلى روايةِ شئٍ منه لم يكُنْ فيما انتخَبه فَيندَمُ .
وقد قال ابنُ المبارَكِ (٤) : ما انتخبتُ على عالم قط إلا نَدِمْتُ .
وقال (٥) : ما جاء مِن مُنْتَقِ خيرٌ قط .
وقال ابنُ معينٍ (٦) : صاحبُ الانتخابِ يَندمُ، وصاحبُ النسخ
لا يندمُ .
(١) ((علوم الحديث)) (ص : ٢٥٣).
(٣) ((التبصرة)» (٢٣٢/٢ - ٢٣٣).
(٥) ((الجامع)) (١٨٧/٢).
(٢) ((الجامع)) (٢٢٠/٢) .
(٤) ((الجامع)) (١٥٦/٢).
(٦) ((الجامع)) (٢/ ١٨٧).
....

١٢٩
معرفة آداب طلب الحديث
(فإن احتاجَ إليه) أي: إلى الانتخابِ، لكون الشيخ مُكثِرًا، وفي
الرواية عَسِرًا، أو كون الطالبٍ غريبًا لا يُمكنه طول الإقامةِ (تَوَلاه
بنفسِهِ)، وانتخبَ عواليَهُ، وما تكرَّر مِن رواياتِهِ، وما لا يجدُهُ عِند غيرِهِ ،
(فإن قَصُرَ عنه)؛ لقلَّةِ مَعرفتِهِ (استَعَانَ) عليهِ (بحَافِظٍ) .
قال ابن الصلاح(١)، ويُعلِّمُ في الأصلِ على أَوَّلِ إسنادِ الأحاديثِ
المُنتخَبَةِ بخطُّ عريضٍ أَحْمَر، أو بِصادٍ ممدودةٍ ، أو بِطَاءِ مَمدودةٍ ، أو
نحوِ ذلك، وفائدتُهُ: لأجْلِ المُعارضةِ، أو لاحتمالِ ذهابِ الفرعِ فيرجعُ
إليه .
· فصل :
وَلَا يَنْبَغِي أَن يَقْتَصِرَ عَلَى سَمَاعِهِ وَكَتْبِهِ، دُونَ مَعرِفَتِهِ وَقَهْمِهِ ؛
فَلْيَتَعَرَّفْ صِحَّتَهُ وَضَعْفَهُ، وَفِقْهَهُ وَمَعَانِيَهُ، وَلُغَتَهُ وَإِعِرَابَهُ،
وَأَسمَاءَ رِجَالِهِ، يُحَقِّقًا كُلَّ ذَلِكَ، مُعتَنِيًا بِإِقَانِ مُشكِلِهَا :
حِفْظًا وَكِتَابَةً، مُقدِّمًا ((الصَّحِيحَينِ))، ثُمَّ («سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ))،
(وَالتِّرْمِذِيِّ))، ((وَالنَّسَائِيِّ))، ثُمَّ ((السُّنَنَ الكَبِيرَ)) للبَيهَقِيِّ -
وَلِيَحْرِصِ عَليهِ؛ فَلَمْ يُصَنَّفِ مِثْلُهُ - ثُمَّ مَا تَمسُّ الْحَاجَةُ إِلَيهِ
مِنَ المَسَانِيدِ: ((مُسْنَدَ أحمدَ)) وَغيرَه. ثُمَّ مِنَ العِلَل: ((كِتَابَهُ))،
((وَكِتَابَ الدَّارَقُطْنِيِّ)). وَمِنَ الأسَماءِ: ((تَارِيخَ البُخَارِيِّ))،
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٥٣).

١٣٠
النوع الثامن والعشرون
((وابنِ أبي خَيْثَمَةَ))، ((وَكِتَابَ ابنِ أَبِي حَاتِم)). وَمِن ضبطٍ
الأسمَاءِ: ((كِتَابَ ابن مَاكُولَا)).
وَلِيَعْتَنِ بِكِتَابٍ ((غَرِيبِ الْحَدِيثِ)) وَشُرُوحِهِ، وَلْيَكُنِ الإِتَقَانُ مِن
شَأْنِهِ، وَلِيُذَاكِرِ بِمَحْفُوظِهِ، وَيُبَاحِث أَهلَ المَعرِفَةِ.
(فصل : ولا يَنبغِي) للطالبِ (أن يقتصِرَ) مِنَ الحديثِ (على سَماعِهِ
وكَتْبِهِ، دُونَ معرفَتِهِ وفَهْمِهِ) فيكونُ قد أتعبَ نَفْسَهُ من غيرِ أَنْ يَظْفَرَ بِطائلٍ،
ولا حصولٍ في عِداد أهلِ الحديثِ .
وقد قالَ أبو عاصم النبيلُ(١) : الرِّياسَةُ في الحديثِ بلا دِرايةٍ رياسةٌ
نَذلةٌ .
قال الخطيبُ (٢): هي اجتماعُ الطَّلبةِ على الراوي للسماع عند عُلوِّ
سِنِّهِ، فإذا تميَّز الطالبُ بفهم الحديثِ ومعرفتِهِ، تعجّل بركةً ذلك في
شَبيبَتِهِ .
بيبي
(فليَتَعرَّفْ صِحَّتَهُ)، وحسنَهُ، (وضعفَهُ، وفِقْهَهُ، ومَعانِيهُ، وَلُغَتَهُ،
وإعرَابَهُ، وأسماء رِجالِهِ، محققًا كل ذلكَ، معتنيًا بإتقَانِ مُشْكِلِهَا حِفْظًا
وكتابةً، مقَدِّمًا) في السماع والضَّبطِ، والتَّفهم والمعرفَةِ ((الصَّحيحَينِ))،
ثُمَّ ((سنن أبي داودَ))، و ((التّرمِذِيٌّ))، و((النسائيّ)))، وابنَ خُزيمةَ، وابنَ
حَبَّانَ، (ثُّ ((السُّننَ الكبير)) للبَيْهَقيّ، وليَحْرِص عليه فلمْ يُصَنَّف) في بابِهِ
(مثلُهُ .
(١) ((المحدث الفاصل)) (ص: ٢٥٣).
(٢) ((الجامع)) (١٨١/٢).

١٣١
معرفة آداب طلب الحديث
ثمَّ ما تَمسُ الحاجةُ إليهِ مِنَ المسانيدِ)، والجوامع ؛ فأهمُّ المسانيد :
(((مسند أحمدَ))، و) يليه سائرُ المسانيدِ (غيرهُ) .
وأهمُّ الجوامع: ((الموطأ))، ثم سائرُ الكتبِ المُصنَّفة في الأحكام،
ككتابٍ ابنِ جُرِيجٍ ، وابن أبي عَروبةَ، وسعيد بنِ منصورٍ، وعبد الرزّاقِ ،
وابنِ أبِي شَيبة، وغيرِهم .
(ثمَّ مِن) كُتبِ (العِللِ: كِتَابَهُ) أي : أحمدَ ، (و((كتابَ الدَّارِ قُطنيّ)) .
ومِن) كتب (الأسماءِ: ((تاريخَ البُخاريِّ) الكبيرَ))، (و) («تاريخَ (ابنِ
أبي خَيْثَمَةَ))، و((كتابَ ابنِ أبي حاتمٍ))) في الجرحِ والتعديلِ .
(ومن) كُتبِ (ضبطِ الأسماءِ: ((كتابَ ابنِ ماكُولا)).
وَلْيَعْتَنِ بـ(( كتابٍ (١) غَرِيبِ الحَدِيثِ))، و) كُتُبٍ (شُرُوحِه) أي :
الحديثِ .
(ولْيَكُنِ الإتقانُ مِنْ شَأْنِهِ) بأنْ يكونَ كُلَّما مرَّ به اسمٌ مُشكلٌ، أو كلمةٌ
غريبةٌ؛ بحثَ عنها وأودعها قَلْبَهُ .
وقد قال ابنُ مهديٍّ : الحفظُ الإتقانُ (٢) .
(وليُذاكِر بمحفوظِهِ، ويُباحِثْ أهلَ المعرفَةِ) ؛ فإنَّ المُذاكَرَةَ تُعينُ على
دَوَامِهِ .
(١) في ((المطبوع)): ((بُكُتُب))، وهو أشبه .
(٢) ((الجامع)) (١٣/٢).

١٣٢
النوع الثامن والعشرون
قال عليُّ بنُ أبي طالب (١): تَذَاكَرُوا هذا الحديثَ، إنْ لا تفعلوا
یدرُسْ .
وقال ابنُ مسعودٍ (٢): تَذاكَروا الحديثَ، فإنَّ حياتَهُ مذاكرتُه .
وقال ابنُ عباسٍ (٣): مُذاكرةُ العِلم ساعة خيرٌ مِن إحياءِ ليلةٍ .
وقال أبو سعيد الخدري : مُذاكرةُ الحديثِ أفضلُ من قِراءةِ القُرآنِ .
وقال الزُّهريُّ : آفةُ العلمِ النِّسيانُ وقِلَّةُ المُذاكرةِ ؛ رواهُما البيهقيُّ في
(٤)
((المدخل)) (٤) .
وليكنْ حِفْظُهُ له بالتدريج قليلاً قليلاً، ففي ((الصحيح))(٥): ((خُذُوا
مِنَ الأعمالِ ما تُطِيقُونَ)) .
وقال الزُّهرُّ (٦): مَن طلبَ العلمَ جُملةٌ فاتَّهُ جُملةً، وإنَّما يُدْرَكُ
العِلمُ حديثٌ وحديثانٍ .
(١) ((المستدرك)) (٩٥/١)، و((المحدث الفاصل)) (ص: ٥٤٥).
(٢) ((المستدرك)) (٩٥/١)، و((المحدث الفاصل)) (٥٤٦/١).
(٣) أخرجه الدارمي (٨٢/١) بلفظ: تدارس العلم ساعة ... ، والبيهقي في ((المدخل
إلى السنن» (٣٦/٢).
(٤) الأول: أخرجه البيهقي في ((المدخل إلى السنن)) (٣٩/٢ - ٤٠)، والثاني : أخرجه
الدارمي (١٥٠/١)، والبيهقي في ((المدخل إلى السنن)) (١٣/٢).
(٥) أخرجه البخاري (١٩٩/٧ - ٢٠٠)، ومسلم (١٨٨/٢ - ١٨٩).
(٦) ((الجامع)) للخطيب (٢٣٢/١).

١٣٣
معرفة آداب طلب الحديث
• فصل :
وَلْيَشْتَغِل بِالتَّخْرِيجِ وَالتَّصنيفِ إِذَا تَأَهَّلَ لَهُ، وَلِيَعثَنِ
بَالتَّصْنِيفِ فِي شَرِحِهِ، وَبَيَانِ مُشكلِهِ، مُتقَنًا واضحًا؛
فَقَلَّمَا تَمَهَّرَ في عِلمِ الحَديثِ مَن لَم يَفعَل هَذَا.
(فصلٌ: ولْيَشْتَغِلْ(١) بالتخريج والتَّصنيفِ إذا تأَهَّلَ له) مُبَادِرًا إليه،
(ولْيَعتَنِ بالتَّصنيفِ في شَرْحِهِ، وبيانٍ مُشْكِلِهِ، مُتقَنًا واضِحًا، فَقَلَّما تَمَهَّرَ
في علمِ الحديثِ مَنْ لمْ يفْعَلْ هذا).
قال الخطيبُ (٢): لا يتمهَّرُ في الحديثِ ويقفُ على غَوامِضِهِ،
ويستبينُ الخفيَّ من فوائدِهِ، إلا مَن جَمَع مُتفرِّقَهُ، وأَلَّف مُتشتَتَهُ(٣)، وضمّ
بعضَهُ إلى بعض؛ فإنَّ ذلك مما يُقوي النّفْسَ، ويُثَبتُ الحِفظَ، ويُذْكي
القلبَ، ويَشْحَذُ الطَّبْعَ، ويبسط اللسانَ، ويجيدُ البيانَ، ويكشفُ
المُشْتَبِهِ ، ويوضح المُلْتَبِسَ، ويُكْسِب أيضًا جميلَ الذِّكْرٍ، ويخلده إلى
آخرِ الدهرِ، كما قال الشاعرُ :
والجَهْلُ يُلْحِقُ أَمْوَاتًا بِأَمْوَاتِ
يَموتُ قَومٌ فَيُحْيِي العِلْمُ ذِكْرَهُمُ
قال : وكانَ بعضُ شيوخِنا يقولُ: مَن أراد الفائدةَ فليكسرْ قلمَ النَّسخِ،
ولْيَأْخُذْ قلمَ التخريج .
(١) في ((م)): ((ويشتغل)).
(٣) في ((ص)): ((مُشَتَّتَهُ)) .
(٢) ((الجامع)) (٢٨٠/٢).