النص المفهرس

صفحات 801-820

٥٤
النوع السادس والعشرون
وهو الصحيحُ) لعملِ العُلماء به سلفًا وخَلَفًا، وبابُ الروايةِ على
التوسعة .
(وشرطُه أن يكونَ السماحُ بخطُّه، أو خَطُّ مَن يَثِقُ به، والكتابُ
مصونٌ) بحيثُ (يَغْلِبُ على الظنِّ سلامتُه مِن التغيير، وتَسْكُنُ(١) إليه
نفسُه) وإن لَم يَذْكُرْ أحاديثَه حديثًا حديثًا (فإنْ شَكَّ) فيه (لم يجزْ) له
الاعتماد عليه، وكذا إنْ لم يكن الكتابُ بخطّ ثقةٍ بلا خِلافٍ .
وعبَّر في ((الروضة)) و((المنهاج)) - كأصليهما(٢) - عن الشرطِ(٣)
بقوله : «محفوظٌ عِندَه)). فأشعرَ بعدم الاكتفاءِ بظنِّ سلامتِهِ (٤) مِنَ التغييرِ .
وتعقَّبه البلقينيُّ(٥) في ((التَّصحيح)) بأنَّ (٦) المُعتمَدَ عِندَ العُلماءِ قَدِيمًا
وحديثًا العملُ بما يُوجدُ مِن السماع والإجازةِ، مكتوبًا في الطباقِ التي
يغلب على الظنِّ صحَّتُها، وإن لم يتذكَّرِ (٧) السماع ولا الإجازة، ولم
تكُنِ الطبقةُ محفوظةً عنده. انتهى .
وهذا هو الموافقُ لما هُنا، وقد مشَى عليه صاحبُ ((الحاوي الصغير))
فقال: ويُروَى (٨) بخطُّ المحفوظِ، ولم تَكُن الطبقةُ محفوظةً عِندَه .
(١) في ((ص))، و((م): ((يسكن))، والمثبت من المطبوع.
(٢) في ((م)): ((كأصلهما)).
(٤) في ((ص)): ((سلامة)).
(٦) في ((ص)): ((فإن)) .
(٨) في ((ص)): ((فيروي)).
(٣) في ((ص)): ((الشروط)).
(٥) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ٣٣٠).
(٧) في ((ص)): لا يتذاكر)).

٥٥
صفة رواية الحديث
الرّابعُ: إِن لَم يَكُنِ عَاِمَا بِالْأَلْفَاظِ وَمِقَاصِدِها، خَبيرًا بِمَا نُجِيلُ
مَعَانِيهَا - لَمْ يَجُزْ لَهُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعنَى بِلا خِلافٍ، بَل يَتَعَيَّنُ اللَّفظُ
الَّذِي سَمِعُهُ، فَإِن كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَقَالَت طَائِفَةٌ مِن أُصحَابِ
الحَدِيثِ وَالفِقِهِ وَالْأُصُولِ : لا يَجُوزُ إِلا بِلَفظِهِ، وَجَوَّزَ بَعضُهُم في
غَيرٍ حَدِيثِ النَّبيِّ عَّ﴾، ولْ يُجوز فِیهِ.
وَقَالَ مُهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الطَّوَائِفِ: يَجُوزُ بِالْمَعنَى فِي
جَمِيعِهِ إِذَا قَطَعَ بِأَدَاءِ المعنَى، وهَذَا فِي غَيرِ المُصَنَّفَاتِ، وَلا يَجُوزُ
تَغْيِبرُ تَصْنِيفٍ وَإِن كَانَ بِمعنَاهُ.
وَيَنْبَغِي لِلَّاوِي بِالْمَعنَى أَن يَقُولَ عَقِيبَهُ: ((أَو كَمَا قَالَ))، أَو
(«نَحْوَهُ))، ((أو ((شِبهَهُ))، أَو مَا أشبَهَ هَذَا مِنَ الألفَاظِ.
وَإِذَا اشْتَبَهَت عَلَى القَارِئِ لَفِظَةٌ فَحَسَنٌ أَنْ يَقُولَ بَعدَ قِرَاءَتِهَا -
عَلَى الشَّكِّ -: ((أَو كَمَا قَالَ))؛ لِتَضَمّنِهِ إِجَازَةً وَإِذْنّا فِي صَوَاِهِا
إِذَا بَانَ .
(الرابعُ : إنْ لم يَكُنْ الراوي عالمًا بالألفاظِ) ومَدلُولاتِها (ومقاصدِها،
خبيرًا بما يُحيلُ معانيها) بَصِيرًا بمقادير التفاوتِ بَينهما (لم يجزُ(١) له
الروايةُ) لما سَمِعه (بالمعنى بلا خلافٍ، بل يتعيَّنُ اللفظُ الذي سَمِعَه، فإنْ
(١) في (ص)): ((تجز)).

٥٦
النوع السادس والعشرون
كان عالمًا بذلك، فقالتْ طائفةٌ مِن أصحابِ الحديثِ والفقهِ والأصولِ :
لا يجوزُ إلا بلفظه) وإليه ذَهَبَ ابنُ سیرینَ، وثَعلبُ ، وأبو بكرِ الرازي مِن
الحنفية ، ورُوي عنِ ابنِ عُمَرَ .
(وجوز بعضُهم في غيرِ حديثِ النبيِّ نَّهِ، ولم يُجَوِّز فيه (١).
وقال جمهورُ السلفِ والخلفِ من الطوائفِ) منهم الأئمةُ الأَربعةُ :
(يجوزُ بالمعنى في جميعِه إذا قَطَعَ بأداءِ المعنى) لأنَّ ذلك هو الذي
تَشْهدُ (٢) به أحوالُ الصحابةِ والسَّلفِ، ويدلُّ عليه روايتُهم للقِصَّةِ الواحدةِ
بألفاظٍ مُختلفةٍ .
وقد ورَد في المسألةِ حديثٌ مرفوعٌ، رواهُ ابنُ مَنْدَه في ((معرفة
الصحابة))، والطبرانيُّ في ((الكبير)) (٣)، من حديثِ عبدِ اللهِ بن سليمان
ابن أُكيمةَ الليثيِّ، قال: قلتُ : يا رسولَ اللَّهِ، إني أسمعُ مِنكَ الحديثَ
لا أستطيعُ أن أُؤْدِّيه كما أسمعُ منكَ؛ يزيدُ حرفًا أو ينقُصُ حرفًا . فقال :
((إذا لم تُحلُوا حرامًا ولم تُحرِّموا حلالًا وأَصبتُم المعنى فلا بَأْسَ)).
فذُكر ذلك للحَسَنِ ، فقال: لولا هذا ما حَدَّثْنَا (٤).
(١) هذه الفقرة سقطت من ((ص))، و((م))، وأثبته من المطبوع.
(٣) ((المعجم الكبير)) (٧/ ١٠٠).
(٢) في ((م): ((یشهد)) .
(٤) هذه الرواية هي رواية ابن منده، وكذا رواية أبي نعيم في (( معرفة الصحابة ))
(٣/ ١٦٨١)، والحديث في إسناده اضطراب شديد، وأدخله الجورقاني في ((الأباطيل))
(٩٧/١ - ٩٨) .
=
.....

٥٧
صفة رواية الحديث
واستدل الشافعيُّ (١) لذلك بحديثٍ: ((أُنْزِلَ القُرآنُ على سبعةِ أحرفٍ،
فَاقْرَءوا ما تيسّرَ مِنْهُ)). قال: فإذا كانَ اللَّهُ برأفتِهِ بخَلْقِهِ أنزل كتابَه على سَبْعَةِ
أَحْرُفٍ، علمًا منه بأنَّ الحفظ قد يَزِلُّ؛ لتحلَّ لهم قِراءَتُهُ وإن اختلفَ
لفظُهم فيه، ما لم يكُن في اختلافِهم إحالةُ معنًى، كان ما سِوى كتاب الله
أَولى أن يَجوزَ فيه اختلافُ اللفظِ، ما لم يُحِلْ مَعْناهُ .
ورَوَىُ البيهقيُّ عن مكْحولٍ قال: دخلتُ أنا وأبو الأزهرِ على واثلةَ بن
الأسقع فقلنا له: يا أبا الأسقع، حدِّثنا بحديثٍ سمعتَهُ من رسولِ اللّهِ وَالّ
ليسَ فيه وهمٌّ ولا تَزَيَّدٌ ولا نسيانٌ. فقال: هل قرأَ أحدٌ منكم من القُرآنِ
شَيْئًا؟ فقلنا: نعم، وما نحن له بحافظين جدًّا(٢)، إنَّا لنزيدُ الواوَ
والأَلْفَ (٣) وننقصُ. قال: فهذا القرآنُ مكتوبٌ بين أَظْهركم (٤) لا تألونه
حِفظًا، وأنتُم تزعمون أنَّكم تزيدون وتنقصون ، فكيف بأحاديثَ سمعناها
من رسولِ اللَّهِ وَ لّ، عسى أن لا نكون سَمعْناها منه إلا مرةً واحدةً،
حَسْبُكم إذا حدَّثْنَاكم بالحديثِ على المَعْنى (٥).
= وراجع: ((معجم الطبراني الكبير)) (١٠٠/٧)، و((الإصابة)) (١٦٦/٣ - ١٦٧)، (٦/
٣٤١ - ٣٤٢) .
وسيأتي قريبًا من كلام الزهري نحوه .
(١) ((الرسالة)) (ص: ٢٧٢ - ٢٧٤) .
(٢) سقط من ((ص)).
(٣) في (ص)): ((أو الألف)).
(٤) في ((ص)): ((أظهرهم)).
(٥) أخرجه: الطبراني في ((الكبير)) (٥٤/٢٢، ٦٥)، و((مسند الشاميين)) (١٥١٠)،
والحاكم (٥٦٩/٣)، والخطيب في ((الكفاية)) (ص: ٣٠٨).

٥٨
النوع السادس والعشرون
وأسْنَد أيضًا في ((المدخلِ)) عن جابر بن عبدِ اللَّه قال: قال حذيفةُ:
إِنَّا قومٌ عربٌ، نُردِّدُ الأحاديثَ فَتُقدِّم ونُؤَخّر .
وأسند أيضًا عن شعيبٍ بن الحَبْحَابِ قال : دخلتُ أنا وعبدانُ على
الحسنِ فقلنا : يا أبا سعيدٍ، الرجلُ يُحدِّث بالحديث فيزيدُ فيه أو ينقصُ
منه؟ قال: إنَّما الكَذِبُ من تعمد ذلك(١) .
وأسنَد أيضًا عن جرير بن حازم قال: سمعتُ الحسَنَ يُحدِّث
بأحاديثَ، الأصلُ واحدٌ والكلامُ مُختلفٌ (٢) .
وأسنَد عنِ ابنِ عونٍ قال: كان الحسَنُ وإبراهيمُ والشَّعبيُّ يأتون
بالحديثِ على المعاني، وكان القاسمُ بنُ محمدٍ وابنُ سِيرينَ ورجاء بنُ
حَيوة يُعيدُون الحديثَ على حُروفه (٣) .
وأسند عن أبي أويسٍ قال: سَألْنا الزُّهريَّ عن التقديم والتأخيرِ في
الحديثِ؟ فقال: إنَّ هذا يجوز في القرآنِ، فكيف به في الحديث! إذا
أَصَبتَ معنى الحديثِ فلم تُحِلَّ به حرامًا ولم تُحرِّم به حلالاً فلا بأسَ .
وأسند عن سفيان قال : كان عمرو بنُ دینارٍ يُحدِّث بالحدیث على
المعنى، وكان إبراهيمُ بنُ مَيسرةَ لا يُحدِّث إلا على ما سمع (٤) .
(١) أخرجه: الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ٣١٤).
(٢) أخرجه: الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ٣١٢).
(٣) أخرجه: الترمذي في ((العلل)) (ص : ٧٤٧).
(٤) أخرجه: الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ٣١١).

٥٩
صفة رواية الحديث
وأسنَد عن وكيعِ قال: إنْ لم يكنِ المعنى وَاسِعًا فقد هَلك الناسُ(١).
قال شيخُ الإسلام: ومِن أقوىُ حُجَجِهم الإجماعُ على جوازِ شرحٍ
الشريعةِ للعَجَم بِلِسَانِها للعارفِ به ، فإذا جاز الإبدال بلغةٍ أخرى ، فجوازُه
باللغةِ العربيةِ أولى(٢) .
وقيل : إنَّما يجوزُ ذلك للصحابةِ دون غيرهم. وبه جزَم ابنُ العربيِّ
في ((أحكام القرآن)). قال: لأنَّا لو جوَّزْنَاه(٣) لكلِّ أحدٍ لما كُنَّا على ثقةٍ
من الأخذِ بالحديثِ، والصحابةُ اجتمع فيهم أَمْران ؛ الفصاحةُ والبلاغةُ
جِبِلَّةً، ومشاهدةُ أقوالِ النبيِّ وَِّ وأفعالِهِ، فأفادتْهم المشاهدةُ عَقْلَ المعنى
جُملةً واستيفاءَ المقصدِ كلِّه .
وقيل: يُمنعُ ذلك في حديثِ رسولِ الله ◌َِّهَ، ويَجوزُ فِي غَيرِهِ .
حكّاهُ ابنُ الصلاح (٤)، ورواه البيهقيُّ في ((المدخل)) عن مالكٍ (٥).
وروى عنه أيضًا أنَّه كان يَتحقَّظُ مِنَ الباءِ والياءِ والثاءِ في حديثٍ
رسولِ اللَّهِ وَ﴾ .
"وروى عنِ الخليلِ بنِ أحمدَ أنَّه قال ذلك أيضًا .
(١) رواه: الترمذي في ((العلل)) (ص: ٧٤٧).
(٢) سبق إلى ذلك الإمام القرطبي في ((تفسيره)) (٤١٣/١)، وذكر احتجاج الحسن
والشافعي بذلك المعنى .
(٣) في ((ص)): ((جوزنا)).
(٤) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٢٦).
(٥) ورواه عنه الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ٢٨٨).

٦٠
النوع السادس والعشرون
واستدلَّ له بقولِهِ: ((رُبَّ مُبَلَّغ أوعى مِن سَامِع))، فإذا رواه بالمعنى فقد
أزال عن موضعه معرفة ما فيه .
وقال الماورديُّ : إنْ نسي اللفظَ جازَ؛ لأنه تحمَّل اللفظَ والمعنَى،
وعجَز عن أداءِ أحدِهما، فيلزمُهُ أداءُ الآخرِ، لا سيَّما أنَّ تَرْكَه قد يكون
كتمًا للأحكام. فإن لم يَنْسَه لم يَجُزْ أن يُوردَه بغيرِهِ؛ لأن في كلامِهِ وَلـ
مِنَ الفَصَاحِةِ ما ليسَ في غَيرِهِ .
وقيل : عَكْسُه، وهو الجوازُ لمن يحفظُ اللفظَ؛ ليتمكَّنَ منَ التَّصرُّف
فیه دُون مَن نَسِیه .
وقال الخطيبُ (١) : يجوزُ بإزاءٍ (٢) مُرادفٍ.
وقيل : إنْ كانَ موجبُه عِلمًا جازَ؛ لأنَّ المعوَّلَ على معناه، ولا يجبُ
مراعاةُ اللفظِ ، وإن كان عملاً لم يَجُزْ.
وقال القاضي عياضٌ : يَنبغي سدُّ بابِ الروايةِ بالمعنى، لئلا يتسلَّطَ
مَن لا يُحسنُ ممن يظنُّ أنه يُحسِنُ، كما وقَع للرواةِ كَثيرًا قديمًا وحديثًا .
وعلى الجوازِ؛ الأَولى إيرادُ الحديثِ بلفظِهِ دونَ التصرُّفِ فيه،
ولا شكَّ في اشتراطِ أنْ لا يكونَ مما تُعُبِّدَ بلفظِهِ .
وقد صرَّح به هنا الزَّركشيُّ، وإليه يُرشِدُ كلامُ العراقيِّ الآتي في إبدالٍ
((الرسولِ)) بـ((النبيِّ)) وعكسِهِ .
وعِندي ؛ أنَّه يُشترطُ أنْ لا يكونَ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ .
(١) ((الكفاية)) (ص: ٣٠٠).
(٢) في ((ص)): ((بإذاء)) بالذال المعجمة .

٦١
صفة رواية الحديث
(وهذا) الخلافُ إِنَّما يجري (في غيرِ المُصنَّفَاتِ، ولا يجوزُ تغييرٌ)
شيءٍ من (تصنيف) وإبدالُه بلفظٍ آخرَ (وإنْ كان بمعناه) قَطْعًا؛ لأنَّ
الرواية بالمعنى رَخَّص فيها من رخَّص لِما كان عليهم في ضبطِ الألفاظِ من
الحرجِ، وذلك غيرُ موجودٍ فيما اشتملتْ عليه الكتبُ، ولأنَّه إِنْ مَلَكَ
تغييرَ اللفظِ فليس يملكُ تغييرَ تصنيفِ غيره .
( وينبغي للراوي بالمعنى أنْ يقول عَقِيبَه: ((أو كما قال))، (( أو
نحوَه))، (( أو شِبْهَه))، أو ما أشبه هذا من الألفاظِ ) وقد كان قومٌ من
الصَّحابةِ يَفْعلون ذلك، وهُم أَعلمُ الناسِ بمعاني الكلام خوفًا من الزَّلَلِ؛
لِمَعرفتهم بما في الروايةِ بالمعنى مِن الخطر .
روىُ ابنُ ماجه وأحمدُ والحاكمُ (١) عن ابن مسعودٍ أنَّه قال يومًا: ((قال
رسولُ اللَّهِ وَ﴿))، فاغْرَوْرَقت عَيناهُ وانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، ثم قال: ((أو
مثله، أو نحوه، أو شبيه به)).
وفي ((مسندِ الدارميِّ)) و((الكفاية)) (٢) للخطيب عن أبي الدَّرداء: أنَّه
كانَ إذا حدَّثَ عن رَسُولِ اللَّهِ وَّ﴾ قال: ((أو نَحْوه، أو شِبْهه)).
وروى ابنُ ماجه وأحمدُ (٣) عن أنس بن مالكٍ: أنه كان إذا حدَّث عن
رسولِ اللَّهِ وَّهِ فَفَرِغَ قال: ((أو كما قال رسولُ اللَّهِ ◌َ)).
(١) أخرجه: أحمد (٤٥٢/١)، وابن ماجه (٢٣)، والحاكم (١١١/١).
(٢) ((سنن الدارمي)) (٨٣/١)، و((الكفاية)) (ص: ٣١٠).
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (٢٤)، و((مسند أحمد)» (٢٠٥/٣).

٦٢
النوع السادس والعشرون
(وإذا اشتبهت(١) على القارئ لفظةٌ فحسنٌ أنْ يقولَ بعدَ قراءتها على
الشَّكُّ: ((أو كما قال)). لتضمنِه إجازةً) مِن الشيخ (وإذنًا في) روايةٍ
(صوابِها) عنه (إذا بَان(٢)).
قال ابنُ الصلاح(٣): ثُم لا يُشترطُ إفرادُ ذلك في الإجازةِ كما تقدَّم
قریباً .
الَخَامِسُ: اختلفَ العُلَمَاءُ فِي رِوَايَةِ بَعضِ الْحَديثِ الوَاحِدِ دُونَ
بَعض: فَمَنَعهُ بعضُهُم مُطلَقًا، بِنَاءَ عَلَى مَنعِ الرِّوَايَةِ بِالمَعنَى،
وَمَنَعَهُ بَعضُهُم مَعَ تَجِيزِهَا بِالْمَعنَى؛ إِذَا لَمْ يَكُن رَوَاهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ
بِتَمَامِهِ قَبْلَ هَذَا، وَجَوَّزَهُ بَعضُهُم مُطلَقًا .
وَالصَّحِيحُ التَّفصِيلُ وَجَوَازُهُ مِنَ العَارِفِ إِذَا كَانَ مَا تَرَكَهُ غَيْرَ
مُتَعَلَّقٍ بِمَا رَوَاهُ، بِحَيثُ لا يَخْتَلُّ البَيَانُ، وَلا تَخْتَلِفُ الدَّلالَةُ
بِتَركِهِ، وَسَوَاءٌ جَوَّزْنَاهَا بِالمَعنَى أَم لا، رَوَاه قَبلُ تَامَّا أَم لا.
هَذَا إِنِ ارتفَعَت مَنزِلَتُهُ عَنِ النُّهمَةِ، فَأَمَّا من رَوَاهُ تَامَّا، فَخَافَ
إِن رَوَاهُ ثَانِيًّا نَاقِصًا أَنْ يُتَّهَمَ بِزِيَادَةٍ أَوَّلَا ، أَو نِسيَانٍ ؛ بِالغَفْلَةِ
وَقِلَّةٍ ضَبْطِهِ ثانيًا - فلا يَجُوزُ لَهُ النُّقصَانُ ثَانيًا وَلا ابتدَاءً إِن
تَعَیَّنَ عَلَيهِ .
(١) في ((ص)): ((إشتبه)) .
(٣) ((علوم الحديث)) (ص : ٢٢٧).
(٢) في ((ص)): ((أبان)).

٦٣
صفة رواية الحديث
وَأَمَّا تَقطِيعُ الْمُصَنِّفِ الحَدِيثَ في الأبوابِ: فَهُوَ إلى الجوازِ أَقْرَبُ .
قَالَ الشَّيخُ: وَلا يَخِلُو مِن كَرَاهَةٍ ، وَمَا أَظُنُّهُ يُوَافَقُ عَلَيهِ .
(الخامسُ : اختلف العلماءُ في روايةِ بعضِ الحديثِ الواحدِ(١) دونَ
بعضٍ) وهو المسمَّى باختصارِ الحديثِ (فمنعه بعضُهم مطلقًا بناءً على
منع الرواية بالمعنى، ومنعه بعضُهم مع تجويزِها بالمعنى إذا لم يَكُنْ رواه
هو أو غيرُه بتمامِه قبلَ هذا) وإنْ رواه هو مرةً أُخْرَىُ أو غيرُه على التمامِ
جازَ (وجَوَّزَه بعضُهم مطلقًا) .
قيل : وينبغي تقييدُه بما إذا لم يكن المحذوفُ متعلقًا بالمَأْتِيِّ به تَعلُقًا
يُخِلُّ بالمعنى حذُفه ؛ كالاستثناءِ ، والشّرْطِ ، والغايةِ ، ونحوِ ذلك،
والأمر كذلك؛ فقد حَكَى الصَّفيُّ الهِنْديُّ الاتفاقَ على المنعِ حِينئذٍ .
(والصحيح: التفصيل) وهو المنعُ من غيرِ العالم (وجوازُه مِن
العارِفِ إذا كان ما تَرَكَه) مُتميّزًا عَمَّا نقَله (غيرَ متعلقٍ بما رواه بحيثُ
لا يختلُّ البيانُ ولا تختلفُ الدلالةُ) فيما نَقَلهُ (بترکِه .
و) على هذا يجوزُ ذلك (سواءٌ جوَّزْناها بالمعنى، أم لا) سواء (رواه
قبلُ تامًّا أم لا) لأنَّ ذلك بمنزلةٍ خَبَرَيْنِ مُنْفَصِلين .
وقد روى البيهقيُّ في ((المدخل)) عنِ ابنِ المباركِ قال: علّمنا سفيانُ
اختصارَ الحديثِ .
(١) سقط من ((ص).

٦٤
النوع السادس والعشرون
(هذا؛ إن ارتفعتْ منزلتُه عن التهمةِ، فأمَّا مَن رواه) مرَّةً (تامًّا،
فخاف إنْ رواه ثانيًا ناقصًا أن يُتهمَ بزيادةٍ) فيما رواه (أَوَّلًا، أو نسيانٍ
بالغفلة وقلة ضبطه) فيما رواه (ثانيًا، فلا يجوزُ له النقصانُ ثانيًا ولا ابتداءً
إِنْ تَعيَّنَ عليه) أداءُ تمامِه، لئلا يخرجَ بذلك باقيه عن حيِّزِ الاحتجاج به .
قال سليمٌ: فإنْ رواه أوَّلًا ناقصًا، ثم أرادَ روايتَهُ تامًّا، وكان ممَّن يُتَّهم
بالزيادةِ، كان ذلك عُذرًا له في تَركِها وكِثْمانِها .
( وأما تقطيعُ المصنّفِ الحديثَ ) الواحدَ (في الأبوابِ) بحسَبٍ
الاحتجاج به في المسائلِ ، كلُّ مسألةٍ على حدةٍ (فهو إلى الجواز أقربُ)
ومِنَ المنعِ أبعدُ.
(قال الشيخُ) ابنُ الصلاحِ (ولا يخلو مِن كراهةٍ).
وعن أحمدَ : يَنبغي أنْ لا يفعلَ (١)؛ حكاهُ عنه الخلَالُ.
قال المصنّفُ (وما أظنُّه يوافَقُ عليه) فقد فَعَله الأئمةُ؛ مالكٌ
والبخاريُّ وأبو داود والنسائيُّ وغَيرُهم .
• تنبيه:
قال البلقينيُّ (٢): يجوزُ حذفُ زيادةٍ مشكوكٍ فيها بلا خلافٍ، وكان
(١) في ((الكفاية)) (ص: ٢٩٤ - ٢٩٥) ما يدل على أن أحمد فَعَلَه وجوزه.
وفي ((الفتح)) لابن رجب (٤٧٦/١ - ٤٧٧) عن الخلال، أنه قال: ((إنما كره أحمد
الاختصار الذي يُخِلُّ بالمعنى، لا أصل اختصار الحديث)) .
(٢) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ٣٣٧).

٦٥
صفة رواية الحديث
مالكٌ يفْعِلُهُ كَثيرًا تورُّعًا، بل كانَ يقطعُ إسنادَ الحديثِ إذا شكَّ فِي
وَصْلِهِ(١).
(١) ومن أمثلته في «صحيح البخاري)) :
روى البخاري (١ /٥٤١ فتح) حديث خالد الحذاء عن عكرمة قال لي ابن عباس ولابنه
علي : انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه - الحديث ، وفيه: قصة بناء المسجد،
وفيه : ((وبح عمارٍ تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار)».
قال الحافظ ابن حجر :
«إعلم أن هذه الزيادة [ يعني: تقتله الفئة الباغية ] لم يذكرها الحميدي في ((الجمع"،
وقال : إن البخاري لم يذكرها أصلًا، وكذا قال أبو مسعود. قال الحميدي : ولعلها
لم تقع للبخاري، أو وقعت فحذفها عمدًا. قال: وقد أخرجها الإسماعيلي والبرقاني
في هذا الحدیث)» .
قال الحافظ :
((ويظهر لي أن البخاري حذفها عمدًا؛ وذلك لنكتة خفية، وهي أن أبا سعيد الخدري
اعترف أنه لم يسمع هذه الزيادة من النبي والهر، فدل على أنها في هذه الرواية مدرجة ،
والرواية التي بينت ذلك ليست علي شرط البخاري، وقد أخرجها البزار من طريق
داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكر الحديث في بناء المسجد،
وحملهم لبنة لبنة، وفيه: فقال أبو سعيد: فحدثني أصحابي - ولم أسمعه من
رسول اللّه ول﴾ - أنه قال: ((يا ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية)). وابن سمية، هو
عمار، وسمية اسم أمه .
وهذا الإسناد على شرط مسلم، وقد عيَّن أبو سعيد من حدثه بذلك، ففي مسلم
والنسائي من طريق أبي سلمة عن أبي نضرة عن أبي سعيد، قال: حدثني من هو خير
مني أبو قتادة - فذكره. فاقتصر البخاري على القدر الذي سمعه أبو سعيد من النبي ◌َّ
دون غيره، وهذا دالٌّ على دقة فهمه وتبحره في الاطلاع على علل الأحاديث) أهـ.
وراجع ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٥٤٧/٢ - ٥٤٩)، و((البداية)) لابن كثير (٢١٧/٣)،
و ((المنتخب من العلل للخلال)) (ص٢٢٣ - ٢٢٤ بتحقيقي).

٦٦
النوع السادس والعشرون
قال: ومحلُّ (١) ذلك زيادةٌ لا تعلُّق للمذكورِ بها، فإن تعلَّق ذَكَرَها مَع
الشَّكُ؛ كَحَديثِ العَرايا في خمسةِ أوسُقٍ، أو دُونَ خَمسةٍ أَوسُقٍ .
· فَائِدَةٌ:
يَجوزُ في كِتابَةِ الأطرافِ الاكتفاءُ ببعضِ الحديثِ مُطلقًا، وإنْ لَم يُفِدْ .
الشَّادِسُ : يَنْبَغِي أَلَّا يَروِيَ بِقِرَاءَةِ لَحَانٍ أَو مُصَحِّفٍ، وَعَلَى
طَالِبِ الحَدِيثِ أَن يَتَعلَّمَ مِنَ النَّحوِ وَاللُّغَةِ مَا يَسلَمُ بِهِ مِنَ اللَّحنِ
والتَّخْرِيفِ، وَطَرِيقُهُ فِي السَّلاَمَةِ مِنَ التَّصحِيفِ الأخذُ مِن أَفْوَاهِ
أهلِ المَعرِفَةِ وَالتَّحقيقِ ، وَإِذَا وقَعَ فِي رِوَايتِهِ لَنَّ أو تحرِيفٌ، فَقَد
قَالَ ابنُ سِيرِينَ، وَابنُّ سَخبرَةَ : يَروِهِ كَمَا سَمِعَهُ .
والصَّوابُ وَقولُ الأكثرِينَ : يَروِهِ عَلى الصَّواب .
وَأَمَّا إِصلاحُهُ فِي الكِتَابِ: فَجَوَّزَهُ بَعْضُهُم ، والصَّوابُ تقریرُهُ فِي
الأصلِ عَلَى حَالِهِ مَع التَّضبِيبِ عَليهِ وَبيانِ الصَّوَابِ فِي
الحاشِيَّةِ، ثُمَّ الأولَى عِندَ السَّمَاعِ أَن يَقرَأَهُ عَلى الصَّوابِ، ثُمَّ
يَقُولَ: ((فِي رِوَايَتِنَا - أو عِندَ شَيخِنَا، أَو مِن طريقِ فُلانٍ -
كذا))، وَلَهُ أن يَقْرَأْ مَا في الأصلِ، ثُمَّ يَذْكُرَ الصَّوَابَ، وَأُحسَنُ
الإصلاحِ مَا جَاءَ فِي رِوايَةٍ أَو حَدِيثٍ آخَرَ.
(١) في ((ص): ((يحتمل)).

٦٧
صفة رواية الحديث
وَإِن كَانَ الإصلاحُ بِزِيادَةِ سَاقِطٍ ؛ فَإِن لَم يُغَايِر مَعنَى الأصل،
فَهُوَ عَلَى مَا سَبَقَ، فَإِن غَايَرَ تَأْكَّدَ الْحُكمُ بِذِكرِ الأصلِ مَقْرُونًا
بِالبيَانِ، فَإِن عَلِمَ أنَّ بَعضَ الرُّواةِ أسقطَهُ وَحدَهُ، فَلَهُ -
أيضًا - أَن يُلحِقَهُ فِي نَفسِ الكِتَابِ معَ كَلِمَة: ((يَعنِي)»، هَذَا
إِذَا عَلِمَ أَنَّ شَيخَهُ رَوَاهُ عَلَى الْخَطَإِ، فَأَمَّا إِن رَواهُ فِي كِتَابِ
نَفْسِهِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مِنْ كِتَابِهِ لا مِنْ شَيْخِهِ، فَيَتَّجِهُ
إِضلاحُهُ فِي كِتَابِهِ وَرِوَايَتِهِ، كَمَا إِذَا دَرَس مِن كِتَابِهِ بَعضُ
الإِسنَادِ أوِ المَتْنِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ استِدرَاكُهُ مِن كِتَابٍ غَيِهِ إِذَا عَرَفَ
صِحَّتَهُ وَسكَنَتِ نَفسُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّاقِطُ ، كَذَا قَالَهُ أهلُ
التَّحقيقِ، وَمَنَعَهُ بَعضُهُم، وَبَيَانُهُ حَالَ الرِّوايَةِ أولَى، وَهَذَا
الحُكمُ فِي استِثبَاتِ الحَافِظِ مَا شكَّ فِیهِ مِن كِتَابٍ غيرِهِ أَو
حِفظِهِ، فَإِن وَجَدَ فِي كَتَابِهِ كَلِمَةٌ غَيْرَ مَضِبُوطَةٍ أُشكَلَت عَلَيهِ،
جَازَ أَن يَسأَلَ عَنْهَا العُلَمَاءَ بِهَا، وَيروِيهَا عَلَى مَا يُخِرُونَهُ.
(السادسُ: ينبغي) للشيخ (أن لا يرويَ (١)) حديثَه (بقراءة(٢) لَخَّان أو
مُصَحِّفٍ) فقد قالَ الأصمعيُّ: إنَّ أخوفَ ما أخافُ على طالبِ العِلمِ - إذا
لم يعرفِ النحوَ - أن يدخلَ في جُملةٍ قَولِ النبيِ وَّرَ: ((مَن كذبَ عليَّ
فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعدَهُ من النَّارِ))؛ لأنَّه لم يَكُنْ يلحَنُ، فمهما رَويتَ عنه ولحنتَ فيه
كَذَبتَ علیه .
(١) في ((ص)): ((يرى)).
(٢) في ((ص): ((يقرؤه)).

٦٨
النوع السادس والعشرون
وشكا سيبويه حماد بن سلمة إلى الخليلِ ، فقال : سألتُه عن حديثٍ
هشام بن عُروةً عن أبيه في(١) رجلٍ رعُف، فَانْتَهرني وقال: أخْطأتَ ،
إنما هو رعَف - بفتح العينِ . فقال الخليلُ : صَدَقَ ، أتلقى بهذا الكلام
أبا أسامةَ(٢).
(وعلى طالبٍ الحديثِ أن يتعلَّمَ مِن النحوِ واللغةِ ما يَسْلَمُ به مِن اللَّخْنِ
والتحريف) .
روى الخطيبُ (٣) عن شُعبةَ قال: مَن طلبَ الحديثَ ولم يُنْصِرِ العربيةَ
کمثل رجلٍ علیه بُزْنُس وليس له رأسٌ .
وروى أيضًا عن حماد بن سَلمة (٤) قال: مَثَلُ الذي يَطْلُبُ الحديثَ
ولا يعرفُ النحوَ مَثَلُ الحِمارِ عليه مخلاةٌ ولا شعيرَ فيها .
وروى الخليلي في ((الإرشادِ)) (٥) عن العبّاسِ بن المغيرة بن
عبد الرحمنِ ، عن أبيه، قال : جاء عبدُ العزيز الدراورديُّ في جماعةٍ إلى
أَبي لِيَعْرضوا عليه كتابًا، فقرأ لهم الدَّرَاورديُّ، وكان رَدِيء اللسانِ
(١) في ((م): ((عن)).
(٢) كذا في (ص))، و((م)): ((أبا أسامة))، وأيضًا في ((شرح الألفية)) للعراقي (١٧٥/٢)،
وهو مرجع السيوطي في الغالب، لكن في ((الجامع)) للخطيب (٧٢/٢): ((أبا سلمة))
وهذه هي كنية حماد بن سلمة . فالله أعلم .
وراجع: ((تاريخ بغداد)) (١٩٥/١٢).
(٣) ((الجامع)) (٢٦/٢).
(٥) ((الإرشاد)) (٣٠٢/٢).
(٤) ((الجامع لأخلاق الراوي)) (٢٧/٢).

٦٩
صفة رواية الحديث
يَلْحَنُ، فقال أبي: وَيُحَكَ يا دراوردي! أنتَ كُنتَ إلى إصلاح لِسانِكَ قبلَ
النظرِ في هذا الشأنِ أحوجَ منك إلى غير ذلك .
(وطريقه في السلامةِ من التصحيفِ : الأخذُ من أفواهِ أهلِ المعرفةِ
والتحقيقِ) والضبط عنهم، لا من بطون الكتب .
(وإذا وقعَ في روايتِهِ لحنٌ أو تحريفٌ، فقد قال ابنُ سيرينَ، و)
عبد الله (بنُ سَخْبَرةَ) (وأبو مَعْمَرِ، وأبو عُبيدِ القاسمُ بن سلام - فيما رواه
البيهقيُّ عنهما -: (يرويه) على الخطإِ (كما سَمِعه).
قال ابنُ الصلاح(١): وهذا غلوٍّ في اتباع اللفظِ والمنعِ مِنَ الروايةِ
بالمعنى .
(والصوابُ وقولُ الأكثرينَ)، منهم: ابنُ المُبارَكِ، والأوزاعيُّ ،
والشعبيُّ، والقاسمُ بنُ محمدٍ، وعطاءٌ، وهمَّامٌ، والنضرُ بنُ شُميلٍ : أنَّه
(يَزْوِيه على الصواب) لا سيما في اللَّحنِ الذي لا يَختلفُ المعنى به.
واختارَ ابنُ عبدِ السلامِ تَرْكَ الخطإِ والصَّوابِ أيضًا، حكَاه عنه ابنُ
دقيقِ، العيدِ(٢)، أما الصوابُ فلأنه لم يُسْمَعْ كذلك، وأمَّ الخطأُ فلأنَّ النبي
وَّوَ لم يَقُلْهُ كذلك.
(وأما إصلاحُه في الكتابِ) وتغيير ما وقع فيهِ (فَجَوَّزه بعضُهم)
أيضًا .
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٢٩).
(٢) (الاقتراح)) (ص: ٢٩٤، ٢٩٥).

٧٠
النوع السادس والعشرون
(والصوابُ : تقريرهُ في الأصلِ على حالِهِ مع التضبيبِ عليه ، وبيانٍ
الصواب في الحاشيةِ) كما تقدَّم؛ فإن ذلك أجمعُ للمصلحةِ وأنْفَى
للمفْسدةِ، وقَد يأتي مَن يظهرُ له وَجْه صِحَّتِهِ، ولو فُتِحَ بابُ التغيير
لجسر (١) عليه مَنْ ليس بأهلٍ .
(ثم الأولى عندَ السماع أنْ يقرأَه) أَوَّلًا (على الصوابِ، ثم يقول) :
((وقع (في روايتنا، أو عندَ شيخِنا، أو مِن طريقِ فلانٍ كذا))، وله أن يقرأَ
ما في الأصلِ) أوَّلًا (ثم يذكرَ الصوابَ) وإنَّما كان الأوَّل أَوْلى، كَيلا
يتقوَّلَ على رسولِ الله وَلِّ ما لم يَقُلْ.
(وأحسنُ الإصلاح) أنْ يكونَ (ما جاء في روايةٍ) أُخرى (أو حديثٍ
آخَرَ) فإنَّ ذاكرَه آمنٌ مِنَ التقولِ المذکورِ .
(وإن كان الإصلاحُ بزيادةِ ساقط) مِن الأصلِ (فإن لم يغايرْ معنى
الأصلِ فهو على ما سبق) كذا عبَّر ابنُ الصلاحِ أيضًا .
وعبارةُ العراقيّ (٢) : فلا بأسَ بإلحاقِهِ في الأصلِ مِن غيرِ تَنبيهِ على
سُقوطِهِ، بأنْ يعلمَ أنَّه سقطَ في الكتابة، كلفظةِ ((ابن)) في النَّسَبِ،
و کحرفٍ لا يختلفُ المعنى به .
وقد سأل أبو داود أحمدَ بنَ حَنبلٍ فقال : وجدتُ في كتابي : ((حجاج
عن جريج)) يجوزُ لي أن أصلحَه ((ابن جُريج)»؟ قال : أرجو أنْ يكون هذا
لا بأسَ به (٣).
(١) في ((ص): ((يجسر)) .
(٢) «التبصرة)) (١٧٨/٢).
(٣) أخرجه: الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ٣٦٩، ٣٧٠).
------ |
.........
........

٧١
صفة رواية الحديث
وقيلَ لمالكِ: أرأيتَ حديثَ النبيِّ وَِّ يُزادُ فيه الواوُ والألِفُ،
والمعنى واحدٌ؟ فقال: أرجو أن يكونَ خفيفًا(١) .
(فإن غايرَ) الساقطُ معنى ما وقع في الأصل (تَأَكَّد الحكمُ بذکرٍ
الأصلِ مقرونًا بالبيان) لِما سقطَ (فإن عَلِمِ أن بعضَ الرواةِ) له (أسقطه
وحده) وأنَّ مَن فوقه من الرواةِ أَتَى به (فله أيضًا أن يُلْحِقَه في نفس الكتاب
مع كلمةِ ((يَعْنِي))) قَبله، كما فَعَل الخطيبُ إِذْ روَىُ عن أبي عُمر ابنِ
مَهْديٍّ، عن المحامليِّ، بسندِه إلي عُروةً، عن عَمْرَةً، يعني: عن
عائشة، قالتْ: كان رسولُ اللَّهِ وَّهِ يُدني إليَّ رأسَه فأُرَجُلُهُ.
قال الخطيبُ: كان في أصْلِ ابن مهدي ((عن عَمْرَة قالتْ: كان)) .
فألحقْنَا فيه(٢) ذِكْرَ عائشةً؛ إذْ لم يكن مِنه بُدٍّ، وعَلِمنا أن المحامليَّ كذلك
روَاه، وإنَّما سَقَط مِن كِتَابٍ شيخِنا، وقُلنا له فيه: ((يَعْني))؛ لأنَّ ابنَ
مَهْديٌّ لم يَقُلْ لنا ذلك. قال: وهكذا رأيتُ غيرَ واحدٍ من شُيوخِنا يفعل
في مِثلِ هذا .
ثم روى عن وكيع قال: أنا أَستعينُ في الحديثِ بـ ((يَعْني))(٣).
(هذا إذا عَلِمٍ أَنَّ شيخَه رواهُ) له (على الخطإِ، فأمَّا إنْ رواه في كتابٍ
نفسِهِ، وغَلَب على ظنّه أنه) أي: السَّقْطَ (مِن كتابِهِ لا من شَيخِهِ، فَيَتَّجِهُ)
حينئذٍ (إصلاحُهُ في كتابِهِ، و) في (روايته) عند تحديثِهِ، كما تقدَّم عن
أبي داود .
(١) أخرجه: ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (ص: ١٣٣، ١٣٤).
(٣) ((الكفاية)) (ص: ٣٧١، ٣٧٢).
(٢) في ((ص): ((به)).

٧٢
النوع السادس والعشرون
(كما إذا دَرَسَ من كتابِهِ بعضُ الإِسنادِ أو المتنِ) بتقطّع أو بَلَلٍ أَو نَحوِهِ
(فإِنَّه يجوزُ) له (استدراكُهُ من كتابٍ غيرِهِ إِذا عَرَف صِحَّتَهُ) ووَثِقَ بهِ، بأنْ
يكونَ أخَذَهُ عن شيخِهِ وهو ثقةٌ (وسَكَنَتْ نَفسُه إلى أن ذلك هو الساقطُ ؛
كذا قاله أهلُ التحقيقِ) وممَّن فعَله : نُعیمُ بنُ حَمَّادٍ .
(ومَتَعَهُ بعضُهم) وإنْ كان معروفًا محفوظًا، نقَله الخطيبُ عن أبي
مُحمدٍ بن ماسي (١) ..
(وبيانُهُ حالَ الروايةِ أولى)؛ قاله الخطيبُ .
(وهذا الحكمُ) جارٍ (في استثباتِ الحافظِ ما شَكَّ فيه مِن كتابٍ) ثقةٍ
(غيرِهِ أو حِفْظِه) كما رُوي عن أبي عَوانة وأَحمدَ وغيرِهما، ويحسُن أنْ
يبيِّنَ مَن ثَبْتَه، كما فعلَ يزيدُ بنُ هارونَ وغيرُهُ .
ففي (مسند أحمد)(٢): حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، أنا عاصمٌ بالكوفة
فلم أَكْتُبهُ، فسمعتُ شعبةً يُحدِّث به فعرفته به، عن عاصم، عن عبدِ الله
ابن سرجس، أنَّ رسولَ اللَّهِ إِ لَه كان إذا سافرَ قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ
مِنْ وَعْثاءِ السَّفَرِ)) .
وفي غير ((المسندِ)): عن يزيدَ، أنا عاصمٌ، وثَبَّتني فيه شُعبةُ.
فإنْ بَيِّنَ أَصْلَ التثبتِ دُون مَن ثَّتَه فلا بأسَ ؛ فَعَلَه أبو داود في
(سُنَتِه)) (٣) عقب حديثِ الحَكَم بن حَزْنٍ، فقال: «ثبّتني في شيءٍ منْهُ
بعضُ أَصحابنا)» .
(١) (الكفاية)) (ص: ٣٧٣).
(٣) ((السنن)) (١٠٩٦).
(٢) (٨٢/٥).
-----

٧٣
صفة رواية الحديث
(فإنْ وَجَدَ في كتابِهِ كَلِمةً) مِن غريبِ العربيةِ (غيرَ مضبوطةٍ أَشْكَلَتْ
عليه، جازَ أنْ يسألَ عنها العلماءَ بها، ويرويَها على ما يُخْبِرُونَه(١)) به ،
فَعَلَ ذلك أحمدُ وإسحاقُ وغيرهما .
وروى الخطيبُ عن عفَّانَ بنِ مسلم(٢) أنَّه كان يَجِيء إِلى الأَخفشِ،
وأصحابِ النّحوِ يعرضُ عليهم الحديثُ يُعْرِبُهُ .
السَّابِعُ: إِذَا كَانَ الَحَدِيثُ عِندَهُ عَنِ اثنينٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَاتَّفَقَا فِي
المعنَى دُونَ اللَّفظِ - فَلَهُ جمعُهُمَا فِي الإِسنَادِ، ثُمَّ يَسُوقُ الَحَدِيثَ
عَلَىْ لَفِظِ أَحَدِهِما، فَيَقُولُ: ((أَنَا فُلانٌ وَفُلانٌ، وَاللَّفْظُ لِفُلانٍ -
أَوِ وَهَذَا لَفِظُ فُلانٍ - قَالَ - أَو قَالا -: أَنَا فُلانٌ)) وَنَحوَهُ مِنَ
العِبَارَاتِ. وَلُسلِمٍ فِي صَحِيحِهِ عِبَارَةٌ حَسَنَةٌ: كَقولِهِ: ((حدَّثَنَا
سے
أَبُو بَكرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عِن أَبِي خَالِدٍ، قَالَ أَبُو بَكرٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ عَنِ الْأَعمَشِ)) فَظَاهِرُهُ: أنَّ اللَّفظَ لأبي بكرٍ.
فَإِن لَم يَخُصَّ فَقَالَ: ((أَخَبَرَنَا فُلانٌ وَفُلانٌ - وَتَقَارَبَا فِي اللَّفظِ
قَالاَ -: ثَنَا فُلانٌ)) - جَازَ عَلَى جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْمَغْتَى، فَإِن لَمَ
يقُل: ((تَقَارَبَا)) فَلا بَأْسَ بِهِ عَلَى جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالمعنَى، وَإِن كَانَ
قَد عِيبَ بِهِ البُخَارِيُّ أَو غَيْرُهُ .
(١) في ((ص)): ((يجيزونه)).
(٢) في ((ص))، و((م)): ((سلمة))، والتصويب من ((الكفاية)) (ص: ٣٧٤).