النص المفهرس

صفحات 821-840

٧٤
النوع السادس والعشرون
وَإِذَا سَمِعَ مِن جَمَاعَةٍ مُصَنَّفًا، فَقَابَلَ نُسخَتَهُ بِأصلِ بَعضِهم ، ثُمّ
رَوَاهُ عَنْهُم، وَقَالَ: ((اللَّفظُ لِفُلانٍ))، فَيَحْتَمِلُ جَوَازُهُ وَمَنعُهُ.
(السابعُ: إذا كان الحديثُ عندَه عن اثنينٍ أو أكثرَ) مِنَ الشيوخ(١)
(واتَّفَقَا في المعنى دونَ اللفظِ، فله جمعُهما) أو جَمْعُهُم (في الإسنادِ)
مُسمَّينَ (ثم يسوقُ الحديثَ على لفظِ) روايةِ (أحدِهما، فيقولُ: («أنا فلانٌ
وفلانٌ، واللفظُ لفلانٍ))، أو ((هذا لفظُ فلانٍ))).
وله أن يَخُصَّ فعل القولِ مَن له اللفظُ، وأنْ يأتيَ به لهما فيقول -
بَعْدَما تقدَّمَ - (((قال أو قالا: أنا فلانٌ)) و نَحوَه من العباراتِ) .
(ولمسلم في ((صحيحهِ)) (٢) عبارةٌ حسنٌ) أَفْصحُ ممَّا تقدَّم (كقولِهِ:
((حدَّثنا أبو بكر) ابنُ أبي شيبةَ (وأبو سعيد) الأشجُّ (كلاهما، عن
أبي خالدٍ، قال أبو بكرٍ: حَدَّثنا أبو خالدٍ، عن الأعمشِ))، فظاهرُهُ)
حيثُ أعادَه ثانيًا (أنَّ اللفظَ لأبي بكرٍ).
قال العراقيُّ (٣): ويَحتملُ أنَّ أعادَه لبيان التصريح بالتحديثِ، وأنَّ
الأشجَّ لم يُصرّخ .
(فإنْ لم يَخُصَّ) أحدَهما بِنِسْبَةِ اللفظِ إليه، بَلْ أَتَى ببعضٍ لفظِ هذا
وبعضٍ لفظِ الآخرِ (فقال: ((أَخْبَرنا فلانٌ وفلانٌ وتقاربا في اللفظِ))) أو
((والمعنى واحدٌ)) (قالا: ثنا فلانٌ)). جازَ على جوازِ الروايةِ بالمعنى) دُونَ
ما إذا لم يُجوّزها .
(١) في ((م): ((شیوخه)) .
(٣) ((التبصرة)) (١٨٤/٢، ١٨٥).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٢/ ١٣٣).

٧٥
صفة رواية الحديث
قال ابنُ الصلاح(١): وقولُ أبي داود: ((ثنا مسَدَّدٌ وأبو توبةَ المَعْنَى،
قالا: حذَّثنا أبو الأحوص)). يَحتملُ أنْ يكونَ مِن قبيل الأول، فيكون
اللفظُ لمسدَّدٍ، ويُوافقُه أبو توبة في المعنى، ويَحتملُ أنْ يكونَ مِن قبيل
الثاني، فلا يكونُ أوردَ لَفْظَ أحدِهما خاصَّةً ، بَل رواه عنهما بالمعنى.
قال: وهذا الاحتمالُ يقربُ في قولِ مسلم: ((المعْنى واحدٌ))(٢).
(فإنْ لم يَقُلْ) أيضًا ((تقَارَبا)) ولا شِبْهَه (فلا بأسَ به) أيضًا (على جوازِ
الروايةِ بالمعنى، وإنْ كان قد عِيب به البخاريُّ أو غَيرُهُ .
وإذا سَمِعَ من جماعةٍ) كتابًا (مصنَّفًا، فقابل نسخَته بأصلِ بعضِهم)
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٣٣).
(٢) كذا نسب السيوطي هذا القول إلى مسلم، عازيًا ذلك لابن الصلاح، والذي في
((مقدمة ابن الصلاح)) (ص٢٣٣) عزوه لأبي داود، قال ابن الصلاح بعدما نقله عنه
السيوطي مختصرًا :
((وهذا الاحتمال يقرب في قوله: حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل -
المعنى واحد .، قالا : حدثنا أبان)).
فقول ابن الصلاح: ((قوله))، الضمير فيه عائد على أبي داود، لا على مسلم، ولعله
وقع في نسخة السيوطي من كتاب ابن الصلاح سقط، فلما جاء ذكر ((مسلم بن
إبراهيم)) . وهو: الفراهيدي - ظنه السيوطي مسلم بن الحجاج صاحب ((الصحيح)).
أو لعله لما ذكر مسلم بن الحجاج قبله اشتبه على السيوطي على من يعود الضمير في
((قوله))، فحمله على مسلم بن الحجاج .
ثم إن مسلمًا لا يعرف بهذا الصنيع في كتابه ((الصحيح))، بخلاف أبي داود، فهو
يستعمله كثيرًا، وموضع هذا المثال بعينه في ((السنن)) في الحديث برقم (٢٦٥٩)،
حديث: ((من الغيرة ما يحب اللَّه، ومنها ما يبغض اللَّه)) . الحديث .
.........

٧٦
النوع السادس والعشرون
دون الباقي (ثم رواه عنهم) كُلُّهم (وقال: ((اللفظُ لفلانٍ))) المقابَلِ بأصْلِهِ
(فيَحتمِلُ جوازُهُ) كالأوَّلِ؛ لأنَّ ما أوردَهُ قد سَمِعَهُ بنصه ممَّن يذكرُ أنَّهُ
بلفظِهِ (١)، (و) يَحتمِلُ (منعُهُ) لأنه لا علمَ عِنده بكيفيةِ روايةِ الآخَرِين
حتى يخبرَ عنها، بخلافِ ما سَبق؛ فإنَّه اطّلع فيه على موافقة المعنى.
قاله(٢) ابنُ الصلاح(٣) .
وحكَاه أيضًا العراقيُّ (٤) ولم يرجِّح شيئًا مِنَ الاحتمالينِ .
وقال البدرُ ابنُ جَماعة في ((المنهل الروي))(٥) : يَحتملُ تفصيلاً آخرَ ،
وهو : النظرُ إلى الطُّرُقِ، فإنْ كانتْ متباينةً بأحاديثَ مستقلةٍ لم يَجُزْ، وإن
كان تفاوتُها(٦) في ألفاظٍ، أو لُغاتٍ، أو اختلافِ ضبطٍ، جازَ.
الثَّامِنُ: لَيسَ لَهُ أَن يَزِيدَ فِي نَسَبٍ غَيٍ شَيخِهِ أَو صِفَتِهِ إِلَّا أَن
يميز، فَيَقُولَ: ((هُوَ ابنُ فُلانٍ، الفُلانِيَّ))، أَو ((يَعْنِي: ابنَ
قُلانٍ))، وَنَحوَهُ. فَإِن ذَكَرَ شَيخُهُ نَسَبَ شَيخِهِ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ ،
ثُمَّ اقتَصَرَ فِي بَاقِي أَحَادِيثِ الكِتَابِ عَلَى اسمِهِ أَو بَعضٍ نَسَبِهِ -
فَقَد حَكَى الَخَطِيبُ عَن أكثَرِ العُلَمَاءِ جَوَازَ رِوَايَتِهِ تِلكَ
الأَحَادِيثَ مَفصُولةٌ عَنِ الْأَوَّلِ، مُستَوفِيًا نَسَبَ شَيخِ شَيخِهِ .
وَعن بَعضِهم : الأولَى أَن يَقُولَ: «يَعنِي: ابنَ فُلانٍ)). وعَن عَلِيِّ
(١) في ((ص)): ((لفظه)).
(٣) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٣٣).
(٥) (ص : ١٠٢).
(٢) في ((م)): ((قال)).
(٤) ((التبصرة)) (١٨٥/٢، ١٨٦).
(٦) في ((ص)): ((تفاوتهما)).

٧٧
صفة رواية الحديث
ابنِ المَدِينِيِّ وَغيِهِ يَقُولُ: ((حَدَّثَنِي شَيخِي أَنَّ فُلانَ ابنَ فُلانٍ
حَدَّثَهُ))، وَعَنِ بَعضِهِم: ((أَنَا فُلانٌ هُوَ ابنُ فُلانٍ))، واستَحَبَّهُ
الْخَطِيبُ، وَكُلُّهُ جَائِزٌ، وَأولاهُ: ((هُوَ ابنُ فُلانٍ))، أَو ((يَعْنِي:
ابنَ فُلانٍ))، ثُمَّ قَوِلُهُ: ((أَنَّ فلانَ ابنَ فُلانٍ))، ثُمَّ أَن يَذْكُرَهُ
بِكَمَالِهِ مِن غَیرِ فَصلٍ .
( الثامنُ : ليس له أن یزیدَ في نسبٍ غیرِ شیخِهِ) من رجالِ الإسنادِ (أو
صفتِهِ) مُذْرِجًا ذلك حيث (١) اقتصرَ شيخُهُ على بَعضِهِ (إلا أن يميز (٢)
فيقول) مثلًا ((هو ابنُ فلانِ الفلانيُّ))، أو ((يعني ابنَ فلانٍ))، ونحوه)
فيجوزُ(٣)، فَعَل ذلك أحمدُ وغيرُهُ .
(فإن ذكَرَ شيخُه نَسَبَ شيخِهِ) بتمامِهِ (في أولِ حديثٍ ، ثم اقتصرَ في
باقي أحاديثِ الكتابِ على اسمهِ، أو بعضٍ نسبِهِ، فقد حكَى الخطيبُ (٤)
عن أكثرِ العلماءِ جوازَ روايتِهِ تلكَ الأحاديثَ مفصولةً عن) الحديثِ
(الأول، مستوفيًا نَسَبَ شيخِ شیخِهِ .
و) حَكَى (عن بعضِهم) أنَّ (الأولى) فيه أيضًا (أنْ يقولَ: ((يعني ابنَ
فلان)) .
و) حكَى (عن عليّ بنِ المدينيّ وغيرِهِ) - كشيخِهِ أبي بكرِ الأصبهانيّ
الحافظِ - أنَّه (يقولُ: «حَدَّثَنِي شيخي أنَّ فلانَ ابنَ فلانٍ حَدَّثه» .
(١) في (م): ((بحيث)).
(٣) في ((م)): ((فجوَّز)).
(٢) في ((ص)): ((يميزه)).
(٤) ((الكفاية)) (ص: ٣٢٣).

٧٨
النوع السادس والعشرون
و) حكَى (عن بعضِهم) أنه يقول: (أنا فلان، هو ابنُ فلانٍ .
واسْتَحَبَّهُ) أي هذا الأخيرَ (الخطيبُ) لأن لفظَ ((أنَّ)) استعملها قومٌ في
الإجازةِ كما تقدَّم .
قال ابنُ الصلاح(١): (وكلُّه جائزٌ، وأَوْلاه) : أن يقول : (هو ابنُ
فلانٍ، أو يعني ابنَ فُلانٍ، ثُم) بعدَه: (قولُهُ: ((أَنَّ فلانَ ابنَ فلانٍ))، ثُمَّ)
بَعدَه (أن يذكرَهُ بكمالِهِ من غيرِ فضْلٍ).
• تنبية :
قال في ((الاقتراح)): ومِن الممنوعِ أيضًا أن يزيدَ تاريخَ السماع إذا لم يذكُرْه
الشيخُ، أو يقول: ((بقراءةِ فلانٍ)) أو ((بتخريج فلانٍ)). حيثُ لَم يَذكُرْه.
التَّاسِعُ : جَرَتِ العَادَةُ بِحَذْفِ ((قَالَ)) وَنَحوِهِ بَيْنَ رِجَالِ الإِسنَادِ
خَطًّا، وَيَنْبَغِي لِلقَارِئِ اللَّفظُ بِهَا، وَإِذَا كَانَ فِيهِ: ((قُرِئْ عَلَى
فُلانٍ أخبَرَكَ فُلانٌ))، أَو ((قُرئَ عَلَى فُلانٍ ثَنَا فُلانٌ)) - فَلِيَقُل
القَارِئُ فِي الأوَّلِ ((قِيلَ لَهُ: أَخْبَرَكَ فُلانٌ))، وفي الثَّاني ((قال : ثمَا
فُلانٌ)). وَإِذَا تَكرَّرَ لفظُ ((قَالَ)) كَقَولِهِ: ((حدَّثْنَا صالِحُ، قَالَ:
قَالَ الشّعْبِيُّ))، فَإِنْهُمْ يَحِذِفُونَ أحَدَهُمَا خَطًّا، فليَلِفِظ بِهِمَا
القَارِئُ، وَلَوْ تَرَكَ القَارِئُ ((قَالَ)) فِي هَذَا كُلِّهِ فَقَد
أَخطَّأَ ، وَالظَّاهِرُ صِحَّةُ السَّمَاعِ.
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٣٥).

٧٩
صفة رواية الحديث
(التاسعُ : جَرَت العادةُ بحذفِ ((قال)» ونحوِهِ بينَ رجالِ الإسنادِ خطًا)
اختصارًا (وينبغي للقارئِ اللَّفظُ بها) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ولا بدُّ من ذِكْرِهِ
حالَ القراءةِ .
(وإذا كان فيه ((قُرِئَ على فلانٍ أخبرك فلانٌ))، أو ((قُرئَ على فلانٍ ثنا
فلانٌ))، فليقل القارئ في الأولِ: ((قيل له أخبرك فلانٌ))، وفي الثاني :
((قال ثنا فلانٌ))) .
قال ابنُ الصلاحِ: وقد جَاء هذا مصرحًا به خطًّا (١).
قلتُ: وينبغي أنْ يُقالَ في ((قرأتُ على فلانٍ)): ((قلتُ له: أَخبرَكَ
فلانٌ)) .
(وإذا تكرر لفظُ ((قال)) كقولهِ: ) أي: البخاري (((حدثنا صالح) بن
حَيَّان، (قال: قال) عامرٌ (الشعبيُّ)). فإنهم يحذفون أحدهما خطًا)،
وهي الأولى فيما يَظهرُ، (فليلفظُ بهما القارئُ) جميعًا .
قال المصنّفُ - مِن زِيادتِهِ - : (ولو تَرَكَ القارئُ ((قال)) في هذا كلّه
فقد أخطأ، والظاهرُ صحةُ السماع) لأنَّ حذفَ القولِ جائزٌ اختصارًا، جاءَ
به القرآنُ العظيمُ، وكذا قال ابنُ الصلاح(٢) أيضًا في ((فتاويه)) معبرًا
بـ((الأظهرِ)) .
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٣٥، ٢٣٦).
(٢) ((فتاوى ابن الصلاح)) (ص: ٤٥، ٤٦).

٨٠
النوع السادس والعشرون
قال العراقيُّ (١) : وقد كان بعضُ أئمةِ العربيةِ وهو العلامة شهابُ الدِّينِ
عبدُ اللطيف بن المرحل يُنكرُ اشتراطَ المُحدِّثين التلفُّظَ(٢) بـ ((قال)) في أثناءِ
السَّندِ، وما أَدرِي ما وجهُ إنكارِهِ؛ لأنَّ الأصلَ هو الفصلُ بين كلامي
المتكلّمَيْنِ للتمييزِ بينهما، وحيث لم يفصلْ فهو مُضمَرٌ، والإضمارُ
خلافُ الأصلِ .
قلت: وجهُ ذلك في غاية الظهور؛ لأنَّ ((أخبرنا)) و((حدَّثنا)) بمعنى
((قال لنا))، إذْ ((حدَّث)) بمعنى ((قال))، و((نا)) بمعنى ((لنا))، فقوله :
((حدَّثنا فلانٌ، حدَّثنا فلانٌ)) معناه: ((قال لنا فلانٌ: قال لنا فلانٌ)) وهذا
واضحٌ لا إشكالَ فیه .
وقد ظَهرَ لي هذا الجوابُ وأنا في أوائلِ الطلبِ، فعرضتُهُ لبعضٍ
المُدَرِّسين فلم يهتد لفهمِهِ، لجَهْلِهِ بالعربيةِ، ثم رأيتُهُ بعدَ نحوٍ عشرٍ (٣)
سِنِين منقولًا عن شيخ الإسلام، وأنَّهُ كان ينصرُ هذا القولَ ويُرجِّحه، ثم
وقفتُ عليه بخطِّه، فللَّه (٤) الحمدُ .
● تنبية :
مما يُحذَفُ في الخطّ أيضًا - لا في اللفظِ - لفظُ: ((أنَّه))؛ كحديثٍ
البخاريِّ : عن عطاءِ بن أَبي ميمونةَ ، سَمعَ أنسَ بنَ مالكِ. أي: أنه
سمع .
(١) ((التبصرة)) (١٥٥/٢).
(٣) في ((ص)): ((عشرين).
(٢) في ((ص)): ((اللفظ)).
(٤) في ((ص)): ((وللَّه)).
٠٠١٠٠٠٠
*-----

٨١
صفة رواية الحديث
قال ابنُ حَجرٍ في ((شرحه)) (١): لفظُ (٢) ((أنه)) تُحذَفُ في الخطِّ عُرفًا .
العَاشِرُ: النُّسَخُ وَالْأَجزَاءُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى أحَادِيثَ بِإِسنَادٍ وَاحِدٍ
كَتُسخَةِ هَمَّامٍ عَن أبِي هُرَيرَةَ - مِنْهُم مَن يُجَدِّدُ الإِسْنَادَ أَوَّلَ كُلِّ
حَدِيثٍ، وَهُوَ أَحوَطُ . وَمِنْهُم مَن يَكتَفِي بِهِ فِي أُوَّلِ حَدِيثٍ، أَو
أَوَّل كُلِّ مَجلِسٍٍ، وَيُدرِجُ البَاقِي عَلَيهِ قَائِلًا في كُلِّ حَديثٍ :
((وبِالإِسنَادِ)) أَو ((وَبِهِ))، وَهُوَ الأغلَبُ.
فَمَنْ سَمِعَ هَكَذَا، فَأَرَادَ رِوَايَةَ غَيْرِ الأَوَّلِ بِإِسِنَادِهِ، جَازَ عِنْدَ
الْأكثَرِينَ، وَمنَعَهُ أَبُو إِسَحَاقَ الإِسفَرَائِينِيُّ وَغيرُهُ .
فَعَلَى هَذَا؛ طَرِيقُهُ أَن يُبَيِّنَ، كَقَولٍ مُسلِمٍ: ثَنَا تُحَمَّدُ بنُ رَافِعٍ،
ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَّا مَعمَرٌ عَن هَمَّامٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثْنَا
أَبُو هُرَيرَةَ - وَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَ له: ((إِنَّ
أدنَى مَقعَدِ أحَدِكُم في الجنة)) - الحَدِيثَ، وَكَذَا فَعَلَهُ كَثِرٌ مِنَ
المُؤْلِّفِينَ.
وَأُمَّا إِعَادَةُ بَعض الإِسنَاد آخِرَ الكِتَابِ ؛ فَلا يَرفَعُ هَذَا الخِلافَ،
إِلَّا أَنَّهُ يُفِيدُ الاحتِيَاطِ وَإِجَازَةً بَالِغَةً مِن أُعَلَى أَنْوَاعِهَا .
(١) ((فتح الباري)) (٢٥٢/١).
(٢) في ((ص): «لفظة)).
.... .. !!

٨٢
النوع السادس والعشرون
(العاشرُ : النُّسَخُ) المشهورة (والأجزاءُ المشتملةُ على أحاديثَ بإسنادٍ
واحدٍ، كنسخةِ هَمَّام) بن منبه (عن أبي هُريرةً) رواية عبد الرزَّاق عن
معمر عنه .
(منهم مَن يجددُ الإسناد) فيَذكرُهُ (أول كلِّ حديثٍ) مِنها (وهو
أحوطُ) وأكثرُ ما يُوجَد في الأُصولِ القديمةِ، وأوجبهُ بعضُهم .
(ومنهم مَنْ يكتفي به في أولِ حديثٍ) منها (أو أول (١) كلِّ مجلسٍ)
من سماعها (ويُذْرِجُ الباقي عليه قائلًا في كلِّ حديثٍ) بعدَ الحديثِ الأوَّلِ
(((وبالإسناد))، أو ((وبه))، وهو الأغلبُ) الأكثرُ.
(فمن سَمِع هكذا فأراد روايةَ غيرِ الأولِ) مُفردًا عنه (بإسنادِهِ، جاز) له
ذلك (عندَ الأكثرينَ)، مِنهم: وكيعٌ وابنُ معينٍ والإسماعيليُّ؛ لأنَّ
المعطوفَ له حُكم المعطوفِ عليه، وهو بمثابةِ تقطيع المتنِ الواحدِ في
أبوابٍ بإسنادِهِ المذكورِ في أوَّله .
( ومَنَعَهُ) الأستاذُ (أبو إسحاقَ الإسفرائينيُّ وغيرُهُ) كبعضٍ أهل
الحديثِ ، رَأَوْا ذلك تدليسًا .
(فعلى هذا؛ طريقهُ : أَنْ يبينَ) ويَحكِي ذلك، وهو على الأوَّلِ أَحسنُ .
(كقولٍ مسلم)(٢) في الرواية من نُسخةِ هَمام : (ثَنا محمدُ بنُ رافع،
ثنا عبدُ الرزاقِ، أنا معمر عن همام) بنِ مُنَبِّهِ، بكسرِ الموحّدة المشدَّدِ
(١) في ((ص)): ((وأول)).
(٢) ((صحيح مسلم)) (١١٤/١).

٨٣
صفة رواية الحديث
(قال: هذا ما حدَّثنا أبو هريرةَ، وذكرَ أحاديثَ منها : وقال رسولُ اللَّهِ
وَ لَّه: ((إنَّ أَدْنى مَقعدِ أحدِكُمْ فِي الجَنَّةِ)) الحديث).
واطَّدَ لمسلمٍ ذلك (وكذا فَعَلَهُ كثيرٌ مِن المؤلفينَ).
وأمَّا البُخاريُّ فإنَّه لم يَسلُكْ قاعدةً مطردةً، فتارةً يذكرُ أوَّل حديثٍ في
النُّسخةِ، ويَعطِفُ عليه الحديثَ الذي ساق الإسنادَ لأجْلِهِ .
كقولِهِ (١) في ((الطهارةِ)): ثنا أبو اليَمانِ، أنا شُعيبٌ، ثنا أبو الزِّنادِ،
عن الأعرج، أنَّه سمِعَ أبا هريرَةَ، أنَّه سمعَ رسولَ اللَّهِ وَ له يقول: ((نحنُ
الآخرُونَ السَّابِقونَ)). وقال: ((لا يُيُولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائِمِ)) الحديث .
فَأَشْكَلَ على قوم ذِكْرُهُ ((نَحْنُ الآخِرِونَ السَّابِقُونَ)) في هذا البابِ ، وليس
مرادُهُ إلا ما ذكَرْنَاهُ، وتارةً يَقتصرُ على الحديثِ الذي يُريدُه، وكأنَّهُ أرادَ
بيانَ أنَّ كلَّ من الأمرينِ جائزٌ .
(وأما إعادةُ بعض) المُحدِّثِينَ(٢) (الإسناد آخرَ الكِتابِ) أو الجزءِ(٣)
(فلا يرفعُ هذا الخلافَ) الذي يمنعُ إفرادَ كُلِّ حديثٍ بذلك الإسنادِ عِند
رِوايتها؛ لكونه لا يقعُ مُتَّصلًا بواحدٍ منها .
(إلا أنه يفيدُ الاحتياط، و) يَتَضَمَّنُ (إجازةً بالغةً من أعلى أنواعِها) .
قلتُ : ويُفيدُ سماعَه لمن لم يَسْمَعْهُ أولًا .
(١) (صحيح البخاري)) (٦٨/١، ٦٩).
(٢) في ((م)): ((من المحدثين)).
(٣) في ((ص)): ((الخبر)).

٨٤
النوع السادس والعشرون
الَحَادِي عَشَرَ: إِذَا قَدَّمَ الْمَتْنَ: كـ((قَالَ النَّبِيُّ عَلِ كَذَا))، أَو
المَتْنَ وَأَخَّرَ الإِسِنَادَ: كَ ((رَوّىْ نَافِعٌ عَنِ النَّبِيِّ عَلِ كَذَا))، ثُمَّ
يَقُولُ: ((أَخبرَنَا بِهِ فُلانٌ عَنْ فُلانٍ)) حَتَّى يَتَّصِلَ - صَحَّ وَكَانَ
مُتَّصِلًا، فَلَوْ أَرَادَ من سَمِعَهُ هَكَذَا تَقدِيمَ جَميع الإسنَادِ، فَجَوَّزَهُ
بَعضُهُم، ويَنْبَغِي فِيهِ خِلافٌ كَتَقدِيمٍ بَعض المَتَنِ عَلَى بَعضٍ؛
◌ِنَاءَ عَلَى مَنْعِ الرِّوَايَةِ بِالَعنَى.
وَلَو رَوَىْ حَديثًا بِإِسِنَادٍ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بإسناد آخر، وقَالَ فِي
آخِرِهِ: «مِثْلَهُ»، فَأَرَادَ السَّامِعُ رِوَايَةَ الْمَتَنِ بِالإِسنَادِ الثَّانِ -
فَالْأَظهَرُ مَنعُهُ، وَهُوَ قَولُ شُعبَةَ، وَأَجَازَهُ الثَّورِيُّ وَابنُ مَعِينٍ إِذَا
كَانَ مُتَحَفّظًا مُمَيِّزًا بَيْنَ الْألفَاظِ، وَكَانَ جَمَاعٌ مِن العُلَمَاءِ إِذَا
رَوَىْ أَحَدُهُم مِثْلَ هَذَا ذَكَرَ الإِسنَادَ، ثُمَّ قَالَ: ((مِثلَ حدِيثٍ
قَبلَهُ مَتنُهُ كَذَا))، وَاخْتَارَ الخَطِيبُ هَذَا.
وَأَمَّا إِذَا قَالَ: «نَحوَهُ))، فَأَجَازَهُ الثَّورِيُّ، وَمنَعَهُ شُعبَةُ وَابنُ
مَعِین .
قَالَ الْخَطِيبُ: فَرَقُ ابْنِ مَعِينٍ بَيْنَ «مِثْلَهُ)» و«نَحوَهُ» يَصِحُ عَلَى
مَنْعِ الرِّوَايَةِ بِالمَعنَى، فَأَمَّا عَلَى جَوَازها فلا فَرِقَ. قالَ الْحَاكِمُ :
يَلْزَمُ الحَدِيثِي مِنَ الإِتقَانِ أَن يُفَرِّقَ بَينَ ((مِثْلَهُ)) و(نَحوَهُ))؛ فَلاَ

٨٥
صفة رواية الحديث
يَجِلِ أَن يَقُولَ: ((مِثْلَهُ)) إِلَّ إِذَا انْفَقَا فِ اللَّفْظِ، وَجِلُّ ((نَحوَهُ))
إِذَا كَانَ بِمعنَاهُ.
(الحادي عشر: إذا قدَّم) الرَّاوي (المتنَ) على الإسنادِ (كـ(( قال
رسولُ اللَّهِ وَ ﴿ كذا))) ثم يذكُرُ الإسنادَ بعدَهُ (أو المتنَ وأَخَّرَ الإسنادَ)
من أعلى (كـ «رَوَىُ نافعٌ، عن ابن عمرَ، عن النبيُّ ◌َّر كذا))، ثم
يقولُ: ((أخبرنا به فلانٌ، عن فلان))، حتى يتصلَ) بما قدَّمه (صحَّ
وكان متصلًا .
فلو أراد مَن سَمِعَه هکذا تقدیم جمیع الإسنادِ) بأن يبدأ به أولًا ، ثم
يذكُرَ المَثْنَ (فَجوَّزَهُ بعضُهم) أي : أهل الحديثِ مِن المتقدِّمين .
قال المصنّفُ في ((الإرشادِ)): وهو الصَّحِيحُ.
قال ابنُ الصلاح(١): (وينبغي) أنْ يكونَ (فيه خلافٌ، كتقديم(٢)
بعضِ المتنِ على بعضٍ﴾ أي كالخلافِ فيهِ ؛ فإن الخطيبَ حكَى فيه المَنْعَ
(بناءً على منعِ الرواية بالمعنى) والجوازَ على جوازِها .
قال البلقينيُّ(٣): وهذا التخريج ممنوعٌ، والفَرْقُ: أنَّ تقديمَ بعضٍ
الألفاظِ على بعضٍ يُؤدِّي إلى الإخلالِ بالمقصودِ في العطفِ وعَودٍ
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٣٧) .
(٢) في ((ص))، و((م)): ((لتقديم))؛ خطأ .
وكلام ابن الصلاح في ((المقدمة)) (ص ٢٣٧).
(٣) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ٣٥١).
----- 27-5 .

٨٦
النوع السادس والعشرون
الضميرِ ، ونحوِ ذلكَ ، بخلافِ تقديم السَّندِ كلِّهِ أو بَعْضِهِ ، فلذلكَ جازَ فیه
ولم يتخرَّجْ على الخلافِ . انتهى .
قلتُ : والمسألةُ المَبْنِيُّ عليها أشارَ إليها المصنّفُ - كابنِ الصلاحِ - ،
ولم يُفْرِدَاها بالكلام عليها، وقد عقَدَ الرامهر مزيُّ (١) لذلك بابًا، فحكى
عَنِ الحسنِ والشعبيِّ وعبيدةً وإِبراهيمَ وأبي نَضْرة الجوازَ إذا لم يغيِّر
المعنى .
قال المصنّفُ (٢): وينبغي القطعُ بِهِ إذا لم يكن للمقدَّم ارتباطٌ
بالمُؤخَّر .
● فائـدة :
قال شيخُ الإسلامِ: تقديمُ الحديثِ على السَّندِ يقعُ لابنِ خزيمة إذا
كان في السَّند مَن فيه مقالٌ، فيبتدئ به، ثُمَّ بعدَ الفراغ يذكُر السَّندَ.
قال : وقد صرَّح ابنُ خُزيمةَ بأنَّ مَن رَواهُ علی غیرِ ذلكَ الوجهِ لا يكون
في حِلِّ منه، فحينئذٍ يَنبغي أنْ يمنعَ هذا ولو جوَّزنا الروايةَ بالمعنى.
(ولو رَوَىُ حديثًا بإسنادٍ) له (ثم أَتْبَعَهُ بإسنادٍ آخَرَ) وحذَف مَتنَهُ إِحالةً
على المتنِ الأوَّلِ (وقال في آخرِهِ: ((مثلَهُ)). فأراد السامعُ) لذلك منه
(روايةَ المتنِ) الأوَّلِ (بالإسنادِ الثاني) فقط (فالأظهرُ مَنْعُهُ، وهو قولُ
شعبةَ، وأجازه) سُفيانُ (الثوريُّ، وابنُ معينٍ، إذا كانَ) الراوي
(١) ((المحدث الفاصل)) (ص: ٥٤١).
(٢) مقدمة ((شرح مسلم)) (٣٧/١).

٨٧
صفة رواية الحديث
(متحفظًا(١)) ضابطًا (مميزًا بينَ الألفاظِ) ومَنَعَاهُ(٢)، إن لم يكُنْ كذلك .
(وكان جماعةٌ من العلماءِ إذا رَوَى أحدهُم مثلَ هذا ذَكَر الإسنادَ، ثم
قال: ((مثلَ حديثٍ قبلَهُ متنُهُ كذا)». واختار الخطيبُ (٣) هذا.
وأما إذا قال: ((نحوَه)). فأجازهُ الثوريُّ) أيضًا كَ ((مِثْله)) (ومَنَعَهُ شعبةُ)
وقال : هو شَكٌّ، بَلْ هو أَولى مِنَ المنع في ((مِثْله)) (وابنُ معينٍ) أيضًا ،
وإنْ جوَّزه في «مِثْله)) .
(قال الخطيبُ (٤) : فَرْقُ ابنِ معينٍ بينَ ((مثله)) و((نحوه)) يَصِحُ على
منعِ الروايةِ بالمعنى، فأما على جوازِها فلا فَرقَ .
قال الحاكمُ)(٥) : إنَّ مما (يلزمُ الحديثيَّ من) الضبط و(الإتقانِ أن
يفرِّقَ بينَ ((مثله)) و((نحوه))، فلا يحلُّ أنْ يقولَ: ((مثله)) إلا إذا) علم أنَّهما
(اتَّفَقَا في اللفظِ، ويَحِلُّ) أن يقولَ: (((نحوه)) إذا كان بمعناه) .
الثَّانِي عَشَرَ: إِذَا ذَكَرَ الإِسْنَادَ وَبَعضَ الَتْنِ، ثُمَّ قَالَ: ((وَذَكَرَ
الَحَدِيثَ))، فَأَرَادَ السَّامِعُ رِوَايتَهُ بِكَمَالِهِ، فَهُوَ أَولَى بِالْمَنْعِ مِن
((مِثْلَهُ)) و(«نَحوَهُ))، فَمَنَعَهُ الأُستَاذُ أَبُو إِسِحَاقَ، وَأجَازَهُ
الإِسمَاعِيلِيُّ إِذَا عَرَفَ المُحَدِّثُ وَالسَّامِعُ ذَلِكَ الَحَدِيثَ،
وَالاحتِيَاطُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْمَذْكُورِ، ثُمَّ يَقُولَ: ((قَالَ: ((وذكَرَ
(١) في ((ص)): ((محتفظًا)).
(٢) في ((ص)): ((ومعناه)).
(٣) ((الكفاية)) (ص: ٣١٩).
(٤) ((الكفاية)) (ص: ٣٢٠ - ٣٢١).
(٥) ((سؤالات السجزي)) (ص: ١٢٨ - ١٢٩).
٠٠٠ ..

٨٨
النوع السادس والعشرون
الَحَدِيثَ))، وَهُوَ هَكَذَا)) وَيَسُوقُهُ بِكَمَالِهِ، وَإِذَا جُوَّزَ إِطلاقهُ،
فَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ بِطَرِيقِ الإِجَازَةِ القَوِئَّةِ فِيمَا لَّ يَذْكُرهُ الشَّيخُ. وَلا
يَفتَقِرُ إِلَى إِفرَادِهِ بِالإِجَازَةِ.
(الثاني عشر: إذا ذَكَر الإسنادَ وبعضَ المتنِ، ثم قال: ((وذَكَر
الحديثَ))) ولم يُتَمَّهُ، أو قال: ((بطولِهِ))، أو: ((الحديثَ)) وأضمر:
((وذكر)) (فأرادَ السامعُ روايتَهُ) عنه (بكمالِهِ، فهو أولى بالمنعِ مِن) مسألةٍ
((مثله)) و((نحوه))) السابقة .
لأَنَّه إذا مُنعَ هناك مع أنَّه قد ساقَ فيها جميعَ المتنِ قبل ذلك بإسنادٍ
آخَرَ، فَلأَنْ(١) يُمنع هنا ولم يَسُقْ(٢) إلا بعضَ الحديثِ من بابٍ أولى،
وبذلك جَزَمَ قومٌ .
(فَمَنَعَهُ الأستاذُ أبو إسحاقَ) الإسفرائينيُّ (وأجازهُ الإسماعيليُّ إذا
عَرَفَ المحدثُ والسامعُ ذلك الحديث) .
قال: (والاحتياطُ أن يقتصرَ على المذكورِ، ثم يقول: ((قال: وذَكَر
الحديثَ، وهو هكذا))) أو ((وتمامه كذا)) (ويسوقَهُ بکمالِهِ).
وفصَّل ابنُ كثيرٍ (٣) فقال: إنْ كان سمع الحديثَ المشارَ إليه قبل ذلك
على الشيخِ في ذلك المجلسِ أو غيرِهِ جازَ، وإلا فلا .
(وإذا جُوَّزَ إطلاقُهُ، فالتحقيقُ أنَّه بطريقِ الإجازةِ القويةِ) الأكيدة من
(١) في ((ص)): ((فلا)).
(٢) في ((ص): ((يسبق)).
(٣) ((اختصار علوم الحديث)) (ص: ١٢٦).

٨٩
صفة رواية الحديث
جهات عديدة (فيما لم يذكره الشيخ) فجاز لهذا - مع كون (١) أوَّله
سَماعًا - إدراجُ الباقي عليه (ولا يفتقرُ إلى إفرادِهِ بالإجازةِ).
الثَّالِثَ عَشَرَ: قَالَ الشَّيخُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغييرُ: ((قَالَ
النَّبِي ◌َةُ)) إلى: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهَِِّ))، وَلا عَكِسُهُ، وَإِن
جَازَتِ الرِّوَايَةُ بِالمعنَى لاختِلافِهِ. وَالصَّوابُ - وَاللَّه أعلمُ -
جَوَازهُ؛ لأنَّهُ لا يَخْتَلِفُ بِهِ هُنَا مَعنَى، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحَمَدَ بنِ
حَنْبَلٍ، وحَمَادِ بنِ سَلَمَةَ، وَالخطِیبِ.
(الثالثَ عشَرَ: قال الشيخُ) ابنُ الصلاح (٢): (الظاهرُ أنه لا يجوزُ
تغييرُ ((قال النبيُّ وَِّ)) إلى (قال رسولُ اللَّه ◌َِِّ))، ولا عكسُهُ، وإن جازت
الروايةُ بالمعنى) .
وكان أحمدُ (٣) إذا كان في الكتابِ ((عن النبي ◌َّةٍ))، وقال
المحدِّثُ: ((رسول اللَّه)). ضَرَبَ وَكَتَبَ: ((رسول اللَّه)) .
٠٠٠٠٠٠٠١٠٠٠
وعلَّل ابنُ الصلاح ذلك (لاختلافه) أي: اختلافِ مَعنى ((النبيِّ)»
و((الرسولِ))؛ لأنَّ الرسولَ مَن أُوحِي إليه للتبليغ، والنبيُّ مَن أَوحي إليه
للعمل فقط .
قال المصنِّفُ: (والصواب - واللَّهُ أعلمُ - جوازُهُ؛ لأَنَّه) وإن اختلفَ
(١) في ((ص): ((كونه)) .
(٣) ((الكفاية)) (ص: ٣٦٠).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٣٩).

٩٠
النوع السادس والعشرون
معناهُ في الأصل (لا يختلفُ به هنا معنَى) إذِ المقصودُ نِسْبَةُ القولِ لقائلهِ ،
وذلك حاصلٌ بكلِّ مِنَ الوصفين(١).
(وهذا مذهبُ أحمدَ بنِ حنبلٍ) كما سألَه ابنُهُ صالحٌ (٢) عنه، فقال :
أَرْجُو أنْ لا يكونَ به بأسٌ. وما تقدَّم عنه محمولٌ على استحبابِ اتباع
اللفظِ دُونَ اللَّزومِ (وحمادِ بنِ سلمةَ، والخطيبِ).
وبعضُهم استدلَّ للمنع بحديثِ البراءِ بنِ عَازٍ في الدُّعاء عِندَ النومِ،
وفيه ((ونَبِّكَ الذِي أَرْسَلتَ)). فأعاده على النبيِّ نَّ فقال: ((ورسولِكَ الذي
أرْسَلتَ)). فقال: ((لا؛ ونَبِيِّكَ الَّذي أَرْسَلتَ)) .
قال العراقيُّ (٣): ولا دليلَ فيه؛ لأنَّ ألفاظَ الأذكارِ تَوقِيفيَّةٌ، ورُبَّما
كان في اللفظِ سرِّ لا يَحصلُ بِغَيرِهِ، ولعلَّه أرادَ أنْ يجمعَ بين اللفظين في
موضعٍ واحدٍ .
قال : والصوابُ ما قالَهُ النوويُّ. وكذا قالَ البلقينيُّ (٤).
وقال البدرُ ابنُ جماعة (٥): لو قيل: يجوزُ تغييرُ ((النبيِّ) إلى
((الرسولِ))، ولا يجوزُ عَكْسُهُ لما بَعُدَ؛ لأن في ((الرسولِ)) مَعنّى زائدًا
على((النبيِّ)) .
الرَّابعَ عَشَرَ: إِذَا كَانَ فِي سَمَاعِهِ بَعضُ الوَهنِ ، فَعَلَيْهِ بَيَانُهُ حَالَ
(١) في ((ص)): ((الموضعين)).
(٣) ((التبصرة)» (١٩٥/٢).
(٥) ((المنهل الروي)) (ص: ١٠٤).
(٢) ((الكفاية)) (ص: ٣٦٠).
(٤) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ٣٥٦).

٩١
صفة رواية الحديث
الرِّوَايَةِ، وَمِنْهُ: إِذَا حَدَّثَهُ مِن حِفظِهِ فِي الْمُذَاكَرَاةِ فَلَيَقُل:
((حَدَّثَنَا فِي الْمُذَاكَرَةِ))؛ كَمَا فَعَلَهُ الأئمّةُ. وَمَنَعَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ
الَحَمَلَ عَنْهُم حَالَ المُذَاكَرَةِ .
وَإِذَا كَانَ الَحَدِيثُ عَنِ ثِقَةٍ وَمَجِرُوحٍ أو ثِقَتَيْنٍ، فالأولَى أن
يَذْكُرَهُمَا، فَإِنِ اقتَصَرَ عَلَى ثِقَةٍ فِيهمَا لَمْ يَجِرُم .
وَإِذَا سَمِعَ بَعضَ حَدِيثٍ مِن شَيخِ، وَبَعضَهُ مِن آخَرَ، فَرَوَىُ
ے
◌ُملَتَهُ عَنْهُمَا مُبِيِّنَا أَنَّ بعضَهُ عَن أحدِهِمَا، وَبَعضَهُ عَنِ الآخَرِ -
جَازَ، ثُمَّ يَصِيرُ كُلُّ جُزءٍ مِنْهُ كَأنَّهُ رَوَاهُ عَنِ أحَدِهِمَا مُبهمًا ؛
فَلاَ يُحْتَجُّ بِشَيءٍ منهُ إِن كَانَ فِيهِمَا نَجَرُوحٌ، وَيجِبُ ذِكرُهُمَا
جَمِيعًا مُبَيِّنًا أَنَّ عَنِ أحَدِهِمَا بَعضَهُ وَعَنِ الآخَرِ بَعضَهُ.
(الرابعَ عشر: إذا كان في سماعه بعضُ الوهن) أي الضعفِ (فعليه
بيانُهُ(١) حالَ الروايةِ) فإنَّ في إغفالِهِ نوعًا من التدليسِ، وذلك كأن يسمع
مِن غيرِ أصلٍ، أو يحدث هو أو الشيخُ وقتَ القراءةِ، أو حصَلَ(٢) نومٌ أو
نَسْخٌ، أو سمع بقراءةٍ مُصَحِّفٍ أو لَخَانٍ، أو كان التسميعُ بخطٌ مَنْ فيه
نظرٌ .
(ومِنْه: إذا حدَّثَهُ مِن حِفظِهِ في المذاكرةِ) لِتساهُلِهم فِيها (فليقلْ:
((حَذَّثَنا في المذاكرةِ))) ونحوه (كما فَعَلهُ الأئمةُ .
(١) في ((ص)): ((بيان)) .
(٢) في ((ص)): ((وحصل)).

٩٢
النوع السادس والعشرون
ومنعَ جماعةٌ منهم) كابنِ مهديٍّ ، وابنِ المباركِ ، وأبي زرعة (الحملَ
عنهم حالَ المذاكرةِ) لتساهُلِهِم فيها؛ ولأنَّ الحفظَ خوَّانٌ .
وامتنعَ جماعةٌ من روايةٍ ما يحفظونه إلا من كتبهم لذلك، مِنهم:
أحمدُ بن حنبلٍ .
(وإذا (١) كان الحديثُ عن) رَجُلينِ أحدُهما (ثقة، و) الآخرُ
(مجروح) كحديثٍ لأنسٍ مثلًا، يرويه عنه ثابتٌ البُنانيُّ وأبانُ بنُ أبي
عيَّاشٍ (أو) عن (ثقتين، فالأَوْلى أن يَذْكُرَهُما) لجوازٍ أن يكونَ فيه شيءٌ
لأحدِهما لم يذكره الآخَرُ، وحمل لفظ أحدِهما على الآخَرِ .
(فإن اقتصر على ثقةٍ فيهما لم يَخْرُم) لأنَّ الظاهرَ اتفاقُ الروايتين ،
وما ذكر من الاحتمالِ نادرٌ بعيدٌ، ومحذورُ الإسقاطِ في الثاني أقلُّ من
الأوَّلِ(٢) .
قال الخطيبُ (٣): وكان مسلمُ بنُ الحجّاجِ في مِثْلِ هذا رُبَّما أسقطَ
المجروحَ ويَذْكُرُ الثقةَ، ثم يقول: ((وآخر))، كنايةً عن المجروح. قال:
وهذا القولُ لا فائدةً فيه .
وقال البلقينيُّ(٤) : بل له فائدةُ تكثيرِ الطُرقِ .
(١) في (ص)): ((وإن).
(٢) وراجع: كتابي ((الإرشادات)) (ص ٢٤٢ - ٢٦٨).
(٣) ((الكفاية)) (ص: ٥٣٧).
(٤) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ٣٥٧).

٩٣
صفة رواية الحديث
(وإذا سَمِعَ بعضَ حديثٍ من شيخ وبعضَه) الآخَرَ (مِن) شيخ (آخرَ،
فَرَوَى جملتَهُ عنهما مبيّنًا أنَّ بعضه عن أحدِهما وبعضَه عن الآخرِ) غيرَ
مميزٍ لما سمعه مِن كلِّ شيخٍ عنِ الآخرِ (جازَ، ثم يصيرُ كلُّ جزءٍ منه كأنَّه
رواه عن أحدِهما مبهمًا، فلا يحتجُّ بشيءٍ منهُ إن كان فيهما مجروحٌ) لأنَّه
ما مِن جُزءٍ منه إلا ويجوزُ أنْ يكون عن ذلك المجروح .
(ويجبُ ذكرُهما) حينئذٍ (جميعًا مبينًا أن عن(١) أحدهما بعضَه، وعن
الآخر بعضَه) ولا يجوزُ ذِكْرُهما ساكتًا عَن ذلك، ولا إسقاطُ أحدهما ،
مجروحًا كان أو ثقة .
ومن أمثلةِ ذلك : حديثُ الإفكِ في ((الصحيح)) (٢) مِن روايةِ الزُّهْريّ،
حيثُ قال : حدَّثني عُروةُ وسعيدُ بنُ المسيبِ وعلقمةُ بنُ وقَّاصٍ وعُبِيدُ اللَّهِ
ابنُ عبدِ الله بنِ عْبةَ، عن عائشةَ، قال: وكُلِّ قد حدَّثني طائفةً من
حديثها، ودخَل حديثُ بعضِهم(٣) في بعضٍ، وأنا أَوعَى لحديثِ بعضِهم
من بعضٍ، فذكر الحديثَ .
قال العراقيُّ(٤): وقد اعتُرض بأنَّ البخاريَّ أسقطَ بعضَ شُيوخِهِ في
مِثلِ هذه الصورةِ، واقتصرَ على واحدٍ، فقال في كتاب ((الرقاق)) مِن
((صحيحه)): حدَّثني أبو نعيم بِنِصْفِ من هذا الحديثِ، ثنا عمرو بنُ
(١) في ((ص): ((عند)) خطأ .
(٢) أخرجه: البخاري (٢٢٧/٣)، ومسلم (١١٢/٨).
(٣) في ((م): ((بعض)).
(٤) ((التقييد)) (ص: ٢٤٢).