النص المفهرس

صفحات 661-680

٥٩٠
النوع الرابع والعشرون
بَيَانُ أَقْسَامٍ طُرُقِ تَحْمُلِ الحَدِيثِ
وَتَجَامِعُهَا ثَانِيَةٌ أَقْسَامٍ :
الأَوَّلُ: سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيخِ، وَهُوَ إِمِلاءٌ، وَغَيْرُهُ مِنْ حِفْظٍ وَمِنْ
كِتَابٍ. وَهُوَ أَرفَعُ الأَقْسَامِ عِنْدَ الْجَمَاهِيِ.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: لاَ خِلاَفَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي هَذَا لِلسَّامِعِ أَن
يَقُولَ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا، وَأخبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعتُ فُلانًا ،
وَقَالَ لَنَا، وَذَكَرَ لَنَا .
قَالَ الْخَطِيبُ: أرفَعُهَا: سَمِعْتُ، ثُمَّ حَدَّثَنَا وَحَدَثَنِي، ثُمَّ
أَخْبَرَنَا، وَهُوَ كَثِيرٌ في الاستِعْمَالِ، وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَن يَشِيعَ
تَخْصِيصُ ((أَخْبَنَا)) بِالقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيخِ.
قَالَ: ثُمَّ أَنْبَأَنَا، وَنَبَّأَنَا، وَهُوَ قَلِيلٌ فِي الاستِعْمَالِ .
قَالَ الشَّيْخُ: ((حَدَّثَنَا)) و((أُخْبَرَنَا)) أَرفَعُ مِن ((سَمِعْتُ)) مِنْ جِهَةٍ
أُخْرَىْ؛ إِذْ لَيَسَ في ((سَمِعْتُ)) دَلالَةٌ عَلى أنَّ الشَّيخَ رَوَّاهُ إِيَّاهُ
پخلافهمًا .
وَأَمَّا: ((قَالَ لَنَا فُلاَنٌ)) أَو ((ذَكَرَ لَنَا))، فَكَـ ((حَدَّثَنَا)) غَيْرَ أَنَّهُ لائِقٌ
بِسَمَاعِ الْمُذَاكَرَةِ، وَهُوَ بِهِ أَشبَهُ مِن «حَدَّثَنَا)).

٥٩١
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
وَأُوْضَعُ العِبَارَاتِ: ((قَالَ) أَو ((ذَكَرَ)) مِن غَيرِ ((لي))، أَو ((لَنَا))،
وَهُوَ - أيضًا - تَحمُولٌ عَلَى السَّمَاعِ إِذَا عُرفَ اللَّقَاءُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ
فِي نَوْعِ المُعضَلِ - لا سِيَّمَا إِن عُرِفَ أَنَّهُ لاَ يَقُولُ: ((قَالَ)) إِلا
فِيمَا سَمِعَهُ مِنْهُ، وَخَصَّ الْخَطِيبُ حَمَلَهُ عَلَى السَّمَاعِ بِهِ،
وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَيسَ بِشَرطٍ .
(بيانُ أقسام طرقِ تحملِ الحديثِ) هذه تَرجمةٌ (ومجامعُها ثمانيةٌ
أقسام) :
(الأولُ: سماعُ لفظِ الشيخ، وهو إملاءٌ وغيرُه) أي : (١) تحديث من
غير إملاء، وكل منهما يكون (مِن حفظٍ) للشيخ (ومِن كتابٍ) له .
(وهو أرفعُ الأقسام) أي أَعلى طُرقِ التَّحمُّلِ (عندَ الجماهيرِ) وسَيأتي
مقابلُه في القسم الآتي .
والإملاءُ أعلى مِن غيرِهِ، وإنِ استويا في أصلِ الرُّتبةِ.
(قال القاضي عياضٌ (٢)) أَسنَدَه إليه ليبرأ مِن عُهدِه: (لا خلافَ أنه
يجوزُ في هذا السامعِ) مِن الشيخ (أن يقولَ في روايتهِ) عنه له ((«حَدَّثنا))،
و((أخبرنا))، و((أنبأنا))، و((سمعتُ فلانًا) يقول))، (و((قال لنا) فلان))،
(و ((ذَكَر لنا) فلان)).
قال ابنُ الصلاح(٣): وفي هذا نظرٌ، وينبغي فيما شاعَ استعمالُه مِن
(١) في ((م)): ((وهو)).
(٣) ((علوم الحديث)) (ص: ١٦٦).
(٢) ((الإلماع)) (ص: ٦٩).

٥٩٢
النوع الرابع والعشرون
هذه الألفاظِ مخصوصًا (١) بما سمع من غيرِ لفظِ الشيخ، أن لا يُطلَقَ فيما
سمع مِن لفظِه؛ لما فيه من الإيهام(٢) والإلباسِ.
وقال العراقي (٣): ما ذكره عياضٌ وحكَى عليه الإجماعَ مُتَّجِةٌ،
ولا شَكَّ أنه لا يجبُ على السامع أن يُبيِّن هل كان السماعُ إملاءٌ أو عَرضًا .
قال : نعَم؛ إطلاقُ ((أنبأنا)) بعد أن اشتَهَر استعمالُها في الإجازة يُؤدِّي
إلى أن يظنَّ بما أدَّاه لها أنه إِجازةٌ، فيُسقِطُه مَن لا يَحتجُّ بها، فينبغي أن
لا يستعملَ في السماع لِما حَدَث من الاصطلاح.
(قال الخطيبُ (٤): أرفعُها) أي العبارة في ذلك («سمعتُ))، ثُم
((حَدَّثنا)) و((حَدَّثني))) فإنه لا يكاد أحدٌ يقولُ: ((سمعتُ)) في الإجازة
والمكاتبة، ولا في تدليسٍ مَا لم يَسمَعه، بخلافِ ((حدَّثنا))؛ فإنَّ بعض
أهلِ العلم كان يستعملها في الإجازةِ .
ورُوي عن الحسَنِ (٥) أنَّه قال: ((حدَّثنا أبو هريرة)). وتأوَّل(٦):
حَدَّث (٧) أهلَ المدينةِ، والحسن بها، إلَّا أنه لم يَسمَع مِنه شيئًا .
قال ابنُ الصلاحِ(٨): ومنهم مَن أثبتّ له سَماعًا منه .
(١) في ((م)): ((خصوصًا)).
(٣) ((التبصرة)) (٢٥/٢) .
(٢) في ((ص)): ((الإبهام)).
(٤) ((الكفاية)) (ص: ٤١٣).
(٥) ((المصدر السابق)).
(٦) الأشبه: (يتأول)) كما في ((مقدمة ابن الصلاح))، أو ((تؤول)).
(٧) في ((ص): ((حدیث)) .
(٨) ((علوم الحديث)) (ص: ١٦٦).

٥٩٣
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
قال ابنُ دقيقِ العيدِ (١): وهذا إذا لم يَقُم دَلِيلٌ قَاطعٌ على أنَّ الحسَن لم
يسمع منه لم يَجُز أن يُصَارَ إليه .
قال العراقيُّ (٢): قال أبو زرعةً وأبو حاتم: مَن قال عَنِ الحسَن
البصري: ((حدثنا أبو هريرة)) فَقد(٣) أَخطأ (٤).
قال: والذي عليه العملُ أنَّه لم يَسمع منه، قالَه غيرهما : أيوبُ،
ويهزُ بنُ أَسدٍ ، ويونسُ بنُ عُبيدٍ ، والترمذيُّ ، والنَّسائيُّ ، والخطيبُ ،
وغيرهم .
وقال ابنُ القطَّان: ليست ((حدثنا)» بِنَصِّ في أنَّ قائلها سَمِعَ؛ ففي
((صحيح مُسلم)) في حديثِ الذي يقتله الدَّجَّالُ، فيقولُ: ((أنتَ الدَّجَّالُ
الذي حدَّثنا به رَسولُ اللَّه ◌َيْرِ)).
قال : ومعلومٌ أنَّ ذلك الرجلَ مُتأخّرُ(٥) الميقات. أي: فيكونُ المرادُ
حدَّث أُمته وهو مِنهم، لكن قال مَعمَر : إنَّه الخَضِرُ، فحينئذٍ لا مَانع مِن
سماعه .
قال الخطيبُ (٦): (ثُمَّ) يتلو ((حَدَّثنا)): (((أَخبرَنا))، وهو كثيرٌ في
الاستعمالِ) حتى إنَّ جماعةٌ لا يكادُون يَستعملون فيما سَمِعُوه مِن لفظٍ
الشيخِ غيرها، منهم: حمادُ بنُ سَلمة ، وعبدُ الله بنُ المُبارك، وهُشِيمُ بنُ
(١) ((الاقتراح)) (ص: ٢١٤).
(٢) ((التبصرة)) (٢٦/٢).
(٣) في ((ص)): ((فقط)).
(٤) راجع: كتابي: ((الإرشادات)) (ص٤١٥ - ٤١٦).
(٥) في ((ص)): ((يتأخر)).
(٦) ((الكفاية)) (ص: ٤١٣).

٥٩٤
النوع الرابع والعشرون
بشيرٍ، وعُبيد اللَّه بنُ موسى، وعبدُ الرزّاق، ويزيدُ بنُ هارون، وعمرو
ابنُ عَون، ويحيى بنُ يحيى التميمي، وإسحاق بن راهويه،
وأبو(١) مسعودٍ أحمدُ بن الفراتِ، ومحمدُ بنُ أيوب الرازيان، وغيرُهم.
وقال أحمدُ (٢): ((أخبرنا)) أسهل مِن ((حدَّثنا))، ((حدثنا)) شديدٌ.
قال ابنُ الصلاح(٣): (وكان هذا قبلَ أن يشيعَ تخصيصُ ((أَخبرَنا))
بالقراءة على الشيخ) .
(قال) الخطيبُ (٤): (ثُمَّ) بعد «أخبرنا)): ((أَنْبَأَنَا))، و ((نَّأَنا))، وهو
قليلٌ في الاستعمالِ) .
(قال الشيخُ) ابنُ الصلاح(٥): ((حَذَّثنا)) و((أَخبرَنا)) أرفعُ مِن
((سمعتُ)) من جهةٍ أخرى، إذ ليس في ((سمعتُ)) دلالةٌ على أنَّ الشيخَ
رَوَّاه) - بالتَّشديدِ - (إِيَّهِ) وخاطَبه (٦) به (بخلافِهما) فإنَّ فِيهما دلالةٌ على
ذلك .
وقد سَألَ الخطيبُ (٧) شيخَه الحافظَ أبا بكرِ البرقاني عنِ السرِّ في كونه
يقول لهم فيما رواه عن أبي القاسم الآبندوني: ((سمعتُ))، ولا يقول:
((حدثنا)) ولا ((أخبرنا))، فذكر له أنَّ أبا القاسم كان مع ثقته وصَلاحه عَسِرًا
في الرِّواية، فكان البرقاني يَجلسُ بحيث لا يَراه أبو القاسم ولا يَعلمُ
(١) في ((ص)): ((ابن)).
(٣) ((علوم الحديث)) (ص: ١٦٧).
(٥) ((علوم الحديث)) (ص : ١٦٧).
(٧) ((الكفاية)) (ص: ٤١٦، ٤١٧).
(٢) ((الكفاية)) (ص: ٤٣٦).
(٤) ((الكفاية)) (ص : ٤١٥).
(٦) في ((م)): ((وخاطب)).

٥٩٥
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
بِحُضوره، فَيسمعُ مِنه ما يُحدِّثُ به الشخصَ الداخلَ إليه، فلذلك يقول :
((سمعتُ))، ولا يقول: ((حدثنا)) ولا ((أخبرنا))، لأَنَّ قَصدَه كان الرِّواية
للداخلِ إليه وحده .
قال الزَّركشيُّ: والصحيحُ التَّفصيلُّ، وهو أنَّ ((حدثنا)) أرفع إن حدَّثه
على العُموم، و((سمعتُ)) إن حدَّثه على الخُصوصِ.
وكذا قال القسطلانيُّ في ((المنهج)).
(وأما ((قال لنا فلانٌ))) أو ((قال لي)) (أو ((ذَكَر لنا))) أو ((ذكر لي))
فكـ ((حدثنا))) في أنَّه مُتَّصل (غيرَ أنه لائقٌ بسماع المذاكرةِ، وهو به أشبهُ
مِن حَدَّثنا) .
(وأوضعُ العباراتِ: ((قال))، أو ((ذَكَر))، من غير ((لي)) أو ((لنا))،
وهو) مَع ذلك (أيضًا محمولٌ على السماع إذا عُرِف اللقاءُ) وَسلِمَ مِنَ
التَّدليسِ (على ما تَقَدَّم في نوعِ المعضل) في الكلام على العَنعنةِ (لا سِيَّما
إن عُرِف) مِن حالهِ (أنه لا يقولُ ((قال)» إلا فيما سَمِعه منه) كحجَّاجِ بنِ
محمدٍ الأعور، رَوىُ كُتبَ ابنِ جُرِيجِ عنه بلفظِ «قال ابنُ جُريج» فحمَلها
الناسُ عنه واحتَجُوا بها .
(وخَصَّ الخطيبُ (١) حملَه على السماع به) أَي بِمَن (٢) عُرف مِنه
ذلك، بخلافِ مَن لا يُعرف ذَلك مِنه، فلا يَحملُهُ عَلى السماعِ
(والمعروفُ أنه ليس بشرطٍ).
(١) ((الكفاية)) (ص: ٤١٨).
(٢) في ((ص)): ((ممن)).
:

٥٩٦
النوع الرابع والعشرون
وأفرطَ ابنُ مَندَه(١) فقال: حيثُ قالَ البُخاريُّ: ((قال لنا)) فهو إِجازةٌ ،
وحيث قال: «قالَ فلانٌ» فهو تَدلیسٌ .
وردَّ العُلماءُ عليه ذلك ولم(٢) يَقبلوه .
القِسمُ الثَّانِي : القِرَاءَةُ عَلى الشيخ :
ويُسَمِّيهَا أكثَرُ المُحدِّثِينَ عَرضًا، سَوَاءٌ قَرَأتَ أَو قَرَأْ غَيْرُكَ، وَأَنْتَ
تَسمَعُ مِنْ كِتَابٍ أو حِفظٍ، حَفِظَ الشَّيخُ أم لا. إِذَا أَمسَكَ
أصلَهُ هُوَ أَوْ ثِقَةٌ.
(القسم الثاني) مِن أَقَسام التَّحمُّل : (القراءةُ على الشيخ، ويسميها
أكثرُ المحدثينَ: عَرضًا) مِن حيثُ إنَّ القارئ يَعرضُ عَلى الشيخِ ما يَقرؤه
كما يعرضُ القرآن على المُقرئ .
لكن قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ حَجرٍ في ((شرحِ البخاريِّ))(٣): بين القِراءةِ
والعَرضِ عُمومٌ وخُصوصٌ؛ لأنَّ الطالبَ إذا قرأ كان أعمَّ مِنَ العَرضِ
وغيرِه، ولا يقعُ العَرضُ إلَّ بِالقراءةِ ؛ لأنَّ العَرضَ عبارةٌ عمّا يعارض به
الطالبُ أصلَ شيخِه معه، أو مَع غيرِهِ بِحَضرته، فهو أخصُّ مِنَ القراءة .
انتھی .
(١) ((النكت)) للزركشي (٤٧٩/٣).
(٣) ((فتح الباري)) (١٤٩/١).
(٢) في ((ص)): ((فلم)).

٥٩٧
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
(سواءٌ قرأتَ) عليه بنفسك (أو قَرَأْ غيرُك) عليه (وأنتَ تَسمعُ) وسواءٌ
كانت القراءةُ منك، أو مِن غيرك (مِن كتابٍ أو حفظٍ) وسواءٌ في الصُّور
الأَربعِ (حَفِظ الشيخُ) ما قُرئ عليه (أم لا، إذا أَمسك أصلَه هو أو ثقةٌ)
غيرُه، كما سيأتي .
قال العراقيُّ (١): وهكذا إن كان ثقة مِن السامعين يَحفظُ ما قُرئ،
وهو مُستمِعٌ غيرُ غَافلِ، فذلكَ كافٍ أيضًا .
١٠٠-
قال: ولَم يذكرِ ابنُ الصلاح هذه المسألةَ، والحُكمُ فيها مُتَّجِةٌ،
ولا فَرِقَ بَيْنَ إمساكِ الثقةِ لأصلِ الشيخِ، وبَينَ حِفظِ الثقةِ لِمَا يقرأ، وقد
رأيتُ غيرَ واحدٍ مِن أهلِ الحديثِ وغَيرِهم اكتفَى بذلك . انتهى.
وقال شيخُ الإسلامِ: يَنبغي ترجيحُ الإمساكِ في الصُّوَرِ كلِّها على
الحِفظِ ؛ لأنَّه خَوَّانٌ .
وشرطَ الإمامُ أحمد في القارئ: أن يكون ممن يَعرِفُ وَيفهمُ .
وشرَط إمامُ الحرمين في الشيخ: أن يكونَ بِحيثُ لو فرض مِن القارئ
تَحريفٌ أو تصحيفٌ لردّه، وإلَّا فلا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ بها .
وَهِيَ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ بِلاَ خِلاَفٍ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إِلَّ مَا حُكِيَ عَن
بَعضٍ من لا يُعتَدُّ بِهِ.
(١) ((التبصرة)) (٣٠/٢).
. ... .. .......
------
........
.......

٥٩٨
النوع الرابع والعشرون
(وهي) أي الروايةُ بالقراءةِ بِشَرطها (روايةٌ صحيحةٌ بلا خلافٍ في
جميعٍ ذلك ، إلا ما حُكِيَ عن بعضٍ مَن لا يُعتدُّ به) إن ثَبَتَ عنه، وهو أبو
عاصم النبيل ، رواه الرامهرمزي (١) عنه .
وروى الخطيبُ (٢) عَن وكيع قال: ما أَخذتُ حديثًا قَطْ عَرضًا .
وعن محمدِ بنِ سلام (٣): أنَّه أدرك مَالِكًا والناسُ يقرءون عليه، فَلَم
يَسمع منه لِذلك، وكذلك عبد الرحمن بن سلام الجمحي لم يكتفِ (٤)
بذلك، فقال مالكٌ : أَخْرِجوه عَنِّي .
وممَّن قال بِصِحَّتِها مِن الصَّحابةِ - فيما رواه البيهقيُّ (٥) في
((المدخل)) - : أَنْسٌ، وابنُ عباسٍ، وأبو هريرة .
ومِن التابعين : ابنُ المسيبِ، وأبو سلمة، والقاسمُ بنُ محمدٍ ،
وسالم بن عبدِ اللَّه، وخارجةُ بنُ زيدٍ ، وسليمان بنُ يَسارٍ ، وابنُ هُرمز ،
وعطاءٌ، ونافعٌ، وعُروةُ، والشَّعبيُّ، والزُّهريُّ، ومَكحولٌ، والحَسنُ،
ومَنصورٌ، وأيوبُ .
ومِن الأئمةِ : ابنُ جُريج، والثوريُّ، وابنُ أبي ذئب، وشُعبةُ،
والأئمةُ الأربعة ، وابنُ مهديٍّ ، وشريكٌ، والليثُ ، وأبو عُبيدٍ ،
والبُخاريُّ، في خَلقٍ لا يُحصون كثرةً .
(١) ((المحدث الفاصل)) (ص: ٤٢٠).
(٣) ((الكفاية)) (ص: ٣٩٦).
(٥) و ((معرفة السنن والآثار)) (٩٦/١).
(٢) ((الكفاية)) (ص: ٣٩٥).
(٤) (في ((ص)): ((یکتب)) .
٠٠٠
--- ----
٠١٠٠٠ .......

٥٩٩
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
وروي الخطيبُ (١) عن إبراهيمَ بنِ سَعدٍ (٢) أنه قال: لا تدعون
تَنَطُّعَكُمْ يَا أَهلَ العراق ! العرضُ مِثْلُ السَّماءِ .
واستدلَّ الحُميديُّ ثُم البخاريُّ (٣) على ذلك بحديث ضمام بنِ ثَعلبةً
لمَّا أتى النبيَّ وَِّ فقالَ له: إنِّي سَائِلُك فمشدِّدٌ عليكَ. ثُم قالَ: أَسألُكَ
بربِّكَ وربِّ مَن قَبَلَكَ، آللَّه أَرسَلَكَ - الحديث في سُؤاله عن شرائعٍ
الدِّين -، فلمَّا فَرِغ قال: آمنتُ بما جئتَ به، وأنا رَسولُ مَن وَرَائي .
فلمَّا رجَع إلى قومِه اجتمعوا إليه فأَبلغهم فأجَازُوه، أي قَبِلُوه مِنه
وأَسلموا .
وأسندَ البيهقيُّ في ((المدخلِ)) (٤) عن البُخاريِّ قال: قال أبو سعيدٍ
الحداد: عِندي خَبرٌ عنِ النبيِّ وََّ في القِراءةِ على العالم. فقيلَ له . قال:
قصةُ ضِمام، آللَّه أمرَك بهذا؟ قال: ((نعم)) .
وَاخْتَلَفُوا فِي مُسَاوَاتِهَا لِلسَّمَاعِ مِن لَفظِ الشَّيخِ، وَرُجْحَانِهِ
عَلَيْهَا وَرُجْحَانِهَا عَلَيهِ: فَحُكِي الْأَوَّلُ عَنِ مالِكٍ وَأصحابِهِ
وَأُشيَاخِهِ، وَمُعظَم ◌ُلَمَاءِ الحِجَازِ وَالكُوفَةِ، وَالبُخَارِيِّ،
وَغیرِهِم .
(١) ((الكفاية)) (ص: ٣٨٨).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٢٤/١).
(٢) في ((م)): ((شعبة)).
(٤) و((معرفة السنن والآثار)) (٩٦/١).
.....
:
:
:

٦٠٠
النوع الرابع والعشرون
وَالثَّانِي: عَنْ جُهُورِ أَهلِ الشَّرِقِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَالثَّالثُ: عَن أبِي حَنِيفَةَ وَابنِ أبِي ذِئْبٍ وَغَيرِهِمَا، وَرِوَايَةٌ عَن
مالِكِ .
(واختلفوا في مساواتِها للسماعِ مِن لفظِ الشيخ) في المرتبةِ (ورجحانِه
عليها ورجحانِها عليه) على ثلاثةِ مَذاهب .
(فَحُكِيَ الأول) وهو المساواةُ (عن مالكِ وأصحابِهِ وأشياخِه) مِن
عُلماء المَدينةِ (ومعظم علماءِ الحجازِ والكوفةِ، والبخاريّ وغيرِهم).
وحكَاه الرَّامهرمزي (١) عن عليّ بنِ أبي طالبٍ وابنِ عباسٍ، ثُمَّ
روى عن عليّ بن أبي طالبٍ قال : القراءة على العالم بمنزلة السماع
مِنه(٢).
وعنِ ابنِ عباسٍ (٣) قال: اقرَءوا عَلَيَّ؛ فإنَّ قِرَاءَتَكُم عَليَّ كَقِرَاءَتي
عَلَيْكُم (٤). ورواه البيهقيُّ في ((المدخل)).
وحكّاه أبو بكرِ الصيرفي عَنِ الشافعيِّ .
(١) ((المحدث الفاصل)) (ص: ٤٢٨، ٤٢٩).
(٢) ولا يصح عن عليٍّ ◌َلَهُ.
راجع: ((شرح العلل)) لابن رجب (٢٣٧/١).
(٣) ((المحدث الفاصل)) (ص: ٤٢٩)، و((الكفاية)) (ص: ٣٨٥).
(٤) وهذا أيضًا لا يصح.
راجع: ((شرح العلل)) لابن رجب (٢٣٣/١ .٢٣٧).

٦٠١
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
قُلتُ : وعِندي أنَّ هؤلاءِ إنما ذكروا المساواةَ في صِحَّةِ الأخذِ بها ردًّا
عَلى مَن كانِ أَنكرها، لا في اتحادِ المرتبةِ .
أسندَ الخطيبُ في ((الكفايةِ)) (١) مِن طريقِ ابنِ وهبٍ قال: سمعتُ
مالكًا وسُئل عن الكُتبِ التي تُعرَضُ عليه، أيقولُ الرجلُ: حدَّثني؟ قال :
نعَم ، كذلك القرآن، أليس الرجلُ يَقرأُ على الرَّجلِ فيقول: أَقْرِأَني فلانٌ .
وأسندَ الحاكمُ في ((علوم الحديث)) (٢) عن مُطرفٍ قال: سمعتُ مالكًا
يَأْبَى أشدَّ الإباءِ على مَن يقولُ: لا يُجزئه إلا السماعُ مِن لفظِ الشيخِ.
ويَقولُ: كَيفَ لا يُجزئك هذا في الحديثِ ويُجزئك في القرآنِ، والقرآنُ
أَعظمُ .
(و) حُكِي (الثاني) وهو ترجيحُ السماعِ عَليها (عن جمهورِ أهلِ
الشرقِ وهو الصحيح) .
(و) حُكي (الثالثُ) وهُو تَرجيحُها عليه (عن أبي حنيفةَ وابنٍ أبي ذئبٍ
وغيرِهما، و) هو (رواية عن مالكٍ) حكَاها عنه الدَّار قطنيُّ وابنُ فَارسٍ
والخطيبُ .
وحكاه أيضًا عن الليثِ بنِ سعدٍ، وشُعبة، وابن لَهيعة ، ويَحيى بنِ
سَعيدٍ ، ويَحيى بنِ عبدِ الله بن بكيرٍ ، والعباسِ بنِ الوليدِ بنِ مَزْيَد، وأبي
الوليدِ ، وموسى بنِ داودَ الضبيِّ، وأبي عُبيدٍ، وأبي حاتمٍ .
٠٠ ... ............
وحكَاه ابنُ فَارسٍ عنِ ابنِ جُريجٍ والحسنِ بنِ عمَارةَ .
(١) ((الكفاية)) (ص : ٤٤٢).
(٢) (ص : ٢٥٩).
:
...........
....
٠٠٠
----------

٦٠٢
النوع الرابع والعشرون
وروى البيهقيُّ في ((المدخل)) عَن مكي بنِ إبراهيمَ، قال: كان ابنُ
جُرِيج، وعُثمانُ بن الأَسود، وحَنظلةُ بنُ أبي سُفيان، وطلحةُ بنُ عَمرو،
ومَالكٌ، ومحمدُ بنُ إسحاق، وسُفيانُ الثوريُّ، وأبو حنيفة ، وهِشاٌ،
وابنُ أبي ذِئبٍ، وسعيدُ بن أبي عروبة، والمثنى بنُ الصباح، يقولون :
قراءتُك على العالم خيرٌ مِن قراءةِ العَالِمِ عليكَ، واعتلُّوا بأن الشيخَ لو
غَلطَ لم يتهيأ لِلطَّالَبِ الرَدُّ عَليهِ .
وعن أبي عُبيدٍ : القراءةُ عليَّ أَثبتُ مِن أن أَتَوَلَّى القراءةَ أنا .
وقال صاحبُ ((البديع)) - بعد اختيارهِ التسويةَ - : مَحلُّ الخلافِ ما إذا
قَرأ الشيخُ من كِتابه؛ لأنه قَد يَسهو، فلا فَرِقَ بينه وبين القراءة عليه، أمّا
إذا قرأ الشيخُ مِن حِفظهِ، فهو أَعلى بالاتفاقِ .
واختار شيخُ الإسلام أنَّ محلّ ترجيح السماع ما إذا استوى الشيخُ
والطالبُ ، أو كان الطالبُ أَعلمَ ؛ لأنَّه أوعَى لَمَا يَسمعُ ، فإن كان مفَضولًا
فقراءتهُ أَولى؛ لأنَّها أَضبطُ له .
قال: ولهذا كان السَّماعُ مِن لفظه في الإملاء أرفعَ الدرجاتِ ؛ لِمَا
يلزمُ مِنْه مِن تحريرِ الشيخِ والطالبٍ، وصرَّح كثيرون بأنَّ القراءةَ بنفسه
أَعلى مرتبةً مِن السماعِ بقراءةٍ غيرِه .
وقال الزَّركشيُّ: القارئ والمستمِعُ سواءٌ.
وَالْحوَطُ فِي الرِّوَايَةِ بِهَا: ((قَرَأْتُ عَلَىْ فُلاَنٍ)) أَو ((قُرئ عَلَيهِ وَأَنَا
..............................

٦٠٣
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
أسمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ))، ثُمَّ عِبَارَاتُ السَّمَاعِ مُقَيَّدَةً: كـ ((حَدَّثَنَا)) أَو
((أَخْبَرَنَا قِرَاءَةٌ عَلَيهِ))، وَ ((أَنْشَدَنَا - في الشِّعرِ - قِراءَة عَلَيهِ)).
وَمَنَعَ إِطلاقَ ((حَدَّثَنَا)) و((أَخْبَرَنَا)) ابنُ المُبَارَكِ، وَيَجِيئُ بنُ
يَجِيى التَّمِيمِيُّ، وَأحَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُم.
وَجَوَّزَهَا طَائِفَةٌ، قِيلَ: إِنَّه مَذْهَبُ الزُّهرِيِّ، وَمَالِكِ، وَابنِ
عُيِينَةَ، وَيُحْيَى القَطَّانِ، وَالبُخَارِيِّ، وَجَمَاعَاتٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ،
وَمُعظَمِ الحِجَازِيِّينَ وَالكُوفِيِّينَ.
وَمِنْهُم مَن أجَازَ فِيهَا ((سَمِعتُ))، وَمَنَعَتِ طَائِفَةُ ((حَدَّثَنَا))
وَأجازت ((أَخْبَرَنَا)) وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصحَابِهِ، وَمُسلِمٍ بِنِ
الْحَجَّاجِ، وَجُهُورِ أهلِ الشَّرِقِ. وَقيلَ: إِنَّهُ مَذْهَبُ أَكْثَرِ
المُحَدِّثِينَ، وَرُوِيَ عَن ابنِ جُرَيجَ وَالْأَوزَاعِيِّ وَابْنِ وَهبٍ، وَرُوِيَ
عَنِ النَّسَائِيِّ أيضًا، وَصَارَ هُوَ الشَّائِعَ الغَالِبَ عَلَى أَهلِ
الحَدِيثِ.
(والأحوطُ) الأجودُ (في الروايةِ بها) أن يقول: (((قرأتُ على فلانٍ)))
إن قرأ بنفسهِ ( أو ((قُرِئَ عليه وأنا أسمعُ فَأَقَرَّ به))، ثم) يلي ذلك (عباراتُ
السماعِ مقيدةً) بالقراءةِ لا مُطلقةً (كـ«حَدَّثنا) بِقِراءَتِي، أو قراءةً عليه وأنا
أسمع)) (أو ((أَخبرَنا) بقراءتي، أو (قراءةً عليه) وأنا أسمع))، أو ((أَنْبأنا))،
أو ((نَبَّأنا))، أو ((قال لنا)) كذلك (و((أَنشَدَنا - في الشِّعرِ - قراءةً عليه))).
٠٠٠٠٫٠,

٦٠٤
النوع الرابع والعشرون
(ومَنَع إطلاقَ ((حَدَّثْنا)) و((أَخبَرنا))) هنا عبدُ اللَّه (ابنُ المباركِ،
ويحيى بن يحيى التميميُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، والنسائيُّ، وغيرُهم).
قال الخطيبُ (١): وهو مذهبُ خَلق كثيرٍ مِن أصحابِ الحديثِ .
(وَجوَّزَها طائفةٌ، قيل: إنه مذهبُ الزهريِّ، ومالك) بن أنسٍ (و)
سفيان (أبنِ عيينةَ، ويحيى) بن سعيدِ (القطانِ، والبخاريِّ، وجماعاتٍ
مِن المحدثينَ، ومعظم الحجازبينَ ، والكوفيينَ) كالثوريُّ، وأبي حنيفة ،
وصاحبيه، والنضرِ بنِ شُميلٍ، ويزيدَ بنِ هارون، وأبي عاصم النبيل ،
ووهبٍ بن جريرٍ ، وثعلب، والطحاويّ، وألّف فيه جُزءًا، وأبي نُعيم
الأصبهاني، وحكاه عياضٌ عن الأكثرين، وهو رواية عن أحمد .
(ومنهم مَن أجاز فيها ((سمعتُ))) أيضًا، ورُوِي عن مالك والسفيانين .
والصحيح : لا يجوز.
وممن صحَّحه : أحمدُ بنُ صالح ، والقاضي أبو بكرٍ الباقلاني ،
وغيرُهما .
ويَقعُ في عبارةِ السلفيِّ في كتابه ((التسميع)): ((سمعتُ بقراءتي))،
وهو إمَّا تسامحٌ في الكتابةِ لا يُستعمل في الروايةِ، أو رأيٌ يَفصل بين
التقييدِ والإطلاقِ .
(ومَنَعَت طائفةٌ) إطلاقَ (((حَدَّثنا))، وأجازت) إطلاقَ ((أَخبرَنا))،
(١) ((الكفاية)) (ص: ٤٢٨).

٦٠٥
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
وهو مذهبُ الشافعيّ وأصحابِهِ ، ومسلم بنِ الحجاج ، وجمهورِ أهلِ
الشرقِ(١)، وقيل: إنه مذهبُ أكثرِ المحدثينَ) عَزَاه لهم محمدُ بنُ الحسَن
التميميُّ الجوهريُّ في كتاب ((الإنصاف))، قال: فإنَّ ((أخبرنا)) عَلَمٌ يقومُ
مقامَ قائِلِهِ ((أنا قرأتُه عليه))، لا أنه لَفَظَ به لي .
(وَرُوِيَ عن ابنِ جريجِ والأوزاعيِّ، وابنِ وهبٍ) قال ابنُ الصلاح (٢):
وقيلَ : إِنَّه أوَّل مَن أَحدَثْ الفَرقَ بين اللفظين بِمصر. وهذا يَدفعُه النقلُ
عنِ ابنِ ◌ُريجٍ والأوزاعيِّ، إلّا أن يعني أنَّ أَوَّلُ مَن فَعل ذلك بمصر .
(وَرُوِيَ عن النسائيّ أيضًا) حكَاه الجوهريُّ المذكورُ .
وقال ابنُ الصلاح (٣) (وصار) الفرقُ بَينهما (هو الشائعَ الغالبَ على
أهلِ الحديثِ) وهو اصطلاحٌ منهم، أرادوا به التمييزَ بين النوعين .
والاحتجاجُ له مِن حيثُ اللغة فيه عناءٌ وتكلُّفٌ .
قال: ومِن أحسنٍ ما يحكى عمَّن ذهَب هذا المذهبَ ما حكاه البرقاني
عن أبي حاتم محمدِ بنِ يعقوبَ الهرويِّ(٤)، أحدٍ رُؤساءِ الحديثِ
بخُراسان، أنَّهَ قرأ على بعضٍ الشيوخ عن الفَرَبريِّ ((صحيح البخاريِّ))
وكان يقولُ له في كلِّ حديثٍ: ((حدَّثكم الفَرَبريُّ))، فلمَّا فَرَغْ الكتاب
سمعَ الشيخَ يذكرُ أنه إنما سمعَ الكتابَ مِنَ الفَربريِّ قراءةً عليه، فأعاد
قراءةَ الكِتابِ كلِّه، وقال له في جميعِه: ((أخبرَكم الفَربريُّ))(٥) .
(١) في ((ص)): ((المشرق)).
(٣) ((علوم الحديث)) (ص: ١٧٠).
(٥) رواه الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ٤٣٦).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص: ١٦٩).
(٤) في ((ص)): «المروزي )) .
..
............ .
.....
.. .....
٠.٠٠٠٠-٠٥.
------
..........

٦٠٦
النوع الرابع والعشرون
قال العراقي(١): وكأنه كان يَرى إعادةَ السَّندِ في كلِّ حديثٍ ، وهو
تشديدٌ، والصحيح أنَّه لا يَحتاج إليه كما سيأتي .
● فائـدة:
قول الراوي: ((أخبرنا سَماعًا، أو قِراءةً)) هو مِن باب قولهم: أَتِيتُه
سَعيًا، وكلَّمتُه مُشافهةً . وللنّحاة فيه مَذاهبٌ :
أحدُها - وهو رَأي سيبويه - : أنَّها مصادرُ وقعت موقعَ فاعلِ حالًا ،
كما وقع المصدرُ موقعه نَعتًا في ((زيد عدل))، وأنه لا يُستعمل منها إلا ما
سُمع، ولا يُقاس .
فعلى هذا استعمالُ الصيغةِ (٢) المذكورةِ في الروايةِ ممنوعٌ، لعدم نُطق
العرب بذلك .
الثاني - وهو للمبرد -: أنَّها ليست أحوالًا، بل مفعولاتٌ لفعلٍ
مُضمَّرٍ مِن لَفظها، وذلك المُضمَرُ هو الحالُ، وأنَّه يُقاس في كلِّ ما دلَّ
عليه الفعلُ المُتقدِّمُ .
وعلى هذا تتخرَّج الصيغةُ(٣) المذكورةُ، بَل كلامُ أبي حيان في
((تَذْكرته)) يقتضي أن ((أخبرنا سَماعًا)) مسموع، و((أخبرنا قِراءةً)) لم يسمع
وأنَّه يُقاس على الأولِ على هذا القولِ .
الثالثُ - وهو للزجَّاج -: قال بقول سيبويه فلا يُضمِرُ(٤) لكنَّه يقيس .
(١) ((التبصرة)) (٣٦/٢، ٣٧).
(٣) في ((م)): ((الصفة)).
(٢) في ((م)): ((الصفة)).
(٤) في ((ص)): ((يضمن)).

٦٠٧
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
الرابعُ - وهو للسيرافي -: قال: هو مِن بابِ ((جلستُ قُعودًا(١))،
منصوبٌ (٢) بالظاهرِ مصدرًا معنويًّا .
فروع :
الأول: إِذَا كَانَ أَصلُ الشَّيخ حَالَ القِرَاءَةِ بِيَدِ مَوثُوقٍ بِهِ، مُرَاعِ
◌ِمَا يَقْرَأُ، أَهْلٍ لَهُ، فَإِن حَفِظَ الشّيخُ مَا يُقرَأُ فَهُوَ كَإِمِسَاكِهِ أَصِلَهُ
وَأَوَلَى، وَإِن لَم يَحِفَظ، فَقِيلَ: لاَ يَصِحُ السَّمَاعُ، وَالصَّحِيحُ
المُختَارُ الَّذِي عَلَيهِ العَمَلُ: أَنَّهُ صَحِيحٌ، فَإِن كَانَ بِيدِ القَارئِ
المَوْثُوقِ بِدِينِهِ وَمَعرِفَتِهِ فَأَوَلَى بِالتَّصحِيحِ، وَمَتَى كَانَ الأصلُ
بِيَّدٍ غَيرٍ مَوْثُوقٍ بِهِ لَ يَصِحَّ السَّمَاعُ إِن لَم يَحِفَظهُ الشَّيخُ.
(فروعٌ: الأولُ: إذا كان أصلُ الشيخ حالَ القراءةِ) عليه (بِيَدِ)
شخصٍ (موثوقٍ به) عند(٣) الشيخ (مراع لما يقرأ، أهل له، فإن حَفِظ
الشيخُ ما يُقرأْ) عليه (فهو كإمساكِه أصلَّه) بيدِه (وأولى) لتعاضدِ ذِهنَيْ
شخصین علیه .
(وإن لم يَحفظ) الشيخُ ما يُقرأ عليه (فقيل: لا يصحُ السماعُ) حكَاه
القاضي عياضٌ (٤) عن الباقلانيّ وإمامِ الحرمينِ .
(١) في ((ص)): ((حملت مقودًا)) كذا رسمت.
(٢) في (م)): ((منصوبًا)) .
(٤) («الإلماع)) (ص : ٧٥، ٧٦).
(٣) في ((ص)): ((غير)).

٦٠٨
النوع الرابع والعشرون
(والصحيحُ المختارُ الذي عليه العملُ) بَين الشيوخ وأهلِ الحديثِ
كافَّةً (أنه صحيح) .
قال السلفيُّ : على هذا عَهِدْنا عُلماءَنا عَن آخرِهم .
(فإن كان) أصلُ الشيخ (بيد القارئ الموثوق بدینه ومعرفته) يقرأ فيه ،
والشيخُ لا يحفظُه (فأولى بالتصحيح) خِلافًا لبعضِ أهلِ التشديدِ .
(ومتى كان الأصلُ بِيَدِ غيرِ موثوقٍ به) القارئ أو غيره، ولا يُؤْمَنُ
إهمالهُ (لم يَصحَّ السماعُ إن لم يحفظه الشيخُ).
الثَّانِ: إِذَا قَرَأَ عَلَى الشَّيخِ قَائِلًا: ((أَخبرَكَ فُلاَنٌ)) أَو نَحْوَهُ،
وَالشَّيخُ مُصِغٍ إِلَيهِ، فَاهِمْ لَهُ، غَيْرُ مُنكِرٍ - صَحَّ السَّمّاعُ،
وَجَازَتِ الرَّوَايَةُ بِهِ، وَلاَ يُشتَرَطِ نُطْقُ الشَّيخِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي
قَطَعَ بِهِ جَاهِيرُ أصحَابِ القُنُونِ، وَشَرَطَ بَعضُ الشَّافِعِيِّينَ
وَالظَّاهِرِتِّينَ نُطِقَهُ، وَقالَ ابنُ الصَّبَّاغِ الشَّافِعِيُّ: لَيسَ لَهُ أَنْ
يَقُولَ: «حَدَّثَنِي)) وَلَهُ أَن يَعملَ بِهِ، وَأن يَروِيَهُ قَائِلاً: ((قُرئ
عَلَيهِ وَهُوَ يَسمَعُ)) .
٤
(الثاني: إذا قرأْ عَلى الشيخ قائلًا: ((أَخبرَك فلانٌ)) أو نحوه)
كَ ((قُلتَ: أخبرنا فلانٌ)) (والشيخُ مُصغ إليه فاهمٌ له غيرُ منكِرٍ) ولا مُقِرٌّ
لفظًا (صَحَّ السماعُ، وجازت الروايةُ به) اكتفاءً بالقرائنِ الظاهرةِ .
(ولا يُشترطُ نطقُ الشيخ) بالإقرارِ كقوله: ((نَعَم)) (على الصحيح

٦٠٩
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
الذي قَطَع به جماهيرُ أصحابِ الفنونِ ) الحديثِ والفقهِ والأُصولِ .
(وشَرَط بعضُ الشافعيينَ) كالشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وابنٍ
الصبَّاغِ، وسليم الرازي (و) بعض (الظاهريينَ) المقلدين لداود الظاهري
(نطقَه) به .
(وقال ابنُ الصباغ الشافعيُّ) - مِن المُشترطِين - : (ليس له) إذا رَواه
عنه (أن يقولَ: ((حَدَّثني))) ولا ((أخبرني)) (وله أن يعمل به) أي بما قُرئ
عَليه (وأن يرويَه قائلًا) ((قَرأْتُ عليه، أو (قُرِئ عليه وهو يسمعُ))).
وصحَّحه الغَزاليُّ، والآمديُّ، وحكَاه عن المُتكلِّمين، وحكى تجويزَ
ذلك عنِ الفقهاءِ والمُحدِّثين، وحكَاه الحاكمُ (١) عن الأئمةِ الأربعةِ،
وصحَّحه ابنُ الحاجبِ .
وقال الزَّركشيُّ: يُشترط أن يكونَ سُكوتُه لا عَن غَفلةٍ أو إِكراهٍ .
وفيه نظرٌ .
ولو أشار الشيخُ برأسه أو أصبعه للإقرارِ ولم يَتَلَّفَّظ، فَجَزَم في
((المحصول)) بأنه لا يقول: ((حدَّثني)) ولا ((أخبرني)).
قال العراقي(٢): وفيه نظرٌ .
(١) (معرفة علوم الحديث)) (ص: ٢٥٩). ولكنه حكاه عن أبي حنيفة والشافعي وأحمد
رحمهم الله، ولم يذكر مالكًا تَخْذَفُهُ؛ بل حكى عنه عكسه، وذكر في ذلك أدلة عدة .
(٢) ((التبصرة)) (٣٩/٢).