النص المفهرس

صفحات 581-600

٥١٠
النوع الثالث والعشرون
(وقولُه هذا غيرُ مَرضِيٍّ) والحديثُ مِن الطريقِ الذي أَورده مُرسَلٌ أو
مُعضَلٌ .
وإبراهيمُ الذي أرسله قال فيه ابنُ القطَّان(١): لا نَعرفه البتّة.
ومعان أيضًا؛ ضغَّفه ابنُ معين (٢)، وأبو حاتم(٣)، وابنُ حِبَّانَ (٤)،
وابنُ عَديٍّ (٥)، والجوزجانيُّ (٦)، نعم وثَّقه ابنُ المديني وأحمدُ (٧) .
وفي كتاب ((العلل)) للخلال: أنَّ أحمد سُئل عن هذا الحديثِ، فقيل
له : كأنَّه موضوعٌ (٨). فقال: لا، هو صَحيحٌ. فقيل له: ممَّن سمعتَه؟
فقال : مِن غيرٍ واحدٍ . قيل: مَن هُم؟ قال: حدَّثني به مسكين ، إلا أنه
يقول : عَن معان عن القاسم بن عبد الرحمن، ومعان لا بأس به . انتهى
قال ابنُ القطَّان(٩): وخَفِي على أحمدَ مِن أمرِهِ ما عَلِمَه غيرُه .
قال العراقي (١٠) : وقد وردَ هذا الحديثُ مُتَّصلًا مِن رواية عليّ، وابنٍ
عُمر، وابن عَمرٍو، وجابرِ بنِ سَمُرةَ، وأبي أمامة، وأبي هُريرة، وكلُّها
ضعيفةٌ لا يثبتُ منها شيءٌ، وليس فيها شيءٌ يُقوِّي المرسلَ .
(١) ((بيان الوهم والإيهام)) (٤٠/٣).
(٣) ((الجرح والتعديل)) (٤٢١/٨).
(٥) («الكامل)) (٢٣٢٩/٦).
(٢) ((رواية الدوري)) (٥١٣٤).
(٤) ((المجروحين)) (٣٦/٣).
(٦) كما في ((تهذيب الكمال)) (١٥٩/٢٨).
(٧) كما في ((تهذيب الكمال)) (١٥٨/٢٨).
(٨) النص في ((شرف أصحاب الحديث)) للخطيب (ص٩٢)، وفيه: ((كأنه كلام
موضوع))، فكأن الإمام أحمد يعني بقوله: ((هو صحيح))، صحة المعنى لا الرواية ،
والله أعلم .
(٩) ((بيان الوهم والإيهام)) (٤٠/٣).
(١٠) ((التبصرة)) (٢٩٨/١).

٥١١
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
قال ابنُ عدِيٍّ (١): ورواه الثقاتُ عنِ الوليدِ بنِ مُسلم، عن إبراهيمَ
العذريِّ، ثنا الثقةُ مِن أصحابنا، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلَ - فذكره.
ثم على تقديرِ ثبوتِهِ، إنما يصحُّ الاستدلالُ به لو كان خَبَرًا ، ولا يصحُ
حملُه على الخبرِ لوجودٍ مَن يحملُ العلمَ وهو غيرُ عدلٍ وغيرُ ثقةٍ، فلم
يَبْقَ له مَحمَلٌ إلا على الأمر، ومعناه أنه أمرٌ للثقاتِ بحملِ العِلمٍ؛ لأنَّ
العِلمَ إنَّما يُقبل عنهم .
والدليلُ على ذلك: أنَّ في بعض طُرقه عِندَ ابنِ أَبيِ حَاتَمٍ (٢): ((لِيَحمِل
هذا العلمَ)) بِلَامِ الأَمرِ.
وذكر ابنُ الصلاحِ في ((فوائدِ رِحلتهِ)): أن بعضَهم ضَبَطه بضمِّ الياءِ
وفَتحِ الميم، مبنيًّا للمفعولِ، ورفع ((العِلم))، وفَتح(٣) العِينِ واللَّام مِن
((عَدُولةٌ)) وآخرُه تاءٌ فَوقِيَّةٌ، ((فَعُولَةٌ)) بمعنى ((فاعل))، أي كامل في
عدالته، أي أنَّ الخلفَ هو العدولة .
والمعنى أنَّ هذا العِلم يُحمل - أي يُؤخذ - عن كلِّ خلفٍ عَدل، فهو
أمرٌ بأخذِ العِلمِ عن العُدولِ .
والمعروفُ في ضبطه فَتحُ ياءِ ((يَحمِلُ)) مبنيًّا للفاعلِ، ونَصبُ ((العِلم))
مفعوله، والفاعل ((عدوله)) جَمعُ عدل .
(١) ((الكامل)» (١٥٣/١).
(٣) في ((ص)): ((بفتح)) .
(٢) ((الجرح والتعديل)) (١٧/٢).
............

٥١٢
النوع الثالث والعشرون
الثَّالِثَةُ: يُعرِفُ ضَبطُهُ بِمُوافَقَةِ الثِّقَاتِ الْمُتْقِنِينَ غَالِبًا، وَلاَ تَضُرُّ
مُخَلَفَتُه التَّادِرَةُ، فَإِن كَثُرَتِ اختَلَّ ضَبطُهُ، وَلَمْ يُحِتَجَّ بِهِ .
(الثالثةُ: يُعرفُ ضبطُه) أي الراوي ( بموافقةِ الثقاتِ المتقنينَ)
الضابطين ، إذا اعتُبِر حديثُه بحديثِهم، فإن وافَقهم في روايتهم (غالبًا) ولو
مِن حيثُ المعنى فضابطٌ (ولا تَضرُّ مخالفتُه) لهم (النادرةُ، فإن كَثُرَت)
مخالفتُه لهم، وَندَرَتِ (١) الموافقةُ (اختَلَّ ضبطُه، ولم يُحتَجَّ به) في حَديثِهِ .
• فائـدةٌ :
ذكَر الحافظُ أبو الحجّاج المِزِّيُّ في ((الأطراف)) (٢) أنَّ الوَهم تارةً
يكون في الحِفظِ ، وتارةً يكون في القولِ، وتارةً يكون في الكتابةِ .
قال : وقد رَوىُ مُسلمٌ (٣) حديثَ: ((لا تَسُبُّوا أَصحَابي)) عن يحيى بنِ
يَحيى وأبي بكرٍ وأبي كُريبٍ، ثلاثتُهم عن أبي معاوية، عن الأعمشِ، عن
أبي صالحٍ، عن أبي هُريرة، ووَهِمَ عليهم في ذلك؛ إنما رَووه عن أبي
مُعاوية، عن الأعمشِ، عن أبي صَالحٍ، عن أبي سعيدٍ ، كذلك رَواه
عنهم الناسُ، كما رواه ابنُ ماجه (٤) عن أبي كُريبٍ أحدٍ شيوخ مُسلمٍ فيه .
قال: والدليلُ على أنَّ ذلك وَهمٌ وقَعَ منه في حالِ كتابتهِ لا في
حفظه : أنه ذكر أولًا حدیثَ أبي معاويةً ، ثُم ثَنَّئ بحديثٍ جریرٍ، وذكّر
المتنَ وبقيةَ الإسنادِ ، ثُم ثَلَّثَ بحديثٍ وكيعٍ ، ثم ربَّع بحديثِ شُعبةَ، ولم
(١) في (م): ((نذرت)) بالذال المعجمة .
(٣) ((الصحيح)) (١٨٨/٧).
(٢) (٣٤٣/٣ - ٣٤٤) .
(٤) ((السنن)) (١٦١).

٥١٣
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
يذكر المتنَ ولا بقیةً الإسنادِ عنهما ، بل قال : عن الأعمشِ ، بإسنادٍ جریرِ
وأبي مُعاويةَ بمثل حديثهما، فلولا أنَّ إسنادَ جَرِيرٍ وأبي مُعاويةً عِنده واحدٌ
لمَا جَمَعهما في الحوالةِ عليهما(١).
الرَّابِعَةُ: يُقبَلُ التَّعدِيلُ مِن غَيرِ ذِكرِ سَبَبِهِ عَلَى الصَّحِيحِ
المَشْهُورِ، وَلا يُقبَلُ الَجَرحُ إِلَّ مُبَيَّنَ السَّبَبِ، وَأَمَّا كُتُبُ الَجَرِحِ
والتَّعدِيلِ الَّتِي لا يُذكَرُ فِيهَا سَبَبُ الجَرحِ؛ فَفَائِدتُهَا التَّوَقُّفُ فِيمَن
جَرَحُوهُ، فَإِن بَحَثْنَا عَن حَالِهِ ، وَانْزَاحَت عَنهُ الرِّيبَةُ، وَحَصَلَتِ
الثِّقَةُ بِهِ، قَبِلنَا حَدِيثَهُ كَجَمَاعَةٍ فِي الصَّحِيحَينِ بِهِذِهِ المَثَابَةِ.
(الرابعةُ: يُقبلُ التعديلُ مِن غيرِ ذكرٍ سببهِ على الصحيحِ المشهورِ)
لأنَّ أسبابَه كثيرةٌ، فيثقلُ ويشقُّ ذِكرُها؛ لأنَّ ذلك يحوج المعدلَ إلى أن
يقولَ: لم يفعل كذا، لم يرتكب كَذا، فَعَلَ كَذا وكذا، فيعدِّدُ جميعَ
ما يفسقُ بفعله أو بترکِه، وذلك شاقُّ جدًّا.
(ولا يُقبلُ الجَرحُ إِلا مُبَيَّنَ السببِ) لأَنَّه يَحصُلُ بأمرٍ واحدٍ ، فلا يشقُّ
ذِكرُه، ولأنَّ الناسَ يَختلِفُونَ في أسبابِ الجرحِ، فيطلقُ أحدُهم الجرحَ
بناءً على ما اعتقدَه جَرحًا وليس بجرحٍ في نفسِ الأمرِ، فلابُدَّ مِن بيانٍ
سَببه لينظر هل هو قَادحْ أو لا؟
(١) في كتابي ((الإرشادات)) (ص ٢٦٦ - ٢٦٨) مثال آخر في ((صحيح مسلم)) أيضًا شبيه
بهذا .

٥١٤
النوع الثالث والعشرون
قال ابنُ الصلاح(١): وهذا ظاهرٌ مقرَّرٌ في الفِقهِ وأُصولِهِ .
وذكَر الخَطِيبُ (٢) أنَّه مَذْهَبُ الأئمةِ مِن حُفاظ الحديثِ، كالشَّيخَين
وغَيرِهما .
ولذلك احتجَّ البخاريُّ بجماعةٍ سَبَقَ مِن غيرهِ الجرحُ لهم؛ كَعِكرمةَ
وعمرو بن مَرزوقٍ ، واحتجَّ مسلمٌ بِسُويدِ بنِ سَعيدٍ وجماعةِ اشْتَهَر الطعنُ
فيهم، وهكذا فعل أبو داود، وذلك دالٌّ على أنَّهم ذَهَبوا إلى أنَّ الجرح لا
یثبتُ إلَّا إذا فسر سببه .
ويدلُّ على ذلك أيضًا: أنَّه رُبَّما اسْتُفْسِرَ الجارحُ فذكَر ما ليس بجَرِحٍ،
وقد عقَد الخطيبُ لذلك بابًا (٣) روى فيه عن مُحمدٍ بن جَعفرِ المدائني
قال : قِيلَ لشُعبةَ : لِمَ تَركتَ حديثَ فلانٍ؟ قال : رأيتُه يركضُ على بِرِذَوٍ
فتركتُ حدیثَه .
وروى عن مسلم بن إبراهيمَ أنه سئل عن حديثٍ لصالحِ المُرِّي،
فقال : وما نصنعُ(٤) بصالح؟! ذكَروه يومًا عند حمادِ بنِ سلمة فامتخَطَ
حمادٌ .
وروى عن وهبٍ بن جريرٍ قال : قال شُعبةُ : أتيتُ منزلَ المنهالِ بنِ
عَمرو ، فسمعتُ منه صوتَ الطنبورِ فرجعتُ. فقيل له: فهلَّا سألتَ عنه
[عسى)] (٥) أن لا يعلمَ هو ؟
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٤٠).
(٣) ((الكفاية)) (ص: ١٨١).
(٢) ((الكفاية)) (ص: ١٧٩).
(٤) في ((ص): ((تصنع)) .
(٥) زيادة من ((الكفاية)) للخطيب (ص١٨٣).

٥١٥
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
وروينا(١) عن شُعبة قال: قلتُ للحَكم بنِ عُتيبَة: لِمَ لَمْ تَروِ عن
زاذان؟ قال : كان كثيرَ الكَلام. وأشباه ذلك .
قال الصيرفيُّ: وكذا إذا قَالُوا: ((فلانٌ كذَّاب))، لابُدَّ مِن بيانه؛ لأنَّ
الكَذِبَ يَحتمِلُ الغلطَ ؛ كقولهِ : كذبَ أبو مُحمدٍ .
ولمَّا صحَّحَ ابنُ الصلاحِ(٢) هذا القولَ أوردَ على نفسهِ سؤالًا، فقال:
ولقائل أن يقولَ : إنما يَعتمدُ الناسُ فِي جَرِحِ الرُّواةِ ورَدٌ حديثهم على
الكُتب التي صنَّفها أئمةُ الحديثِ في الجرحِ والتعديلِ، وقلَّما يتعرَّضون
فيها لبيانِ السببِ ، بل يَقتصرون على مُجرَّد قولِهِم : فلانٌ ضعيفٌ، وفلانٌ
ليس بشيءٍ، ونحو ذلك، أو هذا حديثٌ ضعيفٌ، أو حديثٌ غيرُ ثابتٍ ،
ونحو ذلك، واشتراطُ بيانِ السبب يُفضِي إلى تَعطيلِ ذلك وسدٍّ بابٍ
الجرحِ في الأغلبِ الأكثرِ .
ثم أجابَ عن ذلك بما ذكره المصنّفُ في قوله : (وأما كتبُ الجرحِ
والتعديلِ التي لا يُذكرُ فيها سببُ الجرح) فإنَّا وإن لَم نَعتمدها في إثباتٍ
الجرحِ والحُكم به (ففائدتُها التوقفُ فیمن جرحُوه) عن قبول حديثه؛ لما
أوقَع ذلك عِندنا مِن الريبةِ القويةِ فيهم (فإن بحثنا عن حالهِ ، وانزاحت عنه
الريبةُ، وحَصَلت الثقةُ به، قَبلنا حديثَه، كجماعةٍ في الصحيحينِ بهذه
المثابةِ) كما تقدَّمتِ الإشارةُ إليه .
(١) لعل الأشبه: ((وروى))، فالأثر في ((الكفاية)) أيضًا.
(٢) ((علوم الحديث)) (ص: ١٤١).
.........

٥١٦
النوع الثالث والعشرون
ومقابِلُ الصحيح أقوالٌ :
أحدُها : قَبولُ الجرح غيرَ مُفسَّرٍ ، ولا يُقبلُ التَّعديلُ إلَّ بذكرِ سَببهِ ؛
لأنَّ أسبابَ العدالةِ يكثر التصنعُ فيها، فيبني المعدل على الظاهر . نقله
إمامُ الحرمين، والغزاليُّ، والرازيُّ في ((المحصول)) .
الثاني: لا يُقبلان إلا مفسَّرَيْنِ. حكَاه الخطيبُ والأُصوليون؛ لأنه
كما قد يَجرح الجارحَ بما لا يَقدحُ، كذلك يُوثِّق المعدلُ بما لا يقتضي
العدالةَ، كما روى يعقوبُ الفسويُّ في ((تاريخه)) (١) قال: سمعتُ إنسانًا
يقول لأحمدَ بنِ يونس: عبد اللَّه العُمري(٢) ضعيفٌ؟ قال: إنما يضعفه
رافضيٍّ مُبغِضٌ لآبائهِ، لو رأيتَ لِحِيتَه وهَيئتَه لعرفتَ أنه ثقةٌ .
فاستدلَّ على ثِقته بِمَا ليس بحُجةٍ ؛ لأنَّ حُسن الهيئةِ يَشتركُ فيه العَدلُ
وغيره .
الثالثُ : لا يجبُ ذِكرُ السببِ في واحدٍ منهما إذا كان الجارحُ والمعدِّلُ
عالمًا بأسبابِ الجرحِ والتعديلِ والخلافِ في ذلك، بصيرًا مرضيًّا في
اعتقاده وأفعاله .
وهذا اختيارُ القاضي أبي (٣) بكرٍ، ونقَله عن الجمهورِ، واختاره إمامُ
(١) ((المعرفة والتاريخ)) (٦٦٥/٢).
(٢) في ((ص))، ((م)): ((المعمري))، ويراجع ((المعرفة والتاريخ)) للفسوي (٦٦٥/٢)،
و((الكفاية)) للخطيب (ص١٦٥).
(٣) في ((ص)) ((م): ((أبو)) .

٥١٧
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
الحرمين والغزالي والرازي والخطيبُ (١)، وصحَّحه الحافظُ أبو الفضلِ
العراقيُّ (٢)، والبلقينيُّ في ((محاسن الاصطلاح))(٣).
واختار شيخُ الإسلامِ (٤) تَفصيلاً حَسنًا: فإن كان مَن جُرِحَ مجملاً (٥)
قد وثّقه أحدٌ مِن أئمةِ هذا الشأن، لم يُقبل الجرحُ فيه مِن أحدٍ كائنًا مَن
كان إلا مُفسرًا؛ لأنه قد ثَبتَت له رتبة الثقة، فلا يُزحزح عنها إلا بأمرٍ
جَلِيٍّ، فإنَّ أئمةَ هذا الشأنِ لا يُوثَّقُون إلا من اعتبروا حالَه في دِينِهِ ثم في
حَدِيثه، وتفقّدوه كما ينبغي، وهُم أيقظُ الناس ، فلا يُنقض حُكمُ أحدِهم
إلا بأمرٍ صريحٍ، وإن خَلَا عَن التعديلِ قُبِل الجرحُ فيه غيرَ مفسَّرٍ إذا صَدَر
مِن عارفٍ؛ لأنه إذا لم يعدل فهو في حَيِّز المجهولِ، وإعمال قول
المجرحِ فيه أولى مِن إِهِمالِهِ .
وقال الذَّهبيُّ - وهو مِن أهلِ الاستقراءِ التّامُ في نقدِ الرجالِ -: لم
يجتمع اثنان مِن عُلماءِ هذا الشأنِ قَط على توثيقٍ ضعيفٍ ولا على تضعيفٍ
ثقةٍ . انتهى .
ولهذا؛ كان مذهبُ النسائيِّ أن لا يَتركَ حديث الرجلِ حتَّى يُجمعوا(٦)
على تَرکِهِ .
الخَامِسَةُ: الصَّحِيحُ أنَّ الْجَرحَ والتَّعدِيلَ يَثبُتَانِ بِوَاحدٍ .
(١) («الكفاية)) (ص: ١٧٨).
(٢) ((التقييد)) (ص: ١٤٢).
(٣) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ٢٢١). (٤) ((نزهة النظر)) (ص: ١٩٣).
(٥) في ((ص))، ((م): ((مجلا))، والمثبت من المطبوع.
(٦) في ((ص)): ((يجتمعوا)).

٥١٨
النوع الثالث والعشرون
وَقِيلَ : لابُدَّ مِن اثنَينِ .
(الخامسةُ: الصحيحُ أَنَّ الجرحَ والتعديلَ يثبتانِ بواحدٍ) لأنَّ العددَ لم
يُشترط في قبول الخبرِ، فلم يشترط في جرحِ راويه وتعديلهِ، ولأنَّ التزكيةَ
بمنزلةِ الحُكمِ وهُو أيضًا لا يشترط فيه العَددُ .
(وقيل : لابُدَّ مِن اثنين) كما في الشهادةِ، وقد تقدَّم الفرقُ .
قال شيخُ الإسلام : ولو قيل يفصلُ بين ما إذا كانت التزكيةُ مَستندَةٌ مِن
المزكي إلى اجتهادِه أو إلى النقل عن غيرِهِ لكان مُتَّجهًا؛ لأنَّه إنْ كان
الأول، فلا يُشترطُ العددُ أصلًا؛ لأنَّه بمنزلةِ الحُكم، وإن كان الثاني ،
فَيَجري فيه الخلافُ، ويتبيِّنُ أيضًا أنه لا يُشترطُ العَددُ؛ لأنَّ أصلَ النقل
لا يُشترط فيه، فكذا ما تفرِّع عنه. انتهى .
وليس لهذا التفصيلِ الذي ذكره فائدة إلا نَفيَ الخلافِ في القِسمِ
الأول، وشمل الواحدُ العبدَ والمرأةَ، وسيذكُره المصنّفُ من زوائده .
وَإِذَا اجتَمعَ فِيهِ جَرٌ وَتَعدِيلٌ فَالَجَرحُ مُقَدَّمٌ. وَقِيلَ: إِن زَادَ
المُعَدِّلُونَ قُدِّمَ التَّعدِيلُ.
(وإذا اجتمَع فيه) أي الراوي (جَرِحٌ) مُفسَّرٌ (وتعديلٌ، فالجَرِحُ مُقَدَّمٌ)
ولو زاد عددُ المعدِّلِ، هذا هو الأصحُ عند الفقهاءِ والأُصوليين، ونقَله
الخطيبُ (١) عن جهمور العُلماءِ؛ لأنَّ مع الجارحِ زيادة علمٍ لم يطلع
(١) ((الكفاية)) (ص: ١٧٧).

٥١٩
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
عليها المعدِّل، ولأنه مُصدقٌ للمعدِّل فيما أخبر به عن ظاهرِ حالِهِ ، إلا أنه
يُخبرُ عن أمرٍ باطنٍ خفي عنه .
وقيَّد الفقهاءُ ذلك بما إذا لم يَقُل المعدل : عرفتُ السببَ الذي ذكره
الجارحُ، ولكنه تابَ وحسنت حالُهُ(١)، فإنه حينئذٍ يقدمُ المعدِّل؛ قاله(٢)
البلقينيُّ .
ويأتي ذلك أيضًا هنا إلا في الكَذبِ كما سَيأتي .
وقيَّده ابن دقيق العيد بأن يُبنى على أمرٍ مجزوم به لا بطريقٍ اجتهاديٌّ ،
كما اصطلحَ عليه أهلُ الحديثِ في الاعتمادِ في الجرح على اعتبارِ حديثٍ
الراوي لحديثٍ غيرِه، والنظرِ إلى كثرةِ الموافقةِ والمخالَفةِ .
وردَّ بأنَّ أهلَ الحديثِ لم يَعتمدوا ذلك في معرفةِ العدالةِ والجَرحِ ، بل
في معرفةِ الضبطِ والتغفُّل .
واستُثني أيضًا ما إذا عَيَّن سببًا فنفاه المعدِّلُ بطريقٍ معتبرٍ ؛ بأن قال :
قَتَل غلامًا ظُلمًا يوم كذا. فقال المعدِّل: رأيتُه حيًّا بعدَ ذلك، أو كان
القاتل في ذلك الوقت عندي. فإنَّهما يتعارضان .
وتقييدُ الجرحِ بكونه مفسَّرًا جارٍ على ما صحَّحه المصنْفُ وغيرُه، كما
صرَّح به ابنُ دقيقِ العيدِ (٣) وغيرُه .
(١) في ((م)): ((حالته)).
(٢) في ((ص))، (م): ((قال)).
ويراجع: ((محاسن الاصطلاح)) (ص٢٢٤).
(٣) («الاقتراح)) (ص: ٣٣٠ - ٣٣١).

٥٢٠
النوع الثالث والعشرون
(وقيل : إن زاد المعدِّلون) في العددِ على المُجرِّحين (قُدِّم التعديلُ) ؛
لأن كثرتَهم تُقَوِّي حَالَهم، وتوجبُ العملَ بخبرِهم، وقلَّةُ المجرحين
تُضعِفُ خَبَرَهُم .
قال الخطيبُ (١): وهذا خطأٌ وبُعدّ ممَّن توهَّمه؛ لأنَّ المعدِّلين وإن
كثروا، لم يخبروا عن عدم ما أخبر به الجارحون، ولو أَخبروا بذلك
لكانت شهادة باطلة على نفي .
وقيل: يرجح بالأحفظِ. حكَاه البلقينيُّ في ((محاسن الاصطلاحِ)) (٢).
وقيل: يتَعارضَان فلا يرجّح أحدُهما إلا بمرجِّح. حكاه ابنُ الحاجبِ
وغيرُه عنِ ابنِ شعبانَ من المالكية .
قال العراقي (٣): وكلامُ الخطيبِ يَقتضي نَفي هذا القول، فإنَّه قال:
أتَّفق أهلُ العلم على أنَّ من جرحه الواحدُ والاثنان وعدَّله مِثلُ عددٍ مَن
جرحه، فإنَّ الجرحَ به أولى. ففي هذه الصورةِ حكايةُ الإجماع على
تقديمِ الجرحِ، خلاف ما حكاه ابنُ الحاجب .
وَإِذَا قَالَ: ((حَدَّثَنِي الثَّقَةُ)) أَو نَحوهُ، لم يُكتَفَ بِهِ عَلَى
الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: يُكتَفَى، فَإِن كَانَ القَائِلُ عَالمًا كَفَى فِي حَقِّ
مَوَافِقِهِ فِي الْمَذْهَبِ عِندَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ.
(١) ((الكفاية)) (ص: ١٧٧).
(٣) ((التبصرة)) (٣١٣/١).
(٢) (ص: ٢٢٤) .
٠٠-٠ ..

٥٢١
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
(وإذا قال: ((حَدَّثني الثقةُ)) أو نحوه) مِن غَير أن يُسمِّيه (لم يُكتَفَ به)
في التعديل (على الصحيح) حتى يسميه ؛ لأنَّه وإن كان ثقةً عِندَه، فربما
لو سَمَّاه لكَانَ ممَّن جَرحه غيرُه بجرحٍ قادحِ ، بل إضرابُه عن تسميته ريبةٌ
تُوقِعُ ترددًا في القَلبِ .
بل زاد الخطيبُ أنه لو صرَّح بأنَّ كلَّ شيوخهٍ ثقاتٌ، ثُم رَوی عمَّن لم
يُسمِّه، لم يُعمل بتزكيتهِ ؛ لجوازٍ أن يُعرفَ إذا ذكرَه بغيرِ العدالةِ (١).
(وقيل: يُكتفى) بذلك مُطلقًا كما لو عيَّنه؛ لأنَّه مأمونٌ في الحالتين
معًا .
(فإن كان القائل عالمًا) أي مجتهدًا، كمالكِ والشافعيِّ - وكثيرًا
ما يفعلان ذلك - (كَفَى في حَقِّ موافِه في المذهب) لا غيره (عندَ بعضٍ
المحققينَ).
قال ابنُ الصبَّاغ: لأنه لا يورد ذلك احتجاجًا بالخبرِ على غَيرِهِ، بل
(١) قال المعلمي في ((التنكيل)) (٣٦٢/١):
((قول المحدث: ((شيوخي كلهم ثقات)) أو ((شيوخ فلان كلهم ثقات))، لا يلزم من
هذا أن كل واحدٍ منهم بحيث يستحق أن يقال له بمفرده على الإطلاق: ((هو ثقة))،
وإنما إذا ذكروا الرجل في جملة من أطلقوا عليهم ((ثقات))، فاللازم أنه ثقة في
الجملة، أي : له حظ من الثقة ، وهم ربما يتجوزون في كلمة ((ثقة ))، فيطلقونها على
من هو صالح في دينه وإن كان ضعيف الحديث أو نحو ذلك .
وهكذا؛ قد يذكرون الرجل في جملة من أطلقوا أنهم ((ضعفاء))، وإنما اللازم أن له
حظًّا ما من الضعف، كما تجدهم يذكرون في كتب الضعفاء كثيرًا من الثقات الذين
تكلم فیهم أیسر کلام» .

٥٢٢
النوع الثالث والعشرون
يذكرُ لأصحابِهِ قيامَ الحُجةِ عنده على الحُكم، وقد عَرَف هو مَن رَوَى عنه
ذلك .
واختاره إمامُ الحرمين، ورجَّحه الرافعيُّ في ((شرح المسند)) وفَرَضه
في صدور ذلك مِن أهلِ التعديل .
وقيل: لا يَكفي أيضًا حتى يقولَ: كلُّ من أَروِي لكم عنه ولم أُسمّه
فهو عدلٌ .
قال الخطيبُ : وقد يوجدُ في بعضٍ مَن أَبهموه الضعفُ لخفاءِ حاله
عليه(١)، كرواية مالكِ عن عبد الكريم بن أبي المخارق .
• فائدتانِ:
الأولى: لو قال نحوُ الشافعيِّ: ((أخبرني مَن لا أَتَّهِمُ))، فهو كقولِهِ :
((أخبرني الثقةُ)) .
وقال الذهبيُّ : ليس بتوثيقٍ ؛ لأنه نفيٌ للتهمةِ، وليس فيه تعرُّض(٢)
لإتقانِهِ، ولا لأنه حُجَّة .
قال ابن السبكي: وهذا صحيحٌ، غَيرَ أنَّ هذا إذا وقَع مِنَ الشافعيِّ
على مسألةٍ دينيةٍ ، فهي والتوثيقُ سَواءٌ في أصل الحُجَّة، وإن كان مدلولُ
اللفظِ لا يزيدُ على ما ذكره الذهبيُّ، فمِن ثَمَّ خالفناه في مِثلِ الشافعيِّ ، أما
مَن ليس مِثله فالأمرُ كما قال. انتهى .
(١) ((عليه)) ليس في ((ص)).
(٢) في ((ص)): ((وليس تعريض)).
٠٫٫٫٠٠

٥٢٣
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
قال الزركشيُّ: والعَجبُ مِن اقتصارِه على نَقله عَنِ الذهبيِّ، مع(١) أنَّ
طوائفَ مِن فحولِ أصحابِنا صرَّحوا به، منهم الصَّيرفيُّ، والماورديُّ،
والرويانيُّ .
الثانيةُ: قال ابن عبد البر: إذا قال مالكٌ: ((عن الثقة، عن بكير بن
عبد اللَّه الأشج)) فالثقةُ مخرمة بنُ بکیرٍ .
وإذا قال: ((عن الثقةِ، عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ)) فهو عبدُ اللَّهِ بنُ وهب ،
وقيل : الزهري .
١٠٠ -.
وقال النسائيُّ: الذي يقول مالك في كتابه: ((الثقة، عن بكيرٍ )) يُشبه
أن يكون عَمرَو بنَ الحارثِ .
وقال غيرُه: قال ابنُ وهبٍ: كل ما في كتابٍ مالك: ((أخبرني مَن
لا أَتَّهم (٢) مِن أهلِ العلمِ)) فهو الليثُ بنُ سَعدٍ .
وقال أبو الحسن الإبري : سمعتُ بعض أهلِ الحديثِ يقول : إذا قالَ
الشافعيُّ: ((أنا الثقةُ، عَنِ ابن أبي ذئبٍ )) فهو ابن أبي فديك.
وإذا قال: ((أنا الثقةُ، عنِ الليثِ بن سَعدٍ)) فهو يحيى بنُ حسَّان .
وإذا قال: ((أنا الثقةُ، عنِ الوليدِ بن كثيرٍ)) فهو أبو أسامة .
وإذا قال: ((أنا الثقةُ، عنِ الأوزاعيِّ)) فهو عَمْرُو بن أبي سلمة.
وإذا قال: ((أخبرنا الثقةُ، عنِ ابن جريج)) فهو مسلمُ بنُ خالدٍ .
(١) في (ص)): ((من)).
(٢) في ((ص)) بعده: (( به)).

٥٢٤
النوع الثالث والعشرون
وإذا قال: ((أنا الثقةُ، عن صالح مولى التوأمة)) فهو إبراهيمُ بن
یحیی . انتهى .
ونقله غيرُه عن أبي حاتم الرازي .
وقال شيخ الإسلام ابنُ حجرٍ في ((رجال الأربعة)): إذا قال مالكٌ:
((عن الثقةٍ، عن عمرو بن شعيبٍ)) فقيل: هو عَمرو بنُ الحارث أو ابن
لهيعة .
و((عنِ الثقةِ، عن بكير بن الأشج)) قيل: هو مَخرمةُ بن بكيرٍ .
و((عنِ الثقةِ، عن ابن عُمر)) هو نافعٌ، كما في موطٍ ابن القاسم.
وإذا قال الشافعيُّ: ((عن الثقةِ، عن ليث بن سعد)) قال الربيعُ: هو
یحیی بنُ حسان .
و((عن الثقةِ، عن أَسامةَ بنِ زيدٍ)) هو إبراهيم بن أبي يحيى .
و((عنِ الثقةِ، عَن حُميدٍ)) هو ابن عُلَيَّةً.
و((عنِ الثقةِ، عَن مَعمرٍ)) هو مطرف بن مازن .
و((عنِ الثقةِ، عَن الوليدِ بنِ كثيرٍ)) هو أبو أسامة .
و((عنِ الثقةِ، عَن يحيى بن أبي كثيرٍ)) لعلّه ابنه عبد الله بن يحيى.
و((عنِ الثقةِ، عَن يونسَ بن عبيدٍ، عن الحسن)) هو ابن عُلِيَّة .
و((عنِ الثقةِ، عَن الزهريِّ)) هو سُفيان بن عُيينة . انتهى .
وروينا في ((مسندِ الشافعي)) عن الأصمِّ قال: سمعتُ الربيعَ يقول :
..------- m

٥٢٥
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
كان الشافعي إذا قال: ((أخبرني من لا أَتَّهمُ)) يريد به إبراهيمَ بنَ
أبي يحيى، وإذا قال: ((أخبرني الثقةُ)) يريد به يحيى بن حسان.
وقد روى الشافعيُّ قال: أنا الثقة عن عبد الله بن الحارث إن لم أكن
سمعتُهُ مِن عبد الله بنِ الحارث ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن يزيد بن قسيطٍ ،
عن سعيد بن المسيب، أن عُمرَ وعُثمانَ قَضَيَا في الملطاةِ بنصفِ ديةٍ
الموضحةِ .
قال الحافظُ أبو الفضلِ الفلكيُّ : الرَّجل الذي لم يسمِّ الشافعيُّ هو
أحمد بن حنبلٍ .
وفي ((تاريخ ابن عساكر)): قال عبدُ اللَّه بنُ أحمد : كلُّ شيءٍ في
كتابٍ الشافعيِّ: ((أخبرنا الثقة)) عن أبي(١) .
وقال شيخُ الإسلام: يُوجَدُ في كلام الشافعيِّ: ((أخبرني الثقةُ، عن
يحيى بنِ أبي كثيرٍ)) والشافعي لم يأخذ عن أحدٍ ممن أدركَ يحيى بنَ
أبي كثيرٍ، فيُحْمَل أنه أراد : بسندِه عن يحيى .
قال: وذكر عبدُ الله بنُ أحمد أن الشافعيَّ إذا قال: ((أخبرنا الثقة))
وذكر أحدًا مِن العراقيين ، فهو يعني أباه .
وَإِذَا رَوَىْ العَدلُ عَمَّنِ سَمَّاهُ لَ يكُن تَعدِيلًا عِندَ الْأكثَرِينَ، وَهُوَ
الصَّحِيحُ. وَقِيلَ: هُوَ تَعدِيلٌ.
(١) كلام عبد الله بن أحمد هذا نقله الذهبي في ((السير)) (٢١٠/١١).

٥٢٦
النوع الثالث والعشرون
(وإذَا رَوَى العدلُ عَمَّن سَمَّاه، لم يَكُن تعديلًا عندَ الأكثرينَ) من أهل
الحديث وغيرهم (وهو الصحيحُ) لجوازٍ روايةِ العَدلِ عَنْ غَيرِ العَدلِ ،
فلم تتضمن روايتُه عنه تعديله .
وقد روينا عن الشعبي أنه قال: ثنا الحارثُ، وأشهد باللَّهِ أنَّه كان
كذَّابًا .
وروى الحاكمُ وغيرُه عن أحمد بن حنبل، أنَّه رأى يحيى بن معين
وهو يكتبُ صحيفة معمرٍ عن أبانٍ عن أنسٍ ، فإذا اطّلع عليه إنسانٌ كَتَمه ،
فقال له أحمد: تكتبُ صحيفةَ معمرٍ عن أبانٍ عن أنسٍ وتَعلمُ أنها
موضوعةٌ؟ فلو قال لك قائلٌ : أنت تَتَكلَّمُ في أبانٍ ثم تكتبُ حديثه؟!
فقال: يا أبا عبد الله، أكتبُ هذه الصحيفةَ، فأحفظُها كلَّها، وأَعلمُ أنها
موضوعةٌ، حتى لا يجيءَ إنسانٌ فيجعل بدل ((أبانٍ)) ((ثابتًا))، ويرويها عن
مَعمرٍ عن ثابتٍ عن أنسٍ، فأقولُ له : كذبتَ، إنما هي عن مَعمرٍ عن
أبانٍ، لا عن ثابتٍ(١) .
(وقيل هو تعديلٌ) إذ لو عَلم فيه جرحًا لَذكره، ولو لَم يذكره لكان
غَاشًّا في الدِّين .
قال الصيرفيُّ : وهذا خطأ؛ لأنَّ الرواية تعريف له، والعدالة بالخبرة .
وأجاب الخطيبُ (٢) بأنه قد لا يعرف عدالته ولا جرحه .
وقيل : إن كان العدلُ الذي روى عنه لا يَروي إلَّا عن عدلٍ ، كانت
(١) الخطيب في ((الجامع)) (١٩٢/٢).
(٢) ((الكفاية)) (ص: ١٥٠).
.......

٥٢٧
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
روايته تعديلًا وإلا فلا. واختاره الأُصوليون، كالآمديِّ، وابنِ الحاجبِ،
وغيرهما .
وَعَمَلُ العَالمِ وَفُتِيَاهُ عَلَى وَفَقِ حَدِيثٍ رَوَاهُ لَيْسَ حُكمًا
بِصِخَّتِهِ، وَلاَ مُخَالَفْتُهُ قَدِحٌ فِي صِحَّتِهِ وَلاَ فِي رُوَاتِهِ.
(وعملُ العالم وفتياه على وَفقِ حديثٍ رواه ليس حُكمًا) مِنه (بصحتِهِ)
ولا بتعديلِ رُواته ؛ لإمكانٍ أن يكون ذلك منه احتياطًا، أو لدليلٍ آخَر وافق
ذلك الخبرَ .
وصحّح الآمديُّ وغيرُه مِن الأصوليين أنه حكم بذلك .
وقال إمام الحرمين : إن لم يكن في مسالكِ الاحتياطِ .
وفرَّق ابنُ تيمية بين أن يعملَ به في الترغيب وغيرِه .
(ولا مخالفتُه) له (قَدحٌ) منه (في صحتهِ ولا في رواتِهِ) لإمكان أن
يكونَ ذلك لمانع مِن مُعارضٍ أو غيرِهِ، وقد روى مالكٌ حديثَ
((الخيارِ))، ولم يعمل به لعمل أهل المدينة بخلافه، ولم يكن ذلك قَدحًا
في نافعٍ راويه .
وقال ابنُ كثيرٍ (١) : في القِسم الأول نَظرٌ، إذا لم يكن في الباب غيرُ
ذلك الحديثِ، وتعرَّض للاحتجاج به في فُتياه أو حُكمه، أو استشهد به
عِندَ العملِ بِمُقتضاه .
(١) ((اختصار علوم الحديث)) (ص: ٨١).

٥٢٨
النوع الثالث والعشرون
قال العراقي (١) : والجوابُ: أنه لا يلزمُ مِن كون ذلك الباب ليس فيه
غيرُ هذا الحديثِ أن لا يكونَ ثَمَّ دليلٌ آخر مِن قیاسٍ أو إجماع ، ولا يلزمُ
المُفِي أو الحاكمَ أن يذكرَ جميعَ أدلَّته، بل ولا بعضَها، ولعلَّ له دليلًا
آخَر واستأنس بالحديثِ الواردِ في البابِ، ورُبَّما كان يرى العملَ
بالضعيفِ وتقديمَه على القياسِ كما تقدَّم .
• تنبيةٌ :
مما لا يدلُّ على صِحَّةِ الحديث أيضًا كما ذكره أهلُ الأُصول : موافقةٌ
الإجماعِ له على الأَصحِّ؛ لجوازٍ أن يكون المُستَنَدُ غيرَه . وقيل : يَدُلُّ .
وكذلك؛ بقاءُ خبرِ تتوفّرُ الدواعي على إبطالِهِ . وقال الزيديةُ: يَدُلُّ .
وافتراقُ العلماءِ بين متأوِّلٍ للحديثِ ومُحتجِّ به .
وقال ابنُ السمعانيِّ وقومٌ: يَدُلُّ؛ لتضمنِهِ تَلقيهم له بالقَبُولِ .
وأجيب باحتمالٍ أنه تأوَّله على تقدير صِحَّته فرضًا (٢)، لا على ثُبُوتِها
عنده.
السَّادِسَةُ: رِوَايَةُ نَجَهُولِ العَدَالَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لا تُقبَلُ عِندَ
الجَمَاهِير، وَرِوَايَةُ المَستُورِ - وَهُوَ عَدلُ الظَّاهِرِ خَفِيُّ الْبَاطِنِ -
يَحْتَجُّ بِهَا بَعضُ مَن رَدَّ الأَوَّلَ، وَهُوَ قَولُ بَعضِ الشَّافِعِيِينَ . قَالَ
الشّيخُ: وَيُشبِهُ أَن يَكُونَ العَمَلُ عَلَى هذَا فِي كَثِيرٍ مِن كُتُبٍ
(١) ((التقييد)) (ص: ١٤٤).
(٢) في ((ص)): ((وفرضًا)) .
٠٠١٠١٠٠٠٠٠

٥٢٩
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
الحَدِيثِ فِي جَمَاعَةٍ مِن الرُّواةِ تَقَادَمَ العَهدُ بِهِم، وَتَعَذَّرَت خِبرَتُهُم
بَاطِنًا .
وَأَمَّا مَجْهُولُ العينِ : فَقَد لا يَقبَلُهُ بَعضُ مَن يَقبَلُ مَجْهُولَ
العَدَالَةِ .
(السادسةُ: روايةُ مجهولِ العدالةِ ظاهرًا وباطنًا) مع كونه معروف
العين برواية عدلين عنه (لا تُقبلُ عندَ الجماهيرِ) .
وقيل : تُقبلُ مُطلقًا .
وقيل : إن كان مَن رَوَى عنه فيهم مَن لا يَروي عن غيرِ عدلٍ قُبِل ،
وإلَّا فَلا .
(وروايةُ المستورِ وهو عَدلُ الظاهرِ خَفِيُّ الباطنِ) أي مجهول العدالة باطنًا
(يَحتجُّ بها بعض مَن رَدَّ الأولَ، وهو قولُ بعض الشافعيينَ) كسليم الرازيّ .
قال: لأنَّ الإخبارَ مَبنيٍّ على حُسنِ الظنِّ بالرَّاوي، ولأنَّ رِوايَة
الأخبارِ تكون عِندَ مَن يَتعذَّرُ عليه معرفةُ العدالة في الباطنِ ، فاقتصرَ فيها
على معرفةِ ذلك في الظاهرِ، بخلافِ الشهادةِ ، فإنّها (١) تكونُ عِندَ
الحُكام، فلا يتعذّرُ عليهم ذلك .
(قال الشيخُ) ابنُ الصلاح(٢) (ويشبهه أَن يكونَ العمل على هذا)
الرأي (في كثيرٍ من كتبِ الحديثِ) المشهورة (في جماعةٍ مِن الرواةِ تَقَادَمَ
(١) في ((م): ((وإنها)).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص: ١٤٥).