النص المفهرس
صفحات 701-720
٦٣٠ النوع الرابع والعشرون الشيخ بعينهِ بالإجازةِ الخاصةِ ؛ كان ذلك في حُكم الإجازةِ الخاصةِ عنِ الإجازةِ الخاصةِ . مثالُ ذلك: أن أروِي عَن شيخِنا أبي عبدِ الله محمدِ بنِ محمدٍ التنكزيّ، وقد سمعتُ عليه وأجاز لي خاصَّةً، عنِ الشيخ جمالِ الدين الإسنوي، فإنه أدرك حياته، ولم يُجِزه خاصةً، وأَروِي(١) عنِ الشيخ أبي الفتحِ المراغي بالإجازةِ العامةِ عن الإسنوي بالخاصةِ . الرَّابِعُ: إِجَازَةٌ بِمَجْهُولٍ أوْ لَهُ كـ ((أجَزْتُكَ كِتَابَ السُّنَنِ)» وهُوَ يَرْوِي كُتُبًا فِي السُّنَنِ، أوْ ((أُجَزْتُ لُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ الدِّمَشْقِيِّ)) وهُنَاكَ جَمَاعَةٌ مُشْتَرِكُونَ فِي هَذَا الاسم فهِي بَاطِلَةٌ، فإِنْ أَجازَ لجماعَةٍ مُسَمَّيْنَ فِي الإِجَازَةِ أو غَيْرِها ولم يَعْرِفْهِم بِأعْيانِهِمْ ولا أَنْسَابِهِمْ ولا عَدَدِهِمْ ولا تصَفَّحَهُمْ - صَحَّتِ الإِجَازَةُ، كَسَمَاعِهِمْ مِنْهُ فِي تَجْلِسِهِ فِي هَذَا الْحَالِ . وأمَّا ((أجَزْتُ لِمَنْ يَشَاءُ فُلانٌ)) أوْ نَحْوِ هَذَا: فَفِيهِ جَهَالَةٌ وَتَعْلِيقٌ، فَالْأَظْهَرُ بُطْلَانُهُ، وبِهِ قَطَعَ القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الشَّافِعِيُّ، وصَحَّحَهُ ابْنُ الفَرَّاءِ الْحَنْبَلِيُّ، وابْنُ عُمْرُوسِ الْمَالِكِيُّ. = ((سمع من ابن عرَّام شيخُنا العراقيُّ، وذكر لي عنه، أنه كان يقول: السماع عن إجازة ، والإجازة عن سماع؛ ينزل منزلة السماع المتصل)) . (١) في ((ص)): ((ولم أرو)). ".711⑈-1 ***. "mmmmm ٦٣١ كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه ولَوْ قَالَ: «أجَزْتُ لِمَنْ شَاءَ الإِجَازَةَ))، فَهُوَ كـ ((أُجَزْتُ لَنْ يَشَاءُ فُلانٌ)) وَأَكْثَرُ جَهَالَةٌ. ولَوْ قَالَ: ((أَجَزْتُ لَنْ يَشَاءِ الرِّوَايَةَ عَنِّي)) فأؤْلَى بِالْجَوَازِ؛ لأنَّهُ تَصِرِيحٌ بِمُقْتَضِى الْحَالِ، ولَوْ قَالَ: ((أُجَزْتُ لِفُلانٍ كَذَا إِنْ شَاءَ رِوَايَتَهُ عَنِّي))، أو ((لَكَ إِنْ شِئْتَ)) أو ((أحْبَبْتَ)) أو ((أُرَدْتَ)) - فَالأظْهَرُ جَوَازُهُ . (الرابعُ: إجازةٌ) لمعيَّنِ (بمجهولٍ) مِنَ الكُتبِ (أو) إجازة بمعيَّنٍ مِنَ الكُتب (له) أي لمجهولٍ مِنَ الناسِ (كـ«أجزتك كتابَ السُّئَنِ))، وهو يَروي كتبًا في السُّنَنِ) أو أجزتُك بعضَ مسموعاتي (أو أجزتُ لمحمد بنِ خالدِ الدمشقيّ، وهناك جماعةٌ مشتركون في هذا الاسم) ولا يَتَّضِحُ مراده في المسألتين ؛ (فهي باطلةٌ) فإنِ اتَّضحَ بقرينةٍ فصحيحٌ . (فإن أجاز لجماعةٍ مسمَّنَ في الإجازةِ أو غيرِها، ولم يعرفهم بأعيانِهم ولا أنسابهم ولا عددِهم ولا تصفحهم) وكذا إذا سمَّى المسئولَ له ولم يعرف عينَه؛ (صَحَّت الإِجازةُ، كسماعِهم منه في مجلسِه في هذا الحالِ) أي وهو لا يَعرِفُ أعيانَهم ولا أسماءَهم ولا عَددَهم . (وأما ((أجزتُ لمن يشاءُ فلانٌ))، أو نحو هذا، ففيه جهالةٌ وتعليقٌ) بشرطٍ ، ولذلك أُدخلَ في ضربِ الإجازةِ المجهولةِ . والعراقي (١) أَفرده كالقسطلانيِّ بضربٍ مستقل؛ لأنَّ الإجازة المُعلّقةً (١) ((التبصرة)) (٦٩/٢). ------- ٦٣٢ النوع الرابع والعشرون قد لا يكون فيها جهالةٌ ، كما سيأتي (فالأظهرُ بطلانُه) للجهلِ ، كقوله : أجزتُ لبعضٍ الناسِ (وبه قَطَع القاضي أبو الطيب الشافعيُّ) . قال الخطيبُ: وحُجَّتُهم القياسُ على تَعليق الوكالةِ . (وصَحَّحَه) أي هذا الضربَ مِن الإجازةِ أبو يَعلَى (ابنُ الفراءِ الحنبليُّ، و) أبو الفَضلِ محمدُ بنُ عُبيدٍ(١) اللَّه (بن عمروسِ المالكيُّ) وقالا(٢): إنَّ الجهالَة تَرتفعُ عند وجودِ المشيئةِ، ويَتعيَّن المُجَازُ له عِندَها . قال الخطيبُ: وسمعتُ ابنَ الفرَّاءِ يحتجُ لذلك بقولِهِ وَّه - لمَّا أَمَّرَ زيدًا عَلى غزوةٍ مُؤتة - : ((فإن قُتِلَ زَيدٌ فَجَعفَر، فَإِن قُتِلَ جَعفَر فَابنُ رَوَاحَةَ)) فعلَّق التأمير . قال : وسمعتُ أبا عبدِ اللَّه الدامغانيَّ يُفَرِّقُ بينها وبين الوكالةِ، بأنَّ الوكيلَ يَنعَزل بعزلِ المُوكلِ له، بخلافِ المُجَازِ. قال العراقي (٣): وقد استَعمَل ذلك من المُتقدِّمين الحافظُ أبو بكرٍ بن أَبي خَيثمة صاحبُ ((التاريخ)) وحفيدُ يعقوب بنِ شَيبة(٤). فإن عُلِّقت بمشيئةٍ مُبِهَم بَطَلَت قَطعًا . (ولو قال: ((أجزتُ لمن شاء الإِجازةَ))، فهو كـ ((أجزتُ لمن يشاءُ (١) في ((ص): ((عبد)). (٢) في ((ص)): ((وقال)) . (٣) («التبصرة)) (٧١/٢). (٤) هو: محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة، كما في ((شرح الألفية)) للعراقي (٧٢/٢). ٦٣٣ كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه فلانٌ))) في البطلان ، بل (وأكثرُ جهالةً) وانتشارًا مِن حيثُ إنَّها مُعلَّقةٌ بمشيئةٍ مَن لا يُحصَرُ عَدَدُهم . (ولو قال: ((أجزتُ لمن يشاءُ الروايةَ عَنِّي)) فأولى بالجوازِ؛ لأنه تصريحٌ بمقتضى الحالِ) من حيثُ إنَّ مُقتضَى كلِّ إجازةٍ تفويضُ الروايةِ بها إِلَى مَشيئَةِ المُجَازِ له، لا تَعليقَ في الإجازةِ (١)، وقاسَه ابنُ الصلاح على: ((بِعتُكَ إن شِئت)) . قال العراقي (٢): لكنَّ الفَرقَ بينهما تَعِينُ المبتاع، بخلافه في الإجازةِ ؛ فإِنَّه مُبِهَمٌ . قال: والصحيحُ فيه عدمُ الصِّحَّةِ. قال: نعم، وِزَانُهُ هنا: ((أجَزْتُ لكَ أن تروِيَّ عَنِّي إن شئتَ الروايةَ عنّي)). قال: والأظهرُ الأَقْوَى هنا الجوازُ ؛ لانتفاءِ الجهالةِ وحقيقةِ التعليق . انتهى . وَكَذا قال البلقينيُّ في ((محاسن الاصطلاح(٣)))، وأيد البطلان في المسألة الأولى ببطلان الوصية والوكالة فيما لو قال: ((وصيتُ بهذه لمن يشاءُ))(٤) أو (وكَّلتُ في بيعها من يشاءُ(٥) أن يبيعَها)). قال: وإذا بطل في الوصية مع احتمالها ما لا يحتمله غيرُها ؛ فهنا أولى . (١) كذا؛ والذي في ((التبصرة)) للعراقي (٧٢/٢) . وعنه أخذ المؤلف -: ((من حيث إن مقتضى كل إجازة تفويض الرواية بها إلى مشيئة المجاز له ، فكان هذا - مع كونه بصيغة التعليق - تصريحًا بما يقتضيه الإطلاق وحكاية للحال، لا تعليقًا في الحقيقة)). وأصله في ((كتاب ابن الصلاح)) (ص١٨٥ - ١٨٦)؛ وهو أوضح. (٢) ((التبصرة)» (٧٢/٢). (٤) في ((م): ((شاء). (٣) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ٢٧٠). (٥) في ((م)): ((شاء)). ٦٣٤ النوع الرابع والعشرون ولو قال: ((أجزت لفلانٍ كذا إن شاء روايتَهُ عَنِّي))، أو ((لك(١) إنْ شئتَ - أو أحببت - أو أردت)) فالأظهرُ جوازُهُ، كما تقدَّم . الخَامِسُ: الإِجَازَةُ للْمَعْدُومِ كـ(«أجَزْتُ لَنْ يُولَدُ لِفُلانٍ)) . واخْتَلَفَ المُتَاخِّرُونَ فِي صِحَّتِهَا، فَإِنْ عَطَفَهُ عَلَى مَوْجُودٍ كـ«أجَزْتُ لِفلانٍ ومَنْ يُولَدُ لَهُ)) أو ((لَكَ ولِعَقِبَكَ مَا تَنَاسَلُوا)) فأوْلَى بِالجَوَازِ، وفَعَلَ الثَّانِ مِنَ المُحَدِّثِينَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ ، وأجَازَ الخَطِيبُ الأوَّلَ، وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ الفَرَّاءِ وابْنِ عُمْرُوسٍ ، وَأَبْطَلَهَا القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وابْنُ الصَّبَّاغِ الشَّافِعِيَّانِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لا يَنْبَغِي غَيْرُهُ. وأمَّا الإِجَازَةُ لِلطّفْلِ الَّذِي لا يُمَيِّزُ فَصَحِيحَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ الّذِي قَطَعَ بَهِ القَاضي أبُو الطَّيِّبِ والْخَطِيبُ، خِلافًا لِيَعْضِهِمْ. (الخامسُ : الإجازةُ للمعدوم، كـ(( أجزتُ لمن يُولدُ لفلانٍ)) . واختلف المتأخرون في صحتها، فإنْ عطفَهُ على موجودٍ، كـ((أجزتُ لفلانٍ ومنْ وُلدُ له))، أو («لك) ولولدك (ولِعقِبك ما تناسلوا))، فأولى بالجواز) مما إذا أفرده بالإجازةِ؛ قياسًا على الوقفٍ . (وفَعَل الثاني من المحدثينَ) الإمامُ (أبو بكرٍ) عبدُ اللَّه (ابن أبي داود) السجستانيُّ، فقال - وقد سئل الإجازة -: ((قد أجزتُ لكَ ولأولادك ولحبَل الحبَلة)) يعني الذين لم يُولدُوا بعدُ . (١) في ((ص)): ((ولك)). ٦٣٥ كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه قال البلقينيُّ (١) : ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل المبالغة وتأكيد الإجازة. وصرح بتصحيح هذا القسم القسطلانيُّ في ((المنهج)). (وأجاز الخطيب الأول) أيضًا، وألّف فيها جزءًا، وقال: إن أصحابَ مالكِ وأبي حنيفة أجازوا الوقفَ على المعدوم، وإن لم يكن أصلُهُ موجودًا . قال : وإن قيل: كيف يصحُّ أن يقول: ((أجاز لي فلانٌ)) ومولِدُهُ بعد موتِهِ؟ يقال: كما يصح أن يقول: ((وقف عليَّ فلانٌ)) ومولدُهُ بعدَ موتِهِ . قال: ولأن بُعدَ أحدِ الزَّمانين من الآخرِ كبعدِ أحدِ الوطنين من الآخرِ . (وحكاه) أي الصحة فيما ذكر (عن ابن الفراء) الحنبليِّ (وابنِ عمروس) المالكيِّ، ونسبه عياضٌ (٢) لمعظم الشيوخ. (وأبطلها القاضي أبو الطيب وابن الصباغ الشافعيان، وهو الصحيح الذي لا ينبغي غيرُه)؛ لأن الإجازة في حكم الإخبار جملةً بالمُجاز، فكما لا يصح الإخبارُ للمعدومِ لا تَصحُ الإجازةُ(٣) له . أما إجازة من يُوجد مُطلقًا، فلا يجوز إجماعًا . (وأما الإجازة للطفلِ الذي لا يُميّزُ فصحيحةٌ على الصحيح الذي قَطَّع به القاضي أبو الطيب والخطيبُ) ولا يعتبر فيه سِنٌّ ولا غيرُهُ (خلافًا (١) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ٢٧١). (٢) ((الإلماع)) (ص: ١٠٦). (٣) في ((م): ((يصح الإخبار)). النسبة ٦٣٦ النوع الرابع والعشرون لبعضِهم) حيثُ قال: لا يصحُّ كما لا يَصحُ سماعُهُ. ولمَّا ذُكر ذلك لأبي الطيب قال : يَصحُّ أنْ يجيز للغائبِ ولا يصحُّ سماعُهُ . قال الخطيبُ : وعلى الجوازِ كافةُ شيوخِنا. واحتجَّ له بأنها إباحةُ المجيز للمُجاز له أن يرويّ عنه، والإباحةُ تصحُ للعاقلِ ولغيرِهِ . قال ابنُ الصلاح(١) : كأنَّهم رأوا الطفل أهلًا لتحملِ هذا النوعِ؛ ليؤدي به بعد حصول الأهلية ؛ لبقاء الإسنادِ ، أمَّا المُميز فلا خلافَ في صحة الإجازةِ له . • تنبيه : أدمجَ المصنّفُ - كابن الصلاح - مسألة الطفل في ضرب الإجازة المعدوم، وأفردها القسطلانيُّ بنوع، وكذا العراقيُّ وضمَّ إليها الإجازةَ للمجنونِ والكافر والحملِ . فأمَّا المجنون؛ فالإجازة له صحيحةٌ، وقد تقدَّم ذلك في كلام الخطيب . وأما الكافر؛ فقال: لم أجد فيه نقلًا، وقد تقدَّم أن سماعَهُ صحيحٌ . قال : ولم أجد عن أحد من المُتقدِّمين والمتأخّرين الإجازة للكافرِ ، إلّا أنَّ شَخْصًا مِنَ الأطباءِ يقال له محمد بن عبد السيد سَمع الحديثَ في حالٍ يهوديَّته على أبي عبد الله الصوري، وكتب اسمه في الطبقة مع السامعين، وأجاز الصوري لهم، وهو مِن جُملتهم، وكان ذلك بحضور (١) ((علوم الحديث)) (ص : ١٨٧). ٦٣٧ كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه المزِّيِّ ، فلولا أنه يرى جواز ذلك ما أقر عليه، ثم هدى اللَّهُ هذا اليهوديَّ إلى الإسلام، وحدَّث وسمع منه أصحابُنا . قال : والفاسقُ والمبتدعُ أولى بالإجازةِ منَ الكافرِ، ويُؤديانِ إذا زالَ المانع . قال : وأما الحَمْلُ ؛ فلم أجد فيه نقلًا، إلا أنَّ الخطيبَ قال : لم نرهم أجازوا لمن لم يكن مولودًا في الحال، ولم يتعرَّض لكونه إذا وقع يصحُ أو لا . قال: ولا شكَّ أنَّه أولى بالصحةِ من المَعدومِ . قال : وقد رأيت شيخنا العلائي سُئل لحمل مع أبويه فأجازَ، واحترز أبو الثناء المَنْبجي فكتب: ((أجزتُ للمسلمين فيه)). قال : ومن عمم الإجازة للحمل وغيره أعلمُ وأحفظُ وأتقَنُ. إلا أنه قد يُقال: لعلَّه ما أَصفح أسماء الاستدعاء حتى يعلم هل فيه حملٌ أم لا؟ إلا أن الغالبَ أنَّ أهل الحديثِ لا يُجيزونَ إلا بعدَ تَصفُحهم . قال : وينبغي بناءُ الحكم فيه على الخلافِ في أنَّ الحملَ هل يُعلم أو لا؟ فإن قلنا: يُعلم - وهو الأصحُ - صحت الإجازةُ له، وإن قلنا : لا يُعلم، فيكون كالإجازة للمعدوم. انتهى (١) . وذكر ولده الحافظ وليُّ الدين أبو زرعة في ((فتاويه المكية)) وهي أجوبةُ أسئلةٍ سأله عنها شيخُنا الحافظُ أبو الفضلِ الهاشميُّ، أنَّ الجوازَ (١) ((التبصرة)) (٧٦/٢ - ٧٩). ٦٣٨ النوع الرابع والعشرون فيما بَعد نفخِ الرُّوحِ أَولى، وأنّها قبلَ نفخ الروحِ مرتبةٌ متوسطة بينها وبين الإجازةِ للمعدوم، فهي أولى بالمنع من الأولى وبالجوازِ من الثّانيةِ . السَّادِسُ: إِجَازَةُ مَا لَمْ يَتَحَمَّلهُ الْمُجِيزُ بِوَجْهٍ ، لِيَزْوِيَهُ المُجَازُ إذا تَحَمَّلَهُ المُجِيزُ. قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: لَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ، وَرَأيْتُ بَعْضَ المُتَأْخِّرِينَ يَصْنَعُونَهُ، ثُمَّ حَكَى عَنْ قَاضِي قُرْطُبَةَ أبي الوَلِيدِ مَنْعَ ذَلِكَ، قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، فَعَلَى هَذَا تَعَيَّنُ عَلَى مَنْ أَرَادَ أنْ يَزْوِيَ عَنْ شِئْخِ أجَازَ لَهُ جَمِيعَ مَسْمُوعَاتِهِ أنْ يُبْحَثَ حَتَّى يَعْلَمَ أنَّ هَذَا مَّا تَحَمَّلَهُ شَيْخُهُ قَبْلَ الإِجَازَةِ. وأمَّا قَوْلُهُ: ((أَجَزْتُ لَكَ مَا صَحَّ - أوْ يَصِحُ - عِنْدَكَ مِنْ مَسْمُوعَاتٍ)) فَصَحِيحٌ، تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهِ؛ لِمَا صَحَّ عِنْدَهُ سَمَاعُهُ لَهُ قَبْلَ الإِجَازَةِ، وفَعَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وغَيْرُهُ. (السادسُ: إجازة ما لم يتحمله المجيزُ بوجهٍ) من سماع أو إجازةٍ (ليرويَه المُجازُ) له (إذا تحمله المجيز . قال القاضي عياضٌ) في كتابه ((الإلماع)) (١): هذا (لم أرَ من تكلّم فيه) من المشايخ . (١) ((الإلماع)) (ص: ١٠٦). ٦٣٩ كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه قال : (ورأيتُ بعضَ المتأخرين) والعصريين (يصنعونه، ثم حكى عن قاضي قرطبةً أبي الوليد) يونس بن مغيث (مَنْعَ ذلك) لمَّا سُئِلَه وقال : يعطيك ما لم يأخُذ! هذا مُحَالٌ . (قال عياضٌ: و) هذا (هو الصحيحُ) فإنه يُجيزُ ما لا خبر عنده منه ، ويأذن له بالحديث بما لم يُحدَّث به، ويُبِيحُ ما لا يعلم: هل يصحُّ له الإذنُ فيه؟! قال المصنّفُ : (وهذا هو الصواب). قال ابنُ الصلاح (١): وسواءٌ قُلنا إنَّ الإجازة في حُكم الإخبار بالمُجاز جُملةً أو إذنٌ؛ إذ لا يُخبرُ(٢) بما لا خبر عنده منه، ولا يؤذن فيما لم(٣) يملكه الآذنُ بعدُ ، كالإذنِ في بيع ما لم يَملكُه . وكَذا قال القسطلانيُّ : الأصحُّ البُطلانُ(٤) ؛ فإنَّ ما رواهُ دخل في دائرةٍ حضْرِ العِلمِ بأصْلِهِ، بخلافٍ ما لم يَروه فإنَّه لم يَنْحصرْ . قال المصنّفُ كابنِ الصلاح : (فعلى هذا يتعينُ على مَن أراد أنْ يرويَ عن شيخ أجاز له جميعَ مسموعاتِهِ أن يبحثَ حتى يعلمَ أنَّ هذا مما تحمَّلَه شيخُه قبَلَ الإجازةِ) له . (وأما قولُه: أجزتُ لك ما صحَّ أو يَصِحُ عندَك مِن مسموعاتي ، (١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٨٨). (٢) في ((ص)): ((يجيز)). (٣) في ((ص)): ((لا)). (٤) بعده في المطبوع: ((والفرق بينه وبين ما رواه)). ٦٤٠ النوع الرابع والعشرون فصحيحٌ تجوز الراويةُ به لِمَا صَحَّ عندَهُ) بَعدَ الإِجازَةِ (سماعُه له قبلَ الإجازةِ، وفَعَلَه الدار قطنيُّ وغيرُه) . قال العراقيُّ (١): وكذا لو لم يَقُلْ ((ويصحُّ))؛ فإنَّ المرادَ بقولِهِ ما صحَّ حالَ الروايةِ لا الإجازَةِ . الشَّابِعُ: إِجَازَةُ الْمُجَازِ كـ ((أجَزْتُكَ مُجَازَاتٍ))، فَمَنَعَهُ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ العَمَلُ جَوَازُهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْحُقَّاظُ: الدَّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ عُقْدَةَ، وَأَبُو نُعَيم، وَأَبُو الفَتحِ نَصْر المقَدِسِيُّ. وكَانَ أَبُو الفتحِ يَروِي بِالإِجَازَةِ عَنِ الإِجَازَةِ، ورُبَّمَا وَالىْ بَينَ ثَلَاتٍ . ويَنْبَغِي لِلرَّاوِي بِهَا تَأْمُّلُهَا؛ لِئَلَّا يَرِويَ مَا لَم يَدْخُلْ تَحَتَهَا، فَإِنْ كَانَتْ إِجَازَةُ شَيخِ شَيخِهِ: ((أَجَزْتُ لَهُ مَا صَحَّ عِندَهُ مِن سَمَاعِي)) فَرَأَى سَمَاعَ شَيخِ شَيخِهِ، فَلَيْسَ لَهُ روَايْتُهُ عَنِ شَيخِهِ عَنْهُ حَتَّى يَعِرِفَ أنَّهُ صَحَّ عِندَ شَيخِهِ كَونُهُ مِن مَسمُوعَاتِ شَيخِهِ . (السابعُ: إجازةُ المُجَازِ كـ((أجزتُك مجازاني) - أو جميعَ مَا أُجيز لي روايتُه))، (فَمَتَعَه بعضُ مَن لا يُعْتَدُّ به) وهو الحافظ أبو البَركاتِ عبدُ الوهاب بنُ المَبَارَكِ الأنماطيُّ شيخُ ابنِ الجوزيّ، وصنَّف في (١) ((التبصرة)) (٨١/٢). ٦٤١ كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه ذلك جُزءًا؛ لأنَّ الإِجازةَ ضعيفةٌ، فَيَقْوىُ الضعفُ باجتماع إجازتَيْن . (والصحيحُ الذي عليه العملُ: جوازُه، وبه قَطَع الحفاظُ) أبو الحسن (الدارقطنيُّ، و) أبو العبَّاس (ابنُ عقدةَ، وأبو نعيم) الأصبهاني (وأبو الفتحِ نَصْرٌ المَقْدسيُّ)، وفعله الحاكم، واذَّعى ابنُ طاهرِ الاتفاقَ عليه . (وكان أبو الفتح) نصرٌ المَقْدسيُّ (يَروي بالإجازةِ عن الإجازةِ، وربما وَالى بين ثلاث) إجازاتٍ ، وكذلك الحافظُ أبو الفتح ابن الفوارس والى بين ثلاث إجازاتٍ، ووالى الرافعيُّ في ((أماليه)) بين أربع أجائزَ، والحافظُ قطبُ الدين الحلبيُّ بين خمس أجائزَ في ((تاريخ مصر))، وشيخُ الإسلام في ((أماليه)) بين سِتُّ . (ويَنبغي للراوي بها) أي : بالإِجازةِ عن الإِجازةِ (تأملُها) أي: تأمُّلُ كيفيةِ إجازَةٍ شيخ شيخِهِ لشيخِهِ ومُقتضاها؛ (لئلا يَروي) بها (ما لم يدخلُ (١) تحتَها) فرُبما قيَّدها بعضُهم بما صحَّ عند (٢) المُجَازِ له، أو بما سَمِعه المُچِيزُ، ونحو ذلك . (فإنْ كانتْ إجازةُ شيخ شيخِه: ((أجزتُ له ما صَحَّ عندَه مِن سماعي))، فرأى سماعَ شيخ شيخِهِ، فليس (٣) له روايتُه عن شيخِه عنه حتى يعرفَ أَنَّهُ صَحَّ عندَ شيخِهِ کونُه مِن مسموعاتٍ شیخه)، وگَذا إِن (١) في ((ص)): ((يدخلها)). (٣) في ((م)): ((ليس)). (٢) في ((ص): ((عن)). ٦٤٢ النوع الرابع والعشرون قيَّدها بما سَمعه، لم يتعدَّ إلى مُجازاتِه، وقد زلَّ غيرُ واحدٍ مِن الأئمةِ بسببٍ ذلك . قال العراقيُّ(١) وكان ابنُ دقيقِ العيدِ لا يُجيزُ روایةً سماعِه كلِّه، بل يُقيِّدُه بما حدَّث به من مسموعاتِه، هكذا رأيتُه بخطُّه، ولم أَرَ له إجازةً تشملُ مَسموعَه، وذلك أنه كان شَكَّ في بعضٍ سماعاته فلم يُحدِّث به ، ولم يُجزْه، وهو سماعُه على ابنِ المقيرِ، فمن حدَّث عنه بإجازته منه بشيءٍ مما (٢) حدَّث به مِن مسموعاتِه فهو غيرُ صحيحٍ . قلت: لكنه كان يُجيزُ مع ذلك جميعَ ما أُجيز له، كما رأيتُه بخطّ أبي حَيَّان في ((النضار))، فعلى هذا لا تتقيَُّ الروايةُ عنه بما حدَّث به مِن مَسموعاتِهِ فَقط ؛ إذْ يَدْخُلُ الباقي فيما أُجيز له . · فَرْعٌ : قَالَ أَبُو الْحُسَينِ ابنُ فَارِسٍ: الإِجَازَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن جَوَازِ المَاءِ الَّذِي تُسْقَاهُ المَاشِيَةُ وَالحَرِثُ، يُقَالُ: ((استجَزْتُهُ فَأَجَازَنٍ))؛ إِذَا أسْقَاكَ مَاءٌ لَِاشِيَتِكِ وَأَرضِكِ، كَذَا طَالبُ العِلمِ يَستَجِيزُ العَالِمِ عِلمَهُ فَيُجِيزُهُ؛ فَعَلَى هذا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: ((أَجَزْتُ فلانًا مَسْموعَاتِي))، ومَنْ جَعَلَ الإِجَازَةَ إِذْنًا - وَهُوَ الْمَعْرُوفُ - يَقُولُ: ((أجَزتُ لَهُ رِوَايَةَ مَسمُوعَاتِيٍ))، ومَتَى قَالَ: ((أجَزْتُ لَهُ (١) ((التبصرة)) (٨٦/٢). (٢) في (ص))، ((م)): ((ما)). ٦٤٣ كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه مَسمُوعَاتِي)) فَعَلَى الْحَذْفِ، كَمَا فِي نَظَائِرِهِ. (فَرْعٌ: قال أبو الحسينِ) أحمدُ (ابنُ فارسٍ) اللغويُّ: (الإجازةُ) في كلام العَربِ (مأخوذٌ مِن جوازِ الماء الذي تسقاه الماشيةُ والحرثُ ، يقال) منه: ((استجزتُه(١) فأجازني))، إذا أسقاكَ (٢) ماءً لماشيتِك وأرضِك). قالَ : (كذا) لكَ (طالبُ العلم يستجيزُ العالمَ) أي: يسألهُ أنْ يُجيزَه (علمَه، فیجیزُه) إياه . قال ابنُ الصلاح (٣): (فعلى هذا يجوزُ أن يقال: ((أجزتُ فلانًا مسموعاتي) أو مَرْوياتي)) متعديًا بغيرِ حرفِ جرِّ مِن غيرِ حاجةٍ إلى ذِكْرِ لفظِ الرِّوايةِ . (ومَن جَعَل الإجازَةَ إِذْنًا) وإباحةً وتَسْويغًا (وهو المعروفُ، يقولُ (٤): ((أجزتُ له روايةَ مسموعاتي)). ومتى قال: ((أجزتُ له مسموعاتي)) فعلى الحذف؛ كما في نظائره) . وعبارةُ القسطلانيِّ في ((المنهج)): الإِجازةُ مُشتقةٌ مِن التَّجُزِ وهو التَّعدِّي، فكأنَّه عدَّى روايته حتَّى أوصَلها للراوي عنه . قَالُوا: إِنَّمَا تُستَحسَنُ الإِجَازَةُ إِذَا عَلِمَ المُجِيزُ مَا يُجِيزُ، وَكَانَ المُجَازُ مِن أَهلِ العِلِمِ. وَاشتَرَطَهُ بَعضُهُم، وَحُكِي عَن مَالِكٍ. (١) قبله في ((ص)): ((استجزتك)). (٢) في ((ص)): ((سقاك)). (٣) ((علوم الحديث)) (ص: ١٩٠). (٤) في (ص))، ((م)): ((بقول))، وانظر ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص ١٩٠). ٦٤٤ النوع الرابع والعشرون وَقَالَ ابنُ عَبدِ البِرُّ: الصَّحِيحُ: أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِلَّ لِمَاهِرٍ بِالصِّنَاعَةِ، وفي مُعَيَّنٍ لَا يُشكِلُ إِسِنَادُهُ. وَيَنْبَغِي لِلمُجِيزِ كِتَابَةً أَن يَتَلَفَّظَ بِهَا، فَإِن اقتَصَرَ عَلَى الكِتَابَةِ - مَعَ قَصدِ الإِجَازَةِ صَحَّت . (قالوا: إنما تُستحسنُ الإجازةُ(١) إذا عَلِمِ المجيزُ ما يجيزُه، وكان المجازُ) له (مِن أهلِ العلمِ) أيضًا؛ لأنها توسُّعٌ وتَرخيصٌ يتأهَّلُ له أهلُ العلمِ لمَسيسٍ حَاجَتِهم إليها . قال عيسى بنُ مِسكينٍ : الإجازةُ رأسُ مالٍ كبيرٍ . (واشترطه بعضُهم) في صِحَّتِها فَبَالَغَ، (وحُكِي عن مالكِ)، حكَاهُ عنه الوليدُ بنُ بكرٍ (٢) مِن أصحابِهِ . (وقال ابنُ عبدِ البر (٣) : الصحيحُ أنها لا تجوزُ إلا لماهرِ بالصناعةِ، وفي) شيءٍ (معيَّنٍ لا يُشْكِلُ إسنادُه . وينبغي للمجيزِ كتابةً) أي: بالكتابةِ (أَنْ يتلفظَ بها) أي بالإجازةِ أيضًا، (فإن اقتَصَرَ على الكتابةِ) ولم يتلفظُ - (مع قصدِ الإجازةِ - صَحَّتْ)؛ لأنَّ الكتابةَ كنايةٌ ، وتكونُ حينئذٍ دونَ الملفوظِ بها في الرُّتبة . وإنْ لم يقصدِ الإِجازةَ : (١) في ((ص)): ((التجوز)). (٣) ((جامع بيان العلم)) (ص: ٥٤٥). (٢) في ((ص)): ((بكير)). ٦٤٥ كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه قال العراقيُّ : فالظاهرُ عدُ الصحةِ . قال ابن الصلاح(١): وغيرُ مُستبعَدٍ تصحيحُ ذلك بمُجرَّدِ هذه الكتابةِ في بابِ الروايةِ ، التي جُعِلَتْ فيه القراءةُ على الشيخ - مع أنَّه لم يلفظُ بما قُرئ عليه - إِخبارًا منه بذلك . • تنبية : لا يُشترطُ القبولُ في الإِجازةِ كما صرَّح به البلقينيُّ(٢) . قلتُ : فلو ردَّ، فالذي يَنقدحُ في النَّفْسِ الصِّحَّةُ، وكذا لو رجَع الشيخُ عنِ الإِجازةِ ، ويَحتملُ أن يُقال: إنْ قُلنا: الإِجازةُ إخبارٌ؛ لم يضرَّ الردُّ ولا الرجوعُ، وإنْ قُلنا: إذنْ وإباحةٌ؛ ضرًّا؛ كالوقفِ والوكالةِ، ولكن الأوَّل هو الظاهرُ، ولم أرَ مَن تعرَّض لذلك . ● فائدةٌ : قال شيخُنا الإمامُ الشمني : الإِجازةُ في الاصطلاح إذنٌّ في الرواية لفظًا أو خطًّا، تفيدُ الإخبارَ الإِجمالي عُرفًا، وأركانُها أربعةٌ : المُجيزُ، والمُجَازُ له، والمُجَازُ بهِ، ولفظُ الإِجازةِ . القسم الرَّابع: المُنَاوَلَةُ: وَهِيَ ضَرَبَانِ : مَقرُونَةٌ بِالإِجازَةِ ، وَجُرَدَّةٌ . فَالمقرُونَةُ أَعْلَى أَنْواعِ الإِجَازَةِ مُطلَقًا . (١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٩٠). (٢) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ٢٧٠). ٦٤٦ النوع الرابع والعشرون (القسم الرابعُ) مِن أقسام التحمُّلِ (المناولةُ) والأَصْلُ فيها: ما علّقه البخاريُّ (١) في العِلْمِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ كَتَبَ لِأَميرِ السَّريَّةِ كِتَابًا وقالَ: (لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا))، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلك المَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وأَخْبَرَهُمْ (٢) بِأَمْرِ النَّبِيِّ ◌ََّ. وصَله البيهقيُّ والطبرانيُّ بسندٍ حَسنٍ (٣). قال السُّهيليُّ : احتجَّ به البخاريُّ على صِحَّةِ المُناولةِ، فَكَذَلك العالمُ إذا ناوَلَ التلميذَ كِتَابًا جَازَ له أن يَروِيَ عنَه ما فِيه. قال: وهو فِقْهُ صحيحٌ . قال البلقينيُّ (٤): وأَحْسَنُ مَا يُسْتدلُّ به عَليها: ما استدلَّ به الحاكم(٥) من حديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَىُ مَعَ عبدِ اللَّهِ بنِ حُذَافَةَ، وأَمَرَهُ أنْ يَدِفَعَهُ إلى عَظِيمِ البَحْرَينِ ، فَدَفَعَه عَظِيمُ البَحْرَينِ إلى كِسْرَى . وفي ((معجم البغوي)) عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، قال: كُنَّا إِذَا أكثرنا على أنسٍ بنِ مالكِ أتانًا بمَجَالَّ له، فألْقَاها إِلينا، وقالَ: هذه أحاديثُ سمعتُها مِن رسولِ اللَّه ◌َّهِ، وَكَتَبْتُها وعرضتُها . (وهي ضَرْبانٍ: مقرونةٌ بالإجازةِ، ومجردةٌ) عنها : (١) ((صحيح البخاري)) (٢٥/١). (٢) في ((م)): ((فأخبرهم)). (٣) ((سنن البيهقي الكبرى)) (١١/٩ - ١٢)، و((المعجم الكبير)) (١٦٢/٢). (٤) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ٢٧٩). (٥) ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٢٥٨). ٦٤٧ كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه (فالمقرونةُ) بالإِجازةِ (أعلى أنواع الإجازةِ مطلقًا) ونقَل عياضٌ (١) الاتفاقَ على صِحَّتِها . وَمِن صُوَرِهَا: أَن يَدِفَعَ الشَّيخُ إِلَى الطَّالِبِ أَصلَ سَمَاعِهِ، أَو مُقَابَلًا بِهِ، ويَقُولَ: ((هذا سَمَاعِي - أَوْ رِوَايَتِي - عَنِ فُلانٍ، فَارْوِهِ))، أَو: ((أَجَزْتُ لَكَ رِوَايَتَهُ عَنِّي))، ثُمَّ يُبقِيهِ مَعَهُ تَملِیكًا أَو لَيَنْسَخَّهُ أَو نَحوَهُ. (ومن صورِهَا) وهُو أَعلاها - كما صرَّح به عِياضٌ وغيرُهُ -: (أنْ يدفعَ الشيخُ إلى الطالبِ أُصلَ سماعِه أو) فَرِعًا (مقابَلًا به، ويقولَ) له : ((هذا سماعي - أو روايتي عن فلانٍ) - أو لا يسميه، ولكن اسمه مذكور في الكتاب المناوَل - (فارْوِهِ) عَنِّي - (أو أجزتُ لك روايتَه عني))، ثم يُبْقِيه معه تمليكًا أو لِيَتْسَخَهُ) ويُقابِل به ويَرُده، (أو نحوه). وَمِنْهَا: أَن يَدِفَعَ إِلَيْهِ الطَّالبُ سَمَاعَهُ فَيَتَأَمَّلَهُ الشَّيخُ وَهُوَ عَارِفٌ مُتَيَقِظُ، ثُمَّ يُعِيدَهُ إِلَيهِ ويَقُولَ: ((هُوَ حَدِيثِي أَو رِوَايتِي فَاروِهِ عَنِّي)) أَو: ((أَجَزْتُ لَكَ رِوَايَتَهُ))، وَهَذَا سَمَّاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن أئِمَّةِ الحَديثِ عَرِضًا، وقَد سَبَقَ أَنَّ القِرَاءَةَ عَلَيهِ تُسَمَّی عَرْضًا؛ فَلْيُسَمَّ هذَا ((عَرضَ المُنَاوَلةِ))، وَذَلِكَ ((عَرضَ القِرَاءَةِ))، (١) (الإلماع)) (ص: ٨٠). ٦٤٨ النوع الرابع والعشرون وَهَذِهِ المُنَاوَلَةُ كالسَّمَاعِ فِي القُوَّةِ عِندَ الزُّهرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَجِى ابنِ سَعِيدِ الأنصَارِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعبِيِّ، وَعلقَمَةَ، وَإِبِرَاهِيمَ، وَأَبِي العَالِيَةِ، وَأَبِ الزُّبَيِ، وَأَبِ الْمُتَوَكُّلِ، وَمالِكِ، وابنِ وَهِبٍ، وَابْنِ القَاسِمِ، وَجَمَاعَاتٍ آخَرِينَ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مُنحَطّةٌ عَنِ السَّمَاعِ وَالقِرَاءَةِ، وَهُوَ قَولُ الثَّورِيِّ، والأوزاعِيِّ، وابنِ المُبَارَكِ، وَأَبِ حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، والبُوَيطِيِّ، وَالْمُزَنِّ، وَأَحَمَدَ، وإِسِحَاقَ، وَيَجِيَى بنِ تَجِيَى. قَالَ الْحَاكِمُ: وَعَلَيْهِ عَهِدنَا أَيِّمَّتْنَا وَإِلَيهِ نَذْهَبُ . (ومنها: أنْ يدفعَ إليه) أي: إلى الشيخ (الطالبُ سماعَه) أي : سماع الشيخ - أصلًا أو مُقابَلًا به - (فيتأمَّله الشيخُ وهو عارفٌ منيقظٌ، ثم يعيدَه إليه) أي: يُناولُه للطالبِ (ويقولَ) له: ((هو حديثي - أو روايتي) عن فلانٍ، أو عمَّن ذكر فيه - (فارْوِه عني - أو أجزتُ لك روايتَه))، وهذا سَمَّاه غيرُ واحد مِن أئمة الحديث ((عَرْضًا))، وقد سَبَقَ أنَّ القراءةَ عليهِ تُسمَّى ((عَرْضًا))، فليسمَّ هذا ((عَرْضَ المناولة))، وذلك ((عَرْضَ القراءةِ)). وهذه المناولةُ كالسَّماع في القوةِ) والرُّتبة (عندَ الزُّهريَّ، وربيعةً، ويحيى بن سعيدِ الأنصاريِّ) مِن المدنيِين، (ومجاهد) المكيِّ، (والشعبيٍّ، وعلقمةَ، وإبراهيمَ) النَّخعيان مِن الكُوفِّين، (وأبي العاليةِ) البَصْرِيِّ، (وأبي الزبيرِ) المكِّّ (وأبي المتوكلِ) البصري (ومالكِ) مِن أهلِ المدينةِ (وابنِ وهبٍ ، وابنِ القاسم)، وأشهبَ مِن أهلِ مِصْر ٦٤٩ كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه ( وجماعاتٍ آخرينَ) مِنَ الشَّامَيِّين والخُراسانيِين، وحكاه الحاكم (١) عن طائفةٍ مِن مشايخه . قال البلقينيُّ (٢): وأَرفعُ مَن حكى(٣) عنه مِن المدنيين ذلك: أبو بكر ابن عبد الرحمن؛ أحد الفقهاء السبعة ، وعكرمةُ مولى ابنِ عباسٍ . ومن دونهم (٤) : العلاءُ بنُ عبد الرحمن، وهشامُ بنُ عُروة، ومحمدُ ابنُ عَمرو بنِ عَلْقمةَ . ومن دونهم : عبدُ العزيز بنُ محمدٍ بن أبي عُبيدٍ . ومِن أهلِ مكّة: عبدُ اللَّه بنُ عُثمان بن خُثيم، وابنُ عُيينة، ونافعٌ الجمحيُّ، وداودُ العطَّارُ، ومسلمٌ الزنجيُّ . ومن أهلِ الكوفةِ : أبو بُردة الأَشعريُّ، وعليُّ بن رَبيعةَ الأَسديُّ، ومنصورُ بن المُعْتمرِ، وإِسْرائيلُ، والحسَنُ بنُ صَالح، وزُهيرٌ، وجابرٌ الجعفيُّ . ومن أهل البصرة: قتادةُ، وحميدٌ الطويلُ، وسعيدُ بنُ أبي عروبة ، وكهمس، وزيادُ بنُ فيروز، وعليُّ بنُ زيدِ بنِ جُدْعان، وداودُ بن أبي هندٍ ، وجَرِيرُ بنُ حازمٍ، وسُليمان بنُ المغيرةِ . (١) ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٢٥٧). (٢) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ٢٧٩ - ٢٨٠). (٣) يعني : الحاكم . (٤) في ((ص))، ((م): ((دونه))، والمثبت من ((محاسن الاصطلاح)) (ص٢٧٩).