النص المفهرس
صفحات 541-560
٤٧٠ النوع الحادي والعشرون سيف بن عُمر التميمي ، قال : كنتُ عِند سعدِ بن طَريفٍ، فجاء ابنُه مِن الكُتَّاب يَيكي، فقال: مَا لَك؟ قال: ضَرَبني المُعلِّمُ. قال: لأخزينَّهم اليومَ؛ حدَّثني عكرمةُ، عن ابن عباس مرفوعًا: ((مُعَلِّمُو صِبيَانِكم شِرَارُكم، أَقلُّهم رحمةً لليتيمِ، وأَغلَظُهم على المسكينِ»(١) . وقيل لمأمونِ بنِ أحمدَ الهرويِّ : ألا ترىُ إلى الشافعيِّ ومَن تَّبِعه بخُراسان؟ فقال: حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه: ثنا عبدُ اللَّه بنُ معدان الأزدي، عن أنسٍ مرفوعًا: ((يَكُونُ في أُمتي رَجُلٌ يُقالُ له مُحمَّدُ بنُ إِدِرِيسَ، أضَرُّ على أُمَتِي مِن إِلِيسَ، ويَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالَ لَه أَبو حَنيفة ، هُو سِرَاجُ أُمَتي، هُوَ سراج أمتي (٢)(٣) . وقيل لمحمدِ بنِ عُكاشة الكرمانيّ : إنَّ قومًا يَرفعون أيديهم في الركوع وفي الرفع منه؟ فقال : ثنا المسيبُ بنُ واضح: ثنا ابنُ المبارك، عن يونسَ بنِ يزيدَ، عنِ الزهريِّ، عن أنسٍٍ مرفوعًا: ((مَن رَفَعَ يَديه في الرُّكُوعِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ)) (٤) . ومِن المُخالِفِ للعقلِ : ما رواه ابنُ الجوزي من طريقِ عبدِ الرحمن بنِ زيدٍ بن أَسلم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: ((إِنَّ سَفِينةَ نوحِ طَافَت بالبيتِ سَبعًا، وَصَلَّت عِندَ المَقَامِ رَكَعَتينٍ)) (٥) . (١) ((المجروحين)) لابن حبان (٣٥٣/١). (٢) التكرار في ((م)) فقط. (٣) ((المجروحين)) لابن حبان (٤٦/٣). (٤) ((المجروحين)) لابن حبان (٤٥/٣ - ٤٦). (٥) ((الموضوعات)) لابن الجوزي (١٤٢/١ - ١٤٣). ٤٧١ الموضوع وأسَنَدَ من طريقِ محمدِ بن شُجاعِ البلخي، عن حبَّان بنِ هَلالٍ، عن حَماد بن سلمةَ، عن أبي المهزم، عَن أبي هريرة مَرفوعًا: ((إنَّ اللَّه خَلَقَ الفَرَسَ فَأَجْرَاهَا فَعَرِقَتْ، فَخَلَقَ نَفْسَه مِنَها)) (١) . هذا لا يضعهُ مُسلِمٌ، والمتهمُ به محمدُ بن شُجاع، كان زَائغًا في دِينه ، وفيه أبو المهزم، قال شعبةُ: رأيتهُ ولو أُعطي دِرهمًا وضَع خمسين حديثًا(٢) . وَقَدْ أَكْثَرَ جَامِعُ المَوضُوعَاتِ فِي نَحوِ نُجَلَّدَينِ - أَعْنِي: أَبَا الفَرَجِ ابنَ الجَوزِيِّ - فَذَكَرَ کَثِيرًا مِمّا لا دَلِیلَ عَلَى وَضعِهِ، بَل هُوَ ضَعِيفٌ . (وقد أكثرَ جامعُ الموضوعاتِ في نحوٍ مجلدين - أَعنِي: أبا الفرج ابنَ الجوزيُّ -، فَذَكَر) في كتابه (كثيرًا مما لا دليلَ على وضعهِ، بل هو (١) ((الموضوعات)) لابن الجوزي (١٤٩/١). (٢) قال ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١٤٩/١ - ١٥٠) عن الحديث الثاني: «هذا حديث لا يُشك في وضعه، وما وضع مثل هذا مسلم، وإنه لمن أرْ الموضوعات وأبردها؛ إذ هو مستحيل؛ لأن الخالق لا يخلق نفسه، وقد اتهم علماء الحديث بوضع هذا الحديث محمد بن شجاع)) . ثم قال: ((ومثل هذا الحديث لا يحتاج إلى اعتبار رواته ؛ لأن المستحيل لو صدر عن الثقات رُدَّ ونسب إليهم الخطأ، ألا ترى أنه لو اجتمع خلق من الثقات ، فأخبروا أن الجمل قد دخل في سمِّ الخياط لما نفعتنا ثقتهم، ولا أثرت في خبرهم ؛ لأنهم أخبروا المستحيل ... )). ٤٧٢ النوع الحادي والعشرون ضعيفٌ) بل وفيه الحَسَنُ ، بَل والصحيحُ، وأَغربُ مِن ذلك أن فيها حديثًا مِن ((صحيح مسلم)) كما سأُبيِّنه . قال الذهبيُّ: رُبما ذكر ابنُ الجوزي في ((الموضوعات)) أحاديثَ حِسانًا قويةً . قال : ونقلتُ مِن خطّ السيدِ (١) أحمدَ بن أبي المَجدِ ، قال: صنّف ابنُ الجوزي كتابَ «الموضوعات))، فأصابَ في ذِكره أحاديثَ شنيعةً مخالفةً لِلنقلِ والعقلِ ، ومما لم يصب فيه إطلاقه الوضع على أحاديثَ بكلامٍ بعضٍ الناس في أحد رُواتها، كقوله: ((فلانٌ ضعيفٌ))، أو (( ليسَ بالقويِّ))، أو ((لَيِّنٌ))، وليس ذلك الحديثُ مما يَشهدُ القلبُ بِبُطلانِهِ، ولا فيه مُخالفَة ولا معارضة لِكِتابٍ ولا سُنةٍ ولا إجماع، ولا حُجة بأنّه موضوعٌ سوى كلام ذلك الرَّجلِ في رواتِهِ (٢)، وهذا عُدوانٌ ومُجازَفةٌ . انتهى . وقال شيخُ الإسلام(٣) : غالبُ ما في كتابِ ابنِ الجوزي موضوعٌ، والذي يُنتَقَدُ عليه بالنسبةِ إلى ما لا يُنتقد قَليل جدًّا . قال : وفيه مِن الضررِ أن يظنَّ ما ليس بموضوع موضوعًا، عكس الضررِ بـ((مستدرَك الحاكم))؛ فإنَّه يُظَنَّ ما ليس بصحيحٍ صحيحًا . (١) في ((ص))، و((م)): ((السيف))، والمثبت من المطبوع . (٢) في المطبوع: ((راويه))، وكأنه أشبه . (٣) ((النكت)) (٨٤٨/٢ - ٨٥٠) ٤٧٣ الموضوع قال : ويتعين الاعتناءُ بانتقادِ الكتابين ؛ فإنَّ الكلامَ في تَسَاهلهما أَعدَمَ الانتفاعَ بهما إلا لعالم(١) بالفن؛ لأنه ما مِن حديثٍ إلا ويُمكنُ أن يكونَ قد وقع فيه التساهلُ . قلتُ : قد اختصرت هذا الكتابَ، فعلقتُ أسانيدَه، وذكرتُ منها موضعَ الحاجَةِ ، وأتيتُ بالمتونِ وكلام ابن الجوزيِّ عليها ، وتعقبتُ كثيرًا منها، وتتبعتُ كلام الحُفاظِ في تلك الأحاديثِ، خُصوصًا شيخ الإسلام في تصانيفه وأَماليه، ثم أفردتُ الأحاديثَ المتعقبةَ في تأليفٍ ؛ وذلك أن شيخ الإسلام ألّف: ((القول المسدد في الذب عن المسند)) أورد فيه أربعة وعشرين حديثًا في ((المسند))، وهي في ((الموضوعاتِ))، وانتقدها حديثًا حديثًا، ومِنها حديثٌ في ((صحيح مسلم)) (٢)، وهو ما رواه مِن طريق أبي عامرِ العَقَدي، عن أفلحَ بنِ سعيدٍ ، عن عبدِ الله بنِ رافع، عن أَبي هُريرة قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَّه: ((إن طَالَت بِكَ مُدَّةٌ أوشَكَ أَن تَرَىُ قَومًا يَغْدُون في سَخَطِ اللَّهِ ويَرُوحون فِي لَعَتَتِهِ، في أيديهم مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ)) . قال شيخُ الإسلام: لَم أقف في كتاب ((الموضوعات)) على شيءٍ حُكم عليه بالوضع وهو في أحدِ ((الصحيحين)) غير هذا الحديثِ، وإنها الغفلةٌ شديدةٌ، ثم تكلّم عليه وعلى شواهدِه . وذَيَّلتُ على هذا الكتابِ بذيلٍ في الأحاديثِ التي بَقِيَت في الموضوعاتِ مِن (المُسنَدِ))، وهي أربعةَ عشرَ مع الكلام عليها، ثم ألَّفتُ (١) في ((ص)): ((العالم)). (٢) (٨/ ١٥٥) . ٤٧٤ النوع الحادي والعشرون ذيلًا لهذين الكتابين سمَّيته: ((القول الحسَن في الذبِّ عن السُّنَن))، أوردتُ فيه مائةً وبضعةٌ وعِشرين حَديثًا ليست بموضوعةٍ . منها: ما هو في (( سنن أبي داود)) وهو أربعةُ أحاديث: منها : حديثُ صلاة التسبيحٍ . ومنها: ما هو في ((جامع الترمذيِّ))، وهو ثلاثةٌ وعشرون حديثًا . ومنها: ما هو في (( سُننِ النسائيِّ))، وهو حديثٌ واحدٌ . ومنها: ما هو في (( ابن ماجه))، وهو ستةَ عشَر حديثًا . ومنها: ما هو في ((صحيح البخاريِّ))، رواية حمادِ بنِ شاكرٍ، وهو حديثُ ابن عمر: ((كيفَ يا ابن عمرَ إذا عمرتَ بين قومٍ يخبّئون رزقَ سنتهم؟)) . هذا الحديثُ أورده الديلميُّ في ((مسندِ الفِردوس))، وعزاه للبخاريِّ ، وذكَر سندَه إلى ابنِ عُمر، ورأيتُ بخط العراقيّ أنَّه ليس في الرواية المشهورة ، وأنَّ المزيَّ ذكَر أنه في رواية حمادٍ بن شاكرٍ، فهذا حديثٌ ثانٍ في أحد (( الصحيحين)) . ومنها: ما هو في تأليف البخاري غير الصحيح كـ((خلق أفعالٍ العباد))، أو تعاليقه في ((الصحيح)). أو في مؤلَّفِ أُطلق عليه اسمُ الصحيح، كـ ((مسند الدارمي)) و ((المستدرك)) و(( صحيح ابن حبان)). ٠٠٠ ٤٧٥ الموضوع أو في مؤلف مُعتبَرِ كتصانيف البيهقيِّ؛ فقدِ التزمَ أن لا يُخرِّجَ فيها حديثًا يَعلمه موضوعًا . ومنها : ما ليس في أحدٍ هذه الكُتب . وقد حررتُ الكلامَ على ذلك حديثًا حديثًا ، فجاء كِتابًا حَافلًا ، وقلتُ في آخره نظمًا : أبي الفرج الحافظِ المُقْتَدِي كتابُ الأباطيلِ للمرتضِي الذي البصَرِ الناقدِ المهتدِي تضمنَ ما ليسَ مِنْ شرطِهِ وفوقَ الثلاثينَ عَنْ أحمدِ ففيه حديثٌ روى مسلمٌ روايةٍ حمادِ المُسْنِدِ وفردٌ رواه البخاريُّ في وعند سليمانَ قُلْ أربعٌ وللنسئي واحدٌ(١) وابن ما وعند البخاريِّ لا في الصحيح وعند ابن حبان والحاكم الـ ويضعٌ وعِشرونَ في الترمذِي جة ستَّ عشرةَ إن تَعْدِد وللدرامي الحَبْرِ في المسنَدِ إمامٍ وتلميذِه الجِهْبِذِي وخُذْ مثلَها واستفِذْ وانقُدٍ وتعليق أستاذهِمْ(٢) أربعون وقد بانَ ذلك مجموعُهُ وثَمَّ بقايا لمُسْتَذْرِكٍ وأوضحتُه لكَ کني تهتدي فما جُمعَ العلمُ في مُفْرَدِ (١) في ((ص))، ((م): ((أحمد))، خطأ. (٢) في ((المطبوع)): ((إسنادهم)). ٤٧٦ النوع الحادي والعشرون وَالوَاضِعُونَ أَقْسَامٌ، أعظَمُهُم ضَرَرًا قَومٌ يُنسَبُونَ إِلَى الزُّهدِ، وضَعُوهُ حِسبَةً فِي زَعمِهِم، فَقُبِلَت مَوضُوعَاتُهُمْ ثِقَةً بِهِم. (والواضعون أقسامٌ) بحسبِ الأمرِ الحاملِ لهم على الوضعِ: (أعظمُهم ضررًا: قومٌ يُنسَبون إلى الزهدِ، وَضَعُوه حِسبَةً) أي احتسابًا للأجرِ عِندَ اللَّهِ (في زعمِهم) الفاسد (فَقُبِلَت موضوعاتُهم ثِقَةً بهم) ورُكونًا إليهم، لما نُسبوا إليه مِن الزُّهدِ والصَّلاحِ . ولهذا، قال يحيى القطَّانُ(١): ما رأيتُ الكذبَ في أحدٍ أكثرَ مِنه فِیمَن يُنسب إلى الخيرِ . أي : لعدم عِلمهم بتفرقةِ ما يَجوزُ لهم وما يمتنعُ (٢) عليهم، أو لأنَّ عندهم حُسنَ ظنِّ وسلامةَ صَدرٍ، فَيَحملون ما سمعوه على الصدقِ، ولا يهتدون لتمييزِ الخَطٍ مِن الصوابِ. ولكن الواضعون منهم، وإن خَفي حالُهم على كثيرٍ مِن الناس ؛ فإنه لم يخفَ على جَهابذةِ الحديثِ ونُقَّادِه . وقد قيل لابنِ المباركِ (٣) : هذه الأحاديثُ المصنوعةُ. فقال: تَعيشُ لها الجهَابذةُ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. (١) ((الضعفاء)) للعقيلي (١٤/١)، و((الجامع)) للخطيب (١٣٩/١)، و((التمهيد)) لابن عبد البر (١/ ٥٢) . (٢) في ((ص)): (يتبع)) . (٣) ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٣/١، ١٢/٢)، و((الكفاية)) للخطيب (ص: ٨٠). ٤٧٧ الموضوع ومِن أمثلةِ من وضع حِسبةً : ما رواه الحاكمُ بسَندِهِ إلى أبي عَمَّارٍ (١) المروزي ، أنه قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم : مِن أينَ لكَ عن عكرمةً عن ابنِ عباسٍ في فَضَائل القرآن سورة سورة، وليس عِند أصحابٍ عكرمةَ هذا؟ فقال: إنِّي رأيتُ الناسَ قد أعرضوا عنِ القرآنِ، واشتغلوا بفقهِ أبي حنيفة ومغازي ابنِ إسحاقَ، فوضعتُ هذا الحديثَ حِسبةُ . وكان يُقال لأبي عصمة هذا: ((نوحٌ الجامِعُ)) قال ابنُ حبان(٢): جَمَع كلَّ شيءٍ إلَّ الصَّدَقَ . وروى ابن حبان في ((الضعفاءِ)) عن ابن مَهدي قال : قلتُ لميسرة بن عبد ربه : مِن أين جئتَ بهذه الأحاديث : مَن قرأ كذا فله كذا؟ قال : وضعتُها أُرغّب الناسَ فيها(٣). (١) في ((ص)): ((عامر). (٢) كما في ((تهذيب الكمال)) (٦١/٣٠). (٣) كما في ((لسان الميزان)) (١٩٨/٧)، وقال محمود بن غيلان: سمعت المؤمل ذكر عنده الحديث الذي يروى عن أبي، عن النبي وَّر في ((فضل القرآن)). فقال : لقد حدثني رجلٌ ثقةٌ - سمَّاه - قال: حدثني رجلٌ ثقة - سماه - قال : أتيت المدائن، فلقيت الرجل الذي يروي هذا الحديث، فقلت له : حدثني؛ فإني أريد أن آتي البصرة، فقال : هذا الرجل الذي سمعناه منه هو بواسط في أصحاب القصب ! قال: فأتيت واسطًا، فلقيت الشيخ، فقلتُ: إِنِّي كنت بالمدائن، فدلّني عليك الشيخ، وإني أريدُ أن آتي البصرة، قال : إن هذا الذي سمعت منه هو بالكلاء! فأتيت البصرة، فلقيت الشيخ بالكلاء، فقلت له : حدثني ؛ فإني أريد أن آتي عبَّادان . فقال: إن الشيخ الذي سمعناه منه هو بعبادان ! فأتيت عبَّادان، فلقيت الشيخ، فقلت له: اتق اللَّه؛ ما حال هذا الحديث؟! أتيت = ٤٧٨ النوع الحادي والعشرون وكان غلامُ خليلِ يَتزهَّدُ ويهجرُ شهواتِ الدنيا وغُلِّقت أسواقُ بغدادَ لِمَوتهِ، ومع ذلك كان يضعُ الحديثَ، وقيل عند مِوته: حسن ظنك؟ قال : كيف لا وقد وضعتُ في فضل عليٍّ سبعين حديثًا . وكان أبو داود النخعي أطولَ الناسِ قِيامًا بليلٍ وأكثرهم صِيامًا بنهارٍ وكان يَضَعُ . قال ابنُ حبان : وكان أبو بِشرٍ أحمدُ بنُ محمدٍ الفقيه المروزي مِن أصلبٍ(١) أهلِ زمانهِ في السُّنة، وأَذبُهم عنها، وأَقْمَعِهم لِمَن خَالفها، وكان مع هذا يضعُ الحديثَ . وقال ابنُ عديٍّ : كان وهبُ بنُ حفصٍ مِن الصالحين ، مكَث ◌ِشرينَ سَنةً لا يُكلِّم أحدًا، وكان يَكِذبُ كَذِبًا فاحشًا . = المدائن، فقصصت عليه، ثمَّ واسطًا، ثم البصرة، فدللت عليك، وما ظننت إلا أن هؤلاء كلهم قد ماتوا! فأخبرني بقصة هذا الحديث؟! فقال إنا اجتمعنا هنا، فرأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، وزهدوا فيه، وأخذوا في هذه الأحاديث، فقعدنا، فوضعنا لهم هذه الفضائل حتى یرغبوا فيه !! راجع: ((الكفاية)) للخطيب (ص٥٦٧ - ٥٦٨)، و((شرح الألفية)) للعراقي (٢٧٠/١ . ٢٧١)، وكذا؛ ((التقييد والإيضاح)) له (ص١٣٤)، و((النكت)) لابن حجر (٨٦٢/٢)، وستأتي . قال الشيخ المعلمي اليماني - رحمه اللّه. في ((علم الرجال وأهميته)) (ص٢٣) معلقًا على هذه القصة : ((لعلَّ هذا الرجل قطع نحو ثلاثة أشهر مسافرًا لتحقيقٍ رواية هذا الحديث الواحد)). (١) في ((ص)): ((أطلب)) وهو خطأ . ٤٧٩ الموضوع وَجَوَّزَتِ الكَرَّامِيَّةُ الوَضعَ فِي التَّرغِيبِ وَالتَّهِيبِ، وَهُوَ خِلاَفُ إِجَمَاعِ المُسلِمِينَ الَّذِينَ يُعتدُّ بِهِم. (وجوَّزَت الكَرَّامِيَّةُ) - وهُم قومٌ مِنَ المُبتدعةِ نُسبوا إلى محمد بِن كرَّامِ السجستاني المتكلِّم، بتشديد الراء في الأشهر - (الوضعَ في الترغيبِ والترهيبٍ) دُون ما يتعلق به حُكمٌ مِن الثوابِ والعقابِ ؛ تَرغيبًا للناسِ في الطاعةِ ، وتَرهيبًا لهم عَنِ المعصيةِ . واستدلُّوا بما رُوي في بعضٍ طُرق الحديثِ: ((مَن كَذَب عَليَّ مُتَعَمِّدًا لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ)» . وحَمَل بعضُهم حديثَ ((مَن كَذَب عَليَّ)) أي قال: إنه شاعرٌ أو مجنونٌ . وقال بعضهم : إنَّما نكذبُ له لا عَليه . وقال محمدُ بنُ سعيدِ المصلوبُ الكذَّابُ الوضَّاعُ (١) : لا بأسَ إِذا كان كلامٌ حَسَنٌ أَن يَضَعَ له إسنادًا . وقال بعضُ أهلِ الرأي - فيما حكى القرطبي -: ما وافق القياسَ الجليَّ جاز أن يُعزي إلى النبيِّ ◌َّل . قال المصنّفُ - زيادةً على ابنِ الصلاح - : (وهو) وما أَشبهه (خلافُ (١) ((المجروحين)) لابن حبان (٢٤٨/٢)، و((تهذيب الكمال)) (٢٦٦/٢٥). ٤٨٠ النوع الحادي والعشرون إجماع المسلمينَ الذين يُعتَدُّ بهم) بل بالغَ الشيخُ أبو محمدٍ الجُويني فجزَم بتكفيرِ واضعِ الحديثِ(١). (١) قال الإمام النووي في ((شرح مسلم)) (١/ ٧٠ . ٧١) : ((لا فرق في تحريم الكذب عليه وهو بين ما كان في الأحكام وما لا حكم فيه ؛ كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك ؛ فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع، خلافًا للكرامية الطائفة المبتدعة في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، وتابعهم على هذا كثيرون من الجهلة الذين ينسبون أنفسهم إلى الزهد أو ينسبهم جهلة مثلهم . وشبهة زعمهم الباطل: أنه جاء في رواية ((من كذب علي متعمدًا ليضل به فليتبوأ مقعده من النار)) وزعم بعضهم أن هذا كذب له عليه الصلاة والسلام لا كذب عليه . وهذا الذي انتحلوه وفعلوه واستدلوا به غاية الجهالة ونهاية الغفلة، وأدل الدلائل على بعدهم من معرفة شيء من قواعد الشرع، وقد جمعوا فيه جملًا من الأغاليط اللائقة بعقولهم السخيفة وأذهانهم البعيدة الفاسدة، فخالفوا قول اللَّه ◌َا: ﴿وَلَا نَفْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْؤُّ إِنَّ الشَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَاَلْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وخالفوا صريح هذه الأحاديث المتواترة والأحاديث الصريحة المشهورة في إعظام شهادة الزور، وخالفوا إجماع أهل الحل والعقد، وغير ذلك من الدلائل القطعيات في تحريم الكذب على آحاد الناس، فكيف بمن قوله شرع وكلامه وحي، وإذا نظر في قولهم وجد كذبًا على اللّه تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَّ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحٌَ يُؤُعَى﴾ [النجم: ٣-٤]. ومن أعجب الأشياء؛ قولهم: ((هذا كذب له))، وهذا جهل منهم بلسان العرب وخطاب الشرع؛ فإن كل ذلك عندهم كذب عليه، وأما الحديث الذي تعلقوا به فأجاب العلماء عنه بأجوبة : أحسنها وأخصرها: أن قوله: ((ليضل الناس)) زيادة باطلة اتفق الحفاظ على إبطالها، وأنها لا تعرف صحيحة بحال . = ٤٨١ الموضوع وَوَضَعَتِ الزَّنَادِقَةُ جَمَلًا، فَبَيَّنَ جَهَابِذَةُ الْحَدِيثِ أَمْرَهَا، وَلله الحَمدُ. (ووَضعَت الزنادقةُ جُمَلًا) مِن الأحاديثِ يُفسدون بها الدِّين (فبيَّن جَهابذةُ الحديثِ ) أي نقاده - بفتحِ الجِيمِ، جَمعُ جِهِیذٍ بالكَسرِ ، وآخرُه مُعجمةٌ - (أَمَرَها، ولله الحمدُ) . وروى العقيليُّ (١) بسَندِه إلى حمادِ بن زيدٍ قال: وضعتِ الزنادقة على رسولِ اللَّهُ وَّل أربعةَ عشر ألف حديثٍ. مِنهم: عبدُ الكريم بنُ أبي العوجاء(٢) الذي قتل وصلب في زمن المهدي ، قال ابن عدي : لما أُخذ ليُضرب عنقُه قال : وَضعتُ فيكم أربعةَ آلافٍ حديثٍ، أحرِّم فيها الحلالَ، وأُحلِّلُ فيها الحرام . = الثاني : جواب أبي جعفر الطحاوي ، أنها لو صحت لكانت للتأكيد ، كقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اَفْتَرَىْ عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. الثالث: أن اللام في «ليضل)) ليست لام التعليل بل هي لام الصيرورة والعاقبة، معناه: أن عاقبة كذبه ومصيره إلى الإضلال به، كقوله تعالى: ﴿فَلْنَقَطَهُوءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ونظائره في القرآن وكلام العرب أكثر من أن يحصر . وعلى هذا؛ يكون معناه : فقد يصير أمر كذبه إضلالاً . وعلى الجملة ؛ مذهبهم أرك من أن يعتنئ بإيراده، وأبعد من أن يهتم بإبعاده، وأفسد من أن يحتاج إلى إفساده. والله أعلم)) . (١) ((الضعفاء)) للعقيلي (١٤/١). (٢) في ((ص)) و((م)): ((العرجاء)) بالراء ، وهو خطأ . ٤٨٢ النوع الحادي والعشرون وكَبَيَانِ بنِ سمعان النهدي ، الذي قَتله خالدٌ القَسريُّ، وأحرقه بالنار . قال الحاكمُ : وكمحمد بن سعيدِ الشاميِّ المصلوبِ في الزندقةِ، فَرَوَىُ عن حُميدٍ عن أنسٍ مرفوعًا: (( أَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ ، لا نَبِيَّ بَعدِي إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)). وضَع هذا الاستثناءَ لِما كان يَدعو إليه مِن الإلحادِ والزندقةِ والدعوةِ إلى التَّنبي . وهذا القِسمُ مُقابِلُ القِسمِ الأولِ مِن أقسام الواضعين، زاده المصنّفُ على ابنِ الصلاح . ومنهم: قِسمٌ يَضعون انتصارًا لِمذهبهم؛ كالخطّابيةِ، والرافضةِ، وقومٍ مِن السَّالمية . روىُ ابنُ حبان في ((الضعفاءِ)) (١) بسندهِ إلى عبدِ الله بن يزيد المقري، أن رجلًا مِن أهل البِدَع رجَع عَن بِدعته، فجعل يقول : انظُروا هذا الحديثَ عمَّن تَأْخُذونه، فإنَّا كُنا إذا رأينا رأيًا جَعلنا له حديثًا . وروى الخطيبُ بسندٍ عن حماد بن سلمةَ قال: أخبرني شيخٌ مِنَ الرافضةِ أنَّهم كانوا يجتمعون على وضعِ الأحاديثِ . وقال الحاكمُ: كانَ محمدُ بنُ القاسم الطايكاني (٢) مِن رُءوس المرجئةِ ، وكَان يضعُ الحديثَ على مَذهبهم . (١) ((المجروحين)) (٨٢/١). (٢) في ((ص))، ((م)): ((الطانكاي))، والصواب المثبت، كما في ((الأنساب)) (٣٥/٤). ٤٨٣ الموضوع ثم رَوى بسندِه عن المحاملي قال : سمعتُ أبا العيناء يقول : أنا والجاحظُ وَضَعنا حديثَ فدك، وأدخلناه على الشيوخ ببغداد فَقَبِلوه، إلَّا ابن شيبة العلوي، فإنه قال: لا يُشبه آخرُ هذا الحديثِ أَوَّلَه، وأَبَى أن يقبله . وقِسمٌ: تقرَّبوا لبعضٍ الخُلفاءِ والأُمراءِ بوضع ما يُوافق فِعلَهم وآراءهم ؛ كغياتِ بنِ إبراهيمَ، حيث وضَع للمهديِّ في حديثٍ: (( لا سَبَقَ إِلَّ فِي نَصلِ أَو خُفُّ أو حَافرٍ)). فزاد فيه (( أو جَنَاح))، وكان المهدي إذ ذاكَ يلعب بالحَمَامِ ، فتركَها بعد ذلك وأمرَ بذبحها، وقال: أنا حملتُه على ذلك. وذكر أنه لمَّا قام قال: أشهدُ أن قَفَاكَ قَفَا كذَّابٍ . أسنده الحاكم . وأَسند عن هارونَ بن أبي عبيد اللّه، عن أبيه، قال: قال المهديُّ : ألا ترى ما يقولُ لي مُقاتِلٌ؟ قال: إن شِئتَ وَضعتُ لك أحاديث في العباس. قلتُ : لا حاجة لي فيها . وضَربٌ: كانوا يَتكسَّبون بذلك، ويَرتزقون به في قَصَصهم، كأبي سَعيدٍ المدائنيّ . وضَربٌ: امتُحنوا بأولادِهم، أو ربائبَ، أو ورَّاقين، فوضعوا لهم أحاديثَ، ودسُّوها عليهم، فحدَّثوا بها مِن غَيرِ أن يشعروا؛ كعبدِ اللهِ بنِ محمدِ بن ربيعةَ القدامي، وكحماد بنِ سَلمة، ابتُلي بِرَبِهِ ابنِ أبي العوجاء، فکان یدسُ في كُتبه . وكمعمرٍ ، كان له ابنُ أخ رافضيٍّ ، فدسَّ في كُتبه حديثًا عن الزُّهريِّ، ٠٠١٠٠ ٤٨٤ النوع الحادي والعشرون عن عُبيدِ اللَّهِ بن عبدِ الله، عن ابنِ عباسٍ قال: نظَر النبيُّ نَّهَ إِلَى عَلَيٍّ فقال : ((أنتَ سَيّدٌ فِي الدُّنيا سَيّدٌ فِي الآخِرَةِ، ومَن أَحَبَّكَ فَقَد أَحَبَّنِي، وحَبِي حَبِيبُ اللَّهِ ، وعدوك عدوي، وعدوي عدو اللَّهِ ، والويلُ لِمَن أَبِغَضَكَ بَعدِي)) فحدَّث به عبد الرزّاق عن مَعمرٍ، وهو باطلٌ موضوعٌ، كما قالَه ابنُ معين(١) . (١) (١) راجع ((المستدرك)) (١٢٨/٣)، و((تاريخ بغداد)) (٤٢/٤)، وكتابي ((الإرشادات)) (ص ٨٩ -٩٠). وفي ((سير أعلام النبلاء)) (٥٧٥/٩ - ٥٧٦)، عن الحاكم، قال: سمعت أبا أحمد الحافظ : سمعت أبا حامد ابن الشرقي وسئل عن حديث أبي الأزهر، عن عبد الرزاق. يعني: عن معمر بالإسناد المذكور . في فضل عليٍّ، فقال: هذا باطل، والسبب فيه : أن معمرًا كان له ابن أخ رافضي، وكان معمر يمكنه من كتبه ، فأدخل عليه هذا الحديث ، وكان معمر مهيبًا لا يقدر أحد على مراجعته، فسمعه عبد الرزاق في كتاب ابن أخي معمر)) . لكن ؛ تعقبه الذهبي قائلًا : ((قلت : هذه حكاية منقطعة، وما كان معمر شيخًا مغفلًا يروج هذا عليه ، كان حافظًا بصيرًا بحديث الزهري)» . قلت : وليس هذا دفاعًا عن الحديث، بل عن معمر ، وإلا فالحديث عند الذهبي ليس بعيدًا عن الوضع، كما في ((تلخيص المستدرك))، إلا أن الذهبي يحمل فيه على عبد الرزاق . وكذا صرح في (السير)) (٥٧٤/٩) بأنه ((شبه موضوع))، وأنه ((أفظع حديث لعبد الرزاق))، ومثله في ((الميزان)) (٦١٣/٢). وقال في ((السير)) (٣٦٧/١٢): ((ولتشيع عبد الرزاق سُرَّ بالحديث، وكتبه، وما راجع معمرًا فيه، ولكنه ما جسر أن يحدث به كمثل أحمد وابن معين وعليٍّ، بل ولا خرجه في تصانيفه، وحدث به وهو خائف يترقب)). يشير لما في ((المستدرك)) (١٢٨/٣). = ٤٨٥ الموضوع وضربٌ: يَلجئونَ إلى إقامةِ دليلٍ على ما أَفتوا به بآرائِهم فَيَضعون، وقيل : إنَّ الحَافِظ أبا الخطّاب ابنَ دحيةً كان يَفعلُ ذلك، وكأنَّه الذي وضَع الحديثَ في قَصرِ المَغرب . وضَربٌ: يَقلِبُونَ سَنَدَ الحديثِ ليستغربَ ، فيرغبَ في سَماعِهِ مِنهم ، كابنِ أبي حَيَّة، وحَمادِ النصيبي، و بهلول بن عُبيدٍ، وأصرم بنِ حَوشب . وضَربٌ: دعتهم حاجةٌ إليه، فوضعوه في الوقتِ، كما تقدَّم عن سعدِ(١) بنِ طريفٍ، ومحمدٍ بن عكاشة، ومأمون الهرويِّ. • فائدةٌ : قالَ النَّسائيُّ: الكَذَّابونَ المعروفون بوضع الحديث أربعةٌ : ابنُ أبي يَحيى بالمدينةِ ، والوَاقديُّ ببغدادَ، ومُقاتلٌ بِخُراسان، ومحمدُ بنُ سَعيدِ المصلوبُ بالشام . وَرُبَّمَا أُسنَدَ الوَاضِعُ كَلامًا لِنفسِهِ أَو لِبعضِ الْحُكَمَاءِ، وَرِبَّمَا وقعَ في شِبهِ الوَضعِ بِغَیِرِ قَصدٍ . (وربما أَسنَد الواضعُ كلامًا لنفسِه) كأكثرِ الموضوعاتِ (أو لبعضٍ الحكماءِ) أو الزهاد أو الإسرائيليات، كحديث: ((المَعِدَةُ بَيتُ الذَّاءِ، = هذا؛ وقد أنكره أيضًا ابن عدي على عبد الرزاق، كما في ((الكامل)) (١٩٦/١)، (١٩٥٢/٥). (١) في ((ص))، و((م)): ((سعيد))، خطأ . ٤٨٦ النوع الحادي والعشرون والحميةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ)) لا أصل له مِن كلامِ النبيِّ نََّ، بل هُو مِن كَلامِ بعض الأطباءِ، قيل : إنَّه الحارثُ بنِ كلدةَ طبيب العرب . ومَثَّله العراقيُّ في ((شرح الألفية)) (١) بحديثٍ: ((حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ)) . قال : فإنَّه إِمَّا مِن كلام مالكِ بنِ دینارٍ ، کما رواه ابنُ أبي الدنيا في «مكائدِ الشيطانِ)) بإسنادِه إليه ، أو مِن كلام عيسى ابن مريمَ، كما رواه البيهقي في ((الزهد)) (٢)، ولا أصل له مِن حديثٍ النبيِّ وَّر، إلا مِن مراسيل الحسن البصري، كما رواه البيهقيُّ في ((شُعب الإيمان)) (٣)، ومراسيلُ الحَسَنِ عندهم شِبهُ الريحِ . وقال شيخُ الإسلام : إسنادُه إلى الحسَنِ حَسنٌ، ومراسيلُه أَثنى عليها أبوزرعة وابنُ المديني ، فلا دليلَ على وَضعهِ . انتهى . والأَمرُ كما قالَ . (وربما وَقَع) الراوي (في شبهِ الوضعِ) غلطًا منه (بغيرِ قصدٍ) فليسَ بموضوعٍ حقيقةً، بل هو بقسم المُدرَج أولى، كما ذكره شيخُ الإسلام في ((شرح النخبة)) (٤)، قال: بأن يسوق الإسناد، فيعرض له عارضٌ، فيقولُ كلامًا مِن عند نَفسه، فيظنُّ بعضُ مَن سَمِعه أنَّ ذلك متنُ ذلك الإسناد فیرویه عنه كذلك . (١) ((التبصرة)) (٢٧٤/١ - ٢٧٥). (٢) حديث (٢٤٩)، فصل: في ترك الدنيا ... (٣) ((شعب الإيمان)) (٣٣٨/٧). (٤) ((نزهة النظر)) (ص: ١٢٤). ٤٨٧ الموضوع كحديثٍ رواه ابنُ ماجه (١) عن إسماعيلَ بنِ محمدِ الطلحي، عن ثابتٍ ابنِ مُوسى الزاهدِ ، عن شريكٍ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيان، عن جابرٍ مرفوعًا: ((مَن كَثرت صَلاَتُه بالليلِ حَسُنَ وَجِهُهُ بالنهارِ)) . قال الحاكم: دخل ثابتٌ على شريكٍ وهو يُملي ويقولُ: ثنا الأعمش، عن أبي سُفيان، عن جَابرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّه ◌ِهِ. وسكَت لِيَكْتُبَ المُستَملي، فلمَّا نظَر إلى ثابتٍ قال: ((مَن كَثُرَت صَلَاتُهُ بِاللَّيلِ حَسُنَ وَجهُهُ بِالنَّهَارِ))، وقصَد بذلك ثابتًا لزُهدِهِ وورعِه، فظنَّ ثابتٌ أنَّه متنُ ذلك الإسنادِ، فکان یُحدِّث به . وقال ابن حبان(٢): إنَّما هو قولُ شَريكِ، قالَه عَقِبَ حديثٍ الأعمشِ، عن أبي سفيان، عن جابر: ((يَعقِدُ الشَّيطَانُ عَلى قَافِيةِ رَأْسٍ أحَدِكُم)) فأَدرجَه ثابتٌ في الخبرِ، ثم سَرقه منه جماعةٌ مِن الضُّعفاءِ، وحدَّثوا به عَن شريكِ ؛ كعبدِ الحميدِ بنِ بَحرٍ، وعبدِ الله بنِ شُبرمة(٣)، وإسحاقَ بنِ بِشرِ الكَاهليِّ، وجماعةٍ آخرين(٤). (٢) كما في ((تهذيب التهذيب)) (١٦/٢). (١) («السنن)) (١٣٣٣). (٣) في ((ص): ((بن أبي شبرمة)). (٤) ومثّل له أبو يعلى الخليلي في ((الإرشاد)) (١٦٩/١ - ١٧٠) بمثال آخر، جعله مثل هذا المثال، وهو حديث محمد بن الحسن بن زبالة، عن مالك، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا: ((افتتحت البلاد بالسيف، وافتتحت المدينة بالقرآن)). قال الخليلي : ((لم يروه عن مالك إلا محمد بن الحسن بن زبالة، وليس بالقوي ، لكن أئمة الحديث قد رووا عنه هذا، وقالوا: هذا من كلام مالك بن أنس نفسه . = ٤٨٨ النوع الحادي والعشرون وَمِنَ المَوْضُوعِ: الَحَدِيثُ المَرِيُّ عَنِ أَبي بنِ کَعبٍ فِي فَضلٍ القُرآنِ سُورَةً سُورَةً، وَقَد أَخِطَأَ مِن ذَكَرَهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. (ومن الموضوع: الحديثُ المرويُّ عن أبيّ بنِ كعبٍ) مرفوعًا (في فضلِ القرآنِ سورةُ سورةً) مِن أوَّلِهِ إلى آخرِه . فروينا عن المؤملِ بنِ إسماعيلَ، قَالَ: حدثني شيخٌ به، فقلتُ للشيخ : مَن حدثك؟ فقال : حدثني رجلٌ بالمدائن، وهو حَيٍّ. فَصِرتُ إليه فَقُلت: مَن حدَّثك؟ فقال : حدَّثني شيخٌ بواسط ، وهو حيٍّ . فصرتُ إليه، فقال: حدَّثني شيخٌ بالبصرةِ. فَصِرتُ إليه، فقال: حدَّثني شيخٌ بعبَّادان. فَصِرتُ إليه، فأخذَ بيدي فأَدخلني بَيْتًا، فإذا فيه قومٌ مِن المتصوفةِ ومعهم شيخٌ، فقال : هذا الشيخُ حدثني . فقلتُ : يا شيخُ، مَن حدَّثك؟ فقال: لم يُحدِّثني أحدٌ ، ولكنَّا رأينا الناسَ قد رَغِبوا عنِ القُرآنِ، فوضَعنا لهم هذا الحديثَ ليصرفوا قلوبَهم إلى القرآنِ(١). قلتُ: ولم أقف على تَسميةِ هذا الشيخ، إلَّا أن ابنَ الجوزيّ أَوردَه في ((الموضوعات)) مِن طريقِ بزيع بنِ حسانَ (٢)، عن عليٍّ بنِ زيدِ بنِ = فعساه قُرئ على مالك حديث آخر عن هشام بن عروة ، فظنَّ هذا أن ذلك من كلام النبي ◌َّة، فحمله على ذلك، ومثل هذا قد يقع لمن لا معرفة له بهذا الشأن ولا إتقان)) . وراجع: ((المنتخب من العلل للخلال)) (٦٨) مع تعليقي عليه . (١) تقدمت - تعليقًا - هذه الحكاية مع تخريجها قبل قليل . (٢) في ((ص)): ((حيان))، وفي ((م)): ((حبان))، والمثبت هو الصواب. = ٤٨٩ الموضوع جدعانَ وعطاءٍ بن أبي ميمونة، عن زِرِ بنِ حُبيشٍ ، عن أبي . وقال : الآفةُ فیه مِن بَزیعٍ . ثم أورده مِن طريقِ مخلدٍ بنِ عبدِ الواحدِ، عن عَليٍّ وعطاءٍ، وقال : الآفةُ فيه مِن مخلدٍ . فكأنَّ أحدَهما وضَعه والآخَرَ سَرَقَه ، أو كلاهما سَرقه مِن ذلك الشيخ الواضع . (وقد أَخطَأَ مَن ذَكَرَه مِن المفسرينَ) في تفسيرِه؛ كالثعلبيِّ، والواحديٍّ، والزَّمخشريِّ، والبيضاويِّ . قال العراقيُّ (١): لكن مَن أبرزَ إسنادَه منهم كالأَوَّلَينِ فهو أبسطُ لعذرِه، إذ أحال ناظرَه على الكشفِ عَنِ سَندِه، وإن كان لا يجوزُ له السكوتُ عليه، وأمَّا مَن لم يبرز سَندَه وأوردَه بصيغةِ الجزم، فخطؤه أَفحشُ . • تنبيهات: الأولُ : مِنَ الباطلِ أيضًا في فضائلِ القرآنِ سورةً سورةً : حديثُ ابنِ عباسٍ ، وضَعه مَيسرةُ كما تقدَّم، وحديثُ أبي أمامة الباهلي، أورده الديلميُّ مِن طريق سلام بن سليم المدائني ، عن هارون بن كثير ، عن زيد ابن أسلم، عن أبيه، عنه . = انظر: ((الموضوعات)) (٣٩٠/١)، و((ضعفاء العقيلي)) (١٥٦/١). (١) ((التبصرة)) (٢٧٢/١).