النص المفهرس

صفحات 561-580

٤٩٠
النوع الحادي والعشرون
الثاني : وَرد في فضائلِ السورِ مفرقةً أحاديثُ، بعضُها صحيحٌ،
وبعضها حسن، وبعضُها ضعيفٌ ليس بموضوع، ولولا خشيةُ الإطالةِ،
لأوردتُ ذلك هنا؛ لئلا يُتوهّم أنه لم يصح في فضائل السور شيءٌ ،
خُصوصًا مع قول الدارقطني : أصحُ ما وردَ في فضائل القرآن: فَضلُ ﴿قُلْ
هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١] ومَن طالعَ كُتبَ ((السُّنن)) و((الزوائد عليها))
وجَد مِن ذلك شيئًا كثيرًا .
وتفسيرُ الحافظِ عمادِ الدِّين ابنِ كثيرٍ أجلُّ ما يُعتمدُ عليه في ذلك ؛ فإنَّه
أَورد غالبَ ما جاء في ذَلك، مما ليس بموضوع، وإن فاته أشياء .
وقد جمعتُ في ذلك كتابًا لطيفًا سمَّته ( خَمَائِل الزَّهَرِ فِي فَضَائِلِ
السور)) .
واعلم؛ أنَّ السُّورَ التي صحَّتِ الأحاديثُ في فضلها: الفاتحةُ،
والزَّهرَاوان، والأنعامُ، والسَّبعُ الطُّوَلُ مجملًا، والكهفُ، ويس،
والدخانُ، والمُلكُ، والزَّلزلةُ، والنصرُ، والكافرون، والإخلاصُ،
والمعوِّذتان ، وما عداها لم يصح فيه شيءٌ .
الثالثُ : مِن الموضوع أيضًا : أحاديثُ الأرزٌ، والعَدسِ ، والباذنجان ،
والهَريسة، وفضائلُ مَنِ اسمُهُ مُحمد، وأحمد، وفضلُ أبي حنيفة، وعين
سلوان وعَسقلان، إلّا حديث أنس الذي في ((مسند أحمد)) على ما قيل فيه
مِن النّارةِ، ووصَايا عليٍّ وضَعها حمادُ بن عَمرِو النصيبي، ووصيةٌ(١) في
(١) في ((ص)): ((وصيتها))، وفي ((م)): ((وصيته)).
........
--

٤٩١
الموضوع
الجِمَاعِ (١)، وضعها إسحاق بن نجيح الملطي، ونسخةُ العَقلِ وضَعها
داودُ بن المحبر، وأوردها الحارثُ بن أبي أسامة في « مُسنده))، وحديثُ
القس بن ساعدةَ، أورده البزارُ في («مسنده»، والحديثُ الطويلُ عنِ ابنِ
عباسٍ في الإسراء، أورده ابنُ مردويه في ((تفسيره))، وهو نحو كُرَّاسَينِ،
ونسخُ ستةٍ رَووا عن أنسٍ، وهُم: أبو هُدبة، ودينارٌ، ونُعيمُ بنُ سالم،
والأشجُّ، وخِرَاش، ونسطور .
(١) في ((ص): ((الجامع)).

٤٩٢
النوع الثاني والعشرون
، النَّوعُ الثَّانِي وَالعِشرُونَ :
المَقلُوبُ
هُوَ نَحوُ حَديثٍ مَشْهُورٍ عَن سَالم ◌ُعِلَ عَن نَافع؛ لِيُرغَبَ فِيهِ .
(النوعُ الثاني والعشرون : المقلوبُ.
هو ) قسمان :
الأولُ: أن يكون الحديثُ مشهورًا براوٍ، فيجعل مكانه آخر في
طبقته، (نحو حديثٍ مشهورٍ عن سالم، جُعِل عن نافعٍ لِيُرغَبَ فيه)
لِغَرابتِهِ، أو عن مالكٍ، جُعل عن عُبيد اللَّه بن عُمر.
وممَّن كان يَفعلُ ذلك مِن الوضَّاعين : حمادُ بن عَمرٍو النصيبي،
وأبو إسماعيل إبراهيمُ بن أبي حية(١) اليسع، وبهلول بن عبيدِ الكندي .
قال ابنُ دقيق العيد (٢): وهذا هو الذي يُطلق على راويه أنَّه يَسرقُ
الحدیث .
قال العراقي (٣): مثالُه: حديثٌ رواه عمرُو بنُ خالدٍ الحرانيُّ، عن
حمادٍ النصيبي، عن الأعمش، عن أبي صَالح، عن أبي هريرة مَرفوعًا :
(١) في ((ص)): ((بن حية)).
(٢) ((الاقتراح)) (ص: ٢٣٦).
(٣) ((التبصرة والتذكرة)) (٢٨٣/١).
goomus

٤٩٣
المقلوب
((إِذَا لَقِيتُم المُشرِكِينَ في طريقٍ فَلَا تَبَدَءُوهُم بِالسَّلَامِ)) (١) - الحديث.
فهذا حديثٌ مقلوبٌ، قلبَه حمادٌ، فجعله عن الأعمشِ، فإنَّما هو
معروفٌ بسُهيلِ بنِ أبي صَالحِ، عَن أبيه، هكذا أخرجه مُسلمٌ (٢) مِن روايةِ
شُعبةَ، والثوري ، وجرير بن عبد الحميد، وعبد العزيز الدراوردي ، كُلُّهم
عن سُهِيلٍ .
قال : ولهذا كره أهلُ الحديثِ تَتْبُّعَ الغَرائبِ ؛ فإنَّه قَلَّ ما يصحُ منها .
• تنبية :
قال البلقينيُّ (٣): قد يقعُ القلبُ في المتنِ. قال: ويُمكن تمثيلُه بما
رواه حبيبُ بنُ عبد الرحمن، عن عَمَّته أنيسة مَرفوعًا: ((إِذَا أَذْنَ ابنُ أُمّ
مَكتومٍ فَكُلُوا واشرَبُوا، وإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فلا تَأْكُلُوا ولا تَشْرَبُوا)) - الحديث .
رواهُ أحمدُ، وابنُ خزيمةً، وابنُ حِبانَ في ((صحيحيهما)) (٤)،
والمشهورُ مِن حديثِ ابنِ عُمرَ (٥) وعائشةَ(٦): ((إِنَّ بِلالَا يُؤْذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا
واشرَبُوا حَتَّى يُؤْذِنَ ابنُ أُمْ مَكْثُومٍ)) .
(١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٦٣٥٨)، والعقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (٣٠٨/١)
في ترجمة حماد بن عمرو النصيبي .
(٢) ((صحيح مسلم)) (٥/٧).
(٣) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ١٠٠٢).
(٤) أخرجه: أحمد (٤٣٣/٦)، وابن خزيمة (٤٠٤)، وابن حبان (٣٤٧٤).
(٥) أخرجه: البخاري (١٦٠/١)، ومسلم (١٢٨/٣).
(٦) أخرجه: البخاري (١٦١/١)، ومسلم (١٢٩/٣).

٤٩٤
النوع الثاني والعشرون
قال : فالروايةُ بخلافٍ ذلك مقلوبةٌ. قال(١): إلّا أنَّ ابنَ حِبان وابنَ
خُزيمة لم يَجعلا ذلك مِن المقلوبِ ، وجمعا باحتمالِ أن يكونَ بينَ بلالٍ
وابن أُمُّ مكتومٍ تَنَاوبٌ .
قال : ومع ذلك ؛ فَدَعوى القلبِ لا تَبَعُدُ، ولو فَتحنا بابَ التأويلاتِ
لاندَفعَ كثيرٌ مِن عِللِ الحديثِ .
قال: ويُمكنُ أن يُسمَّى ذلك بـ((المعكوسِ))، فَيُفْرَد بنوعٍ، ولم أرَ مَن
تعرَّضَ لذلك . انتهى .
وقد مثَّل شيخُ الإسلام في ((شرح النخبة))(٢) القلبَ في الإسنادِ بنحوِ
كعبِ بنِ مُرةَ، ومُرةَ بنِ كعب .
وفي المتنِ بحديثٍ مسلم (٣) في السَّبعةِ الذين يُظلهم اللَّهُ: ((رجلٌ
تَصَدَّقَ بِصَدَقةٍ أَخْفَاهَا، حَتَّى لاَ تَعلَمَ يَمِينُهُ ما تُنفِقُ شِمَالُهُ)) .
قال: فهذا مما انقلبَ على أحدِ الرواةِ، وإنما هو: ((حَتَّى لَا تَعلَمَ
شِمَالُه ما تُنفِقُ يَمِينُهُ))، كما في ((الصحيحين)) (٤) .
قلتُ : ووجدتُ مِثالاً آخَر، وهو ما رواه الطبرانيُّ (٥) مِن حديثٍ
أبي هُريرة: «إِذَا أَمرتُكُم بشيءٍ فَائْتُوه، وإِذَا نَهِيتُكُم عَن شَيءٍ فَاجْتَنِبُوه
(١) في ((ص))، ((م)): ((قالا)).
(٢) ((نزهة النظر)) (ص: ١٢٥، ١٢٦). (٣) «الصحيح)) (٩٣/٣).
(٤) أخرجه: البخاري (١٦٨/١)، وهو ليس عند مسلم كما قال الحافظ ابن حجر رَظّثُ،
وانظر ((الفتح)) لابن حجر (١٤٦/٢).
(٥) («المعجم الأوسط)) (٢٧١٥).

٤٩٥
المقلوب
ما استَطَعتُم))؛ فإن المعروف ما في (( الصحيحين))(١): ((ما نَهيتُكُم عَنْهُ
فاجتَنِبُوه، وما أَمَرِتُكُم بِهِ ، فَافَعلُوا مِنهُ مَا اسْتَطَعْتُم)) .
القسم الثاني : أن يؤخذَ إسنادُ متنٍ فَيُجعلَ على متنٍ آخر ، وبالعكس ،
وهذا قد يُقصدُ به أيضًا الإغرابُ، فيكون كالوضع، وقد يُفعل اختبارًا
لحفظِ المحدِّث أو لِقَبولِه التلقين، وقد فَعل ذلك شُعبةُ وحَمَّادُ بنُ سلمة
وأهلُ الحديثِ .
وَقَلَبَ أَهْلُ بَغْدَادَ عَلَى البُخَارِيِّ مِائَةَ حَدِيثٍ امتِحَانًا، فَرَدَّهَا
عَلَى وُجُوهِهَا؛ فَأَذْعَنُوا بِفَضِلِهِ .
(وقَلَبَ أهلُ بغدادَ على البخاريِّ) لمَّا جاءهم (مائةَ حديثٍ امتحانًا ،
فردَّها على وجوهِها، فأذعنوا بفضلِهِ) وذلك فيما رواه الخطيب (٢):
حذَّثني محمد بنُ أبي الحسَن الساحلي: أنا أحمدُ بنُ حسَنِ الرازيُّ :
سمعتُ أبا أحمد بن عدي يقول : سمعتُ عِدَّةَ مشايخَ يَحكون، أنَّ محمدَ
ابن إسماعيل البخاريَّ قَدِمَ بغداد، فسمع به أصحابُ الحديثِ ، فاجتمعوا
وعمدوا إلى مائةٍ حديثٍ فَقَلبوا متونَها وأسانيدَها، وجعلوا متنَ هذا
الإسنادِ الإسنادٍ آخر، وإسناد هذا المتنِ لمتنٍ آخر، ودفَعوه إلى عشرةٍ
أنفسٍ ، إلى كلِّ رَجلِ عشرة، وأمَروهم إذا حضّروا المجلسَ يُلقون ذلك
على البخاري، وأخَذُوا الموعدَ(٣) للمجلس.
(١) أخرجه: البخاري (١١٧/٩)، ومسلم (١٠٢/٤).
(٢) («تاريخ بغداد)) (٢٠/٢، ٢١).
(٣) في ((ص)): ((الوعد)).

٤٩٦
النوع الثاني والعشرون
فحضّر المجلسَ جماعةُ أصحابِ الحديثِ مِن الغُرباء مِن أهل خُراسان
وغيرهم ومِن البغداديين، فلما اطمأنَّ المجلسُ بأهله انتدب إليه رجلٌ من
العشرةِ، فسألَه عن حديثٍ مِن تلكَ الأحاديثِ، فقال البخاريُّ:
لا أَعرفه. فسألَه عن آخرَ، فقال: لا أَعرفه. فما زالَ يُلقي عليه واحدًا
بعد واحدٍ حتَّى فرغ مِن عشرتِهِ، والبخاريُّ يقول: لا أعرفه .
فكان الفهماءُ ممَّن حضر المجلسَ يلتفتُ بعضُهم إلى بعض
ويقولون : الرجلُ فَهِمَ . ومَن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاريّ
بالعجزِ والتقصيرِ وقِلَّةِ الفهم !
ثم انتدب إليه رجل آخر مِن العشرة، فسأله عن حديثٍ مِن تلك
الأحاديث المقلوبةِ ، فقال البخاري: لا أعرفه، [فسأله عن آخر، فقال:
لا أعرفه](١) فلم يزل يُلقي إليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ مِن عشرتِهِ،
والبخاريُّ يقول : لا أَعرفه .
ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة، حتى فَرَغُوا كلَّهم مِن
الأحاديثِ المقلوبةِ ، والبخاريُّ لا يزيدُهم على: لا أعرفه .
فلما عَلِمَ البخاري أنهم قَد فرغوا، التفتَ إلى الأولِ منهم فقال : أما
حديثُك الأَوَّلُ فهو كَذا، وحديثُكَ الثاني فهو كَذا، والثالثُ والرابعُ على
الولاءِ، حتى أتَى على تمام العشرةِ، فردَّ كلَّ متنٍ إلى إسنادِه، وكلَّ إسنادٍ
إلى مَتنه، وفعلَ بالآخرين مِثلَ ذلك، وردَّ متونَ الأحاديثِ كلها إلى
(١) ليس في ((ص)).

٤٩٧
المقلوب
أسانيدِها، وأسانيدَها إلى متونِها، فأقرَّ له الناسُ بالحفظِ ، وأَذعنوا له
بالفضل(١) .
• تنبيهاتٌ :
الأول : قال العراقيُّ (٢): في جَوازِ هذا الفعل نَظرٌ، إلَّا أنه إِذا فَعله
أهلُ الحديثِ لا يستقرُّ حديثًا، وقد أنكَر حرميٍّ على شعبةَ لمَّا قَلَب
أحاديثَ على أبانِ بنِ أبي عياشٍ، وقال: يا بِئْسَ ما صَنَعَ ، وهذا يحلّ؟!
الثاني : قد يقعُ القلبُ غلطًا لا قصدًا، كما يقعُ الوضعُ كذلك، وقد
مَثَّله ابنُ الصلاح(٣) بحديثٍ رواه جريرُ بنُ حازم، عن ثابتٍ، عن أنسٍ
مرفوعًا: ((إِذَا أُقيمتِ الصَّلاةُ فلا تَقُومُوا حَتَّى تَرَونِي)» (٤) .
فهذا حديثٌّ انقلبَ إسنادُه على جريرٍ، وهو مشهورٌ ليحيى بن
أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبيِّ وَّرَ، هكَذا
رواهُ الأئمةُ الخمسة (٥)، وهو عند مسلم والنسائيِّ(٦) من روايةٍ حجاجٍ بن
(١) قال الحافظ في ((النكت)) (٨٦٩/٢ - ٨٧٠): ((سمعت شيخنا غير مرة يقول:
ما العجب من معرفة البخاري بالخطإٍ من الصواب في الأحاديث؛ لاتساع معرفته ؛
وإنما يتعجب منه في هذا لكونه حفظ موالاة الأحاديث على الخطإٍ من مرة واحدة)).
(٢) ((التبصرة)) (٢٨٤/١).
(٣) ((علوم الحديث)) (ص : ١٣٥).
(٤) أخرجه: ابن عدي (٥٥١/٢)، وانظر ((جامع الترمذي)) (٣٩٥/٢)، و((العلل الكبير))
له (ص : ٨٩).
(٥) أخرجه: البخاري (١٦٤/١)، وأبو داود (٥٣٩)، والترمذي (٥٩٢).
(٦) ((صحيح مسلم)) (٢ / ١٠٠)، و ((سنن النسائي)) (٢/ ٨١).

٤٩٨
النوع الثاني والعشرون
أبي عثمان الصواف، عَن يحيى، وجريرٌ إنَّما سمعه من حجاج فانقلبَ
عليه .
وقد بيَّن ذلك حمادُ بنُ زيدٍ، فيما رواه أبو داود في ((المراسيل)) (١)،
عن أحمدَ بنِ صالحٍ، عن يحيى بنِ حَسَّان، عنه، قال : كنتُ أنا وجريرٌ
عند ثابت ، فحدَّث حجاجٌ، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن
أبيه؛ فظن جريرٌ أنه إنما حدث به ثابتٌ، عن أنسٍ(٢) .
الثالث: هذا آخِرُ ما أورده المصنّفُ مِن(٣) أنواع الضعيفِ، وبَقِي(٤)
عليه ((المتروكُ))، ذكّره شيخُ الإسلام في ((النخبة)) (٥) ، وفسَّره بأن يَرويه
من يُتَّهِمُ بالكذبِ ، ولا يُعرف ذلك الحديثُ إلا مِن جِهته، ويكون مُخالفًا
للقواعدِ المعلومةِ .
قال: وكذا مَن عُرف بالكذبِ في كَلامه، وإن لم يظهر منه وقوعُه في
الحديث، وهو دُون الأوَّلِ . انتهى .
وتقدمتِ الإشارةُ إليه عَقِب الشاذِّ والمُنكَرِ .
الرابعُ : تقدَّم أنَّ شرَّ الضعيفِ الموضوعُ، وهو أمرٌ مُتَّفقٌ عليه، ولم
يذكرِ المصنّفُ ترتيبَ أنواعِهِ بعد ذلك .
(١) ((المراسيل)) (٦٤).
(٢) راجع: كتابي ((الإرشادات)) (ص ٣٣٠ .٣٣٢).
(٣) في ((ص)): ((في )) .
(٥) ((نزهة النظر)) (ص: ١٢٢).
(٤) في ((ص)): ((وبوب)).

٤٩٩
المقلوب
ويليه المتروكُ، ثم المُنكرُ، ثم المعللُ، ثم المدرجُ، ثم المقلوبُ،
ثم المضطربُ، كذا رتَّبه شيخُ الإسلامِ .
وقال الخطابيُّ (١) : شرُّها الموضوعُ، ثم المقلوبُ، ثُم المجهولُ.
وقال الزركشيُّ في ((مختصره)): ما ضَعفه لا لعدم اتصالِه سبعةُ
أصنافٍ، شَرُّها (٢) الموضوعُ، ثُم المُدرَجُ، ثُم المقلوبُ، ثُم المنكرُ،
ثم الشاذُّ، ثم المعللُ، ثم المضطربُ . انتهى .
قلتُ : وهذا ترتيبٌ حسنٌ، ويَنبغي جعلُ المتروكِ قَبل المدرَجِ ، وأن
يقال فيما ضَعفُه لعدم اتصالٍ : شرُّه المُعضلُ، ثُم المنقطعُ، ثُم المدلسُ،
ثُم المرسلُ، وهذا واضحٌ .
ثم رأيتُ شيخَنا الإمامَ الشُّمُنِّيَّ نقل قولَ الجوزقانيّ: المعضلُ أسوأ
حَالًا مِن المنقطع، والمنقطع أسوأ حالاً من المرسلِ .
وتعقّبه بأنَّ ذلك إذا كان الانقطاعُ في موضع واحدٍ ، وإلّا فهو يُساوي
المعضلَ .
فَرِعٌ: إِذَا رَأَيَتَ حَدِيثًا بِإِسنَادٍ ضَعِيفٍ فَلَكَ أَن تَقُولَ: ((هُوَ
ضَعِيفٌ بِهِذَا الإِسنادِ))، وَلا تَقُل: ((ضَعِيفُ الْمَتْنِ)) لِمُجَرَّدِ
ضَعِفِ ذَلِكَ الإِسنَادِ إِلاَّ أَن يَقُولَ إِمَامٌ: ((إِنَّهُ لَمْ يُروَ مِن وَجهٍ
صَحِيحٍ))، أو: ((إِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ)) مُفَسِّرًا ضَعِفَهُ، فَإِن
ئے
أَطلَقَ فَفِیهِ کَلامٌ یَأتِي قَریبًا .
(١) ((معالم السنن)) (١١/١).
(٢) في ((ص)): ((سردها)).
٠٠-١٠.٠٠٠٠٠ . .....
.........................* -**

٥٠٠
النوع الثاني والعشرون
(فرعٌ) فيه مسائلُ تتعلَّقُ بالضعيفِ (١):
(إذا رأيتَ حديثًا بإسنادٍ ضعيفٍ، فَلَكَ أن تقولَ: هو ضعيفٌ بهذا
الإسنادِ . ولا تَقُل: ضعيفُ المتنِ) ولا ضعيفٌ، وتطلقُ المجردِ ضعفٍ
ذلك الإسنادِ) فقد يكون له إسنادٌ آخرُ صحيحٌ (إلا أنْ يقولَ إمامٌ: إنه لم
يُروَ مِن وجهٍ صحيحٍ) أو ليس له إسنادٌ يَثبتُ بهِ (أو إنه حديثٌ ضعيف
مُفَسِّرًا ضعفَه، فإن أُطلقَ) الضعفَ(٢)، ولم يبيِّن سببَهُ (ففيه كلامٌ يأتي
قريبًا) في النوعِ الآتي .
فوائدُ :
الأولى: إذا قال الحافظُ المُطَّلِعُ الناقدُ في حديثٍ: ((لا أَعرفه)) اعتُمدَ
ذلك في نفيه، كما ذكر شيخُ الإسلام .
فإن قيل : يُعارضُ هذا ما حُكي عن أبي حازم أنه رَوَى حديثًا بحضرةٍ
الزهريِّ، فَأَنكره وقال: لا أعرفُ هذا. فقال له: أحفظتَ حديثَ
رسولِ اللَّهُ وَلّ كله؟ قال: لا. قال: فَنِصفَه(٣)؟ قال: أَرجو. قال:
اجعل هذا في النّصفِ الذي لَم تَعرفهُ(٤).
هذا وهو الزُّهريُّ، فما ظَنُّك بغيرِه؟!
وقريبٌ منه: ما أسنَده ابنُ النجارِ في ((تاريخه)) عن ابن أبي عَائشة،
قال: تكلّم شابٌ يَومًا عند الشعبيِّ، فقال الشعبيُّ: ما سمعنا بهذا. فقال
(١) في ((م)): ((بالضعف)».
(٢) في ((ص)): ((الضعيف)).
(٤) تقدمت هذه القصة مع التعليق عليها .
(٣) في ((م)): ((نصفه)) .

٥٠١
المقلوب
الشابُ: كل العلم سمعتَ؟ قال: لا. قال: فشطره؟ قال: لا . قال :
فاجعل هذا في الشَّطرِ الذي لم تَسمعهُ. فَأَقْحِمَ(١) الشعبيُّ.
قُلنا : أجيب عن ذلك بأنه كان قَبل تَدوينِ الأخبارِ في الكُتبِ ، فكان
إذ ذاك عند بعض الرواةِ ما ليس عِند الحفاظِ ، وأمَّا بعد التدوينِ والرجوعِ
إلى الكُتب المُصنَّةِ ، فيبعدُ عدمُ الاطلاعِ مِن الحافظِ الجهبِذ على ما يُورِدُه
غيرُه ؛ فالظاهرُ عَدمُه .
الثانيةُ: أَلَّف عُمَرُ بن بدر الموصلي - وليس مِن الحُفاظ - كتابًا في
قولهم: ((لم يصحَّ شيءٌ في هذا الباب))، وعليه في كثيرٍ مما ذكره انتقادٌ .
الثالثةُ: قولُهم: ((هذا حديثٌ ليس له أصلٌ))، أو ((لا أصل له)).
قال ابنُ تيمية: معناه : ليسَ له إسنادٌ(٢) .
(١) في ((ص)): ((فألجم)) .
(٢) هذا اصطلاح المتأخرين، أما المتقدمون فإنهم لا يقصدون بقولهم: ((لا أصل له)) نفي
جنس الإسناد، وإنما يقصدون نفي أن يكون للحديث أصل يرجع إليه، أي : مخرجٌ
صحيحٌ، أو إسنادٌ صحيحٌ تقوم به الحجة ، يُرجعُ إليه .
ومن ذلك : قول محمد بن علي بن حمزة المروزي : سألت يحيى بن معين عن هذا
الحديث - يعني: حديث عوف بن مالكٍ، عن النبي وَّرَ: ((تفترق أمتي ... )) . قال :
((ليس له أصل)). قلت: فنعيمُ بن حمادٍ؟ قال: ((نعيمٌ ثقةٌ))! قلت: كيف يحدث ثقة
بـ ((باطل))؟! قال: ((شُبِّه له)).
وهو في «تاريخ بغداد)) (٣٠٧/١٣ - ٣٠٨).
وكذا؛ قولهم: ((لا إسناد له))، هو كمثل قولهم: ((لا أصل له))، لا يقصدون نفي
جنس الإسناد، وإنما يقصدون إسنادًا صالحًا للحجة، إسنادًا يصلح الاعتماد عليه .
ومن ذلك: أن الإمام أحمد بن حنبل - عليه رحمة الله - سئل عن بعض أسانيد =

٥٠٢
النوع الثاني والعشرون
وَإِذَا أَرَدتَ رِوَايَةَ الضَّعِيفِ بِغَيْرِ إِسنَادٍ فَلا تَقُل: ((قَالَ رَسُولُ اللَّه
وََّ كَذَا)) وَمَا أَشْبَهَهُ مِن صِيَغِ الْجَزْمِ، بَل قُل: ((رُوِيَ كَذَا)) أو
((بَلَغْنَا كَذَا» أو «ورَدَ)) أَو ((جَاءَ)) أَو ((ثُقِلَ)) وَمَا أَشبَهَهُ، وَكَذَا
مَا تَشُكَّ في صِخَّتِهِ.
(وإذا أردتَ روايةَ الضعيفِ بغيرِ إسنادٍ فلا تَقُل: ((قال رسولُ اللَّهِ عَليه
كذا))، وما أشبهه مِن صيغ الجزم) بأنَّ رسولَ اللّه وَ قالَه (بَل قُل (١):
(رُوِي) عنه (كذا))، أو ((بَلَغنا) عنه (كذا))، أو ((وَرَدَ) عَنه)) (أو ((جاء)
عنه)) (أو ((نُقِل) عنه)) (وما أشبهه) مِن صيغ التمريض، كَ (رَوَىُ بعضُهم))
(وكذا) تقول في (ما تَشُكُّ في صحتِه) وضعفه .
أمَّ الصَّحيحُ فاذكُرُه بصيغةِ الجزمِ، ويَقْبُحُ فيه صيغةُ التمريضِ، كما
يقبحُ في الضعيفِ صيغةُ الجزمِ .
وَيَجُوزُ عِندَ أَهلِ الَحَدِيثِ وَغَيْرِهِم التَّسَاهُلُ فِي الْأُسَانِيدِ، وَرِوَايَةُ
مَا سِوَىُ المَوضُوعِ مِنَ الضَّعِيفِ، والعَمَلُ بِهِ مِن غَيِرِ بَيَانِ
= حديث: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) فقال: ((ليس له إسناد))، وهذا الحديث له
أسانيد كثيرةٌ، ثم إنه سئل عن الحديث بإسناده، والإسناد معروفٌ والإمام أحمد يعرفه .
وهذا كله؛ يطلقونه سواء كان الراوي الذي أخطأ في الحديثِ ثقةً أو غيرَ ثقةٍ، وسواء كان
خطؤه في المتن أو في الإسناد، وعلى الثاني فمرادهم أنه لا أصل له بهذا الإسناد .
(١) في ((م)): ((قل قد) .

٥٠٣
المقلوب
ضَعِفِهِ فِي غَيرِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعالَى، وَالأَحِكَام: كَالحَلاَلِ وَالحَرَامِ،
وَبِمَّا لا تَعَلَّقَ لَهُ بِالعَقَائِدِ وَالأحكامِ.
(ويجوزُ عندَ أهلِ الحديثِ وغيرِهم التساهلُ في الأسانيدِ) الضعيفةِ
(وروايةُ ما سوى الموضوع من الضعيفِ، والعملُ به مِن غيرِ بيان ضعفِه
في غيرِ صفات اللَّهِ تعالى) وما يجوزُ ويستحيلُ عليه، وتفسيرِ كلامِه
(والأحكام؛ كالحلالِ والحرام و) غيرهما، وذلك كالقَصَص وفضائلٍ
الأعمالِ والمواعظِ وغيرِها (مما لا تَعَلَّقَ له بالعقائدِ والأحكام).
وممن نُقل عنه ذلك: ابنُ حَنبلِ (١)، وابنُ مهديٍّ(٢)، وابنُ
المباركِ (٣)، قالُوا: إذا روينا في الحلالِ والحرامِ شَدَّدنا، وإذا روينا في
الفضائل ونحوها تَسَاهلنا .
تنبية :
•
لم يذكرِ ابنُ الصلاح والمصنّفُ - هنا وفي سَائرٍ كُتبه - لما ذکر سِوى
هذا الشرطِ، وهو كَونه في الفضائلِ ونحوِها، وذكر شيخُ الإسلام(٤) له
ثلاثةً شروطٍ :
أحدها : أن يكون الضعفُ (٥) غيرَ شديدٍ، فيخرجُ مَن انفردَ مِنَ
(١) (تهذيب الكمال)) (١٠٩/٢٩).
(٢) الحاكم في ((المستدرك)) (٤٩٠/١)، والخطيب في ((الجامع)) (٩١/٢).
(٣) ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٣٠/٢ - ٣١).
(٤) مقدمة ((تبيين العجب)) له، ونقلها عنه السخاوي ((فتح المغيث)) (٣٣٢/١ - ٣٣٤).
(٥) في ((ص): ((الضعيف)).

٥٠٤
النوع الثاني والعشرون
الكَذَّابين والمُتَّهمين بالكذبِ، ومَن فَحُشَ غَلطُهُ؛ نقل العلائيُّ الاتفاقَ
عليه .
الثاني : أن يندرجَ تحت أصلٍ معمولٍ به .
الثالث : أن لا يعتقدَ عند العملِ به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط .
وقال : هذان ذكّرهما ابنُ عبدِ السلام وابنُ دقيقِ العيدِ .
وقيل : لا يجوزُ العملُ به مُطلَقًّا؛ قاله أبو بكر ابن العربيِّ .
وقيل : يُعملُ بِهِ مُطلقًا. وتقدَّم عزو ذلك إلى أبي داودَ وأحمدَ ،
وأنَّهما يَرَيان ذلك أَقوىُ مِن رأي الرِّجالِ .
وعبارةُ الزَّركشيِّ : والضعيفُ مردودٌ ما لم يقتضِ تَرغيبًا أو ترهيبًا، أو
تَتَعَذَّدْ طُرقُهُ ولم يكنِ المتابعُ مُنحطًا عنه .
وقيل : لا يُقبل مُطلقًا .
وقيل : يُقبل إن شَهد له أصلٌ أو اندرجَ تحتَ عُموم. انتهى .
ويعملُ بالضعيفِ أيضًا في الأحكام إذا كان فيه احتياطٌ .

٥٠٥
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
النَّوعُ الثَّالثُ وَالعِشرُونَ :
صِفَةُ مَن تُقبَلُ رِوَايَتُهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ
وَفِيهِ مَسائلُ :
إِحِدَاهَا: أَجَمَعَ الْجَمَاهِيرُ مِن أَثْمَّةِ الَحَدِيثِ وَالفِقهِ: أنَّهُ يُشتَرَطُ
فِيهِ أن يَكُونَ عَدلًا ضَابِطًا بِأَنْ يَكُونَ مُسلِمًا، بَالِغًا، عَاقِلًا،
سَلِيمًا مِن أسبَابِ الفِسقِ وَخَوَارِمِ الْمُرُوءَةِ، مُتَيَقْظًا، حَافِظًا إِن
حَدَّث مِن حِفظِهِ، ضَابِطًا لِكِتَابِهِ إِن حَدَّثَ مِنْهُ، عَالِمًا بِمَا
يُجِيلُ المَعنَى إِن رَوَى بِهِ.
(النوعُ الثالثُ والعشرون: صفةُ مَن تُقبلُ روايتُه) ومَن تُردُّ (وما يتعلقُ
به) مِن الجرحِ والتعديلٍ
(وفيه مسائلُ : إحداها : أجمعَ الجماهيرُ مِن أئمةِ الحديثِ والفقهِ) على
(أنه يُشترطُ فيه) أي مَن يُحتجُّ بروايته (أَن يكونَ عدلًا ضابطًا) لما يرويه .
وفَسَّر العدلَ (بأَن يكونَ مسلمًا بالغًا عاقلًا) فلا يُقبلُ كافرٌ ومجنونٌ
مُطبقٌ بالإجماع، ومَن تقطّع جنونهُ وأثَّر في زمنٍ إِفاقته، وإن لم يؤثّر
قُبِلَ، قاله ابن السمعاني ، ولا صبي على الأصحِّ، وقيل: يُقبل المميزُ إن
لَم يُجرَّب عليه الكذبُ .
(سليمًا مِن أسبابِ الفسقِ وخوارم المروءةِ) على ما حُرِّر في بابٍ

٥٠٦
النوع الثالث والعشرون
الشهاداتِ من كُتبِ الفقهِ، وتخالفهما (١) في عدم اشتراطِ الحريةِ
والذكورةِ، قال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَيَنَُّواْ﴾
[الحجرات: ٦] وقال: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُتُ﴾ [الطلاق: ٢].
وفي الحديث: ((لا تَأْخُذُوا العلم إلا ممن تَقبَلُون شهادته)). رواه
البيهقي في ((المدخل)) من حديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا وموقوفًا(٢).
وروى أيضًا من طريقِ الشعبيِّ، عنِ ابنِ عُمر، [عن عُمر](٣)، قال:
كان يَأمرنا أن لا نأخذَ إلَّا عن ثقةٍ .
وروى الشافعيُّ (٤) وغيرُه، عن يحيى بنِ سعيدٍ(٥)، قال: سألتُ ابنًا
لعبد الله بن عُمر عن مسألةٍ فلم يَقُل فيها شيئًا، فقيل له: إنَّا لنعظمُ أن
يكون مِثْلُك ابن إمامي هدىْ تُسألُ عن أمرٍ ليس عِندك فيه علمٌ؟ فقال :
أَعظم واللَّهِ من ذلك عند اللَّه، وعند من عَرَفَ اللَّه، وعند مَن عَقَّلَ
عَنِ اللَّه أن أقولَ بما ليس لي فِيهِ عِلمٌ، أو أخبرَ عن غيرِ ثقةٍ .
قال الشافعيُّ: وقال سعدُ بنُ إبراهيم: لا يُحدِّثُ عن النبيِّ وَّهِ إلَّا
الثقاتُ. أسنده مسلمٌ في ((مقدمة الصحيح)) (٦).
(١) في ((م): ((وتخالفها)).
والضمير عائد إلى الشهادة والرواية .
(٢) ولا يصح رفعه .
(٣) ليس في ((م))، ولعل الأشبه: ((عن ابن عمر، أن عمر كان يأمرنا ... )) والله أعلم.
(٥) بعده في ((ص)): ((وغيره)).
(٤) ((المسند» (ص: ٣٤٢).
(٦) (١/ ١١ - ١٢) .

٥٠٧
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
وأَسند عن ابن سِيرينَ (١): إنَّ هذا العلمَ دِينٌ، فانظُروا عمَّن تأخذون
دِینکم .
وروى البيهقيُّ عنِ النخعيِّ قال: كانوا إذا أَتوا الرجلَ ليأخُذُوا عنه،
نَظَروا إلى سَمته وإلى صَلاته وإلى حَاله، ثُم يَأْخُذُونَ عنه .
وفسَّر الضبطَ بأن يكونَ (متيقظًا) غيرَ مغفلِ (حافظًا إن حَدَّث مِن
حفظِه، ضابطًا لكتابِهِ) مِنَ التبديلِ والتغييرِ (إن حَدَّث منه) ويُشترَطُ فيه -
مع ذلك - أن یکون (عالمًا بما يُحیلُ المعنی إن رَوَیُ به).
الثَّانِيَةُ: تَثْبُتُ العَدَالَةُ بِتنصِيصِ عَالمِيْنِ عَلَيهَا أَو بِالاستِفاضَةِ ،
فَمَنِ اشْتَهَرَت عَدَالَتُهُ مِنْ أَهلِ العِلمِ، وَشَاعَ الثَّنَاءُ عَلَيهِ بِهَا -
كَفَى فِيهَا: كَمَالِكٍ، والسُّفْيَانَيْنِ، وَالأوزَاعِيٌّ، وَالشّافِعِيُّ، و
أَحَدَ، وَأَشبَاهِهِم.
وَتَوَسَّعَ ابنُ عبدِ البَرِّ، فَقَالَ: كُلُّ حَامِلٍ عِلمِ مَعرُوفِ العِنَايَةِ بِهِ
تَحمُولٌ أَبَدًا عَلَى العَدَالَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ جَرِحُهُ. وَقَولُهُ هَذَا غَيرُ
مَرضيٍّ.
(الثانيةُ: تَثبتُ العدالةُ) للراوي (بتنصيصٍ عالمين عليها) وعبارةُ ابن
(١) (مقدمة الصحيح)) (١١/١).

٥٠٨
النوع الثالث والعشرون
الصلاح(١): مُعَدِّلَين، وعَدَلَ (٢) عَنه لِمَا سيأتي أنَّ التعديلَ إنما يُقبل مِن
عَالمٍ . (أو بالاستفاضةِ) والشهرةِ .
(فَمَنِ اشْتَهَرت عدالتُه من (٣) أهلِ العلم) مِن أهلِ الحديثِ أو غيرِهم
(وشاع الثناءُ عليه بها، كَفَى فيها) أي في عَدالته، ولا يحتاجُ مع ذلك
إلى مُعدِّل ينصُّ عليها (كمالكِ والسفيانَينِ والأوزاعيّ والشافعيّ وأحمدَ)
ابن حنبلٍ (وأشباهِهم).
قال ابنُ الصَّلاحِ (٤): هذا هو الصحيحُ في مَذهبِ الشافعيِّ، وعليه
الاعتمادُ في أُصولِ الفقهِ .
وممَّن ذكره من أهلِ الحديث الخطيب (٥)، ومَثّله بمن ذكر، وضمَّ
إليهم: الليثَ، وشعبةَ، وابنَ المبارك، ووكيعًا، وابنَ معينٍ ، وابن
المدينيِّ، ومَن جَرَىُ مَجرَاهم في نَبَاهة الذِّكرِ واستقامةِ الأمرِ ، فلا يُسألُ
عَن عدالةِ هؤلاءِ، وإنَّما يُسألُ عن عدالةِ مَن خَفِي أمُرُه .
وقد سُئل ابنُ حنبلٍ عن إسحاق بن راهويه؟ فقال(٦): مِثلُ إسحاقَ
يُسأل عنه؟!
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٣٧).
(٢) يعني : النووي .
(٣) في بعض نسخ المطبوع وكذا في ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص١٣٧): ((بين)) مكان
((من))، لكن اختيار النووي المشار إليه سابقًا يرجح صحة ((من))، مع ما بعده من
تفسير السيوطي .
(٤) ((علوم الحديث)) (ص: ١٣٧).
(٦) ((السير)) (٣٧٢/١١).
(٥) ((الكفاية)) (ص : ١٤٧).

٥٠٩
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
وسُئل ابنُ مَعينٍ عن أَبي عُبيدٍ؟ فقال (١) : مِثلي يُسأَلُ عَن أَبي عبيد؟!
أبو عبيد يُسألُ عن الناسِ .
وقال القاضي أبو بكر الباقلانيُّ : الشاهدُ والمخبِرُ إنما يَحتاجان إلى
التزكية إذا لم يكونا مَشهورَينِ بالعدالةِ والرضَى، وكان أمرُهما مُشكِّلًا
ملتبسًا، ومجوَّزًا فيهما العدالة وغيرها .
قال: والدليلُ على ذلك: أنَّ العِلمَ بظهورِ سترهما (٢) واشتهارِ
عدالتهما أَقوَى في النفوسِ مِن تعديلٍ واحدٍ واثنين يجوز عليهما الكذب
والمحاباة .
(وتَوَسَّع) الحافظ أبو عُمر (٣) (ابنُ عبدِ البرِّ، فقال: كلُّ حاملٍ علمٍ
معروفِ العنايةِ به) فهو عَدلٌ (محمولٌ) في أَمره (أبدًا على العدالةِ ، حتى
یتبینَ جَرحُه) .
ووافَقه على ذلك ابنُ المَوَّاقِ - مِن المتأخّرِينَ - لقوله ◌َ: «يَحملُ
هذا العلمَ مِن كلِّ خَلَفٍ عُدُولُه، يَتفون عنه تحريفَ الغَالين، وانتحالَ
المُبطِلين، وتأويل الجاهلين)) .
رواه مِن طريقِ العقيليِّ (٤) مِن روايةِ معانٍ بن رفاعة السَّلامي، عن
إبراهيم بن عبد الرحمن العذري مرفوعًا .
(١) ((تاريخ بغداد)) (٤١٤/١٢)، و((تهذيب الكمال)) (٣٥٨/٢٣)، و((سير أعلام النبلاء)»
(٥٠٣/١٠) .
(٢) في ((ص)): ((سرهما))، وفي ((م)): ((سيرهما))، والمثبت من ((الكفاية)) (ص١٤٨).
(٤) ((الضعفاء الكبير)) (٢٥٦/٤).
(٣) ((التمهيد)) (٢٨/١).