النص المفهرس

صفحات 721-740

٦٥٠
النوع الرابع والعشرون
ومِن المِصْريين : عبدُ الله بنُ عبدِ الحَكَم، وسعيدُ بن عُفير، ويَحيى
ابنُ بكيرٍ ، ويوسفُ بنُ عمرو .
ونقل ابنُ الأثير في مقدمة ((جامع الأصولِ))(١) أنَّ بعضَ أصحاب
الحديثِ جَعلها أرفعَ مِنَ السماعِ؛ لأنَّ الثقةَ بكتابِ الشيخ مع إذنه فوقَ
الثقةِ بالسماع منه وأثبتُ ؛ لما يدخلُ مِن الوهمِ على السامعِ والمُسمعِ .
(والصحيحُ : أنها منحطةٌ عن السماع والقراءةِ، وهو قولُ) سفيانَ
(الثوريٌّ، والأوزاعيِّ، وابنِ المُبارَكِ، وأبي حنيفة، والشافعيِّ،
والبُويطيِّ، والمُزَنِيّ، وأحمدَ) بن حنبل (وإسحاقَ) بنِ راهويه
(ويحيى بنِ يحيى)، وأسنده الرامهر مزي (٢) عن مالكٍ.
(قال الحاكمُ : (٣) وعليه عَهِدْنا أئمتنا، وإليه نذهبُ).
قال العراقيُّ(٤): وقد اعتُرِضَ ذِكْرُ أبي حنيفة مع هؤلاء بأنَّ صاحبَ
((القنية)) مِن أصحابِهِ نقَل عنه وعن محمدٍ: أن المحدِّث إذا أعطَاه الكتابَ
وأجاز له ما فيه ولم يسمعْه ولم يعرفْه؛ لم يجزْ.
قال : والجوابُ أنَّ البطلانَ عندهما لا للمناولةِ والإِجازةِ، بل لعدمِ
المعرفةِ؛ فإنَّ الضميرَ في قوله: ((ولم يعرفه))، إن كانَ للمُجَازِ - وهو
الظاهرُ لتتفقَ الضمائرُ - فَمُقتضاه أنه إذا عَرف ما أُجيز له صَحَّ، وإنْ كان
للشيخ فَسَيَأتي أنَّ ذلك لا يَجوزُ، إِلَّا إنْ كان الطالبُ مَوثوقًا بخبرِه .
(٢) ((المحدث الفاصل)) (ص: ٤٣٨).
(١) (٨٦/١) .
(٣) ((المعرفة)) (ص: ٢٦٠).
(٤) ((التقييد)) (ص: ١٩٢).

٦٥١
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
قلتُ: ومما يُعترض به في ذِكرِ الأوزاعيِّ: أنَّ البيهقيَّ رَوَى عنه في
((المدخلِ)) قال: في العَرْضِ يقولُ: ((قرأتُ)) و((قُرِئ))، وفي المناولةِ
يتدين به ولا(١) يُحدِّث .
وَمِنْ صورِهَا: أَنْ يُنَاوِلَ الشَّيخُ الطَّالِبَ سَمَاعَهُ وَيُجِيزَهُ لَهُ، ثُمَّ
يُمسكَهُ الشّيخُ، وَهَذَا دُونَ مَا سَبَقَ.
وَتَجُوزُ رِوَايَتُهُ إِذَا وَجَدَ الكِتَابَ أَو مُقَابَلًا بِهِ مَوْثُوقًا بِمُوافَقَتِهِ
مَا تَنَاوَلَتْهُ الإِجَازَةُ، كَمَا يُعتَبَرُ فِي الإِجَازَةِ المُجَرَّدةِ، وَلَا يَظْهَرُ في
هذِهِ المُنَاولَةِ كَبِيرُ مَزِيَّةٍ عَلَى الإِجَازَةِ المُجَرَّدَةِ فِي مُعَيٍَّ .
وَقَالَ جَمَاعةٌ مِن أصحَابِ الفِقْهِ وَالْأُصُولِ : لا فَائِدَةَ لَهَا،
وشُيُوخُ الحَدِيثِ - قَديمًا وَحَدِيثًا - يَرَونَ لَهَا مَزْيَّةٌ مُعتَبَرَةً .
(ومِن صورِها : أنْ يناولَ الشيخُ الطالبَ سماعَه ويجيزَه له، ثم يمسكَه
الشيخُ) عنده، ولا يُبقيهِ عِند الطالبِ (وهذا دون ما سَبَق)؛ لعدم احتواء
الطالبِ على ما تَحمله وغَيبِه عنه، (وتجوزُ روايتُه) عنه (إِذَا وَجَد) ذلك
(الكتابَ) المناوَلَ له، مع غَلبةِ ظنّه بسلامته من التغييرِ ، (أو) وَجَدَ فرعًا
(مقابَلًا به موثوقًا بموافقتِهِ ما تناولته الإِجازةُ؛ كما يُعتبرُ) ذلك (في
الإجازةِ المجردةِ) عن المناولةِ (ولا يظهرُ في هذه المناولةِ كبيرُ مزيةٍ على
الإجازةِ المجردةِ) عَنها (في معيَّنٍ) مِن الكتبِ .
(١) في ((ص)): ((فلا)).

٦٥٢
النوع الرابع والعشرون
(و) قد (قال جماعةٌ من أصحابِ الفقهِ والأصولِ: لا فائدةَ لهَا).
وعبارةُ القاضي عياضٍ (١) منهم: وعلى التحقيقِ فليس (٢) لها شيءٌ
زائدٌ على الإجازةِ للشيءِ المُعيَّن من التصانيفِ، ولا فَرْقَ بین إجازتِهِ إِيَّاه
أن يُحدِّث عنه بكتابِ ((الموطٍ)) وهو غائبٌ أو حاضرٌ؛ إذِ المقصودُ تعيينُ
ما أجازه .
(و) لكنْ (شيوخُ الحديثِ - قديمًا وحديثًا - يَرَوْنَ لها مزيةٌ معتبرةً)
على الإِجازةِ المُعيَّنِةِ .
ومنها: أن يَأتِيَهُ الطَّالِبُ بِكِتابٍ، وَيَقُولَ: ((هَذَا رِوَايَتُكَ
فَتَاوِلِنِيهِ، وَأَجِزْ لِي رِوَايَتَهُ)) فَيُجِيبُهُ إِلَيه مِن غَيِرِ نَظَرٍ فِيهِ،
وتَحَقُّقٍ لِرِوَايَتِهِ؛ فَهَذَا بَاطِلٌ، فَإِن وَثِقَ بِخَبَرِ الطَّالبِ وَمَعرِفِتِهِ،
اعتَمَدَهُ وَصَحَّتِ الإِجَازَةُ، كَمَا يَعتَمِدُ فِي القِرَاءَةِ؛ فَلَو قَالَ :
((حَدِّث عَنِّ بِمَا فِيهِ إِن كَانَ مِن حَدِيثِي مَعَ بَرَاءَتِيٍ مِنَ الغَلَطِ)»
كَانَ جَائِزًا حَسَنًا .
(ومنها: أن يأتيَه الطالبُ بكتابٍ، ويقول) له: ((«هذا روايتُك
فناولْنِيه، وأَجِزْ لي روايتَهُ))، فيجيبُه إِليه) اعتمادًا عليه (مِن غيرِ نظرٍ فيه ،
و) لا (تحقق (٣) لروايته) له، ( فهذا باطلٌ، فإنْ وَثِق بخبرِ الطالبِ
(١) ((الإلماع)) (ص: ٨٣).
(٣) في ((م): ((تحقيق).
(٢) في ((م)): ((ليس)).
.------

٦٥٣
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
ومعرفتِهِ) وهو بحيثُ يُعتمدُ مِثْلُه (اعتمدَه، وصَحَّت الإجازةُ) والمُناوَلةُ
(كما يعتمد في القراءةِ) عليه من أصلهِ إذا وَثِقِ بِدِينه ومعرفتِهِ .
قال العراقيُّ(١) : فإنْ فَعَل ذلك - والطالبُ غيرُ موثوقٍ به، ثم تبيَّن
بَعدَ ذلك بخبرِ مَن يُعتمدُ عليه أنَّ ذلك كان مِن مَزوياته - فهل يُحكم
بِصِحَّةِ الإجازةِ والمُناوَلَةِ السَّابقيْن؟ لم أَرَ مَن تَعرَّض لذلك، والظاهرُ :
نَعَم ؛ لزوالِ ما كُنَّا نَخْشاه مِن عدم ثقةِ المخبر . انتهى .
(فلو قال: «حَدِّثْ عني بما فيه إنْ كان مِن حديثي مع براءتي مِن
الغَلَطِ) والوهم)»، (كان) ذلك (جائزًا حَسَنًا).
الضَّربُ الثاني: الْمُجَرَّدَة: بِأن يُنَاوِلَهُ مُقتصِرًا عَلَى: ((هذَا
سَمَاعِي)) فَلَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهَا عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَالَهُ الفُقَهَاءُ
وَأُصحَابُ الْأُصُولِ، وعَابُوا المُحَدِّثِينَ الْمُجَوِّزِينَ.
(الضربُ الثاني) : المناولة (المجردةُ) عن الإِجازة (بأنْ يناولَه)
الكتابَ كما تَقدَّم (مقتصرًا على) قولِهِ: ( ((هذا سماعي) - أو من
حديثي))، ولا يقولُ له: ((ازْوِهِ عنِّي - ولا أَجزتُ لكَ روايتَه))، ونحو
ذلكَ؛ (فلا تجوزُ الروايةُ بها على الصحيح الذي قاله الفقهاءُ، وأصحابُ
الأصول، وعابوا المحدثينَ المجوِّزِین) لها .
قال العراقيُّ(٢): ما ذكره النوويُّ مخالفٌ لكلام ابنِ الصَّلاحِ؛ فإنَّه
(١) ((التبصرة)) (٩٥/٢).
(٢) ((التبصرة)) (٩٦/٢).

٦٥٤
النوع الرابع والعشرون
إنَّما قال : فهذهِ مُناوَلةٌ مُختلّةٌ لا تجوزُ الروايةُ بها ، وعابَها غير واحدٍ مِن
الفقهاءِ والأُصوليين على المُحدِّثين الذين أَجَازوها، وسوَّغوا الروايةَ بها،
وحكى الخطيب (١) عن طائفةٍ مِن أهلِ العلم أنَّهم صحَّحوها، ومخالفٌ
أيضًا لما قاله جماعةٌ من أهلِ الأُصولِ، مِنهم الرازي؛ فإنه لم يَشترطِ
الإِذنَ، بَلْ ولا المُناوَلَةَ، بل إذا أشارَ إلى كتابٍ، وقال: ((هذا سَماعي
مِن فلانٍ)) جازَ لِمَنْ سَمعه أنْ يَرويَه عنه، سواءٌ ناوَله أَمْ لا ، وسواءٌ قال
له: ((ازوِهِ عَنِّي)) أَمْ لا .
وقال ابنُ الصلاح (٢): إنَّ الروايَةَ بها تترجَّح على الروايةِ بمجرَّد إعلامِ
الشَّيخ لما فيه مِن المُناولَةِ ؛ فإنَّها لا تَخلو مِن إشعارٍ بالإذنِ في الرِّوايةِ.
قلتُ : والحديثُ والأثرُ السَّابقان أَوَّلَ القِسْمِ يَدُلانِ على ذلك ؛ فإنَّه
ليس فيهما تصريحٌ بالإذنِ . نَعَم ؛ الحديثُ الذي علَّقه البخاريُّ فيه ذلك ،
حيث قال: ((لا تَقرأه حتَّى تبلغَ مَكَانَ كَذا»، فَمَفْهُومُه: الأَمرُ بالقراءَةِ عِندَ
بُلوغِ المكانِ .
وعندي ؛ أن يُقالَ : إن كانتِ المناولةُ جَوابًا لسؤالٍ ، كأن قال له :
«ناوِلْني هذا الكتابَ لأَرْويَهُ عَنك)». فَنَاوَله ولم يصرِّحْ بالإذنِ؛ صحَّتْ،
وجازّ لَه أنْ يَرويَه - كما تقدَّم في الإجازةِ بالخطِّ - بل هذا أبلغُ، وكذا
إذا(٣) قال له: «حدِّثني بما سمعتَ مِن فلانٍ)). فقال: ((هذا سماعي مِن
فُلانٍ)) كما وقَع مِن أنسٍ؛ فتصحُ أيضًا، وما عَدا ذلك فلا، فإنْ نَاوَلَه
(١) ((الكفاية)) (ص : ٤٥٦ - ٤٦٥).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص : ١٩٤).
(٣) ليس في ((ص)).

٦٥٥
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
الكِتابَ ولم يُخبره أنَّه سماعُه لم تجز الروايةُ به بالاتفاقِ . قاله الزَّرْكشيُّ.
· فرع :
جَوَزَ الزُّهريُّ، وَمَالِكٌ، وَغَيْرُهُمَا إِطلاقَ ((حَدَّثْنَا)) و((أَخبَرَنَا))
في الرِّوَايَةِ بِالْمُنَاوَلَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَولِ مَن جَعَلَهَا سَمَاعًا،
وَحُكِيَ عَن أَبِي نُعَيم الأصبَهَائِيِّ وَغَيرِهِ جَوَازُهُ فِي الإِجَازَةِ
المُجَرَّدَة .
وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيهِ الجُمْهُورُ وَأهلُ التَّحَرِّي: المَنْعُ،
وَتَخْصِيصُهَا بِعِبَارَةٍ مُشعِرَةٍ بِهَا: كـ((حَدَّثْنَا وَأَخبَرَنَا إِجَازَةً))،
أو ((مُنَاوَلَةً وَإِجَازَةً))، أو ((إِذْنًا))، أو ((في إِذْنِهِ))، أو ((فيمَا أذنَ
لي فِیهِ))، أو ((فیمَا أُطلَقَ لی ڕِوَایته)) أو ((أجازَني))، أو ((لي))، أو
((نَاوَلَنِي))، أو شِبهِ ذَلِكَ.
وَعَنِ الْأوزَاعِي تَخْصِيصُهَا بـ ((خَبََّنَا))، والقِرَاءَةِ بـ «أخبَرَنَا)).
واصطَلَحَ قَومٌ مِنَ الْمُتَأَخِرِينَ عَلَى إِطِلَاقِ ((أَنْبَأنَا)) فِي الإِجَازَةِ،
وَاختَارَهُ صَاحِبُ كِتَابٍ ((الوَجَازَةَ)).
وَكَانَ البَيهِقِيُّ يَقُولُ : ((أُنْبَأَنِيٍ إِجَازَةً)).
وَقَالَ الَحَاكِمُ : الَّذِي أَخْتارُهُ، وَعَهِدتُ عَلَيهِ أكثَرَ مَشَايِخِي وَأَئِمَّةِ

٦٥٦
النوع الرابع والعشرون
عَصِرِي - أَن يَقُولَ فِيمًا عَرَضَ عَلَى الْمُحَدِّثِ فَأَجَازَهُ شِفَاهًا :
((أَنْبَأَنِي))، وَفِيمَا كَتَبَ إِلَيهِ: ((گَتَبَ إِيَّ)).
وَقَدَ قَالَ أَبُو جَعَفْر بنُ حَمَدَانَ: كُلَّ قَولِ البُخَارِيِّ: ((قَالَ لِي
فُلانٌ)) عَرِضٌ وَمُنَاوَلَةٌ، وَعَبَّ قَومٌ عَنِ الإِجَازَةِ بـ «أَخْبَرَنَا فُلانٌ
أَنَّ فُلانًا حَدَّثَهُ)) أَو ((أَخَبَرَهُ))، وَاختَارَهُ الخَطَّابِيُّ وَحَكَاهُ، وَهُوَ
ضَعِيفٌ.
وَاستَعمَلَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الإِجَازَةِ الوَاقِعَةِ فِي رِوايَةٍ مَنْ فَوقَ
الشّيخِ حَرفَ «عَن)) فَيَقولُ في مَن سَمِعَ شَيخًا بِإِجازَتِهِ عَن
شَيخٍ: «قَرَأْتُ عَلَى قُلَانٍ عَنْ فُلانٍ)).
ثُمَّ إِنَّ الَنْعَ مِن إِطَلَاقِ ((حَدَّثْنَا)) و((أَخبَرَنَا)) لَا يَزُولُ بِبَاحَةٍ
المُجِيزِ ذَلِكَ.
(فرعٌ) في ألفاظِ الأداءِ لِمَنْ تَحمَّلَ بالإِجازةِ والمناولةِ :
(جَوَّز الزهريُّ ومالكٌ وغيرُهما) كالحسَنِ البصريِّ (إطلاقَ ((حَدَّثنا))
و ((أَخْبَرنا)) في الروايةِ بالمناولةِ، وهي مقتضى(١) قول مَن جَعَلها سماعًا .
وَحُكِيَ عن أبي نعيم الأصبهانيّ وغيرِه) كأبي عُبيد اللَّه(٢) المرزبانيّ
(١) في ((ص)): ((تقتضي)).
(٢) في ((ص)): ((عبد اللَّه)).

٦٥٧
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
(جوازُه) أي: إطلاق ((حدثنا)) و ((أخبرنا)) (في الإجازةِ المجردةِ) أيضًا،
وقد عِيبا بذلك، لكن حكاه القاضي عياض (١) عن ابن جُريج، وحكاه
الوليدُ بنُ بكرٍ عن مالكِ وأهلِ المدينةِ، وصحَّحه إمامُ الحرمين ، ولا مانعَ
منه .
ومن اصطلاح أبي نعيم: أن يقول: ((أخبرنا عبدُ الله بنُ جَعفر فيما
قُرِئَ عليه)). ويريدُ بذلك: أنَّه أخبره إجازةً، وإن كان ذلك قُرئ عليه،
لأَنَّه لم يَقُلْ: «وأنا أَسْمعُ))، بدليل أنه قد يُصرِّحُ بأنَّه سَمعه بواسطةٍ عنه ،
وتارةً يضمّ إليه: ((وأَذِنَ لي فِيهِ)). وهذا اصطلاحٌ له مُوهِمٌ .
قال المصنّفُ - كابنِ الصَّلاح (٢) -: (والصحيحُ الذي عليه الجمهورُ
وأهلُ التحري) والورَعِ (المنعُ) من إطلاقِ ذلك (وتخصيصُها بعبارة
مشعرة بها) تبين الواقع (كـ ((حَدَّثنا) إجازةً - أو مناولةً وإجازةٌ))(٣)
(و((أَخْبَرنا إجازةً - أو مناولةً وإجازةً))، أو ((إِذْنًا))، أو ((في إِذْنه))، أو
((فيما أَذِنَ لي فِيه))، أو ((فيما أَطْلقَ لي روايتَه))، أو ((أَجَازني))، أو)
((أجاز (لي))، أو ((ناولني))، أو شِبه ذلك) كَ (سَوَّغْ لي أَن أَروِيَّ عَنْه))،
و(أَبَاحَ لي)) (٤) .
.j.
(١) ((الإلماع)) (ص: ١٢٨).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص: ١٩٥).
(٣) في ((ص)): ((وله إجازة)).
(٤) قال ابن رجب في ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٢٢/١ -٣٢٣) في ترجمة محمود بن
الحسين بن بندار الأصبهاني :
((قرأت بخطه - في الإجازة .: فليرووا عني بلفظة التحديث، وإن أرادوا بلفظة
الإخبار)) .
=
.........

٦٥٨
النوع الرابع والعشرون
(وعن الأوزاعيّ تخصيصُها) أي الإِجازةُ (بـ ((خبَّرنا))) بالتشديد (و)
تخصيص (القراءة بـ «أَخْبَرنا))) بالهمزةِ .
= قال: ((وهذا وإن اشتهر عند المحدثين من المتأخرين إنكاره - كما أنكره الخطيب على
أبي نعيم الأصبهاني - لكن هو قول طوائف من علماء الحديث .
وقد روي عن الإمام أحمد 23: أخبرنا أبو الفتوح الميدومي - بمصر .: أخبرنا
أبو الفرج الحراني : حدثنا أبو المعالي أحمد بن يحيى الخازن - من لفظه ببغداد .:
حدثنا أبو الكرم المبارك بن الحسن الشهرزوري - إملاء -، قال: سمعت الإمام
أبا محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي يقول : حدثني عمي أبو الفضل عبد الواحد
ابن عبد العزيز التميمي ، قال : سمعت غلام الخلال يقول : سمعت الخلال يقول :
قال الإمام أبو عبد الله أحمد مح لولده صالح: إذا أجزت لك شيئًا فلا تبالي؛
قلت: ((أخبرنا)) أو ((حدثنا)).
وروى الخطيب بإسناده عن أبي اليمان الحكم بن نافع، قال: قال لي أحمد بن
حنبل : كيف سمعت الكتب من شعيب بن أبي حمزة؟ قلت : قرأت عليه بعضًا،
وبعضًا قرأه علي، وبعضًا أجاز لي، وبعضًا مناولة. فقال أحمد: قل في كلِّ:
((أخبرنا شعيب)) .
وقد روي هذا المذهب عن مالك، والحارث بن مسكين. وذكره ابن الصلاح في
((كتابه)) عن الزهري ومالك وغيرهما من المتقدمين، وحكاه ابن شاهين عن طائفة من
العلماء .
وذكر السلفي في ((مقدمته لإملاء الاستذكار)) : أن مذهب أبي عمر بن عبد البر وعامة
حفاظ الأندلس: الجواز فيما يجاز قول: ((حدثنا)) و ((أخبرنا))، أو ما شاء المجاز مما
يقرب منه. قال: بخلاف ما نحن وأهل المشرق عليه من إظهار السماع والإجازة ،
وتمييز أحدهما عن الآخر بلفظ لا إشكال فيه .
وقد صنف بعض المحدثين المتأخرين في جواز إطلاق: ((حدثنا))، و((أخبرنا)) في
الإجازة جزءًا)) انتهى.

٦٥٩
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
قال العراقيُّ (١): ولم يَخْلُ مِنَ النزاع؛ لأنَّ ((خَبَّر)) و((أخبر)) بمعنَّى
واحدٍ، لغةً واصطلاحًا .
واختار ابنُ دقيق العيد (٢) أنَّه لا يَجوزُ في الإِجازةِ ((أخبرنا))، لا مُطلقًا
ولا مقيدًا؛ لبُعدِ دلالةِ لفظِ الإِجازةِ على الإِخبار؛ إذْ معناه في الوضعِ
الإِذنُ في الرواية .
قال: ولو سمع الإسنادَ مِنَ الشيخ وناوله الكتابَ؛ جاز له إطلاقُ
((أخبرنا))؛ لأنه صدَق عليه أنه أَخبَره بالكتابِ، وإن كان إخبارًا جمليًّا ،
فلا فَرْقَ بينه وبين التَّفصيليِّ .
(واصطلح قومٌ مِن المتأخرينَ على إطلاقِ ((أنبأنا)) في الإجازةِ،
واختاره) أبو العبَّاس الوليدُ بنُ بكرِ الغمريُّ المالكي (صاحبُ كتاب
((الوجازة) في تجويز الإجازة))، وعليه عملُ الناس الآن، والمعروفُ عند
المُتقدِّمين أنَّها بمنزلةِ ((أخبرنا)) .
وحكى عياضٌ (٣) عَن شُعبةَ أنَّه قال في الإِجازة مرةً: ((أَنْبأنا)) ومرة:
((أخبرنا)).
قال العراقي (٤): وهو بعيدٌ عنه؛ فإنَّه كان ممَّن لا يرى الإِجازةً.
(وكان البيهقيُّ يقولُ: ((أنبأني) - وأنبأنا - (إجازةً)))، وفيه التصريحُ
بالإجازةِ معَ رعاية اصطلاح المتأخرين .
(١) ((التبصرة)) (١٠٠/٢).
(٣) ((الإلماع)) (ص: ١٢٨).
(٢) ((الاقتراح)) (ص: ٢٥٦).
(٤) ((التبصرة)) (١٠١/١).

٦٦٠
النوع الرابع والعشرون
(وقال الحاكمُ (١) : الذي أختاره، وعهدتُ عليه أكثرَ مشايخي وأئمةٍ
عصري: أنْ يقولَ فيما عرَض على المحدِّثَ فأجازه شفاهًا: ((أنبأني))،
وفيما كَتَب إليه : ((کَتَب إليَّ))).
واستعملَ قومٌ مِن المُتأخّرين في الإِجازةِ باللفظِ: ((شَافَهني))، و((أنا
مُشافهةً))، وفي الإِجازةِ بالكتابةِ: ((كتبَ إليَّ))، ((وأَنَا كتابةً))، أو ((في
كتابهِ )) .
قال ابنُ الصلاح (٢): ولا يَسلمُ مِنَ الإيهام وطَرَفٍ من التَّدليسِ؛ أمَّا
((المشافهةُ)) فَتُوهِمُ مشافهتَه بالتحديثِ، وأمَّا ((الكتابةُ)) فتُوهمُ أنَّه كتب إليه
بذلك الحديثِ بعينه (٣)، كما كان يفعله المتقدِّمون .
وقد نصَّ الحافظُ أبو المظفرِ الهمدانيُّ على المنعِ مِن ذلك للإيهامِ
المذكورِ .
قلتُ : بعدَ أن صارَ الآن ذلك اصطلاحًا عَرِي من ذلك، وقد قال
القسطلانيُّ - بعد نقْلِهِ كلامَ ابنِ الصلاح -: إلا أنَّ العُرف الخاصَّ مِن
كثرةِ الاستعمالِ يَدفعُ ما يُتوقَّعُ مِن الإِشكالِ .
(وقد قال أبو جعفر) أحمدُ (ابنُ حمدانَ) النيسابوري : (كُلُّ قولٍ
البُخاريِّ: «قال لي فلانٌ)) عَرْضٌ ومناولةٌ) وتقدَّم أنها محمولةٌ على
السماع، وأنها غالبًا في المُذاكرةِ، وأنَّ بعضَهم جعلها تعليقًا، وابن منده
إجازةً .
(١) ((المعرفة)) (ص: ٢٦٠).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص: ١٩٥).
(٣) في ((ص)): ((لعينه)).

٦٦١
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
ـستـ
(وعبَّر قومٌ) في الروايةِ بالسَّماع (عن الإجازةِ بـ «أخبرنا فلانٌ، أَنَّ فلانًا
حَدَّثَه - أو أَخْبَرِه))) فاستعمَلُوا لفظ ((أنَّ)) في الإجازةِ .
(واختاره الخطابيُّ (١) أو حَكَاه، وهو ضعيفٌ) بعيدٌ مِنَ الإِشعارِ
بالإِجازة .
وحكَاه عياضٌ (٢) عنِ اختيارِ أبي حاتم الرازي، قال: وأنكَر هذا
بعضهم، وحقُّه أنْ يُنكَرَ ، فلا مَعْنى له يُتَفَهَّمُ المراد منه، ولا اعْتِيدَ هذا
الوضعُ في المسألةِ لغةً ولا عُرفًا .
قال ابنُ الصلاح (٣): وهو - فيما إذا سمعَ منه الإِسنادَ فَقط وأجازَ له
ما رَواه قريبٌ - فإنَّ فيها إشعارًا بوجودِ أصلِ الإِخبارِ، وإنْ أَجْمَلَ المُخْبَرَ
به، ولم یذكُرْه(٤) تَفصيلاً .
قلتُ : واستعمالُها الآن في الإِجازةِ شائعٌ، كما تقدَّم في العَنْعَنةِ .
(واستَعْمَل المتأخرونَ في الإِجَازَةِ الواقعة في روايةٍ مَن فوقَ الشيخ
حرفَ ((عَنْ)) فيقولُ - في مَن سَمِع شيخًا بإجازتِهِ عن شيخ - : ((قرأتُ
على فلانٍ عن فلانٍ))) كما تقدَّم في العنعنةِ .
قال ابنُ مالكِ: ومعنى ((عن)) في نحوِ ((رويتُ عن فلانٍ)) و ((أنبأتُك
عن فلانٍ)) : المُجاوَزةُ؛ لأنَّ المرويَّ والمنبأ به مُجاوزٌ لمن أخذ عنه .
(١) («الإلماع)) (ص: ١٢٩).
(٣) ((علوم الحديث)) (ص: ١٩٦).
(٢) ((الإلماع)) (ص: ١٢٨).
(٤) في ((ص): ((يذكر)).

٦٦٢
النوع الرابع والعشرون
(ثم إن المنعَ من إطلاقِ ((حدَّثَنَا)) و((أَخْبَرنا))) في الإجازةِ والمناولةِ
(لا يزولُ بإباحةِ المجيز ذلك) كما اعتاده قومٌ منَ المشايخ في قولِهِمْ في
إجازاتِهم لمن يُجيزون: ((إنْ شاء قال: حدَّثنا، وإن شاءَ قال: أخبرنا))؛
لأنَّ إباحةَ الشيخ لا يغير بها الممنوعُ في المصطلحِ .
القِسْمُ الخَامِسُ :
الكِتَابَةُ :
وهو أَن يَكْتُبَ الشَّيخُ مَسمُوعَهُ لِحَاضِرِ أَو غَائِبٍ بِخَطُّهِ أَو
بِأَمرِهِ.
وَهِيَ ضَرَبَانِ: مُجَرَّدَةٌ عَنِ الإِجَازَةِ، وَمَقْرُونَةٌ بـ((أَجزتُكَ
مَا كَتَبتُ لَكَ)) أَو ((إِلَيكَ))، وَنَحوَهُ مِن عِبَارَةِ الإِجَازَةِ، وَهذَا
فِي الصَّحَّةِ وَالقُوَّةِ كَالمُنَاوَلَةِ الْمَقَرُونَةِ .
وَأَمَّا المُجَرَّدَةُ فَمَنْعَ الرِّوَايَةَ بِهَا قَومٌ، مِنْهُمُ القَاضِي الْمَاوَردِيُّ
الشّافِعِيُّ، وَأَجَازَهَا كَثِيرٌ مِنَ المُتَّقَدِّمِينَ وَالمُتَأْخِّرِينَ، مِنْهُمْ أَتُوبُ
السّختِيَانُّ، وَمَنصورٌ، وَاللَّيثُ، وَغيرُ وَاحِدٍ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ
وَأصحَابِ الأُصُولِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ المشهُورُ بَينَ أَهلِ الْحَدِيثِ، وَيُوجَدُ فِي مُصَنَّفَاتِهِم :
(«كَتَبَ إِلِيَّ فُلَانٌ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلانٌ))، وَالمُرَادُ بِهِ هذَا، وَهُوَ مُعمُولٌ
بِهِ عِندَهُم مَعدُودٌ في الموصُولِ؛ لإشعَارِهِ بِمَعنَى الإِجَازَةِ.

٦٦٣
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
وَزَادَ السَّمعَانِيّ؛ فَقَالَ: هِيَ أَقْوَىُ مِنَ الإِجَازَةِ.
(القسمُ الخامسُ) من أقسام التحمُّل (الكتابةُ)، وعِبارةُ ابنِ الصلاح(١)
وغيرِهِ : المُكاتَبة (وهو أن يكتبَ الشيخُ مسموعَه) أو شيئًا مِن حديثِه
(لحاضرٍ) عِندَه (أو غائبٍ) عَنه ، سواءٌ كتَب (بخطُه ، أو) كُتِبَ عنه ( بأمره .
وهي ضَرْبانِ : مُجرِّدةٌ عن الإجازةِ، ومَقْرونةٌ بـ((أَجَزْتُك ما كتبتُ
لك - أو) كَتبتُ (إليك -) أو ما كتبتُ به إليك)» (ونحوه من عبارةِ
الإجازةِ، وهذا في الصحةِ والقوةِ كالمناولةِ المقرونة) بالإِجازة .
(وأما) الكتابةُ (المجردةُ) عن الإِجازةِ، (فَمنَعَ الروايةَ بها قومٌ؛
منهم: القاضي) أبو الحسن (الماوردي الشافعي) في ((الحاوي))،
والآمديُّ، وابنُ القطان .
(وأجازها كثير مِن المتقدمينَ والمتأخرينَ ، منهم : أيوبُ السختياني،
ومنصورٌ، والليثُ) بنُ سَعدٍ ، وابنُ أَبِي سبرةَ .
رواه البيهقيُّ في ((المدخلِ)) عنهم، وقال: في البابِ آثارٌ كثيرةٌ عنِ
التابعين فَمَنْ بَعْدَهم، وكُتُبُ (٢) النبيِّ وََّ إلى عُمَّالِه بالأحكام شاهدةٌ
لِقَولِھم .
(وغيرُ واحدٍ من الشافعيين)، منهم: أبو المُظفَّرِ السمعانيُّ (وأصحاب
الأصولِ)، منهم : الرازي .
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٩٧).
(٢) في ((ص)): ((أو كتب)).

٦٦٤
النوع الرابع والعشرون
(وهو الصحيحُ المشهورُ بينَ أهلِ الحديثِ، ويوجدُ في مصنفاتِهم)
كثيرًا: ( ((كَتَب إليَّ فلانٌ قال: حَدَّثَنا فلانٌ)). والمرادُ به هذا، وهو
معمولٌ به عندَهم معدودٌ في الموصولِ) من الحديثِ دُون المنقطع ؛
(لإشعارِهِ بمعنى الإجازةِ .
وزاد السمعانيُّ فقال: هي أقوى من الإجازَةِ) .
قلتُ : وهو المُختارُ، بَل وأَقْوىُ مِن أكثرِ صورِ المُناوَلةِ .
وفي ((صحيح البخاريِّ)) في ((الأيمانِ والنُّذُورِ)) (١): ((كَتَبَ إليَّ محمدٌ
ابنُ بشارٍ )) . وليس فيه بالمكاتبةِ عن شُيوخِهِ غيرُهُ، وفيه وفي ((صحيح
مسلم)) أحاديثُ كثيرةٌ بالمُكاتَبةِ في أثناءِ السَّندِ .
منها: ما أَخْرَجاه(٢) عن وَرَّادٍ قال: كتَبَ مُعاويةُ إلى المُغيرةِ: أن
اكتبْ إلَيَّ ما سمعتَ مِن رسولِ اللهِ نَّهِ. فَكتبَ إليه - الحديثَ في القولِ
عقِبَ الصلاةِ .
وأخْرَجا(٣) عن ابنِ عَونِ قال: كتبتُ إلى نافع، فكتبَ إليَّ أنَّ النبيَّ
وَ أَغَارَ عَلى بَني المصطلقِ - الحديث.
وأخْرجًا (٤) عن سالم أبي النضرِ، عن كتاب رجلٍ من ((أَسْلم)) مِن
(١) ((صحيح البخاري)) (١٧٠/٨).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٢١٤/١)، و((صحيح مسلم)) (٩٥/٢).
(٣) (صحيح البخاري)) (١٩٤/٣)، و((صحيح مسلم)) (١٣٩/٥).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٦٢/٤)، و((صحيح مسلم)) (١٤٣/٥).
........

٦٦٥
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
أصحاب النبيِّ وَّرَ كَتَب إلى عُمَر بنِ عُبيدِ اللَّه حِينَ سَار إلى الحَرُورية
يُخبره بحديثٍ: ((لا تَتَمَنَّوا لقاءَ العَدُو)».
وأخرجا (١) عن هشام قالَ: كتَبَ إليَّ يحيى بنُ أبي كَثِيرٍ، عن
عبدِ الله بنِ أبي قتادةَ، عن أَبيه مَرفوعًا: ((إِذَا أُقيمتِ الصَّلاةُ فلا تَقُومُوا حَتَّى
تَرَوني)) .
وعِندَ مُسلم (٢) حديثُ عامرِ بنِ سعد بن أبي وقاص قال : كَتبتُ إلى
جابرٍ بِنِ سَمُرَةً مَعَ غُلامي نافعٍ : أَنْ أَخْبِرْني بشيءٍ سمعتَه مِن رسولِ الله
وََّ. فكتبَ إليَّ: سمعتُ(٣) رَسُولَ اللَّهِ وَرَ يومَ جُمُعةٍ عَشِيَّةً رُجِمَ
الأَسْلَميُّ - فذكر الحديث .
ثُمَّ يَكَفِي مَعرِفَتُهُ خَطَّ الكَاتِبِ.
وَمِنْهُم مَن شَرَطَ البَيْنَةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
ثُمَّ الصَّحِيحُ: أَنَّه يَقُولُ فِي الرِّوَايَةِ بِهَا: «كَتَبَ إِلِيَّ فُلانٌ قَالَ :
حَدَّثَنَا فلان)) أَو ((أخبَرَنِي فُلَانٌ مُكَاتَبَةُ - أَو كِتَابَةٌ)) وَنَحوَهُ .
وَلَا يَجُوزُ إِطِلَاقُ: ((حَدَّثْنَا)) و((أخبَرَنَا))، وَجَوَّزَهُ اللَّيثُ،
وَمَنصُورٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِن عُلَمَاءِ الْمُحَدِّثِينَ وَكِبَارِهِم.
(١) ((صحيح البخاري)) (١٦٤/١)، و((صحيح مسلم)) (١٠١/٢).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٦/ ٤).
(٣) بعده في ((ص)): ((من)).

٦٦٦
النوع الرابع والعشرون
(ثم يَكْفِي) في الرواية بالكتابةِ (معرفتُه) أي: المكتوب لَه (خَطَّ
الكاتبٍ) وإن لم تقم البينةُ عليه .
(ومنهم مَن شَرَط البينة) عليه؛ لأنَّ الخطَّ يُشبه الخطّ، فلا يجوزُ
الاعتمادُ على ذلك، (وهو ضعيفٌ).
قال ابنُ الصلاح(١): لأنَّ ذلك نادرٌ، والظاهرُ أنَّ خطَّ الإِنسانِ
لا یشتبه بغیرِهِ، ولا یقُ فیہ إلباس .
وإنْ كانَ الكاتبُ غيرَ الشيخ فلابُدَّ مِن تُبُوتِ كَونِهِ ثقة، كما تقدَّمتِ
الإِشارةُ إليه في نَوع المُعلّلِ .
(ثم الصحيحُ أنَّه يقولُ في الروايةِ بها : ((كَتَب إليَّ فلانٌ قال: حَدَّثنا
فلانٌ))، أو ((أَخْبَرني فلانٌ مكاتبةً - أو كتابةً))، ونحوه(٢))، وكذا
((حدَّثنا)) مقيدًا بذلك .
(ولا يجوزُ إطلاقُ ((حَدَّثنا)) و ((أَخْبَرِنا))، وجَوَّزَهُ اللیثُ، ومنصور،
وغيرُ واحدٍ مِن عُلماءِ المحدثينَ وكبارِهم)، وجوَّز آخرون ((أخبرنا» دُون
((حدَّثنا)) .
روى البيهقيُّ في ((المدخل)) عن أبي عصمة سعدِ بنِ معاذ، قال:
كُنتُ في مجلسٍ أبي سُليمان الجوزقاني، فَجَرَى ذِكْرُ ((حدثنا))
و ((أخبرنا))، فقلت أنا: كِلاهما سواءٌ. فقال رجلٌ: بينهما فرق؛ ألا
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٩٧).
(٢) في ((ص)): ((أو نحوه)).

٦٦٧
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
تَرى محمدَ بنَ الحُسينِ قال: إذا قال رجلٌ لِعَبْده: ((إنْ أَخْبَرْتَني(١) بكذا
فأنتَ حُرِّ))، فكتبَ إليه بذلك، صارَ حُرًّا، وإنْ قال: ((إن حدَّثْتَني بكذا
فأنتَ حُرِّ))، فكتبَ إليهِ بذلك، لا يُعتقُ.
القسمُ السَّادِس: إِعِلَامُ الشَّيخِ الطَّالِبَ أَنَّ هذَا الْحَدِيثَ - أَو
الكِتَابَ - سَمَاعُهُ مُقتَصِرًا عَلَيهِ .
فَجَوَّزَ الرِّوَايَةَ بِهِ كَثِيرٌ مِن أُصحَابِ الْحَدِيثِ والفِقه وَالأُصُولِ
وَالظَّاهِرِ؛ مِنْهُمْ: ابنُ جُرَيجٍ، وَابنُ الصَّبَّغِ الشَّافِعِيُّ،
وَأَبُو العَبَّاسِ الغَمرِيُّ - بِالمُعجَمَةِ - المَالِكِيُّ.
قَالَ بَعضُ الظَّاهِرِيَّةِ: لَو قَالَ: ((هذِهِ رِوَايَتِي لَا تَرِوِهَا))، كَانَ
لَهُ رِوَايَتُهَا عَنْهُ، وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ غَيْرُ واحدٍ مِنَ المُحَدِّثِينَ
وَغيرِهِم: أَّهُ لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهِ، لكِن تَجِبُ العمَلُ بِهِ إن صَحّ
سَنَدُهُ .
(القسمُ السادسُ) مِن أقسام التحمُّل: (إعلامُ الشيخ الطالبَ أنَّ هذا
الحديث أو الكتابَ سماعُه) مِن فلانٍ (مقتصرًا عليه) دون أنْ يأذنَ في
رِوايته عنه ، (فجَوَّز الرواية به كثيرٌ مِن أصحابِ الحديثِ والفقه والأصولِ
والظاهرِ؛ منهم: ابنُ جريج، وابنُ الصباغِ الشافعيُّ، وأبو العباس) الوليدُ
(١) في ((ص)): ((أجزتني)).
٠٫٠٠٠٠٠٠٠

٦٦٨
النوع الرابع والعشرون
ابن بكرِ (الغَمْرِي - بالمعجمةِ) نِسْبةَ إلى بني الغَمرِ، بطن مِن غافق -
(المالكيُّ) ونصَره في كتابه ((الوجازة))، وحكَاه عياضٌ(١) عن الكثيرِ،
واختاره الرامهرمزيُّ (٢)، وهو مذهبُ عبدِ الملكِ بن حبيبٍ المالكيِّ،
وجزمَ به صاحبُ ((المحصولِ)) وأتباعُه، بَلْ (قال بعضُ الظاهريةِ: لو
قال: ((هذه روايتي))) وضمَّ إليه أن قال: (((لا تزوِها) عنّي، أو لا أُجيزُها
لك)) (كان له) مع ذلك (روايتُها عنه) وكذا قالَ الرامهر مزيُّ أيضًا .
قال عياض (٣): وهذا صحيحٌ، لا يقتضي النظرُ سواه؛ لأنَّ مَنْعَه أنْ
لا يُحدِّث بما حدَّثه لا لعلةٍ ولا ريبةٍ لا يُؤَثِّرُ، لأنه قَد حدَّثه، فهو شيءٌ
لا يرجع فيه .
قال المصنّف - كابنِ الصلاح - : (والصحيحُ ما قاله غيرُ واحدٍ مِن
المحدثينَ وغيرِهم : أنه لا تجوزُ الروايةُ به) .
وبه قَطَع الغزاليُّ في ((المُستصفَى))، قال: لأنه قد لا يُجَوِّزُ روايتَهُ -
مع کونِه سماعَهُ - ؛ لخلل يعرفه فِهِ .
وقاسَ ابنُ الصلاح (٤) وغيرُه ذلكَ على مسألةِ استرعاء الشاهدِ أن
يحمِّلَهُ الشهادةَ، فإنَّه لا يكفِي إعلامُه، بَل لا بدَّ أنْ يَأْذَنَ له أنْ يشهدَ على
شهادَتِهِ .
قال القاضي عياض(٥): وهذا القياسُ غيرُ صحيح؛ لأنَّ الشهادةَ على
(١) («الإلماع)) (ص: ١٠٨).
(٣) ((الإلماع)) (ص: ١١٠).
(٥) ((الإلماع)) (ص: ١١١ - ١١٢).
(٢) ((المحدث الفاصل)) (ص: ٤٥١).
(٤) ((علوم الحديث)) (ص: ١٩٩).

٦٦٩
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
الشهادةِ لا تصحُّ إلَّا مع الإِذنِ في كلِّ حالٍ، والحديثُ عن السماع
والقراءةِ لا يُحتاج فيه إلى إذنٍ باتفاقٍ ، وأيضًا فالشهادةُ تفترقُ من الروايةِ
في أكثرِ الوجوه .
وعلى المنع قال المصنّفُ - كابنِ الصلاح(١) -: (لكنْ يجبُ العملُ
به) أي: بما أَخْبره الشيخُ أنَّه سَمعه (إِنْ صَحَّ سنده) .
وادَّعى عياضٌ (٢) الاتّفاقَ على ذلك.
القسم السابع: الوصية: هِيَ أَن يُوصي عِندَ مَوتِهِ أَو سَفَرِهِ
بِكِتَابٍ يَروِيهِ، فَجَوَّزَ بعضُ السَّلَفِ لِلمُوصَى لَهُ رِوَايَتَهُ عَنهُ،
وَهُوَ غَلَطْ ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
(القسمُ السابعُ) من أقسام التحمُّل : (الوصيةُ: هي أن يُوصِيَ) الشيخُ
(عندَ موتِهِ أو سفرِهِ) لشخصٍ (٣) (بكتابٍ يرويه) ذلك الشيخ، (فجَوَّز
بعضُ السلفِ) وهو محمدُ بن سِيرين وأبو قلابة (للموصَى له روايته عنه)
بتلك الوصية .
قال القاضي عياضٌ (٤): لأنَّ في دَفْعها له نَوعًا منَ الإذنِ وشبهًا مِن
العَرْضِ والمُناوَلَةِ. قال: وهو قريبٌ منَ الإِعلامِ .
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٩٩).
(٣) في ((ص)): ((للشخص)).
(٢) ((الإلماع)) (ص: ١١٣).
(٤) (الإلماع)) (ص: ١١٥).