النص المفهرس
صفحات 781-800
٣٤ النوع الخامس والعشرون وَرَقٍ صقيلٍ جدًّا في حالِ طراوة المكتوبِ، وقد رُوي عن سحنون أنَّه كانَ رُبَّما كتبَ الشيءَ ثُم لَعِقَهُ، (أو غيرِهِ. وأولاها الضَّرْبُ) فقد قال الرامهرمزيُّ(١): قال أصحابنا : الحُ تُهمةٌ . وقال غيرُهُ(٢): كان الشيوخُ يكرهون حضورَ السِّكين مجلسَ السماع ، حتَّى لا يبشرَ شيءٌ ؛ لأنَّ ما يبشرُ منه رُبَّما يصحُّ في رواية أخرى، وقد يسمعُ الكتاب مرةً أخرى على شيخ آخَرَ يكون ما بشرَ من روايةٍ هذا صَحِيحًا في روايةِ الآخَرِ، فيحتاج إلى إلحاقِهِ بعد أنْ بشرَ، بخلاف ما إذا خطَّ عليه وأوقفه [من](٣) روايةِ الأوَّلِ وصحَّ عند الآخَرِ، اكتفى بعلامة الآخَرِ عليه بصحته . (ثُمَّ) في كيفيةِ هذا الضربِ خمسةُ أقوالٍ : (قال الأكثرون: يخطُّ فوقَ المضروب عليه خطًّا بينَا دالاً على إبطالِهِ) بكونه (مختلطًا به) أي بأوائلِ كلماتِهِ (ولا يطمسه، بل يكون) ما تحته (ممكنَ القراءةِ، ويُسمَّى هذا) ((الضَّربَ)) عندَ أهلِ المَشرقِ، و((الشَّقَّ))) عندَ أهلِ المغربِ وهو بفتح المُعجمةِ وتشديد القافِ - من الشَّقِّ وهو (١) ((المحدث الفاصل)) (ص: ٦٠٦). (٢) ذكره القاضي عياض في ((الإلماع)) (ص ١٧٠) عن شيخه سفيان بن العاصي الأسدي يحكي عن بعض شيوخه أنه كان يقول .. . (٣) زيادة من («الإلماع)). ٣٥ كتابة الحديث وضبطه الصَّدْعُ، أو شق العصا، وهو التَّفريقُ، كأنَّه فرَّقَ بين الزائدِ وما قبله وبعدهُ مِن الثَّابِتِ بِالضَّربِ . وقيل: هو ((النَّشَقُ)) - بفتح النون والمعجمة - من نَشِقَ الظَّبيُ في حِبالته: عَلِقِ فيها، فكأنَّه أبطَلَ حركةَ الكلمةِ وإعمالَها بِجَعلِها فِي وَثاقٍ يمنعها مِنَ التَّصرُّف . (وقيل: لا يَخلِطُه) - أي: الضَّرب - (بالمضروبِ عليه، بل يكونُ فوقَه)، منفصلاً عنه، (معطوفًا) طَرَفا الخطِّ (على أولِهِ وآخرِهِ)، مثالُهُ هكذا : (وقيل): هذا تسويدٌ، بل (يحوقُ على أولِهِ نصف دائرةٍ، وكذا) على (آخرِهِ) بنصفِ دائرةٍ أُخرى، مِثالُه هكذا: ( ). (و) على هذا القولِ؛ (إذا كَثُر) الكلامُ (المضروبُ عليه، فقد يُكْتَفَى بالتحويقِ أولَهُ أو آخرَهُ) فقط (وقد يحوقُ أولَ كلِّ سطرٍ وآخرَه) في الأثناءِ أيضًا، وهو أوضحُ . (ومنهم مَن) استقبحَ ذلك أيضًا، و(اكتفى بدائرةٍ صغيرةٍ أولَ الزيادةِ وآخرَها) وسمَّاها صفرًا، لإشعارِها بخُلوُ ما بينهما مِن صِحَّةٍ، مثالُ ذلك هكذا : 0 (وقيل: يكتبُ ((لا)) في أولهِ) أو ((زائد)) أو ((من)) (و((إلى)) في آخره) . ٣٦ النوع الخامس والعشرون قال ابنُ الصلاح(١): ومثل هذا يَحسُن فيما سَقطَ في روايةٍ وثَّبتَ في روايةٍ . وعلى هذين القولين أيضًا: إذا كَثُرَ المضروبُ عليه، إمَّا يُكتفى بعلامةِ الإبطالِ أوَّله وآخره، أو يُكتَبُ على أولِ كلِّ سطرٍ وآخرِه، وهو أوضحُ . هذا كلُّه في زائدٍ غير مُكرَّرٍ . (وأما الضربُ على المكررِ، فقيل: يَضربُ على الثاني) مُطلقًا دونَ الأوَّلِ ؛ لأنَّه كتب على صوابٍ، فالخطأُ أولى بالإبطالِ . (وقيل : يُبقي أحسنَهما صورةً وأبينَهما) قراءةً ويضربُ على الآخَرِ . هكذا حكى ابنُ خلاد القولين مِن غيرِ مراعاةٍ لأوائل السُّطورِ وآخرها ، وللفصلِ بين المتضايفينِ(٢) ونحو ذلك. (وقال القاضي عياضٌ)(٣): هذا إذا تساوتِ الكلمتان في المنازلِ بأنْ كانتا في أثناء السطرِ ، أمَّا (إنْ كانا أولَ سطرٍ ضربَ على الثاني، أو آخرَه فعلى الأولِ) يضربُ صونًا لأوائلِ السطورِ وأواخرِها عنِ الطَّمسِ (أو) الثانية (أولَ سطرٍ، و) الأُولى (آخِرَ) سطرٍ (آخَرَ ، فعلى آخرِ السطرِ) لأنَّ مراعاة أولِ السطرِ أَولى . (فإنْ تَكَرَّر المضافُ والمضافُ إليه، أو (٤) الموصوفُ والصفةُ، (١) ((علوم الحديث)) (ص: ٢١٦). (٣) ((الإلماع)) (ص: ١٧٢). (٢) في ((م): ((للمتضايقين)). (٤) في ((ص)): ((و)). ٣٧ كتابة الحديث وضبطه ونحوه، رُوعِي اتصالُهما(١)) بأن لا يضرب على المتكرِّرِ بينهما، بل على الأولِ في المضافِ والموصوفِ ، أو الآخِرِ في المضافِ إليه والصِّفةِ ؛ لأنَّ ذلك مُضطرٌّ إليه للفهم، فمراعاتُهُ أولى مِن مُراعاةٍ تحسينِ الصورةِ في الخطِّ . قال ابنُ الصلاح(٢): وهذا التفصيلُ من القاضي حَسَنٌ . (وأمَّا ((الحثُّ))، و((الكشْطُ))، و((المحوُ))، فَكَرِهها أهلُ العلم) كما تقدَّم . الثَّامِنَةُ: غَلَبَ عَلَيهِم الاقتِصَارُ عَلَى الرَّمزِ في ((حَدَّثَنَا)) و(«أَخْبَرَنَا»، وَشَاعَ بِحَيثُ لا يَخْفَى فَيَكْتُبُونَ مِن «حَدَّثَنَا)): الثَّاءَ والُّونَ والألِفَ، وَقَد تُحذَفُ الثَّاءُ، وَمِن («أخبَرَنَا)): ((أَنَا))، وَلا يَحِسُنُ زِيَادَةُ البَاءِ قَبلَ النُّونِ - وَإِن فَعَلَهُ البَيهَقِيُّ - وَقَد تُزَادُ رَاءٌ بَعدَ الْأَلِفِ، وَدَالٌ أَقَلَ رَمِزِ «حَدَّثَنَا))، وَوَجَدْتُ الدَّالَ فِي خَطِّ الَحَاكِمِ وَأبي عَبدِ الرَّحمنِ السُّلَمِيِّ وَالبَيهَقِيِّ . وَإِذَا كَانَ للحَدِيثِ إِسِنَادَانِ أَو أَكْثَرُ، كَتَبُوا عِندَ الانتِقَالِ مِن إِسِنَادٍ إِلَى إسنادٍ ((ح))، وَلمْ يُعرَفْ بَيَاتُهَا عَمَّن تَقَدَّم، وَكَتَبَ جَمَاعةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مَوضِعَهَا ((صَحَّ))؛ فَيُشعِرُ ذَلكَ بأنّها رَمزُ ((صَحَّ))؛ وَقِيلَ: مَنَ التَّحوِيلِ مِن إِسنَادٍ إِلَى إِسنَادٍ. وَقِيلَ: (١) في ((ص): ((اتصالها)). (٢) ((علوم الحديث)) (ص: ٢١٧). ٣٨ النوع الخامس والعشرون لأنّهَا تَحُولُ بَينَ إِسِنَادَينٍ؛ فلا تَكُونُ مِنَ الحَدِيثِ، وَلا يُلفَظُ عِندَهَا بِشَيءٍ. وَقِيلَ: هِيَ رَمزٌ إِلَى قَولِنَا: ((الحدِيثَ))، وإِنَّ أَهْلَ المَغْرِبِ كُلَّهُم يَقُولُونَ إِذَا وَصَلُوا إِلِيهَا: ((الَحَدِيثَ)). وَالمُختَارُ أَنْه يَقُولَ: ((حَا)) وَيَمُزُّ. (الثامنةُ: غَلَب عليهم الاقتصار) في الخطّ (على الرمزِ في «حدَّثنا و ((أَخْبرنا))) لتكررها (وشَاعَ) ذلك وظهرَ (بحيث لا يخفَى) ولا يَلْتبسُ . (فيكتبون مِن ((حدثنا)): الثاءَ والنونَ والألفَ) ويحذفون الحاءَ والدال (وقد تحذفُ(١) الثاءُ) أيضًا، ويقتصرُ على الضمير . (و) يكتبون (مِن («أخبرنا)): ((أنا))) أي الهمزة والضميرَ (ولا يحسنُ زيادةُ الباءِ قبلَ النونِ وإن فعله البيهقيُّ) وغيرهُ لئلا يلتبس برمز (حدَّثنا)). (وقد تزادُ راءٌ بعدَ الألفِ) قَبل النون، أو خاءً، كما وجدَ في خطّ المغاربةِ (و) قد تُزادُ (دالٌ أولَ رمزِ «حَدَّثنا))) ويحذفُ الحاءُ فقط. (ووجدتُ الدال) المذكورة (في خطّ الحاكم وأبي عبد الرحمن السُّلميّ والبيهقيّ) هكذا قال ابنُ الصلاح(٢)، فالمصنّف حاكٍ كلامَه، أو رأى ذلك أيضًا، أو ((وُجِدَتْ)) في كلامه مبنيًّا للمفعولِ. تنبية : يرمزُ أيضًا ((حدَّثني))؛ فيكتب: ((ثني)) أو ((دثني))، دون ((أخبرني)) و ((أنبأنا)) ((وأنبأني)). (١) في ((م)): ((يحذف)). (٢) ((علوم الحديث)) (ص: ٢١٨). ٣٩ كتابة الحديث وضبطه وأما ((قال))، فقالَ العراقيُّ(١): مِنهم مَن يرمزُ لها بقافٍ. ثُم اختلفوا: فبعضهم يَجمعُها مع أداةِ التحديثِ، فيكتبُ ((قثنا)) يريد: (( قال: حدثنا)). قال: وقد توهّم بعضُ من رآها هكذا أنها الواو التي تأتي بعد حاءٍ التحويل، وليس كذلك . وبعضُهُم يُفردُها فيكتبُ : ((ق ثنا))، وهذا اصطلاحٌ متروكٌ . وقال ابنُ الصلاح(٢): جرتِ العادةُ بحذفِها خطًّا، ولا بُدَّ من النُّطقِ بها حالَ القراءةِ. وسيأتي ذلك في الفرع(٣) التاسع من النوعِ الآتي. (وإذا (٤) كان للحديثِ إسنادانِ أو أكثرُ) وجَمعوا بينها في متنٍ واحدٍ (كَتبوا عندَ الانتقالِ مِن إسنادٍ إلى إسنادٍ: ((ح)») مفردةً مهملةً (ولم يُعرفُ بيانُها) أي: بيانُ أمرِها (عمَّن تقَدَّم). (وكَتَب جماعةٌ مِن الحفاظِ) كأبي مسلم الليثي وأبي عُثمان الصابونيِّ (موضعَها: ((صح))، فيشعرُ ذلك بأنها رمزُ ((صح))) . قال ابنُ الصلاح(٥): وحَسُن إثباتُ ((صح)) هُنا؛ لئلا يُتَوَهَّم أنَّ حديثَ هذا الإسنادِ سَقَطَ، ولئلا يُركَّب الإسنادُ الثاني على الإسنادِ الأولِ فَيُجعلا إسنادًا واحدًا . (١) ((التبصرة)) (١٥٤/٢). (٣) في ((م)): ((النوع)). (٥) ((علوم الحديث)) (ص: ٢١٩). (٢) ((علوم الحديث)) (ص: ٢١٩). (٤) في ((م): ((إن)) . ٤٠ النوع الخامس والعشرون (وقيل) : هي حاءٌ (مِن التحويل مِن إسنادٍ إلى إسنادٍ) . (وقيل): هي ((حاء)) من ((حائل)) (لأنها تحول بين إسنادينٍ، فلا تكونُ(١) من الحديثِ) كما قِيلَ بذلك (ولا يُلفظُ عندَها بشيءٍ). (وقيل : هي رمزٌ إلى قولِنا: ((الحديث)). وإنَّ أهلَ المغربِ كلَّهم يقولون إذا وصلوا إليها: ((الحديث)) . والمختارُ؛ أنَّه يقولُ) عند الوصولِ إليها: (((حا))، ويَمُرُّ) . التَّاسِعَةُ: يَنبَغِي أَن يَكْتُبَ بَعدَ البَسمَلَةِ اسمَ الشَّيخ وَنسَبَهُ وَكُنْيَتَهُ، ثُمَّ يَسُوقَ الْمَسْمُوعَ، وَيَكْتُبَ فَوقَ البَسمَلَةِ أَسماءَ السَّامِعِينَ، وَتَارِيخَ السَّمَاعِ، أَوْ يَكْتُّبَهُ فِي حَاشِيَةِ أَوَّلٍ وَرَقَةٍ أَو آخِرِ الكِتَابِ ؛ أَو حَيثُ لا يَخْفَى مِنْهُ، وَيَنبَغِي أَن يَكُونَ بِخَطِّ ثِقَةٍ مَعْرُوفِ الخَطِّ، وَلا بَأْسَ عِندَ هَذَا بِأَنْ لَا يَصِحَّ الشّيخُ عَلَيهِ، وَلَا بَأْسَ أَن يَكْتُبَ سَمَاعَهُ بِخَطُّ نَفسِهِ إِذَا كَانَ ثِقَةً كَمَا فَعَلَهُ الثِّقَاتُ وَعَلَىْ كَاتِب التَّسْمِيعِ التَّحَرِّي، وَبَيَانُ السَّامعِ وَالمُسمِعِ وَالَسْمُوعِ بِلَفظِ غَيْرِ مُحتَمِلٍ، وَجَانَبَةُ التَّسَاهُلِ فِيمَن يُثبِتُهُ، وَالَحَذَرُ مِن إِسقَاطِ بَعضِهِم لِغَرَضِ فَاسِدٍ، فَإِن لَمَ يَحِضُر؛ فَلَهُ أَن يَعتَمِدَ فِي حُضُورِهِم خَبَرَ ثِقَةٍ حَضَرَ، وَمَن يثبتُ (١) في ((م)): ((يكون)). 65. ٤١ كتابة الحديث وضبطه فِي كِتَابِهِ سَمَاعٍ غَيرِهِ، فَقبِيحٌ بِهِ كِتمَانُهُ وَمَنعُهُ نَقلَ سَمَاعِهِ مِنهُ أَو نَسخَ الكِتَابِ . وَإِذَا أَعَارَهُ فَلاَ يُبطِئُّ عَلَيهِ، فَإِن مَنَعَهُ، فَإِن كَانَ سَمَاعُهُ مُثبَتًا بِرِضىْ صَاحِبِ الكِتَابِ - لَزِمَهُ إِعَارَتُهُ، وَإِلَّ فَلَا؛ كَذَا قَالَهُ أَنْمَّةُ مَذَاهِبِهِم في أزمَانِهِم ، مِنْهُمُ القَاضِي حَفْصُ بنُ غِياثِ الَنفيُّ، وَإِسمَاعِيلُ القَاضِي المَالِكِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدِ اللَّه الزُّبِيُّ الشَّافِعِيُّ، وَحَكَمَ بِهِ القَاضِيَانِ، وَخَالَفَ فِيهِ بعضُهمِ وَالصَّوابُ الأوَّلُ، فَإِذَا نَسَخَهُ فَلاَ يَنْقُلُ سَمَاعَهُ إِلَى نُسخَتِهِ إِلَّ بَعدَ الْمُقَابَلَة المَرْضِيَّة، وَلا يُنقَل سَمَاعٌ إِلَى نُسخَةٍ إِلَّ بَعدَ مُقَابَلَةٍ مَرضِيَّةٍ إِلَّ أَنْ يُبَيِّنَ كَونَهَا غَیرَ مُقَابَلَةٍ . (التاسعةُ: ينبغي) في كتابةِ التسميع (أن يكتبَ) الطالبُ (بعدَ البسملةِ اسمَ الشيخِ) المُسْمِعِ (ونسبَه وكنيتَه). قال الخطيبُ (١): وصورةُ ذلك: ((حدَّثنا أبو فلانٍ فلانُ بن فلانِ ابن فلانِ الفلانيُّ، قال : حدَّثنا فلانٌ)) ( ثم يسوقَ المسموعَ) على لفظه . (ويكتبَ فوقَ البسملةِ أسماءَ السامعينَ) وأنْسابَهم (وتاريخَ) وقتٍ (السماع، أو يكتُبَهُ(٢) في حاشيةِ أولِ ورقةٍ) من الكتابِ (أو آخر الكتابِ، أو) موضع آخر (حيث لا يخفى منه) والأوَّلُ أَحوطُ . (١) ((الجامع)) (٢٦٨/١). (٢) في ((ص))، و((م)): ((يكتب))، والمثبت من المطبوع . ٤٢ النوع الخامس والعشرون قال الخطيبُ (١): وإنْ كانَ السماعُ في مجالسَ عِدَّةٍ، كَتَبَ عند انتهاءِ السماعِ في كلِّ مجلسٍ علامةَ البلاغِ . (وينبغي أن يكونَ) ذلك (بخطّ ثقةٍ معروفٍ الخطِّ، ولا بأسَ) عليه (عند هذا بأنْ لا يَصِحَّ الشيخُ عليه) أي لا يحتاجُ حينئذٍ إلى كتابةِ الشيخ خطَّه بالتصحيح . (ولا بأسَ أنْ يكتبَ سماعَه بخطٌّ نفسِه إذا كانَ ثقةً كما فَعَلَه الثقاتُ) . قال ابنُ الصلاح(٢): وقد قرأ عبد الرحمنِ بنُ مَنْدَه جُزْءًا على أبي أحمد الفرضيِّ، وسأله خطَّه ليكون حُجَّةً له ، فقال له : يا بُني، عليكَ بالصّدقِ ؛ فإنَّك إذا عُرِفْتَ به لا يُكذِّبك أحدٌ ، وتُصَدَّقُ فيما تقولُ وتَنْقُلُ ، وإذا كان غير ذلك، فلو قيل لك: ما هذا خطَّ الفرضيِّ. ماذا تقول لهم؟ (وعلى كاتبِ التسميع التحري) في ذلك، والاحتياطُ (وبيانُ السامع، والمُسْمِعِ، والمسموعِ، بلفظٍ غيرِ محتملٍ ، ومجانبةُ التساهلِ فيمن يثبتُه، والحذرُ مِن إسقاطِ بعضِهم) أي : السامعين (لغرضٍ فاسدٍ) فإنَّ ذلك مما يؤدِیه إلى عدم انتفاعِهِ بما(٣) سمع . (فإنْ لم يحضر) مثبتُ السماع (٤) ما سُمِع (فله أن يعتمدَ) في إثباتهِ (في حضورِهم) على (خبر ثقةٍ حَضَر) ذلك . (١) ((الجامع)) (٢٦٨/١). (٢) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٢٠). (٣) في ((ص))، و((م)): ((مما)). (٤) في ((ص))، و((م)): ((السامع))، والمثبت من المطبوع. ammIE R ٤٣ كتابة الحديث وضبطه (ومن يثبت في كتابِهِ سماع غيرِهِ فقبيحٌ به كتمانُهُ) إِيَّاهُ (وَمِنْعُه نقلَ سماعِهِ منه ، أو نَسْخَ الكتاب) . فقد قال وكيعٌ : أوَّلُ بركةِ الحديثِ إعارةُ الكُتب . وقال سُفيان الثوريُّ : مَن بَخِل بالعِلم ابْتلي بإحدى ثلاثٍ : أنْ يَنْساه ، أو يموت ولا ينتفع به، أو تذهبَ کتبه . قلتُ: وقد ذمَّ اللَّه تعالى في كتابه مانعَ العاريةِ بقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ اٌلْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] وإعارةُ الكُتب أهمُ مِنَ الماعونِ. (وإذا أعاره فلا يبطئُ عليه) بكتابهِ إلا بِقَدْرِ حاجته . قال الزهريُّ (١) : إِيَّاك وغُلولَ الكُتبِ، وهو حَبْسُها عَن أَصْحَابِها . وقال الفضيلُ : ليس من فِعَالِ أهلِ الوَرعِ ولا مِن فِعال الحكماءِ أنْ يأخذ سماعَ رجلٍ وكتابَهُ فَيَحْبسه عنه، ومَن فعل ذلك فقد ظلمَ نفسه . (فإن مَنَعَهُ) إعارته (فإن كان سماعُه مثبتًا) فيه (برضى صاحبٍ الكتابِ) أو بخطُّه (لَزِمَه إعارتُهُ وإلا فلا. كذا قال أئمةُ مذاهبهم في أزمانِهم منهم: القاضي حفصُ بنُ غياثٍ الحنفيُّ) مِنَ الطبقة الأُولى مِن أصحاب أبي حنيفة (وإسماعيلُ) بن إسحاقَ (القاضي المالكيُّ) إمام أصحاب مالك (وأبو عبيدِ اللَّهِ الزبيريُّ الشافعيُّ، وحَكَم به القاضيانِ) الأَوَّلان : (١) ((الجامع لأخلاق الراوي)) للخطيب (٢٤٢/١). ٤٤ النوع الخامس والعشرون أما حُكم حَفصٍ ؛ فروى الرامهر مزيُّ (١) أنَّ رجلًا ادَّعى على رجلٍ بالكُوفة سَماعًا مَنعه إِيَّاه، فتحَاكَما إليه، فقال لصاحب الكتابِ : أَخرجُ إلينا كُتُبَك، فما كان مِن سماع هذا الرجلِ بخطّ يدِكَ أَلْزِمِنَاكَ، وما كان بخطِّه أعْفينَاكَ مِنه . قال الرامهرمزيُّ : فسألتُ أبا عبد اللَّه الزُّبيريَّ عن هذا، فقال : لا يجيءُ في هذا البابِ حُكمٌ أحسنُ من هذا؛ لأنَّ خطَّ صاحبِ الكتابِ دالٌّ على رضاه باستماعِ صاحبِهِ معه . وأما حُكم إسماعيلَ ؛ فروَى الخطيبُ (٢) أنه تُحُوكِمَ إليه في ذلك ، فأطْرقَ مليًّا، ثُم قال للمدَّعَى عليه: إنْ كان سماعُهُ في كتابِك بخطُ بدِكَ فيلزمُكَ أنْ تُغيرَه . (وخالف فيه بعضُهم، والصوابُ الأولُ) وهو الوجوب . قال ابنُ الصلاح (٣): قد تعاضدتْ أقوالُ هذه الأئمة في ذلك، ويَرجِعُ حاصلُها إلى أنَّ سماعَ غيرِه إذا ثبتَ في كتابِهِ بِرِضَاهُ، فيلزمُهُ إعارتُهُ إِيَّاه .. قال : وقد كان لا يَبِينُ لي وجْهُه ثم وَجَّهْتُهُ، بأن ذلك بمنزلةِ شهادةٍ له عِندَه، فعليه أداؤُها بما حَوتْه، وإن كان فيه بَذْلُ مالِه كما يلزمُ متحملَ الشهادةِ أداؤُها ، وإن كان فيه بذل نفسه بالسَّعي إلى مجلس الحكم لأدائها . (١) ((المحدث الفاصل)) (ص: ٥٨٩). (٣) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٢١). (٢) ((الجامع)) (٢٤١/١، ٢٤٢). ٤٥ كتابة الحديث وضبطه وقال البلقينيُّ (١): عِندي في توجيهه غيرُ هذا، وهو أنَّ مثلَ هذا مِنَ المصالحِ العامةِ التي يُحتاجُ إليها، مع حُصولِ علقةٍ بين المحتاج والمُحتاج إليه، يَقتضي إلزامَه بإسْعافِهِ في مَقْصدِهِ . قال : وأَصْلُهُ إعارةُ الجِدارِ لوضعِ جُذوعِ الجارِ عليه، وقد ثبتَ ذلك في ((الصحيحين))، وقال بوجُوبِ ذلك جَمِعٌ منَ العُلماءِ، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، فإذا كان يُلزَمُ الجارُ بالعاريةِ مع دَوَامِ الجذوعِ في الغالبِ ، فَلَأَنْ يُلْزَمَ صاحبُ الكِتابِ مع عدمٍ دَوَامِ العاريةِ أولى . (فإذا نَسَخَه فلا يَنْقُلُ سماعَه إلى نسختِهِ) أي : لا يُثْبِتُهُ عليها (إلا بعدَ المقابلةِ المرضِيَّةِ، و) كَذا (لا يُنقلُ سماعٌ) ما (إلى نسخةٍ إلا بعدَ مقابلةٍ مرضِيَّةٍ (٢)) لئلا يُغترَّ بتلك النُّسخةِ (إلا أن يُبَيِّنَ كونَها غيرَ مقابلةٍ) على ما تقدَّم . (١) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ٣٢٥). (٢) في ((م)): ((ترضيه)). ٤٦ النوع السادس والعشرون · النَّوعُ السَّادِسُ وَالعِشرُونَ : صِفَّةُ رِوَايَةِ الحَدِيثِ تَقَدَّمَ مِنْهُ مُمَلٌ فِي النَّوعَينِ قَبلَهُ وَغَيرِهِمَا، وَقَد شَدَّدَ قَومٌ فِي الرِّوَايَةِ فأفرّطُوا، وَتَسَاهَلَ آخَرُونَ فَقَرَّطُوا، فَمِنَ الْمُشدِّدِينَ مَن قَالَ: لا حُجَّةَ إِلَّ فِيمَا رَوَاهُ مِن حِفْظِهِ وَتَذَكُّرِهِ، رُوِيَ عَن مَالِكِ، وأبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي بَكرِ الصَّيدَلانِّ الشّافِعِيِّ. وَمِنْهُم مَن جَوَّزَهَا مِن كِتَابِهِ إِلَّ إِذَا خَرَجَ مِن يَدِهِ. وَأمَّا المُتَسَاهِلُونَ، فَتَقَدَّمَ بَيانُ مُمَلٍ عَنْهُمْ فِي النَّوعِ الرَّابِعِ وَالعِشرينَ . وَمِنْهُمْ قَومٌ رَوَوا مِن نُسخِ غَيِرٍ مُقَابَلَةٍ بِأُصُولِهِم؛ فَجَعَلَهُمُ الْحَاكِمُ مَجْرُوحِينَ. قَالَ: وَهَذَا كَثِيرٌ تَعَاطَاهُ قومٌ مِن أكَابِرِ العُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ. وَقَد تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الرَّابِعَةِ مِنَ النَّوعِ المَاضِي أَنَّ النُّسخَةَ الَّتِي لَم تُقَابَلِ يَجُوزُ الرِّوَايَةُ مِنْهَا بِشُرُوطٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْحَاكِمَ يُخَالِفُ فِيهِ، وَيَحْتَمِلُ أنَّهُ أَرَادَ إِذَا لَمْ تُوجَدِ الشُّرُوطُ . وَالصَّوابُ مَا عَلَيْهِ الجُمْهُورُ: وَهُوَ التَّوَسُطُ، فَإِذَا أَقَامَ فِي ٤٧ صفة رواية الحديث التَّحَمُّلِ وَالمُقَابَلَةِ بِمَا تَقَدَّمَ جَازَتِ الرِّوَايَةُ مِنْهُ وَإِن غَابَ؛ إِذَا كَانَ الغَالبُ سَلامَتَهُ مِنَ الَّغِيرِ، لا سيَّمَا إِذَا كَانَ مِّن لا يَخْفَى عَلَيهِ التَّغِيرُ غَالِبًا . (النوع السادس والعشرون: صفةُ روايةِ الحديثِ) وأدائِهِ(١) وما يتعلَّق بذلك (تَقَدَّم منه جُمَلٌ في النوعينِ قبلَه وغيرِهما) كألفاظِ الأداءِ (وقد شَذَّدَ قومٌ في الروايةِ فأفرطوا) أي: بالَغُوا (وتساهل) فيها (آخرون ففرَّطوا) أي : قَضَّروا . (فمِن المشددينَ مَنْ قال: لا حجةَ إلا فيما رواه) الرَّاوي (مِن حفظِهِ وتَذَكِّرِه . رُوي) ذلك (عن مالكِ، وأبي حنيفةَ، وأبي بكرٍ الصيدلانيّ) المروزيّ (الشافعيّ) . فروَى الحاكم (٢) من طريق ابن عبد الحكم، عن أشهبَ قال: سُئل مالكٌ، أيؤخَذُ العِلمُ ممَّن لا يحفظُ حديثه وهو ثقةٌ؟ فقال: لا . قيل : فإنْ أتى بكتُبِ فقال : سمعتُها . وهو ثقةٌ؟ فقال: لا يُؤخذ عنه، أخاف أن يُزاد في حديثه بالليلِ . يعني: وهو لا يدري . وعن يُونسَ بنِ عبدِ الأعلى قال: سمعتُ أشهبَ يقول: سُئل مالكٌ عن الرَّجلِ الغيرِ فهم يُخرِجُ كتابَهُ فيقول: هذا سمعته؟ قال: لا تأخذ إلا عمَّن يحفظ حديثه أَو يعرفُ (٣). (١) في ((ص)): ((آدابه)). (٣) المصدر السابق . (٢) ((الكفاية)) (ص: ٣٣٧). ٤٨ النوع السادس والعشرون وروى البيهقيُّ عن مالكِ وعن أبي الزناد قال : أدركتُ بالمدينة مائةً كُلُّهم مأمونٌ(١)، ما يُؤخذ عنهم شيءٌ من الحديث، يقال: ليس مِن أهله(٢). ولفظ مالكِ: لم يكونوا يعرفون ما يُحدِّثون به(٣) (٤). وهذا مذهبٌ شديدٌ، وقد استقرَّ العملُ على خِلافه، فلعلَّ الرُّواةَ في ((الصحيحين)) ممن يوصَف بالحفظ لا يَبْلغون النصف(٥). (ومنهم مَن جَوَّزها مِن كتابِهِ، إلا إذا خَرَجَ من يده) بالإعارةِ، أو (٢) ((الكفاية)) (ص: ٢٤٧) . (١) في ((ص)): ((مأمونون)). (٣) سقط من ((م)). (٤) ((الكفاية)) (ص: ١٨٩)، و((الضعفاء الكبير)) للعقيلي (١٤/١). (٥) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٢٦٩/١ - ٢٧٠): ((الرواة الذين للصحيح على قسمين : قسم؛ کانوا یعتمدون على حفظ حديثهم، فکان الواحد منهم يتعاهد حديثه ویکرر عليه فلا يزال مبينًا له، وسهل ذلك عليهم قرب الإسناد وقلة ما عند الواحد منهم من المتون، حتى كان من يحفظ منهم ألف حديث يشار إليه بالأصابع. ومن هنا؛ دخل الوهم والغلط على بعضهم لما جبل عليه الإنسان من السهو والنسيان . وقسم؛ كانوا يكتبون ما يسمعونه ويحافظون عليه ولا يخرجونه من أيديهم ويحدثون منه، وكان الوهم والغلط في حديثهم أقل من أهل القسم الأول إلا من تساهل منهم ، كمن حدث من غير كتابه، أو أخرج كتابه من يده إلى غيره فزاد فيه ونقص وخفي عليه، فتكلم الأئمة فيمن وقع له ذلك منهم . وإذا تقرر هذا؛ فمن كان عدلًا ، لكنه لا يحفظ حديثه عن ظهر قلب، واعتمد على ما في كتابه فحدث منه، فقد فعل اللازم، وحديثه ـ على هذه الصورة - صحيح بلا خلاف)) . ٤٩ صفة رواية الحديث ضياع، أو غيرِ ذلك، فلا يجوز حينئذٍ منه لجوازٍ تغييره. وهذا أيضًا تشديدٌ . (وأما المتساهِلون، فتقدَّم بيانُ جُمَلٍ عنهم في النوعِ الرابعِ والعشرينَ) في وجوهِ التَّحمُّلِ . (ومنهم قومٌ رَوَوْا مِن نُسَخِ غيرِ مقابلةٍ بأصولهم، فجعلهم الحاكمُ مجروحين. قال: وهذا كثيرٌ تعاطاه قومٌ مِن أكابِرِ العلماءِ والصلحاءِ)(١). ومِمَّن نُسب إليه(٢) التَّساهلُ: ابنُ لهيعة، كان(٣) الرَّجلُ يأتيه بالكتابِ فيقول : هذا مِن حَدِيثِكَ. فَيُحدِّثه به مقلّدًا له . قال المصنّفُ - زيادةً على ابنِ الصلاحِ - : (وقد تقدَّم في آخرِ الرابعةِ من النوعِ الماضي أنَّ النسخةَ التي لم تقابلْ يجوز الروايةُ منها بشروطٍ ، فِيَحْتَمِلُ أن الحاكمَ يخالفُ فيه، ويحتمِلُ أنه أراد) بما ذكره (إذا لم تُوجد الشروط . والصوابُ : ما عليه الجمهورُ وهو التوسطُ) بين الإفراطِ والتفريطِ ، فخيرُ الأمورِ الوسَطُ، وما عَدَاه شَطَطْ. (١) ((المدخل إلى الإكليل)) (ص: ٦٥ - ٦٦). (٢) في ((ص)): ((إلى)). (٣) في ((م)): ((وكان)). وراجع ما كتبته عن ابن لهيعة في كتابي ((النقد البناء لحديث أسماء في كشف الوجه والكفين للنساء)). ٥٠ النوع السادس والعشرون (فإذا أقام (١)) الراوي (في التحملِ والمقابلةِ) لكتابهِ (بما تقدَّم) منَ الشُّروطِ (جازت الروايةُ منه) أي مِن الكتابِ (وإن غاب) عنه (إذا كان الغالبُ) على الظنِّ مِن أمره (سلامتَه من التغييرِ) والتبديلِ (لا سيما إذا كان ممن لا يخفى عليه التغييرُ غالبًا) لأنَّ الاعتمادَ في بابِ الروايةِ على غالبِ الظَّنُ . • فُرُوعُ : الأَوَّلُ: الضَّرِيرُ إِذَا لم يَحِفَظْ مَا سَمِعَهُ فَاسْتَعَانَ بِثِقَةٍ فِي ضَبطِهِ، وَحفظ كِتَابِه، وَاحْتَاطَ عِندَ القِرَاءَةِ عَلَيهِ بِحيثُ يَغلبُ عَلَى ظَنِّهِ سَلامَتُهُ مِنَ التَّغيير - صَحَّت ◌ِوَايَتُهُ، وَهُوَ أَولَى بِالَنْعِ مِن مِثْلِهِ فِي البصِيرِ. قَالَ الْخَطِيبُ: والبصيرُ الْأُمِّيُّ كَالضَّرِيرِ . (فروعٌ) أربعةَ عَشَرَ : (الأولُ : الضريرُ إذا لم يَحفظُ ما سَمِعه، فاستعان بِثِقَةٍ فِي ضَبْطِهِ) أي : ضَبْط سَماعِهِ (وحفظ كتابه) عن التغييرِ (واحتاط عندَ القراءةِ عليه بحيثُ يَغْلِبُ على ظَنِّه سلامتُهُ مِن التغييرِ، صَحَّتْ روايتُه، وهو أولى بالمنعِ مِن مثلِهِ في البصيرِ، قال الخطيبُ: والبصيرُ الأَمِّيُّ) فيما ذكر (كالضريرِ) وقد مَنَعَ مِن روايتِهما غيرُ واحدٍ مِن العلماء . (١) في ((ص): ((قام)). ٥١ صفة رواية الحديث الثَّانِي: إِذَا أُرَادَ الرِّوَايَةَ مِن نُسخَةٍ لَيسَ فِيهَا سَمَاعُهُ وَلَا هِيَ مُقَابَلَةٌ بِهِ، لَكِن سُمِعَت عَلَى شَيخِهِ، أَوْ فِيهَا سَمَاعُ شَيخِهِ، أَو كُتِبَتْ عَن شَيخِهِ وَسكَنَتِ نَفسُهُ إِلَيْهَا - لَ يَجُزْلَهُ الرِّوَايَةُ مِنْهَا عِندَ عَامَّةِ المُحَدِّثِينَ، وَرَخَّصَ فِيهِ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانيّ وَمُحمدُ بنُ بکرِ البُرسَائِّ . قَالَ الْخَطِيبُ: وَالَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ أَنَّهُ مَتَى عَرَفَ أَنَّ هذِهِ الأَحَادِيثَ هِيَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنَ الشَّيخ، جَازَ لَهُ أَن يَروِبَهَا إِذَا سَكَنَتْ نَفسُهُ إلى صِحَّتِهَا وَسَلَاَمَتِهَا . هَذَا إِذَا لَمْ يَكنْ لَهُ إِجَازَةٌ عَامَّةٌ عَن شَيخِهِ لَِروِيَّاتِهِ، أَو لِهِذَا الكِتَابِ، فَإِن كَانَتَ جَازَ لَهُ الرِّوَايَةُ مِنْهَا، وَلَهُ أَن يَقُولَ: ((حَدَّثَنَا)) و((أَخبَرَنَا)»، وَإِن كَانَ فِي النُّسخَةِ سَمَاعُ شَيخِ شَيخِهِ، أَوْ مَسْمُوعُهُ عَلَى شَيْخِ شَيْخِهِ، فَيَحْتَاجِ أَن يَكُونَ لَهُ إِجَازَةٌ عَامَّةٌ مِن شَيخِهِ وَمِثْلُهَا مِن شیخِهِ . (الثاني : إذا أراد الروايةَ مِن نسخةٍ ليس فيها سماعُه، ولا هي مقابلةٌ به) كما هو الأولى في ذلك (لكنْ سُمِعَتْ على شيخِه) الذي سمع هو عليه في نسخةٍ خِلافها (أو فيها سماعُ شيخِه) على الشيخ الأعلى (أو (١) كتبتْ عن شيخِهِ وسَكَنَتْ نفسُه إليها، لم يجز له الروايةُ منها عندَ عامةٍ (١) في ((ص): ((و)). ٥٢ النوع السادس والعشرون المحدثينَ) وقطَع به ابن الصبَّاغ؛ لأَنَّه قَد تكونُ فيها روايةٌ ليستْ في نُسخةٍ سماعِهِ . (ورخّص فيه أيوبُ السَّخْتِيانيُّ ومحمدُ بنُ بكرِ البُرسانيُّ، قال الخطيبُ (١): والذي يُوجِبُه النظرُ): التفصيلُ، وهو (أنَّه متى عَرَفَ أنَّ هذه الأحاديثَ هي التي سَمِعَها من الشيخِ جَازَ له أن يَرْوِيَها) عَنه (إذا سَكَنَتْ نفسُه إلى صحتِها وسلامتِها) وإلَّا فلا . قال ابنُ الصلاح(٢): (هذا إذا لم يكن له إجازةٌ عامةٌ عن شيخِه المروياتِهِ، أو لهذا الكتاب، فإن كانت جاز له الروايةُ منها) مُطلقًا، إِذْ ليسَ فيه أكثرُ مِنْ روايةِ تلك الزياداتِ بالإجازةِ (وله أنْ يقولَ: ((حَدَّثنا))، ((وأَخْبَرِنا))) من غيرِ بيانٍ للإجازةِ، والأمرُ قريبٌ يتسامح بمثله . (وإن كان في النسخةِ سماعُ شيخ شيخِه، أو مسموعُه على شيخ شيخِه، فيحتاجُ أن يكونَ له إجازةٌ عامةٌ مِن شيخِه، و) يكون لشيخه إجازةٌ (مثلُها من شيخِه). الثَّالِثُ: إِذَا وَجَدَ فِي كِتَابِهِ خِلاَفَ حِفظِهِ؛ فَإِن كَانَ حَفِظَ مِنهُ رَجَعَ إِلَيْهِ، وَإِن كَانَ حَفِظَ مِن فَمِ الشَّيخ، اعتَمَدَ حِفظَهُ إِن لَمَ يَشُكَّ، وَحَسَنْ أَن يَجِمَعَ، فَيَقُولَ: ((حِفِي كَذَا، وَفِي كِتَابِي (١) ((الكفاية)) (ص: ٣٧٧) . (٢) ((علوم الحديث)) (ص : ٢٢٥). ٥٣ صفة رواية الحديث كَذَا)). وَإِن خَالَفَهُ غَيْرُهُ قَالَ: «حِفظِي كذا، وَقالَ فِيهِ غَيرِي - أو فُلانٌ - كَذَا)). وَإِذَا وَجَدَ سَمَاعَهُ فِي كِتَابِهِ، وَلَا يَذْكُرُهُ، فَعَن أبِي حَنِيفَةً وَبَعضٍ الشّافِعِيَّةِ: لا يَجُوزُ رِوَايَتُهُ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأكثَرٍ أَصحَابِهِ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّد - جَوَازُهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَشَرِطُهُ أَن يَكونَ السَّمَاعُ بِخَطَّهِ أَو خَطِّ مَن يَثِقُ بِهِ، والكِتَابُ مَصُونٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ سَلامَتُهُ مِنَ الَّغيِيرِ، وَتَسكُنُ إِليهِ نَفْسُهُ، فَإِن شَكَّ لَمْ يَجُزْ. (الثالثُ: إذا وَجَدَ) الحافظُ الحديثَ (في كتابِه خلافَ) ما في (حفظِه، فإن كان حفِظ منه رَجَعَ إليه، وإن كان حَفِظَ مِن غم الشيخ اعتمد حفظَه إنْ لم يَشُكَّ، وحسن أن يجمعَ) بَينهما في روايةٍ (فيقول: ((حِفْظِي كذا، وفي كتابي كذا)) هكَذا فعَل شُعبةُ وغيرُه . (وإنْ خالفه غيرُه) من الحُفَّاظِ فيما يحفظه (قال: ((حِفْظِي كذا، وقال فيه غيري - أو فلانٌ - كذا)) فَعلَ ذلك الثوريُّ وغیرُه . (وإذا وَجَد سماعَه في كتابِهِ ولا يذكُرُه، فعن أبي حنيفةً وبعضٍ الشافعية : لا يجوزُ) له (روايتُه) حتى يَتَذَكَّرَ . (ومذهبُ الشافعيّ وأكثرِ أصحابِهِ وأبي يوسفَ ومحمد) بن الحسن (جوازُها .