النص المفهرس
صفحات 841-860
٩٤ النوع السادس والعشرون دينارٍ، ثنا مجاهدٌ، أنَّ أبا هريرة كان يقول: آللَّهِ الذي لا إله إلا هُو، إنْ كنتُ لأعْتمدُ بِكَبِدِي على الأرضِ مِن الجوع - الحديث . قال : والجواب أن المُمتنعَ إنما هو إسقاطُ بعضِهم وإيرادُ كلِّ الحديثِ عن بعضِهم؛ لأنَّه حينئذٍ يكونُ قد حدَّث عن المذكور ببعضٍ ما لم يَسْمعه منهُ، فأمَّا إذا بيَّن أنه لم يسمعْ منه إلا بعضَ الحديثِ ، كما فَعَل البخاريُّ ، هُنَا فَلَيْسَ بِمُمتنِعٍ . وقد بيَّن البخاريُّ في كتاب ((الاستئذانِ)) البعضَ الذي سَمِعَهُ من أبي نعيم ، فقال : ثنا أبو نُعيم، ثنا عَمرو، ثنا محمدُ بنُ مُقاتِلٍ، أنا عبد الله ، أنا عَمرو بنُ دينارٍ ، أَنَا مجاهدٌ، عن أبي هريرة قالَ: دخلتُ مع رسولِ اللَّهِ وَ فوجدَ(١) لَبَنَا فِي قَدَح، فقال: ((أَبَا هِر، الْحَقْ أَهْلَ الصُّفَّةِ فاذعُهم (٢) إِليَّ)). قال: فأتيتُهم فدعَوتُهم، فأَقْبلوا فاسْتَأْذَنُوا، فَأَذِنَ لهُم فدَخَلُوا . انتهى . فهذا هو بعضُ حديثِ أبي نُعيم الذي ذكره في الرقاق، وأمَّا بقيةٌ الحديثِ فَيَحتمِلُ أن البخاريَّ أَخَذه مِّن كتابٍ أبي نُعيم وِجادةً أو إجازةً، أو سَمِعِهُ من شيخ آخرَ غيرِ أبي نُعيم ، إِمَّ محمدُ بنُ مَّقاتلٍ أو غيرُهُ، ولم يُبيِّنْ ذلك، بل اقتصرَ على اتصالِ بعضِ الحديثِ من غير بيانٍ، ولكنْ ما مِن قطعةٍ منه إلا وهي محتملةٌ ؛ لأنَّها غيرُ مُتَّصِلةٍ بالسماع، إلا القطعة التي صرَّح في ((الاستئذانِ)) باتِّصالِها . (١) في ((م): ((فوجدنا))، خطأ. (٢) في ((ص)): ((ادعهم). ٩٥ معرفة آداب المحدث ، النوع السابع والعشرون : مَعرِفَةُ آدَابِ المُحَدِّثِ عِلمُ الحَدِيثِ شَرِيفٌ، يُنَاسِبُ مَكَّارِمَ الأخلاقِ، وَتَحَاسِنَ الشّيَّمِ، وَهُوَ مِن عُلُومِ الآخِرَةِ، مَن حُرِمَهُ حُرِمَ خَيْرًا عَظِيمًا، وَمَن رُزِقَهُ نَالَ فَضْلًا جَسِيمًا؛ فَعَلَى صَاحِبِهِ تَصحِيحُ النِّيَّةِ، وَتَطْهِيرُ قَلْبِهِ مِن أَغْرَاضِ الدُّنيًا . (النَّوعُ السَّابِعُ والعشرُونَ : معرفةُ آدابِ المحدِّثِ : عِلْمُ الحديثِ شَريفٌ)، وكيفَ لا وهو الوُصلةُ إلى رسولِ اللَّهِ وَلِ ؛ والباحثُ عن تصحيح أقوالِهِ وأفعالِهِ والذبِّ عن أن يُنسب إليه ما لم يَقُلُهُ، وقد قيل في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍِ بِإِمَِمٍ﴾ [الإسراء: ٧١] ليس لأهلِ الحديثِ منقبةٌ أشرف من ذلك؛ لأنه لا إمام لهم غَيرِهِ وَّهَ، ولأنَّ سائرَ العلوم الشرعيةِ مُحتاجةٌ إليه؛ أما الفقه فواضحٌ، وأما التفسيرُ فلأنَّ أَولى ما فُسِّر به كلامُ اللَّه تعالى ما ثبتَ عنْ نبيِّهِ وَّل وأصحابِهِ ﴾. وهو علمٌ (يُناسبُ مَكَارمَ الأخلاقِ، ومَحَاسنَ الشِّيم)، وينافرُ ضِدَّ ذلك، (وهوَ من عُلُوم الآخرةِ) المَخْضَةِ، بخلافٍ غيرِهِ في الجُملة . ٩٦ النوع السابع والعشرون قال أبو الحسنِ شبويه (١): مَن أراد ◌ِلم القبرِ فعليهِ بالأثرِ، ومَن أراد عِلم الخُبزِ فعليه بالرأي . (مَنْ حُرِمَهُ حُرِمٍ خيرًا عظيمًا، ومن رُزِقَهُ نالَ فَضْلًا جَسيمًا) ويَكفيه أنَّه يدخل في دعوتِهِ وَل﴿ حيث قال: ((نَضَّرَ اللَّهُ امرأً سمعَ مَقَالَتِي فَوَعاها)) . قال سُفيانُ بنُ عُيينةَ(٢) : ليسَ من أهلِ الحديثِ أحدٌ إلا وفي وَجْهه نَضْرةٌ؛ لهذا الحدیثِ . وقال: «اللَّهمَّ ارْحَمْ خُلَفَائي)»، قيل: ومن خُلفاؤك؟ قال: ((الَّذِينَ يأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يروونَ أَحَادِيثِي وسُنَّتِي))، رواه الطبرانيُّ(٣) وغيرُهُ. وكأنَّ تلقيبَ المُحدِّثِ بـ ((أميرِ المؤمنينَ)) مأخوذٌ من هذا الحديث ، وقد لقِّب به جماعةٌ، منهم: سُفيانُ، وابنُ راهويه، والبُخاريُّ، وغيرُهم. ﴿فَعَلَى صاحِبِهِ تصحيحُ النِّيَّةِ)، وإخلاصُها، (وتطهيرُ قَلْبِهِ مِنْ أَغْراضٍ الدُّنيا) وأدناسِها، كحُبِّ الرِّياسةِ ونحوِها، وليكن أكبرَ همِّه نشرُ الحديث والتبليغُ عَنِ رسولِ اللهِ وَ لَّ، فالأعمالُ بالنِّيَّاتِ. وقد قال سفيانُ الثوريُّ (٤) : قلتُ لحبيبٍ بن أبي ثابتٍ: حدِّثنا، قال : حتَّى تجيءَ النِّةُ . (١) (تهذيب الكمال)) (٤٣٥/١). (٢) ((شرف أصحاب الحديث)) (ص: ١٩). (٣) («المعجم الأوسط» (٧٧/٦)، و((المحدث الفاصل)) (ص: ١٦٣). (٤) ((المحدث الفاصل)) (ص: ٥٨٤). : ....... ٩٧ معرفة آداب المحدث وقيل: لأبي الأحوصٍ (١) سلام بنٍ سليم: حدِّثنا، فقال: ليس لي نِيَّةٌ، فقالوا له : إنَّك تُؤْجَرُ؟ فقال: يُمَثُّونِي الْخَيرَ الكَثيرَ، ولَيْتَنِي نَجَوتُ كفافًا؛ لا عَليَّ ولا لِي . وقال حمَّادُ بنُ زيدٍ (٢): أستغفرُ اللَّهَ، إنَّ لِذِكْرِ الإسناد في القلبِ خُيلاء. وَاخْتُلِفَ فِي السَّنِّ الَّذِي يَتَصَدَّىُ فِيهِ لَإِسْمَاعِهِ. وَالصَّحِيحُ، أَنَّهُ مَتى احتِيجَ إِلَى مَا عِندَهُ، جَلَسَ لَهُ فِي أَيِّ سِنِّ كَانَ . وَيَنْبَغِي أَن يُمسِكَ عَنِ التَّحدِيثِ إِذَا خَشِيَ النَّخِيطَ بِهَرَمٍ، أَو خَرَفٍ، أَو عَمِّى، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتَلَافِ النَّاسِ . (واختُلِفَ في السِّنَّ الذي) يَحسُنُ أنْ (يَتَصَدَّى فيه لإسمَاعِهِ) ؛ فقال ابنُ خلادٍ : إذا بلَغَ الخمسينَ ؛ لأنَّها انتهاءُ الكُهولةِ، وفيها مُجتَمعُ الأَشُدُ . قال : ولا يُنكَرُ عند(٣) الأربعين؛ لأنَّها حدُّ الاستواءِ ومُنتَهى الكَمالِ ، وعندها يَنتهي عزمُ الإنسانِ وقُوَّتُه، ويتوفّرُ عَقْلُهُ، ويجودُ رأيه . وأنكر ذلك القاضي عياضٌ (٤)، وقالَ: كم مِنَ السَّلفِ فَمَنْ بَعدَهم مَن لم يَنْتِهِ إلى هذا السِّنُّ، ونشَرَ من الحديثِ والعِلم ما لا يُحصَى، كعُمر (١) ((الجامع)) للخطيب)) (٣١٦/١). (٢) (الجامع)) للخطيب)) (٣٣٨/١)، و((السير)» للذهبي (٤٦١/٧). (٣) في ((ص)): ((عندي)) . (٤) ((الإلماع)) (ص: ٢٠٠ - ٢٠٢). ٩٨ النوع السابع والعشرون ابن عبدِ العزيز، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ ، وإبراهيم النَّخعيِّ، وجلس مالكٌ للناسِ ابنَ نِيِّفٍ وعشرينَ، وقيل: ابنَ سبع عشرةَ سَنة ، والناسُ متوافرون وشيوخُهُ أحياءٌ ؛ ربيعةُ، والزُّهْرِيُّ، ونافعٌ ، وابنُ المُنكدر، وابنُ هرمز ، وغيرُهم، وكذلك الشافعيُّ وأئمةٌ من المتقدِّمين والمُتأخّرين، وقد حدَّث بُنْدَار وهو ابنُ ثماني عشرة، وحدَّث البخاريُّ وما في وجْهِهِ شَعْرةٌ، وهَلُمَّ جَرًّا . وقال ابنُ الصلاح(١): ما قالَه ابنُ خلادٍ محلُّه فيمن يُؤخَذ عنه الحديثُ لمجرَّدِ الإسنادِ مِن غيرِ براعةٍ في العِلم ؛ فإنَّه لا يحتاج إليه لعلوٌ إسنادِهِ إلا عند السِّن المذكورِ ، أمَّا من عنده براعةٌ فإنَّهُ يؤخَذ عنه قَبل السِّن المذكور . قال : (والصحيحُ، أنَّه متى احتِيجَ إلى ما عِنْدَهُ، جَلَسَ له في أيِّ سنِّ كان، وينبَغِي أَنْ يُمسِكَ عن التَّحْدِيثِ إذا خَشِيَ التخلِيطَ بِهَرمٍ، أو خَرَفٍ ، أو عَمَى، ويختلفُ ذلك باختلافِ الناسِ) وضبَطَّه ابن خلادٍ بالثمانين . قال : والتسبيحُ والذّكر وتلاوةُ القرآنِ أَوْلَى به . فإن يكُن ثابتَ العقلِ مُجتمعَ الرأيِ فلا بأس، فقد حدَّث بعدها أنسٌ وسهلُ بنُ سعدٍ ، وعبد اللَّه بن أبي أوفى في آخرين، ومن التَّابعينَ : شريحْ القاضي، ومجاهدٌ، والشعبيُّ في آخَرين، ومِن أتباعِهم (٢): مالكٌ، والليثُ، وابنُ عُيينة . (١) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٤٤). (٢) في ((ص): ((تابعيهم). ٩٩ معرفة آداب المحدث وقال مالكٌ: إنما يخرفُ الكذَّابونَ . وحدَّث بعد المائة من الصحابة : حكيمُ بنُ حزام، ومِن التابعين : شريكٌ النمريُّ، وممَّن(١) بَعدهم: الحسنُ بنُ عَرَفَةَ، وأبو القاسِم البغوي ، والقاضي أبو الطَّيبِ الطبريُّ، والسِّلفيُّ، وغيرُهم . فصل : الْأَوْلَى أَلَّ يُحَدِّثَ بِحِضَرَةٍ مَن هُوَ أَوَلَى مِنْهُ لِسنُّه أَو عِلمِه أَو غَيِهِ. وَقِيلَ: يُكرَهُ أَن يُحَدِّثَ فِي بَلَدٍ فِيها أَوَلَى مِنْهُ، وَيَنْبَغِي لَهُ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ مَا يَعلَمُهُ عِندَ أَرْجَحَ مِنْهُ أَن يُرشدَ إِلَيهِ؛ فَالدِّينُ النَّصِیحةُ. ولا يمتَنعُ مِن تَحَدِيثِ أَحَدٍ؛ لكونِهِ غَيَرَ صَحِيحِ النِّيَّةِ؛ فَإِنَّهُ يُرجَى صِحَّتُهَا، وَلْيخْرِضْ عَلَى نَشِرِهِ مُنْتَغِيًا جَزِيلَ أجرِهِ. ٠٠١٠ ٠١٠٠ .. (فصل : الأَوْلَى أَلَّا يُحدِّثَ بحضَرةِ مَن هو أَوْلَى منه لِسِنْه، أو عِلمه، أو غَيْرِهِ) كأن يكونَ أعلى سَندًا، أو سماعُهُ مُتصلًا وفي طريقِهِ هو إجازةٌ ، ونحو ذلكَ . فقد كان إبراهيمُ النخعيُّ (٢) لا يتكلّم بحضرةِ الشعبيِّ بشيءٍ . (وقِيلَ) أبلغُ مِن ذلك : (يُكْرَه أن يُحدِّثَ في بلدٍ فيها أَوْلَى مِنْهُ). (١) في ((ص)): ((ومن)). (٢) ((الجامع)) (٣٢٠/١). ١٠٠ النوع السابع والعشرون فقد قال يحيى بن مَعينٍ (١) : إنَّ مَن فَعَل ذلك فهو أحمقُ . (ويَنْبَغِي له إذا طُلِبَ منه ما يَعْلمُهُ عند أَرْجَح منه أن يُرْشِدَ إليه؛ فالدِّينُ الَّصِيحةُ) . قال في ((الاقتراح)) (٢): ينبغي أنْ يكونَ هذا عِند الاستواءِ، فيما عَدا الصِّفة المُرجِّحة، أما مع التفاوت بأن يكون الأعلى إسنادًا عاميًّا، والأنزلُ عارفٌ ضابطٌ فقد يُتوقَّف في الإرشادِ إليه ؛ لأنَّه قد يكون في الرواية عنه ما يُوجِبُ خَللًا . قلتُ : الصوابُ إطلاقُ أنَّ التحديثَ بحضرةِ الأَولى ليس بمكروهٍ، ولا خلافَ الأَولَى، فقد استنبط العلماءُ مِن حديثِ: ((إِنَّ ابني كانَ عَسِيفًا))، الحديث، وقولِهِ: ((سألتُ أهلَ العلم فأخبروني)) أنَّ الصحابةَ كانوا يُقْتونَ في عهدِ النبيِّ بَِّ وفي بلدِهِ . وقد عَقدَ محمدُ بنُ سعدٍ في ((الطبقات))(٣) بابًا لذلك، وأخرجَ بأسانيدَ فيها الواقديُّ : أنَّ منهم أبا بكر، وعُمر، وعُثمان، وعليًّا، وعبد الرحمنِ ابن عوفٍ، وأَبيَّ بنَ کَعبٍ، ومعاذَ بن جَبلٍ ، وزيد بن ثابتٍ . وروى البيهقيُّ في ((المدخلِ)) بسندٍ صحيحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ أنه قالَ لسعيد بنِ جُبيرٍ : حدِّث، قال: أُحدِّثُ وأنتَ شاهدٌ، قال: أَوَليسَ من نِعَم الله عليكَ أنْ تُحدِّث وأنا شاهدٌ (٤)، فإنْ أخطأتَ علَّمْتُكَ؟! (١) ((الجامع)) (٣١٩/١). (٣) (١٠٩/٢). (٢) (ص : ٢٧١). (٤) في ((ص)): ((حاضر). --------- ١٠١ معرفة آداب المحدث تنبية : إِذَا كانتْ جماعةٌ مُشتركون في سماع ، فالإسماعُ منهم فرضُ كفايةٍ ، ولو طُلبَ مِن أحدِهم فامتنَعَ لم يأثمْ، فإنِ انحصرَ فيه أَثِمَ . (ولا يَمْتَنِعُ من تحديثِ أحدٍ لِكَوْنِهِ غيرَ صحيح النِّيّةِ ؛ فإنَّه يُرْجَى) له (صِحَتُها) بعدَ ذلك . قال معمرٌ، وحبيبُ بنُ أبي ثابتٍ (١): طَلَبْنَا الحديثَ وما لنا فيه نِيَّةٌ، ثم رزَقَ اللَّه النِّيَةَ بعدُ . وقال معمرٌ (١) : إنَّ الرجلَ ليطلبُ العلم لغيرِ اللَّهِ، فيأُبى عليه العلمُ حتَّى يكون للَّه. وقال الثوريُّ(١) : ما كان في الناسِ أفضلُ من طَلبِ الحديثِ، فقيل : يَطْلبونه بغيرِ نيةٍ؟ فقال: طَلبُهم إِيَّهُ نِيَّةٌ . (وَلْيَحْرِضُ على تَشْرِهِ، مُبتغِيًّا جزيلَ أَجْرِهِ)، فقد كان في السلفِ مَن يتألَّفُ الناسَ على حديثِهِ، منهم : عُروةُ بنُ الزُّبِيرِ . ومن الأحاديثِ الواردةِ في فضلِ نشرِ الحديثِ والعِلم: حديثُ ((الصحيحين)) ((بلّغوا عَنِّي)) - ((لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ)) . وحديثُ: ((من أدَّىُ إلى أَمتي حَديثًا واحدًا يُقيمُ به سُنَّة أو يَرُدُّ به بدعةً؛ فله الجَنَّةُ)) رواه الحاكمُ في ((الأربعين)) . (١) ((الجامع)) (٣٣٩/١ - ٣٤٠). ١٠٢ النوع السابع والعشرون وحديثُ البيهقيُّ عن أبي ذَرِّ: ((أمرنا رَسولُ اللَّهِ وَ أَنْ لا نُغْلبَ على أنْ نأمرَ بالمعروفِ، ونَنْهَى عن المنكرِ، ونُعَلِّمَ الناسَ السُّنَنَ)». فصل : وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا أَرَادَ حُضُورَ تَجْلِسِ التَّحَدِيثِ أَن يَتَطَهَّرَ، وَيَتَطَّيَّبَ، وَيُسَرُّحَ لِحِيَتَهُ، وَيَجِلِس مُتَّكِئًا بِوَقَارٍ، فَإِن رَفَعَ أحدٌ صَوتَهُ زَبَرَهُ، وَيُقْبِلَ عَلَى الْحَاضِرِينَ كُلُّهِم، وَيَفتَتِحَ تَجْلِسَهُ، وَيَخْتَتِمَهُ بِتَحمِيدِ اللَّه تَعَالَى، وَالصَّلاةِ عَلَى النَّبِيَِّ، وَدُعَاءٍ يَلِيقُ بِالْحَالِ، بَعدَ قِرَاءَةَ قَارئٍ حَسَنِ الصَّوتِ شَيئًا مِنَ القُرآنِ العَظِيمِ، وَلَا يَسْرُدُ الْحَدِيثَ سَرِدًا يَمنَعُ فَهِمَ بَعضِهِ. (فصلٌ: ويُستحبُّ لَهُ إذا أرادَ حضورَ مجلسِ التَّحدِيثِ أنْ يَتَطَهَّرَ) بِغُسلٍ ووُضوءٍ، (وَيَتَطَيِّبَ)، ويَتَبِخَّر، ويَسْتَاك، كما ذكرهُ ابنُ السَّمعاني، (ويُسَرِّحَ لِخِيَتَهُ، وَيَجْلِسَ) في صَدْرٍ مَجلسِهِ (مُتَكئًا) في جلوسِهِ (بوقَارٍ) وهَيبٍ . وقد كان مالكٌ يفعلُ ذلك، فقيلَ له، فقال: أُحبُّ أن أُعِظُم حديثَ رسولِ اللَّهِ وَله، ولا أُحدِّثَ إلا على طهارةٍ مُتمكنًا. وكان يكرهُ أنْ يُحدِّث في الطريقِ أو وهو قائمٌ. أسندَهُ البيهقيُّ . وأسنَد عن قتادةَ قال: لقد كان يستحبُّ أنْ لا يقرأ الأحاديثَ إلا على طهارة . وعن ضِرَار بن مُرَّةَ قال: كَانوا يَكْرهُون أنْ يُحدِّثوا على غيرِ طُهرٍ . ١٠٣ معرفة آداب المحدث وعنِ ابنِ المُسيِّبِ أنَّه سُئل عن حديثٍ وهو مضطجعٌ في مَرضه، فَجَلَسَ وحدَّث به ؛ فَقِيل له : وددتُ أنَّكَ لم تَتَعَنَّ، فقال: كرهتُ أنْ أُحَدِث عَنِ رسولِ اللهِ وَّهِ وأنا مُضطجعٌ . وعَن بِشرِ بنِ الحارثِ : أنَّ ابن المبارك سُئل عن حديثٍ وهو يَمشي ، فقال: ليس هَذا مِن تَوقيرِ العِلمِ . وعن مالكٍ قال: مجالسُ العِلمِ تُحْتَضَرُ بالخُشوعِ والسَّكِينة والوقارِ . ويُكره أنْ يقوم لأحدٍ ، فقد قِيل : إذا قامَ القارئ لحديثِ رسولِ اللَّهِ وَّه لأحدٍ فإنَّه تُكتبُ عليه خطيئة. (فإن رَفَعَ أحدٌ صوتَهُ) في المجلسِ (زَبَرَهُ) أي : انتهرَهُ وزجَرَهُ؛ فقد كان مالكٌ يفعلُ ذلك أيضًا، ويقول: قال الله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّ﴾ [الحجرات: ٢]، فَمَنْ رفعَ صوتَهُ عِندَ حديثِهِ فكأنَّما رفَعَ صوتَهُ فوقَ صوتِهِ . (ويُقْبِلَ على الحاضِرِينَ كلِّهِم)، فقد قالَ حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ (١) : إنَّ مِن السُّنة إذا حدَّثَ الرجلُ القومَ أن يُقْبِلَ عليهم جَميعًا . (وَيَفْتَتَحَ مَجْلِسَهُ، ويختِمُهُ بتَحمِيدِ اللَّهِ تعالَى، والصَّلاةِ علىَ النَّبِيِّ وَلِّ ، ودعاء يليقُ بالحالِ، بَعْدَ قِراءةِ قارئٍ حَسَنِ الصوتِ شيئًا من القرآنِ العَظِيمِ) . (١) «الجامع)) (٤١١/١). -- ١٠٤ النوع السابع والعشرون فقد رَوَىُ الحاكمُ في ((المستدركِ)) (١) عن أبي سعيدٍ قال: كانَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ وَ لَهَ إِذا اجْتَمَعُوا تَذَاكَروا العِلْمَ وقَرَءوا سُورَةً. (ولا يَسردَ الحديثَ سَرْدًا) عَجِلًا (يَمْنَعُ فَهْمَ بَعْضِهِ)، کما رُوي عن مالكِ : أنَّه كان لا يَسْتَعِلُ، ويقولُ: أُحبُّ أَنْ أتفهَّم(٢) حَدِيثَ رسولِ الله ◌ِآل﴾ . وأورد البيهقيُّ في ذلك حديثَ البخاريِّ عن عُروةَ قال: جلسَ أبو هريرة إلى جنبٍ حُجرةِ عائشةً وهي تُصلِّي(٣)، فجعل يُحدِّثُ، فلمَّا قَضَتْ صَلاَتَها قالتْ: أَلا تَعْجَبُ إلى هذا وحديثهِ؛ إنَّ النَّبِيَّ وَّ إنَّما كان يُحدِّث حديثًا لو عدَّه العادُّ أَحْصَاهُ . وفي لفظٍ عِندَ مُسلم: إنَّ رَسولَ اللَّهِ وَلَه لم يَكُنْ يَسْردُ الحديثَ گَسَرْدِكُمْ . وفي لفظٍ عِندَ البَيْهِقَيِّ عَقِيبه: إِنَّما كانَ حَدِيثُهُ فَضْلًا تَفْهَمُهُ القُلُوبُ . • فصل : يُستَحَبُّ لِلمُحَدِّثِ العَارِفِ عَقدُ نَجلِسِ لإِمِلَاءِ الَحَدِيثِ؛ فَإِنَّهُ أَعلَى مَرَاتبِ الرِّوَايَةِ، وَيَتَّخِذُ مُستَمليًا مُحَصِّلًا مُتَيَقْظًا، يُبَلِّغُ عَنْهُ إِذَا كَثُرَ الْجَمعُ، عَلَى عَادَةِ الْحُقَّاظِ، وَيَسْتَملي مُرتَفِعًا، وَإِلَّ قَائِمًا، وَعَلَيهِ تَبلِيغُ لَفظِهِ عَلَى وَجِهِهِ . (١) (١/ ٩٤) . (٣) في ((ص)): ((وهو يصلي)) وهو خطأ . (٢) في ((ص)): ((أفهم)). ١٠٥ معرفة آداب المحدث (فصل : يُستحبُّ للمُحدِّث العارفِ عَقْدُ مَجْلسٍ لإملاءِ الحديثِ ؛ فإِنَّه أَعَلَى مَراتِبِ الرِّوَايَةِ)، والسماعُ فيه أحسنُ وُجوهِ التَّحمُّلِ وأَقْوَاهَا . روى ابن عديٍّ، والبيهقيُّ في ((المدخل)) من طَريقِهِ : ثنا عبد الصمدِ ابنُ عبدِ الله ومحمدُ بنُ بشرِ الدمشقيان، قالا: حدَّثنا هشامُ بن عَمَّارٍ : ثنا أبو الخطاب معروفٌ الخياطُ ، قال : رأيتُ واثلةَ بنَ الأسقعِ مَع ◌ُ يُمْلي عَلى الناسِ الأحاديثَ، وهُم يَكْتُبُونَها بَيْنَ يَدیهِ . (ويتخذُ مُسْتَمليًا محصّلاً متيقظًا، يُبَلِّغُ عنه إذا كَثُر الجمعُ ؛ على عادَةِ الحفاظِ) في ذلك، كما رُوي عن مالك، وشعبةً، ووكيع، وخلائقَ . وقد روى أبو داود والنسائيُّ من حديثٍ رافع بن عمرو قال: رأيتُ رسولَ اللَّهِ وَ لهَ يخطبُ الناسَ بِمِنَّى حين ارتفعَ الضُّحى على بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ ، وعليٍّ يُعبِّرُ عنه . وفي ((الصحيح)) عن أبي جَمْرَة قال : كُنْتُ أُتْرِجِمُ بين ابنِ عبَّاسٍٍ وبينَ النَّاسِ . فإنْ كثُرَ الجمعُ بحيث لا يَكفي مستملِ اتَّخذ مُستَملِيَيْنِ فأكثرَ؛ فقد أملى أبو مُسلم الكَجْيُّ في رَحبَة غسَّان، وكان في مجلسه سبعةٌ مُستملِين، يُبلِّغُ كلُّ واحدٍ صاحبَه الذي يَليه، وحضر عنده نيفٌ وأربعون ألفَ محبرةٍ سِوى النظارة(١). (١) كذا السياق، ووقع في ((ص)) و((م): ((أربعين))، والحكاية في ((الجامع)) للخطيب (٥٣/٢)، و((شرح الألفية)) للعراقي (٢١٢/٢ - ٢١٣)، وفيها: ((وحسب من حضر بمحبرة ، فبلغ ذلك نيفًا وأربعين ألف محبرة سوى النظارة)) . ١٠٦ النوع السابع والعشرون وكان يحضرُ مجلسَ عاصِم بن عليٍّ أكثرُ من مائةٍ ألفِ إنسانٍ . ولا يكونُ المستملي بَليدًا، كمُستملي يزيد بن هارون، حيث سُئل يزيدُ عن حديثٍ فقال: ((ثنا به عِدَّةٌ))، فصاح المستملي: يا أبا خالد ، عِدَّة ابن مَن؟ فقال له : ابن فَقَدْتُكَ . ومِن لطيفِ ما ورد في الاستملاءِ، ما حكاه المِزيُّ في ((تهذيبه)) (١) عن عبدَانَ بنِ محمدٍ المروزيٍّ قال: رأيت الحافظَ يعقوب بن سُفيانَ الفسويّ في النوم، فقلتُ : ما فعل اللَّهُ بكَ؟ قال: غَفَر لي، وأَمَرني أن أُحَدِّث في السماءِ كما كنتُ أحدِّثُ في الأرضِ، فحدَّثتُ في السماءِ السابعةِ ، فاجتمعَ عليَّ الملائكةُ واستملى عليَّ جبريلُ، وكتبوا بأقلام من الذهبِ . وعن أحمدَ بن جعفر التُستَري قال: لمَّا جَاءني يعقوبُ بنُ سُفيان رأيتُهُ في النوم، كأنَّهُ يحدثُ في السماءِ السابعةِ ، وجِبريلُ يَستملي عليه . (ويَسْتَملي مُرْتَفِعًا) على كُرسيٍّ ونحوِهِ، (وإلا قائمًا) على قدمَيهِ، ليكونَ أَبْلِغ للسَّامعينَ، (وعَليهِ) أي: المُستملي وُجُوبًا (تَبليغُ لَفْظِهِ) أي : المُمْلي وأداؤه (على وَجْهِهِ) من غيرِ تغييرٍ . وَفَائِدَةُ المُستَملِي : تَفْهِيمُ السَّامِعِ عَلَى بُعدٍ . وَأَمَّا مَن لَمْ يَسمَعِ إِلَّ المُبَلِّغَ، فَلا يَجُوزُ لَهُ رِوَايَتُهُ عَنِ المُملِي إِلَّ أَن يُبَيِّنَ الَحَالَ، وَقَد تَقَدَّمَ هَذَا فِي الرَّابِعِ وَالعِشرينَ. (١) ((تهذيب الكمال)) (٣٣٤/٣٢). ١٠٧ معرفة آداب المحدث وَيَستَنصِتُ المُستَملِي النَّاسَ بَعدَ قِرَاءَةِ قَارِئٍ حَسَنِ الصَّوتِ شَيئًا مِنَ القُرآنِ، ثُمَّ يُبَسمِلُ، وَيَحِمَدُ اللَّه - تَعَالَى -، وَيُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ بََّ، وَيَتَحَرَّىُ الأبلَغَ فِيهِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلمُحدِّثِ : ((مَن - أو مَا - ذَكَرتَ رَحِمَكَ اللَّه، أَو رَضي عَنكَ))، وَمَا أشبَهَهُ، وَكُلَّمَا ذَكَرَ النَّبيَّ نَّهِ صَلَّى عَليهِ وَسَلَّمَ . قال الْخَطِيبُ: وَيَرفَعُ بِهَا صَوتَهُ: وَإِذَا ذَكَرَ صَحَابِيًّا: رَضَّى عَلَيهِ، فَإِن كَانَ ابنَ صَحَابِيٌّ قَالَ : رضي اللَّه عنهما. وَيُحِسُنُ بِالمُحَدِّثِ الثَّناءُ عَلَى شَيخِهِ حَالَ الرِّوَايَةِ بِمَا هُوَ أَهلُهُ ، كَمَا فَعَلَهُ جَمَاعَاتٌ مِنَ السَّلفِ، وَلِيَعتَنِ بِالذُّعَاءِ لَهُ، فَهُوَ أهَمُّ . وَلَا بَأْسَ بِذِكرِ مَن يَروِي عَنْهُ بِلَقَبٍ، أو وصفٍ، أَو حِرفةٍ، أَو ◌ُمِّ ◌ُرِفَ بِهَا . (وفائِدةُ المُستَمْلِي: تَقْهِيمُ السامع) لفظَ المُملي (عَلَى بُعدٍ) ليتحقَّقه بصوتِهِ . (وأمَّا من لم يَسْمَعْ إلا المَبَلْغَ ؛ فلا يجُوزُ له رِوايَتُهُ عن المُمْلِي، إلا أن يُبَيِّن الحالَ، وقد تَقَدَّم هَذَا) بما فيهِ (في) النوعِ (الرَّابِعِ والعِشْرِينَ) . (ويَسْتَنْصِتُ المُستَملِي الناسَ) أي: أهلَ المجلسِ، حيثُ احْتِيجَ للاستنصاتِ؛ ففي ((الصحيحين)) مِن حديثٍ جَرِيرٍ (١): أنَّ النبيَّ نَّ قالَ (١) في ((ص)) و((م)): ((جابر))؛ خطأ. ١٠٨ النوع السابع والعشرون له : ((اسْتَنْصِتِ النَّاسَ))، (بعدَ قِرَاءةِ قارئٍ حَسَنِ الصَّوتِ شيئًا من القرآنِ) لما تقدَّمَ . (ثمَّ يُبَسْمِلُ(١)) المُستَملِي، (ويحمَدُ اللَّهَ تعالى، ويصلي على رسولِهِ وَله، ويتحرَّى الأبلغَ فيه) من ألفاظِ الحمدِ والصَّلاةِ . وقد ذكرَ المصنّفُ في ((الرَّوضة)) عن المُتولّي وجماعةٍ من الخُراسانيين: أنَّ أبلغَ ألفاظِ الحمدِ : ((الحمدُ للَّهِ حمدًا يوافي نِعَمَهُ، ويكافئ مَزِيده))، وقال: ليسَ لذلك دليلٌ معتمَدٌ . قال البلقينيُّ: بلِ ((الحمدُ لله ربِّ العالمين))؛ لأنَّه فاتحةُ الكتاب، وآخرُ دعوى أهلِ الجنةِ، فينبغي الجمعُ بينهما . ونقلَ في ((الرَّوضةِ)) عن إبراهيمَ المُرُّوذيِّ(٢) أنَّ أبلغَ ألفاظِ الصلاةِ: ((اللَّهُمَّ صلِّ على محمدٍ، كُلَّما ذكره(٣) الذَّاكرون، وغَفَل عن ذِكْرِهِ الغافِلونَ)) (٤) . ثم قال : والصوابُ الذي ينبغي أنْ يُجْزَمَ به ، أنَّ أبلَغها ما علَّمه النبيُّ وَلَّه لأصحابه، حيثُ قالوا: كيف نُصلي عليكَ؟ فقال: ((قُولوا: اللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ ، كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ ، (٢) في ((ص): ((المروزي)). (١) في ((ص)): ((يستملي)) . (٣) في ((ص)) و((م)): ((ذكرك)). (٤) ليس في ((ص)) و((م)). وهذا الاستحسان مبني على أن الشافعي ◌ُّ افتتح به بعض كتبه، كـ((الرسالة))، والله أعلم . ١٠٩ معرفة آداب المحدث وبارِكْ على مُحمدٍ وعَلى آلٍ محمدٍ، كما بَارَكْتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إِنَّك حميدٌ مجيدٌ)) . (ثُمَّ يقول) المستملي (للمحدِّثِ) المملي: ((مَنْ) ذكرتَ - أي : من الشيوخ - (أو ما ذكرتَ) أي: من الأحاديث: (رَحِمك اللَّهُ، أو رضي عَنْكَ))، وما أشبهه) . قال يحيى بنُ أكثم(١) (٢): نِلتُ القَضَاءَ، أو قضاءَ القُضاةِ والوزارةِ، وكذا وكذا، ما سررتُ بشيءٍ مثل قولِ المستملي: ((مَنْ ذكرتَ رحِمَكَ اللَّه)) . (وَكُلَّمَا ذِكَرَ النَّبِيَّ نَّهِ صلَّى) المستملي (عليه وسلّم). (قال الخطيبُ (٣): ويرفعُ بها صوتَهُ، وإذا ذَكَرَ صحابيًّا رضَّى عليه، فإن كان ابنَ صحابيٍّ قال: ((رضيَ اللَّهُ عنهما))). وكذا يترخَّمُ على الأَئِمةِ، فقد روى الخطيبُ (٤) أنَّ الرَّبيعَ بنَ سُليمان قال له القارئُ يومًا: ((حدَّثكم الشافعيُّ))، ولم يقل: ((رضي اللهُ عنهُ))، فَقَالَ الربيعُ: ولا حَرْف، حتَّى يُقَالَ: ((رضي اللَّهُ عنهُ)) . (ويَحْسُنُ بالمحدِّثِ الثناءُ على شيخِهِ حالَ الروايةِ) عَنه (بما هو أَهْلُهُ ، كما فَعَلَهُ جماعاتٌ من السَّلَفِ) كقولِ أبي مسلم الخولانيِّ: حدَّثني الحبيبُ الأمينُ عوفُ بنُ مُسلمٍ . (١) في ((م)): ((أكتم)) بالمثناة الفوقية . (٣) ((الجامع)) (١٠٣/٢). (٢) ((الجامع)) (٧١/٢). (٤) ((الجامع)) (١٠٦/٢). ١١٠ النوع السابع والعشرون وكَقَولِ مَسْروقٍ (١): حدَّثَتْنِي الصِّدِّيقةُ بنتُ الصُّدِيقِ حَبيبةُ حبيبِ اللَّهِ المُبَرَّأةُ . وكَقَولِ (٢) عَطاءٍ: حدَّثَني البحرُ - يعني : ابنَ عباسٍ . وكَقَولِ شُعبةً : حدَّثني سيدُ الفُقهاءِ أيوبُ . وكَقَولِ وَكيع: حدَّثنا سُفيانُ أميرُ المؤمنين في الحَدِيثِ . (وَلْيَعْتَنِ بالدُّعاءِ لهُ (٣) فهوَ أَهَمُّ) من الثناءِ المذكورِ . ويجمعُ في الشيخِ بين اسمِهِ وكُنيتِهِ، فهو أبلغُ في إِعْظامِهِ . قال الخطيبُ (٤) : لكنْ يقتصرُ في الرواية على اسم مَن لا يشكل، كأيوبَ، ويونسَ، ومالكِ، والليثِ ، ونحوِهم، وكذا على نِسْبة من هو مشهورٌ بها كابنِ عونٍ، وابن جُريجٍ، والشّعبيِّ، والنَّخعيِّ، والثوريٍّ، والزُّهْرِيِّ، ونحو ذلك . (ولا بأسَ بِذِكْرٍ مَنْ يَروي عنه بلقَبٍ) كَغُندَر، (أو وَصْفٍ) كالأعْمِشِ، (أو حِرْفَةٍ) كالحَّطِ (٥)، (أو أمِّ) كابنٍ عُلَيَّةَ، وإن كرِهِ ذلك، إذا (عُرِفَ بِها)، وقَصَدَ تعريفَهُ لا عَيْبَهُ . (١) ((الجامع)) (٨٥/٢). (٢) في ((ص)): ((وقول)). (٣) في ((ص))، و((م)): ((لهم))، والمثبت أشبه، وهو كذلك في المطبوع، وانظر ((مقدمة ابن الصلاح)» (ص: ٢٤٨). (٤) ((الجامع)) (٧٢/٢) . (٥) في ((ص)): ((كالخياط)). ١١١ معرفة آداب المحدث وَيُستَحَبُّ أَن يَجِمَعَ فِي إِملائِهِ جَمَاعَةً مِن شُيُوخِهِ مُقَدِّمًا أَرَجَحَهُم، وَيَروِيَ عَن كُلِّ شَيخِ حَدِيثًا، وَيَخْتَارَ مَا عَلَا سَنَدُهُ وَقَصُرَ مَتْنُهُ، وَالمُستَفَادَ مِنهُ، وَيُنَبِّهَ عَلَى صخَّتِهِ، وَمَا فِیهِ مِن عُلُوِّ وَفَائِدَةٍ، وَضَبطِ مُشكِلٍ، وَلْيَتَجَنَّبْ مَا لَا تَحَتَمَلُهُ عُقُولُهُم وَمَا لا يَفْهَمُونَهُ، وَيَخْتِمُ الإِمِلَاءَ بِحِكَايَاتٍ، وَنَوَادِرَ، وَإِنْشَادَاتٍ بِأْسَانِيدِهَا، وَأُولَاهَا مَا في الزُّهدِ، وَالآدَابِ، وَمَكَّارِمِ الأخْلَاقِ. وَإِذَا قَصَرَ المُحَدِّثُ أَو اشتَغَلَ عَن تَخْرِيجِ الإِملاءِ، استَعَانَ بِبَعضِ الْحُفَّاظِ، وَإِذَا فَرَغَ الإِملاءُ قَابَلَهُ وَأْتَقَنَهُ. (ويُسْتَحبُّ) للمُملي (أن يجمعَ في إِملائِهِ) الرِّوايةَ عن (جماعةٍ من شُيوخِهِ)، ولا يقْتصرُ على شيخ واحدٍ (مقدِّمَا أَرجَحَهم) بعلوٌ سندٍ أو غيرِهِ، ولا يَروي إلا عن ثقات شُيوخِهِ، دون كذَّابٍ أو فاسقٍ أو مُبتدعٍ . روى مسلمٌ في مقدمة «صحيحه)) (١) عنِ ابنِ مَهْدِي قال: لا يكونُ الرجلُ إمامًا وهو يُحدِّثُ بكل ما سَمِعَ، ولا يكون الرجلُ إمامًا وهو يُحدِّثُ عن كلِّ أحدٍ . (ويَروِيَ عنْ كُلِّ شَيْخِ حَديثًا) واحدًا في مجلسٍ، (ويَخْتارَ) من الأحاديثِ (ما علا سَنَدُه وَقَصُرَ متنُهُ) وكان في الفقهِ، أو الترغيبٍ . قال عليُّ بن حُجرٍ : (١) (ص : ٨ - ٩). ١١٢ النوع السابع والعشرون في كلِّ يومٍ سِوَىُ ما يُعادُ وظيفتنا (١) مائةٌ للغریبِ أحاديثُ فقهٍ قِصَارٌ جِيَادُ شَرِيكيَّة أو هُشَيمِيَّة (و) يتحرَّى (المستفاد منه، ويُتَبِّه عَلَى صِحَّتِهِ) أي الحديثِ، أو حُسْنِهِ ، أو ضَعْفِهِ، أو عِلَّتِهِ إنْ كان مَعلولًا، (و) على (ما فِيهِ مِنْ عُلُوٌّ ) وجلالةٍ في الإسناد، (وفائِدةٍ) في الحديثِ أو السَّندِ ، كتقديم تاريخ سَماعِهِ، وانفرادِهِ عن شَيخِهِ ، وكونِهِ لا يُوجَدُ إلا عِنده، (وضَبْطِ مُشْكِلٍ) في الأسماءِ، أو غريبٍ، أو معنّى غامضٍ في المتنِ . ( وليَتَجَنَّبْ(٢)) مِنَ الأحاديثِ (ما لا تَحْتَمِلُهُ(٣) عِقُولُهُم، وما لا يَفْهَمُونَهُ) كأحاديثِ الصفاتِ؛ لما (٤) لا يُؤمَنُ عليهم من الخطإِ والوهْمٍ، والوقوعِ في التَّشبيهِ والتجسيم . فقد قال عليٍّ: تُحبُّون أن يُكذَّبَ اللَّهُ ورسولُه؟! حدِّثوا الناسَ بما يَعْرِفون، ودَعُوا ما يُنكِرون. رواهُ البخاريُّ(٥). ورَوى البيهقيُّ في ((الشُّعبِ)) (٦) عن المقدام بن معدِي كرب عَن رسولِ اللَّهِ وَلّه قال: ((إذا حدَّثتم الناسَ عن ربِّهم، فلا تُحدِّثوهم بما يغربُ ويَشُقُّ عليهم)) . (١) في ((ص))، ((م)): ((وظيفتها)). والتصحيح من ((الثقات)) لابن حبان (٤٦٨/٨)، و((الكامل)) (١٣٢٦/٤)، و((الجامع)) للخطيب (٢١٦/١)، و((سير الأعلام)) (٥١٢/١١)، و((تهذيب الكمال)) (٣٥٩/٢٠). (٢) في ((ص)): ((وليجتنب)). (٤) في (ص)): ((لمن)). (٦) (٢/ ٢٨١) . (٣) في (ص))، ((م)): ((تحمله)). (٥) ((الصحيح)) (٤٤/١). ١١٣ معرفة آداب المحدث وقال ابنُ مسعودٍ : ما أنتَ بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تَبْلُغُه عُقولُهُم ، إلا كان لبعضِهم فتنةً. رواهُ مُسلمٌ(١) . قال الخطيبُ (٢): ويَجتنبُ أيضًا في رِوايتهِ للعوام أحاديثَ الرُّخَصِ ، وما شَجَرَ بينَ الصَّحابةِ ، والإسرائيلياتِ . (ويختَ الإملاءَ بحكاياتٍ، ونَوادِرَ، وإنشادَاتٍ بأسانِيدِها) كعادةٍ الأئمةِ في ذلك . وقد اسْتَدلَّ له الخطيبُ (٣) بما رَواه عن عليٍّ، قال: رَوْحُوا القُلُوبَ وابْتَغُوا لها طُرَفَ الحِكْمَةِ . وكان الزُّهريُّ (٤) يقولُ لأصحابِهِ : هاتُوا مِن أَشْعَارِكُم، هاتُوا من حديثكم ؛ فإنَّ الأُذن مجةٌ، والقَلْب حمضٌ . (وأَوْلاها ما في الزُّهدِ، والآدابِ، ومَكَارِمِ الأخلاقِ) هذا من زوائدِ المصنّف . (وإذا قصرَ المحدِّثُ) عن تخريج الإملاءِ لقصورِهِ عن المعرفةِ بالحديث، وعِلَلِهِ، واختلافِ وجوهه، (أو اشتَغَلَ عن تخريج الإملاءِ، استعانَ ببعضِ الحفّاظِ) في تخريج الأحاديثِ التي يريد إِملاءَها قبلَ يومٍ مجلسِهِ، فقد فعَلهُ جماعةٌ كأبي الحُسينِ ابن بشران، وأبي القَاسم السَّرَّاجِ ، وخلائقَ . (١) ((مقدمة الصحيح)) (٩/١). (٣) ((الجامع)) (١٢٩/٢). (٢) «الجامع)) (١١٩/٢). (٤) ((الجامع)) (١٣٠/٢).