النص المفهرس

صفحات 621-640

٥٥٠
النوع الثالث والعشرون
ابنُ عبد العزيز بن أبي رَوادٍ ، [خ م]: عثمانُ بنُ غياثِ البصريُّ، خ: عُمرُ
ابنُ ذَرِّ، [خ م]: عَمرو بنُ مُرَّة، [خ م]: محمدُ بنُ خازم أبو معاويةً
الضريرُ، [خ م]: ورقاءُ بنُ عُمَرَ اليَشكريُّ، [خ م]: يحيى بنُ صالحٍ
الوحاظيُّ، م: يونسُ بنُ بكيرٍ .
هؤلاء رُموا بالإرجاءِ، وهو تأخيرُ القولِ في الحُكم على مُرتكِب
الكبائرِ بالنارِ .
[خ م] : إسحاقُ بنُ سُويدِ العدويُّ،[خ م]: بهزُ بنُ أَسدٍ ،خ: حریزُ
ابنُ عُثمانَ، [خ]: حُصينُ بنُ نُميرِ الواسطيُّ، م: خالدُ بنُ سَلمة
الفأفأ، [خ]: عبدُ اللَّه بنُ سالم الأشعريُّ، [خ م]: قيسُ بن أبي حازم .
هؤلاء رُموا بالنَّصبِ، وهو بُغضُ عَلِيٍّ 283َّ وتقديم غيره عليه .
خ: إسماعيلُ بنُ أَبان، خ م: إسماعيلُ بنُ زكريا الخلقانيُّ،
[خ م]: جَرِيرُ ابنُ عبدِ الحميد، م: أَبانُ بن تغلبَ الكوفيُّ، [خ م] : خالدُ
ابنُ مَخلدِ القطوانيُّ ، [خ م]: سعيدُ بن فَيروز أبو البختري، [خ م]: سَعيدُ
ابنُ عَمرو بن أشوعَ، [خ م]: سعيدُ بنُ [كَثير بنٍ] (١) عفير، [خ م]: عَبَّادُ
ابنُ العَوَّام ، [خ]: عبادُ بنُ يَعقوب، [خ م]: عبدُ اللَّه بن عيسى بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، [خ م]: عبدُ الرزّاق بنُ همام، [خ م]:
عبدُ الملك بنُ أَعين، [خ م] : عُبِيدُ اللَّه بن مُوسى العبسي، [خ م]: عَديُّ
(١) سقط من ((ص)) و((م).

٥٥١
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
ابنُ ثابتِ الأنصاريُّ، [خ]: عليُّ بنُ الجَعدِ ، م : عليُّ بن هاشم بنِ البريدِ،
[خ م]: الفضلُ بنُ دُكينٍ ، م: فُضيلُ بن مَرزوقٍ الكوفيُّ، خ م(١) : فطِرُ بنُ
خليفةَ، خ م: محمدُ بنُ جُحادة الكوفيُّ،[خ م]: محمدُ بنُ فُضيلٍ بنِ
غَزوان، [خ م]: مالكُ بنُ إسماعيلَ أبو غسَّان، م: يحيى بنُ الجَزار .
هؤلاء رُموا بالتَّشيُّع، وهو تقديمُ عليٍّ على الصحابة .
خ م: ثورُ بنُ زيدِ المدنيُّ،[خ]: ثورُ بنُ یزیدَ الحمصيُّ، [خ م]:
حَسَّانُ بنُ عَطية المحاربيُّ، [خ]: الحَسَنُ بن ذَكوان، [خ م] : داودُ بنُ
الحصين، [خ م]: زكريا بن إسحاق، [خ]: سالمُ بنُ عجلان، [خ م] :
سلامُ ابنُ مِسكينٍ،خ م: سيفُ بنُ سليمانَ المكي ، [خ]: شِبلُ بنُ عَبادٍ ،
[خ م]: شريكُ بنُ أبي نمر، خ م: صالحُ بنُ كَيسان، [خ م]: عبدُ الله بنُ
عَمرو أبو معمر، خ م: عبدُ اللَّه بنُ أبي لَبيدٍ، خ م: عبدُ اللَّه بن
أبي نجيح، [خ م]: عبدُ الأعلى بنُ عبدِ الأعلى، م: عبدُ الرحمن بنُ
إسحاق المدنيُّ، [خ م]: عبدُ الوارث بنُ سعيدِ التّنُّوريُّ، خ م: عطاءُ بن
أبي مَيمونة ، م: العلاءُ بنُ الحارثِ، خ م: عمر (٢) بنُ أَبِي زَائدةَ،
[خ م]: عِمران بن مُسلم القصيرُ، [خ م]: عُميرُ بنُ هانئ، خ م: عَوفٌ
الأعرابيُّ، [خ]: كَهمسُ بنُ المِنهالِ، [خ م]: محمدُ بنُ سواءٍ
البصريُّ ، خ م: هارونُ بن مُوسى الأعورُ النحويُّ، [خ م]: هشامٌ
الدستوائيُّ، [خ م]: وَهبُ بنُ منبه، خ م: يحيى بنُ حَمزة الحضرميُّ .
(١) كذا؛ ولم يخرج له مسلم .
(٢) في ((ص)): ((أبو معاوية)).

٥٥٢
النوع الثالث والعشرون
هؤلاء رُمُوا بِالقَدَرِ ، وهو زَعمُ أنَّ الشَّرَّ مِن خَلقِ العَبدِ .
[خ م]: بِشرُ بنُ السري، رُمي بَرأي جَهم، وهو نَفيُ صِفَاتِ اللَّهِ
تعالى، والقولُ بِخَلقِ القُرآنِ .
[خ م]: عِكرمةُ مَولى ابنِ عَباسٍ ، [خ م]: الوليدُ بنُ كَثَيرِ .
هؤلاءِ إِياضيّة، وهُمُ الخَوارَجُ الذين أَنكروا على عليِّ التَّحكيمَ،
وتبرءوا منه ومِن عُثمانَ وذَوِيه، وقَاتَلوهم .
[خ]: عليّ بنُ أبي هاشم، رُمِي بالوَقفِ، وهو أن لا يقولَ: القرآنُ
مَخلوقٌ ولا غير مخلوقٍ .
[خ]: عِمرانُ بنُ حطان، مِن القعديةِ (١) الذين يَرَونَ الخُروجَ عَلى
الأئمة ، ولا يباشرون ذلك .
فهؤلاء المبتدعةُ ممَّن أَخرَجَ لهم الشيخان أو أَحدُهما .
الثَّامِنَةُ: تُقبَلُ رِوَايَةُ الَّائِبِ مِنَ الفِسقِ إِلَّ الكَذِبَ فِي حَديثٍ
رَسُولِ اللَّهِ وَجَ فَلاَ تُقبَلُ أَبَدًا وَإِن حَسُنَتَ طَرِيقَتُهُ، كَذَا قَالَ
أحمَد بنُ حَنبَل وَالْحُمَيدِيُّ شَيخُ البُخَارِيِّ وَالصَّيرِّفُّ الشَّافِعِيُّ،
قَالَ الصَّيرَفِيُّ: كُلُّ من أسقَطْنَا خَرَهُ بِكَذِبٍ لَمَ نَعُد لِقَبُولِهِ
بِتَوبَةٍ، وَمَن ضَعَّفْنَاهُ لَمَ نُقَوِّهِ بَعدَهُ بِخِلاَفِ الشَّهَادَةِ .
(١) في ((ص))، و((م)): ((العقدية))؛ خطأ .
....

٥٥٣
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
وَقَالَ السَّمعَانِيَّ: مَن كَذَبَ فِي خَبِرٍ وَاحِدٍ وَجَبَ إِسِقَاطُ مَا تَقَدَّمَ
مِن حَدِيثِهِ .
قُلتُ: هَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِقَاعِدَةِ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَب غَيرِنا،
وَلاَ يَقوىُ الفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ.
(الثامنةُ : تُقبلُ روايةُ التائبِ مِن الفسقِ) ومِنه الكذب في غيرِ الحديثِ
النبويِّ، كشهادتِهِ؛ للآياتِ والأحاديثِ الدالَّةِ عَلى ذلك(١) (إلَّا الكذبَ
(١) قال الشيخ المعلمي اليماني في ((التنكيل)) (٣٤/١ - ٣٥)، مبينًا أن هذا ليس على
إطلاقه، وإنما هو خاص بما لا تعلق له بالدين قال :
((فأما الكذب في رواية ما يتعلق بالدين ولو غير الحديث النبوي ، فلا خفاء في سقوط
صاحبه؛ فإن الكذب في رواية أثرٍ عن صحابي قد يترتب عليه أن يحتج بذلك الأثر من
يرى قول الصحابي حجة، ويحتج هو وغيره به على أن مثل ذلك القول ليس خرقًا
للإجماع، ويستند إليه في فهم الكتاب والسنة، ويردّ به بعض أهل العلم حديثًا رواه
ذاك الصحابي يخالفه ذلك القول، ويأتي نحو ذلك في الكذب في رواية قول عن
التابعي ، أو عالم ممن بعده، وأقل ما في ذلك أن يقلده العامي .
وهكذا الكذب في رواية تعديل لبعض الرواة ؛ فإنه يترتب عليه قبول أخبار ذلك
الراوي، وقد يكون فيها أحاديث كثيرة، فيترتب على هذا من الفساد أكثر مما يترتب
على كذب في حديثٍ واحدٍ عن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم، وكذلك
الكذب في رواية الجرح فقد يترتب عليها إسقاط أحاديث كثيرة صحيحة ، وذلك أشد
من الكذب في حديث واحد .
وهكذا الإخبار عن رجل بما يقتضي جرحه، وهكذا الكذب في الجرح والتعديل
كقوله: ((هو ثقة))، ((هو ضعيف))، فالكذب في هذه الأبواب في معنى الكذب في
الحديث النبوي أو قريب منه، وتترتب عليه مضار شديدة ومفاسد عظيمة ، فلا =

٥٥٤
النوع الثالث والعشرون
في حديث رسولِ اللَّهِ ﴿ فلا تُقبلُ) رواية التائب مِنه (أبدًا، وإن حَسُنَت
طريقتُه . كذا قال أحمدُ بنُ حنبلٍ، و) أبو بَكرٍ (الحميديُّ شيخُ البخاريِّ،
و) أَبو بَكرِ (الصيرفيُّ الشافعيُّ).
بل (قال الصيرفيُّ) زيادةٌ على ذلك في ((شرح الرسالةِ)): (كلُّ مَن
أسقطنا خبرَه) مِن أهل النقلِ (بكذبٍ) وَجَدناه عليه ( لم نَعُد لقبولِه بتوبةٍ)
تَظهرُ (ومَن ضَعَّفناه لم نُقَوِّه بعده بخلافِ الشهادةِ).
قال المصنّفُ: ويَجوزُ أن يُوجَّهَ بأن ذلك جعل تَغليظًا عليه، وزَجرًا
بليغًا عَنِ الكذبِ عليه ◌ِِّ؛ لِعِظَم مفسدتِه، فإنَّه يصيرُ شرعًا مستمرًّا إلى
يومِ القيامةِ، بخلافِ الكذبِ على غيرِهِ والشهادةِ، فإنَّ مفسدتَها قاصرةٌ
ليست عامَّة .
(وقال) أبو المظفر (السمعانيُّ: مَن كَذَب في خبرٍ واحدٍ، وَجَب
إسقاطُ ما تَقَدَّم مِن حديثِهِ) .
قال ابنُ الصلاح(١): وهذا يُضاهي(٢) مِن حيثُ المعنى ما ذكره
الصَّيرفيُّ .
= يتوهم محل للتسامح فيه، على فرض أن بعضهم تسامح في بعض ما يقع في حديث
الناس)) .
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٥١).
(٢) في ((ص))، ((م): ((أيضًا هي)) وكذا في بعض النسخ المطبوعة من ((مقدمة ابن
الصلاح))، والصواب ما أثبتناه، وهو الثابت في نسخة عائشة عبد الرحمن لـ((مقدمة
ابن الصلاح» .

٥٥٥
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
قال المصنفُ (قلتُ : هذا كُلُّه مخالفٌ لقاعدةِ مذهبِنا ومذهبٍ غيرِنا،
ولا يقوى الفرق بينَه وبينَ الشهادةِ) وكذا قال في ((شرح مسلم))(١):
المختارُ القَطعُ بِصِحَّةٍ تَوبتهِ، وقبول روايتهِ كشهادتهِ ، كالكافرِ إذَا أَسلم .
وأَنا أقولُ: إن كانتِ الإشارةُ في قولِهِ هذا كله لقولِ أحمدَ والصيرفيِّ
والسمعانيٌّ، فلا واللَّهِ ما هو بمخالِفٍ ولا بعيدٍ، والحقُّ ما قالَه الإمامُ
أحمد تَغليظًا وزجرًا .
وإن كانت لقولِ الصيرفيِّ بناءً على أنَّ قوله: ((يَكذبُ)) عامّ في الكذبِ
في الحديثِ وغيرِهِ، فقد أجابَ عنه العراقيُّ (٢) بأنَّ مُرادَ الصيرفيِّ ما قاله
أحمد، أي في الحديثِ لا مُطلقًا، بدليلٍ قولِهِ: ((مِن أهلِ النقلِ)) وتقييدِه
بـ«المحدِّث)) في قولِهِ أيضًا في ((شرح الرسالة)): وليس يطعنُ على
المحدِّث إلاّ أن يقولَ: تعمّدت الكذبَ ، فهو كاذبٌ في الأولِ، ولا يُقبل
خبرُه بَعدَ ذلك . انتهى .
وقوله: ((ومَن ضَعَّفناه)) أي بالكذبِ ، فانتظَمَ مع قولِ أحمدَ .
وقد وجدتُ في الفِقهِ فَرعين يَشهدان لما قالَه الصيرفيُّ والسمعانيُّ ؛
فذكروا في بابِ اللعان: أنَّ الزاني إذا تابَ وحَسُنَت تَوبتُه لا يعودُ
مُحصَنَا، ولا يحدُّ قاذفُه بعد ذلك؛ لبقاءِ ثُلمةِ عرضِه، فهذا نظيرُ أنَّ
الكاذبَ لا يُقبل خَبرُه أبدًا .
وذكروا أنه لو قُذِفَ، ثم زَنَى بعدَ القذفِ قَبلَ أن يُحدَّ القاذفُ، لم
(١) (١ / ٠ ٧) .
(٢) ((التقييد)) (ص: ١٥١).

٥٥٦
النوع الثالث والعشرون
يُحدَّ؛ لأن اللَّه تعالى أَجرىُ العادةَ أنَّه لا يَفضحُ أحدًا مِن أول مرةٍ،
فالظاهرُ تَقَدُّمُ زِناه قَبل ذلك، فلم يُحدَّ له القاذفُ .
وكذلك(١) نقول فيمن تبيَّن كَذبُه: الظاهرُ تكرُّرُ ذلك منه حتى ظَهَرَ
لنا، ولم يَتعيَّن لنا ذلك فيما رُوي مِن حديثه، فوجبَ إسقاطُ الكلِّ، وهذا
واضحٌ بلا شكٌ، ولم أَرَ أحدًا تنبّه لما حَرَّرتُه، ولله الحمد .
• فائــدةٌ:
مِن الأُمورِ المهمةِ : تحرير الفَرقِ بين الروايةِ والشهادةِ، وقد خاضَ
فيه المتأخّرونَ ، وغايةُ ما فرَّقوا به الاختلافُ في بعضِ الأحكام، كاشتراطٍ
العددِ وغيرِه، وذلك لا يُوجِبُ تخالفًا في الحقيقةِ .
قال القرافي: أَقمتُ مُدةً أَطلبُ الفَرقَ بَينهما حتى ظَفرتُ به في كلامٍ
المازريٍّ، فقال : الروايةُ هي الإخبارُ عن عَامِّ لا تَرافعَ فيه إلى الحُكام ،
وخلافُه الشَّهادةُ (٢).
(١) في ((ص)): ((وكذا)).
(٢) قال الشيخ المعلمي اليماني في ((التنكيل)) (٣٣/١ - ٣٤):
(( لا يلزم من التسامح في الشاهد أن يتسامح في الرواي، لوجوه :
الأول : أنَّ الرواية أقرب إلى حديث الناس من الشهادة، فإن الشهادة تترتب على
خصومة ويحتاج الشاهد إلى حضور مجلس الحكم، ويأتي باللفظ الخاص الذي
لا يحتاج إليه في حديث الناس، ويتعرض للجرح فورًا، فمن جربت عليه كذبة في
حديث الناس لا يترتب عليها ضرر، فخوف أن يجره تساهله في ذلك إلى التساهل في
الرواية أشد من خوف أن يجره إلى شهادة الزور .
الثاني : أن عماد الرواية الصدق، ومعقول أن يشدد فيها فيما يتعلق به ما لم يشدد =

٥٥٧
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
وأمَّا الأحكامُ التي يفترقان فيها فكثيرةٌ، لم أرَ مَن تعرَّض لجمعها،
وأنا أَذكرُ منها ما تيسر :
الأولُ : العَدَدُ ، لا يُشترطُ في الروايةِ بخلافِ الشهادة، وذكر ابنُ
عبد السلام في مناسبةِ ذلك أمورًا :
أحدها: أنَّ الغالبَ مِن المسلمين مَهابةُ الكَذبِ عَلى رسولِ اللَّهِ وَهِ ،
بِخِلَافِ شَهادةِ الزُّورِ .
= في الشهادة ، وقد خفف في الرواية في غير ذلك ما لم يخفف في الشهادة ، تقوم الحجة
بخبر الثقة ولو واحدًا أو عبدًا أو امرأة أو جالب منفعة إلى نفسه أو أصله أو فرعه أو
ضرر على عدوه، بخلاف الشهادة ، فلا يليق بعد ذلك أن يخفف في الرواية فيما يمس
عمادها .
الثالث: أن الضرر الذي يترتب على الكذب في الرواية أشد جدًّا من الضرر الذي
يترتب على شهادة الزور، فينبغي أن يكون الاحتياط للرواية آكد، وقد أجاز الحنفية
قبول شهادة الفاسق دون روايته، والتخفيف في الرواية بما تقدم من قيام الحجة بخبر
الرجل الواحد وغير ذلك لا ينافي كونها أولى بالاحتياط ؛ لأن لذلك التخفيف حِكَمًا
أخرى ، بل ذلك يقتضي أن لا يخفف فيها فيما عدا ذلك، فتزداد تخفيفًا على تخفيف .
الرابع : أن الرواية يختص لها قوم محصورون، ينشئون على العلم والدين والتحرز
عن الكذب، والشهادة يحتاج فيها إلى جميع الناس؛ لأن المعاملات والحوادث التي
يحتاج إلى الشهادة عليها تتفق لكل أحد ولا يحضرها غالبًا إلا أوساط الناس وعامتهم
الذين ينشئون على التساهل، فمعقولٌ أنه لو ردت شهادة كل من جربت عليه كذبة
لضاعت حقوق كثيرة جدًّا، ولا كذلك الرواية .
نعم ؛ الفلتة والهفوة التي لا ضرر فيها ويعقبها الندم، وما يقع من الإنسان في أوائل
عمره ثم يقلع عنه ويتوب منه وما يدفع به ضرر شديد ولا ضرر فيه وصاحبه مع ذلك
مستوحش منه؛ ربما يغتفر. والله أعلم)) .

٥٥٨
النوع الثالث والعشرون
الثاني : أنَّه قد يَنفردُ بالحديثِ راوٍ واحدٌ ، فلو لم يُقبل لَفَاتَ على أهل
الإسلام تلك المصلحةُ، بخلافِ فَوتِ حَقِّ واحِدٍ على شَخصٍ واحدٍ .
الثالثُ : أنَّ بين كثيرٍ من المسلمين عداواتٍ تَحمِلُهُم على شهادةِ
الزُّورِ، بخلافِ الرواية عنه وَّل .
الثاني: لا تُشترط الذُّكُورية فيها مُطلقًا، بخلافِ الشهادةِ في بعضٍ
المواضعِ .
الثالثُ : لا تُشترط الحُريةُ فيها، بخلافِ الشهادةِ مُطلقًا .
الرابعُ : لا يُشترط فيها البلوغُ في قَولٍ .
الخامسُ : تُقبلُ شَهادةُ المبتدع، إلَّا الخطابيةَ، ولو كان داعيةً ،
ولا تُقبلُ روايةُ الداعيةِ ولا غيرِه إن روَى موافقه .
السادسةُ : تُقبلُ شهادةُ التائبِ مِن الكذبِ دُونَ روايتِه .
السابعُ : من كذَب في حديثٍ واحدٍ رُدَّ جميعُ حديثهِ السابقِ ، بخلافٍ
مَن تبين شهادته للزورِ في مَرةٍ، لا يُنقضُ ما شَهِدَ به قَبلَ ذلك .
الثامنُ : لا تُقبل شهادةُ مَن جَرَّت شهادتُه إلى نَفسه نَفعًا، أو دفعت
عَنه ضررًا، وتُقبل ممَّن روى ذلك .
التاسعُ: لا تُقبلُ الشَّهادةُ لأصلٍ وفرعٍ ورقيقٍ، بخلافِ الروايةِ .
العاشرُ، والحادي عَشَرَ، والثاني عَشَرَ : الشهادةُ إنَّما تَصِحُ بِدَعوى
سابقةٍ وَطلبٍ لها، وعِند حاكم، بخلافِ الروايةِ في الكُلِّ.

٥٥٩
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
الثالثَ عَشَرَ : للعالم الحُكمُ بِعِلمهِ في التَّعديلِ والتجريح قَطعًا مُطلقًا ،
بخلاف الشهادةِ ، فإنَّ فيها ثلاثةَ أقوالٍ: أصحُها : التفصيلُ بينَ حدودِ اللَّه
تعالى وغيرِها .
الرابعَ عَشَرَ : يَثبتُ الجرحُ والتعديلُ في الروايةِ بواحدٍ ، دُون الشهادةِ
على الأصحّ .
الخامسَ عَشَرَ : الأَصُ في الروايةِ قبولُ الجرحِ والتعديلِ غيرَ مُفَسَّرٍ
مِن العالم، ولا يُقبلُ الجَرحُ في الشهادةِ منه إلا مُفسَّرًا .
السادسَ عَشَرَ: يَجوزُ أخذُ الأُجرةِ على الروايةِ ، بخلافِ أداءِ
الشهادةِ ، إلَّا إذا احتاجَ إلى مَركوبٍ .
السابعَ عَشَرَ : الحكمُ بالشهادةِ تَعديلٌ ، بل قال الغزاليُّ : أَقوىُ مِنه
بالقولِ، بخلافِ عَملِ العالم، أو قُتياه بموافقةِ المرويّ على الأصحِّ .
الثامنَ عَشَرَ : لا تُقبل الشهادةُ على الشهادةِ، إلَّا عند تَعسُّرِ الأصلِ
بموتٍ أو غَيِيةٍ أو نحوِهَا ، بخلافِ الروايةِ .
التاسعَ عَشَرَ : إذا رَوى شيئًا ثُم رَجَع عنه، سَقط ولا يُعمل به،
بخلافِ الرجوعِ عَنِ الشهادةِ بَعد الحُكمِ .
العشرون: إذا شَهِدَا بموجِبٍ قتلِ، ثُم رَجَعا وقَالا: تعَمَّدنا، لَزِمَهما
القصاص .
ولو أَشكلت حادثةٌ على حاكم فتوقّف ، فروَى شخصٌ خَبرًا عنِ النبيِّ
فيها، وقَتل الحاكمُ به رَجلًا، ثم رجَع الراوي وقال : كَذبتُ وتعمَّدتُ؟

٥٦٠
النوع الثالث والعشرون
ففي ((فتاوى البغوي)): ينبغي أن يجبَ القصَاصُ، كالشاهدِ إذا رَجَع .
قال الرافعيُّ: والذي ذكَرَه القَفَّالُ في ((الفتاوى)) والإمامُ أنَّه
لا قصَاصَ، بخلافِ الشهادةِ، فإنَّها تَتعلَّق بالحادثةِ، والخبرُ لا يَختصُ
بها .
الحادي والعشرونَ : إذا شهد دُون أربعةٍ بالزنى حُدُّوا للقذفِ في
الأَظهر ، ولا تُقبل شَهادتُهم قَبل التوبةِ، وفي قبول روايتهم وَجهان ،
المشهورُ منهما القَبُولُ، ذكّره الماوردي في ((الحاوي))، ونقَله ابنُ الرفعة
عنه في ((الكفاية))، والإسنوي في ((الألغاز)).
التَّاسِعَةُ: إِذَا رَوَىْ حَدِيثًا ثُمَّ نَفَاهُ الْمُسمِعُ، فَالمُختَارُ: أَنَّهُ إِنْ
كَانَ جَازِمًا بِنَفيِهِ بِأَن قَالَ: «مَا رَوَيتُهُ)) وَنَحِوَهُ - وَجَبَ رَدُّهُ ،
وَلاَ يَقدَحُ فِي بَاقِي رِوَايَاتِ الرَّاوِي عَنهُ.
فَإِن قَالَ: ((لاَ أَعرِفُهُ)) أَو ((لاَ أَذْكُرُهُ)) أَو نَحوَهُ، لَمْ يَقدَح فِيهِ .
وَمَنْ رَوَىْ حَدِيثًا ثُمَّ نَسِيَهُ، جَازَ العَمَلُ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ
قَولُ الجُمهُورِ مِنَ الطَّوَائِفِ، خِلافًا لِبَعضِ الْجَنَفيَّةِ، وَلا يُخَالِفُ
هَذَا كَرَاهِيَةَ الشَّافِعِيِّ وَغيرِهِ الرِّوَايَةَ عَنِ الْأَحْيَاءِ.
(التاسعةُ: إذا رَوَى) ثقةٌ عن ثقةٍ (حديثًا، ثم نفاه المُسمِعُ) لما رُوجع
فيه (فالمختارُ) عِندَ المُتأخّرين (أنه إن كان جازمًا بنفيه، بأن قال:

٥٦١
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
ما رويتُه) أو كذب عليَّ (ونحوه، وَجَب ردُّه) لِتَعارضِ قولِهما، معَ أنَّ
الجاحدَ هُو الأصلُ(١) (و) لكن (لا يقدحُ) ذلك (في باقي رواياتٍ الراوي
(١) لكن ينبغي أن يتنبه هنا إلى أمر هام، وهو أن هذا الحكم إنما يكون إذا كان كل من
الشيخ والراوي عنه ثقة، أما إذا كان أحدهما ضعيفًا، فلا تقبل دعواه، ويقدم قول
الثقة .
فمثال ضعف الشيخ :
قال ابن جريج: أخبرني إبراهيم بن محمد بن أبي عطاء [ هو ابن أبي يحيى الأسلمي ]
عن موسى بن وردان عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه وَلّ: ((من مات مريضًا
مات شهيدًا)) الحديث .
أخرجه : ابن ماجه (١٦١٥).
وروى ابن الجوزي في (الموضوعات)) (١٧٣٩) بإسناده إلى ابن أبي سكينة الحلبي،
قال : سمعت إبراهيم بن أبي يحيى يقول: حَدَّثْتُ ابن جريج بهذا الحديث: ((من مات
مرابطًا)) فروى عني: ((من مات مريضًا)) وما هكذا حدثته .
قال ابن الجوزي: ((ابن جريج هو الصادق)».
وذلك ؛ لأن ابن أبي يحيى الأسلمي ضعيف، وابن جريج ثقة .
ومثال ضعف الراوي :
قال شعبة: ((قال الحسن بن عمارة: حدثني الحكم - يعني: ابن عتيبة .، عن يحيى
ابن الجزار، عن عليٍّ سبعة أحاديث، فسألت الحكم عنها؟ فقال : ما سمعت منها
شيئًا)) .
والحسن بن عمارة ضعيف، بل متروك، والحكم بن عتيبة ثقة حافظ .
وهذه القصة تدل على سوء حفظ الحسن بن عمارة؛ لأنه روى عن الحكم أحاديث
لا أصل لها عنه، ولذا لما سئل الحكم عنها قال: ((ما سمعت منها شيئًا)).
فإن قيل: قد روى الخطيب في ((الكفاية)) (ص١٨٤) عن هارون بن سعيد الأيلي،
قال : سألت أيوب بن سويد عن الذي كان شعبة يطعن به على الحسن بن عمارة؟
فقال لي : كان يقول : إن الحكم بن عتيبة لم يحدث عن يحيى بن الجزار إلا ثلاثة =

٥٦٢
النوع الثالث والعشرون
عنه) ولا يثبتُ به جَرحُه، لأنه أيضًا مُكذِّبٌ لشيخِه في نَفيهِ لذلك، وليس
قبولُ جَرحِ كلٌّ منهما أَولى مِن الآخر ، فتساقطا .
فإن عاد الأصلُ وحدَّث به ، أو حدَّث به فرعْ آخَرُ ثِقَةٌ عنه ولم يُكذِّبه ،
فهو مقبولٌ، صرَّح به القاضي أبو بكرِ والخطيبُ وغيرُهما .
ومقابل المختارِ في الأول عدمُ ردّ المروي، واختارَه السمعانيُّ،
وعزاهُ الشاشي للشافعيِّ ، وحكَى الهِنديُّ الإجماعَ عليه .
= أحاديث، والحسن يحدث عن الحكم بن يحيى أحاديث كثيرة. قال: فقلت : ذلك
للحسن بن عمارة، فقال: إن الحكم أعطاني حديثه عن يحيى في كتاب لأحفظه ؛
فحفظته .
فإن قيل: أليس هذا كافيًا في تبرئة الحسن بن عمارة، إذ أنه صرح بأنه حفظ عن
الحكم ما لم يحفظه غيره؟ !
قلت : كلا ؛ لأمور :
الأول: أنه رجل سيئ الحفظ، فمهما ادعى من شيء فلن يُسمع له .
الثاني : أنه لم يحدث بها من الكتاب، بل من حفظه كما يفهم من كلامه، وقد مرَّ أنه
سيئ الحفظ ، فلا يؤمن عليه أن يخطئ فيدخل حديثًا في حديث، أو يقلب بعض
الأسانيد عن غير قصد .
الثالث : أن الحكم بن عتيبة لما سئل عن هذه الأحاديث أنكرها، وهو ثقة حجة، فلا
يردُّ قوله لقول الحسن بن عمارة الضعيف .
الرابع: أن هذه الأحاديث التي تفرد بها عن الحكم بن يحيى بن الجزار، وجدها
الأئمة أحاديث منكرة غير مستقيمة، وهذا أكبر دليل على أن الحكم لم يحدث بها ؛
لأن الأحاديث المناكير لا تأتي إلا من الرجال المناكير كالحسن بن عمارة وأمثاله .
وراجع: ((المحدث الفاصل)) (ص ٣٢٠ . ٣٢٣). والله أعلم .

٥٦٣
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
وجَزم الماورديُّ والرويانيُّ بأنَّ ذلك لا يقدحُ في صحَّةِ الحديثِ ، إلَّا
أَنَّه لا يَجوزُ للفرعِ أن يَرويه عن الأصلِ ؛ فحَصَل ثلاثةُ أقوالٍ .
وثَمَّ قولٌ رابعٌ : أنهما يتعارضان، ويرجح أحدهما بطريقه، وصار إليه
إمام الحرمين .
ومن شواهدِ القبولِ: ما رواه الشافعيُّ (١)، عن سُفيانَ بنِ عُيينة، عن
عَمرو بنِ دينارٍ ، عن أبي مَعبدٍ ، عنِ ابنِ عباسٍ قال : كُنتُ أعرفُ انقضاءً
صلاةِ رسولِ اللَّهِ صَ لّ بالتكبيرِ.
قال عَمرو بنُ دينارٍ ، ثم ذكرتُه لأبي مَعبدٍ بَعدُ ، فقال: لم أُحَدِّثكَهُ .
قال عمرو : قد حَدَّثتنیه .
قال الشافعيُّ: كأنَّه نَسِيهُ بَعدَما حدَّثه إِيَّاه .
والحديثُ أخرجه الشيخان مِن حديثِ ابنِ عُيينة .
(فإن قال) الأصلُ: (لا أعرِفُه، أو لا أذكُره، أو نحوه) مما يقتضي
جوازَ نِسيانِهِ (لم يَقْدَح فيه) ولا يُرَدُّ بذلك .
(ومَن رَوَى حديثًا ثم نَسِيَه جاز العملُ به على الصحيح، وهو قولُ
الجمهورِ مِن الطوائفِ) أهلِ الحديثِ والفقهِ والكلام (خلافًا لبعضٍ
الحنفيةِ) في قولِهم بإسقاطِهِ بذلك .
وبَنوا عليه : ردّ حديثٍ رواه أبو داود والترمذيُّ وابنُ ماجه مِن روايةٍ
(١) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (١٨٤/٢).

٥٦٤
النوع الثالث والعشرون
ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سُهيلٍ بن أبي صالح، عن أبيه، عن
أبي هريرة، أنَّ النبيَّ ◌َّهُ قَضَى باليمينِ مَعَ الشَّاهِدِ .
زاد أبو داود في روايةٍ أنَّ عبد العزيز الدراورديَّ قال: فذكرتُ ذلك
لسُهيلِ، فقال : أخبرني ربيعةُ - وهو عندي ثقةٌ - أني حَدَّثْتُهُ إِيَّه، ولا
أَحفَظُهُ .
قال عبدُ العزيزِ: وقد كان سهيلٌ أصابته عِلةٌ أذهبت بعضَ عَقلهِ ،
ونَسي بعضَ حديثهِ، فكان سهيلٌ بَعدُ يُحدِّثه عن ربيعةَ عنه عن أبيه .
ورواه أبو داود أيضًا مِن روايةٍ سليمانَ بنِ بلالٍ، عن رَبِيعَة ، قال
سُليمانُ : فلقيتُ سُهيلًا فسألتُه عن هذا الحديث؟ فقال: ما أَعرفه . فقلتُ
له : إن ربيعةً أخبرني به عَنكَ. قال: فإن كان ربيعة أخبركَ عنّي، فحدث
به عَن ربيعةً عَنِّي(١).
(١) وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١٣٩٢):
((قيل لأبي: يصحُّ حديث أبي هريرة عن النبي ◌َّرهـ في اليمين مع الشاهد؟
فوقف وقفة فقال : ترى الدراوردي ما يقول - يعني : قوله : قلت لسهيل فلم يعرفه؟
قلت : فليس نسيان سهيل دافعًا لما حكى عنه ربيعة، وربيعة ثقة، والرجل يحدث
بالحدیث وینسی؟!
قال : أجل، هكذا هو ؛ ولكن لم نر أن يتبعه متابع على روايته، وقد روى عن سهيل
جماعة كثيرة، ليس عند أحد منهم هذا الحديث!
قلت: إنه يقول [ لعل الصواب : إنك تقول ] بخبر الواحد؟!
قال : أجل ؛ غير أني لا أدري لهذا الحديث أصلًا عن أبي هريرة أعتبر به، وهذا أصل
من الأصول لم يتابع عليه ربيعة)) .
وانظر: ((العلل)) أيضًا (١٤٠٩).

٥٦٥
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
فإن قيل: إن كان الراوي مُعرَّضًا للسهوِ والنسيانِ، فالفرعُ أيضًا
كذلك، فينبغي أن يُسقَطا .
أجيب: أنَّ الراوي ليس بنافٍ (١) وقوعَه، بل غيرُ ذاكرٍ له، والفرعُ
جازمٌ مُثبِتٌ ، فَقُدِّم عليه .
قال ابنُ الصلاح(٢): وقد رَوى كثيرٌ مِن الأكابرِ أحاديثَ نَسوها بَعدَمَا
حدَّثوا بها، فكان أحدُهم يقول : حدَّثني فلانٌ عَنِّي عن فلانٍ بكذا .
وصنَّف في ذلك الخطيبُ : ((أخبار مَن حدَّث ونَسِي))، وكَذلك
الدار قطنيُّ .
من ذلك : ما رواه الخطيبُ من طريقِ حمادِ بنِ سَلمة، عن عاصم،
عن أنسٍ، قال: حدَّثني ابناي عَنِّي، عن النبي ◌ََّ، أَنَّه كان يَكرهُ أن
يجعلَ فص الخاتمِ ممَّا سواه .
ورَوى من طريقِ بشرِ بن الوليدِ ، ثنا محمدُ بنُ طلحةً ، حدَّثني رَوحٌ ،
أَنّي حدثتُه بحديثٍ، عن زبيدٍ ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّه، أنَّه قال: إنَّ هذا
الدِّينارَ والدِّرهمَ أهلكًا مَن كَان قَبَلَكُم، وهُما مُهلِكَاكُم .
ومِن طريقِ الترمذيِّ صاحبِ ((الجامع)): ثنا محمدُ بنُ حُميدٍ ، ثنا جريرٌ ،
قال : حدَّثنيه عليّ بن مجاهدٍ عَني - وهو عِندي ثقةٌ -، عَن ثَعلبةَ، عن
الزهريِّ قال : إنما كُرِه المِنديلُ بَعدَ الوُضوء؛ لأنَّ الوضوء يُوزَن .
ومن طريقِ إبراهيمَ بنِ بشارٍ ، ثنا سُفيانُ بنُ عُيينةَ، حدَّثني وكيعٌ ، أني
(١) في ((ص)): ((بمنافٍ)).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص: ١٥٣).

٥٦٦
النوع الثالث والعشرون
حدثتُهُ عن عَمرو بن دينارٍ، عن عِكرمة: ﴿مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦]،
قال : مِن حُصُونِهِم .
(ولا يخالفُ هذا كراهيةَ (١) الشافعيِّ وغيرِه) كشعبةَ ومَعمرٍ (الروايةَ
عن الأحياءِ) لأنَّهم إنما كَرهُوا ذلك؛ لأنَّ الإنسانَ معرَّضٌ للنسيانِ، فیبادِرُ
إلى جحودٍ ما روي عنه وتكذيبٍ الراوي له .
وقيل : إنما كره(٢) ذلك؛ لاحتمالٍ أن يتغيَّر الراوي عن الثقة والعدالةِ
بطارئ يَطرأ عليه يقتضي ردَّ حديثهِ المتقدِّم .
قال العراقيُّ(٣) : وهذا حَدسٌ وَظنٌّ غيرُ موافقٍ لما أراده الشافعيُّ ،
وقد بيَّن الشافعيُّ مُرادَه بذلك، كما رواه البيهقيُّ في ((المدخل» بإسناده
إليه، أنه قال: لا تحدِّث عن حِيٍّ؛ فإن الحيَّ لا يُؤْمَنُ عليه النِّسيانُ. قالَه
لابنِ عبدِ الحَگم حین روى عن الشافعي حكايةً فأنكرها ثم ذكرها .
العَاشِرَةُ: مَن أَخَذَ عَلَى التَّحدِيثِ أَجْرًا لا تُقبَلُ رِوَايَتُهُ عِندَ
أحْمَدَ، وَإِسِحَاقَ، وأَبِ حَاتِمِ. وَتُقبَلُ عِندَ أبي نُعَيمِ الفَضلِ،
وعَلِيٍّ بنِ عَبدِ العَزِيزِ، وآخَرِينَ.
وَأَفْتَّى الشَّيخُ أَبُو إِسِحَاقَ الشِّيرَازِيُّ بِجَوَازِهَا لِمَنِ امْتَنَعَ عَلَيهِ
الكَسبُ لِعِيَالِهِ بِسَبَبِ التَّحدِیثِ.
(١) في ((ص): ((كراهة)).
(٣) ((التبصرة)) (٣٣٩/١).
(٢) في (ص)): ((کرهه)).

٥٦٧
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
(العاشرةُ: مَن أَخَذ على التحديثِ أجرًا لا تُقبلُ روايتُه عندَ أحمدَ) بنِ
حَنبلٍ (وإسحاقَ) بنِ راهويه (وأبي حاتم) الرازيّ .
(وتُقبلُ عندَ أبي نُعَيم الفضلِ) بنِ دُكينٍ شيخِ البُخاريِّ (وعليٍّ بنِ
عبدِ العزيزِ) البغوي (وآخرينَ) تَرخُصًا .
(وأَفتى الشيخُ أبو إسحاقَ الشيرازيُّ) أبا الحسين ابن النقور
(بجوازها؛ لـ) أنه مِنْ (مَنِ امتَنَع عليه الكسبُ لعياله بسببِ التحديثِ).
ويَشهدُ له : جوازُ أخذِ الوصِيِّ الأُجرة مِن مالِ اليتيم إذا كان فقيرًا،
واشتغلَ بحفظِهِ عن الكسبِ، من غيرِ رجوعٍ عليه لظاهرِ القرآنِ .
• فائـدةٌ:
هذا أَولُ مَوضع وقع فيه ذِكرُ إسحاق بن راهويه، وقد سُئل: لِمَ قيل
له ابن راهويه؟ فقال: إنَّ أبي وُلِد في الطريقِ، فقالت المراوزةُ: راهويه .
يعني : أنَّه وُلد في الطريق .
وفي ((فوائدِ رحلةِ ابن رشيدٍ )) : مذهبُ النحاةِ في هذا وفي نظائره فتحُ
الواو وما قَبلها، وسُكونُ الياء، ثُمَّ هاءٌ، والمُحدِّثون يَنحون به نحو
الفارسيةِ، فيقولون: هو بِضَمٌّ ما قَبل الواوِ، وسُكونِها، وفتحِ الياء،
وإسكان الهاءِ، فهي هاءً على كل حالٍ، والتاء خطأً .
قال: وكان الحافظُ أبو العلاء العطَّار يقول: أَهلُ الحديثِ لا يُحبُّون
«ويه)). انتهى .
قال شيخُ الإسلام: ولَهُم في ذلك سَلَفٌ، رويناه في كتابٍ ((معاشرةٍ

٥٦٨
النوع الثالث والعشرون
الأَهلين)) عن ابن عُمر، وعن إبراهيمَ النخعيِّ، أنَّ ((وَيه)) اسمُ شيطانٍ .
قلتُ : وذكر ياقوتُ في ((مُعجم الأدباء)) نحو ما ذكره ابنُ رشيد،
وقال : قد صيَّره(١) ابنُ بسَّامٍ بسكونِ الواوِ وفتح الياء ، فقال في نفطويه :
صلَّى عليه اللَّه ذو الفضلِ
رأيتُ في النّومِ أبي آدما
مَنْ كان في حزن وفي سَهْلٍ
فقالَ: أبلغْ ولدي كلَّهم
إنْ كان نفطويه مِنْ نسلي
بأن حواءَ أمَّهُم طالقٌ
وقال المصنّف في ((تهذيبه)) في ترجمة أبي عبيد ابن حربويه : هو
بفتح الباءِ الموحّدةِ والواوٍ وسكونِ اليَاءِ ثُم هَاءٌ ، ويُقال: بضَمِّ الباءِ مع
إسكانِ الواوٍ وفتح الياء، ويجري هذان الوجهانِ في كل نَظائره ؛
كسِيبويه، ونفطويه، وراهويه، وعمرويه، فالأولُ مذهبُ النَّحويين وأهلِ
الأدبِ، والثاني مذهبُ المُحدِّثين. انتهى.
الَحَادِيَةَ عَشَرَةَ: لاَ تُقبَلُ رِوَايَةُ مَن ◌ُرِفَ بِالتَّسَاهُلِ فِي سَمَاعِهِ أَو
إِسْمَاعِهِ، كَمَنْ لاَ يُبالِي بِالنَّوْمِ فِي السَّمَاعِ، أَوْ يُحَدِّثُ لاَ مِنْ
أَضْلِ مُصَحّحٍ، أَوْ عُرِفَ بِقَبُولِ التَّلْقِينِ في الَحَدِيثِ أَوْ كَثْرَةِ
السَّهْوِ فِيْ رِوَايَتِهِ إِذَا لَمْ يُحَدِّثْ مِنْ أصْلٍ أَوْ كَثْرَةِ الشَّوَاذِّ وَالمَنَاكِرِ
فی حدیثِهِ.
(١) في المطبوع ((ضبطه))، ولعله أضبط .
صد

٥٦٩
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
قَالَ ابْنُ الْبَارَكِ، وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وَالْحُمَيْدِيُّ، وَغَيْرِهُمْ: مَنْ
غَلِطَ فِي حَدِيثٍ فَبِيِّنَ لَهُ فَأَصَّ عَلَىْ رِوَايَتِهِ، سَقَطَتْ رِوَايَتُهُ.
وَهَذَا صَحِيحٌ إِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ أَصَّرْ عِنَادًا أَو نَحوهُ .
(الحادية عشرة: لا تُقبلُ رواية مَن عُرِف بالتساهلِ في سماعِه أو
إسماعِه، كَمَن لا يبالي بالنومِ في السماع) منه أو عليه (أو يُحدثُ لا مِن أصل
مُصَحِح) مقابل على أصله أو أصل شيخه (أو عُرِف بقبولِ التلقينِ في
الحديثِ) بأن يُلقَّن الشيءَ فيحدِّث به مِن غيرِ أن يَعلَم أنَّه مِن حديثه ، كما وقَع
لموسى بنٍ دينارٍ ونحوه (أو كثرةِ السهوِ في روايتهِ إذا لم يُحدث مِن أصلٍ)
صحيح، بخلافِ ما إذا حدَّث منه، فلا عِبرة بكثرةِ سهوِه، لأنَّ الاعتمادَ
حينئذٍ على الأصلِ لا على حِفظه (أو كثرةِ الشواذُ والمناكير في حديثهِ).
قال شعبة (١): لا يَجِيتُك الحديثُ الشاذُّ إلا مِنَ الرَّجلِ الشاذٌ.
وقيل له (٢): مَنِ الذي يترك الروايةُ عنه؟ قال: مَن أكثرَ عنِ المعروفِ
مِن الروايةِ ما لا يعرف، وأكثرَ الغَلَطَ .
(قال) عبدُ اللَّه (بنُ المباركِ وأحمدُ بنُ حنبلٍ والحميديُّ وغيرُهم : مَن
غَلِطَ في حديثٍ، فَبِيِّن له) غلطُه (فأصرَّ على روايتهِ) لذلك الحديثِ ،
ولم يرجع (سَقَطت روايتُه(٣)) كلُّها ، ولم يُكتَب عنه .
(١) ((الكفاية)) (ص: ٢٢٤).
(٢) كما في ((الكفاية)) (ص: ٢٢٥ - ٢٢٦) .
(٣) في ((ص)): ((رواياته)).