النص المفهرس

صفحات 441-460

٣٧٠
النوع الثالث عشر
عَلقمة عنه، ثُم محمد بن إبراهيم عَن عَلقمةَ، ثم عنه يحيى بنُ سعيدٍ .
(و) كحديثٍ : (((النهي عن بيع الولاءِ) وهِيتِهِ))(١) تفرَّد به عبدُ الله بنُ
دينارٍ عنِ ابنِ عُمر .
(وغير ذلك) مِن الأحاديثِ الأفرادِ (مما) أخرج (في) كتابي
(الصحيح) كحديث مالكِ، عَنِ الزّهرِيِّ، عن أَنْسٍ، أنَّ النَّبِيَّ نَّهَ دَخَلَ
مَكَّةَ وعَلَى رَأْسِهِ المِغفَرُ(٢) . تفرَّد به مَالِكٌ عَنِ الزُّهريّ .
فكلُّ هذه مخرَّجةٌ في ((الصحيحين))، مع أنَّه [ليس لها إلا إسنادٌ](٣)
واحدٌ ، تفرَّد به ثقةٌ .
وقد قال مسلمٌ (٤): لِلزُّهريِّ نحو تِسعين حَرفًا يَرويه لا(٥) يُشارِكه فيه
أحدٌ بأسانيدَ جِیَادٍ .
قال ابنُ الصلاح(٦): فهذا الذي ذَكَرناه وغيرُه مِن مذاهبٍ أئمةٍ
الحديثِ يُبيِّنُ لكَ أنَّه ليس الأمرُ في ذلك على الإطلاقِ (٧) الذي قَالاه؛
وحينئذٍ (فالصحيحُ التفصيلُ :
فإن كان) الثقةُ (بتفرده مخالفًا أحفظَ منه وأضبطَ) عبارةُ ابنِ
الصلاحِ (٨): لِمَا رَواه مَن هُو أَولى مِنه بالحفظِ لذلك. وعبارةُ شيخٍ
(١) أخرجه: البخاري (١٩٢/٣)، ومسلم (٢١٦/٤).
(٢) أخرجه: البخاري (٢١/٣)، ومسلم (١١١/٤)، ومالك (ص: ٢٧٣).
(٣) في ((ص)): ((ليس له إسناد)).
(٤) ((صحيح مسلم)) (٨٢/٥).
(٥) في ((ص)): ((ولا)).
(٦) ((علوم الحديث)) (ص: ١٠٤).
(٨) ((علوم الحديث)) (ص: ١٠٤).
(٧) في (م)): ((إطلاق)).
٠٥٠-٠,٠٠٠- ١-

٣٧١
الشاذ
الإسلام(١): لِمَن هُو أرجح مِنه لمزيدٍ ضَبطٍ، أو كثرةِ عَدَدٍ، أو غير ذلك
مِن وُجوهِ الترجيحاتِ؛ (كان) ما انفَردَ به (شاذًا مردودًا) .
قال شيخُ الإسلامِ(٢): ومُقابِلُه يُقال له: المحفوظُ .
قال : مثالُه ما رواه الترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجه مِن طريق ابنِ عُيينة ،
عن عَمرِو بنِ دينارٍ ، عن عَوسَجةَ، عن ابنِ عباسٍ ، أن رَجُلًا تُوِّي عَلى
عَهدِ رَسُولِ اللّهِوَّه، ولم يَدَعْ وَارِثًا إلا مَولَّى هُو أَعتقَهُ - الحديث(٣).
وتابعَ ابنَ عيينة على وَصلِه : ابنُ جريج (٤) وغيرُهُ (٥)، وخَالفَهم حمادُ
ابنُ زيدٍ (٦)؛ فرواه عن عَمرِو بنِ دينارٍ عن عَوسَجَةَ، ولم يذكرِ ابنَ
عَبَّاسٍ .
قال أبو حاتم (٧) : المحفوظُ حديثُ ابنِ عُيينةَ .
قال شيخُ الإسلام(٨): فحمادُ بن زيدٍ مِن أهلِ العدالةِ والضبطِ، ومع
ذلك رجَّح أبو حاتمٍ روايةَ مَن هُم أكثرُ عَددًا منه .
(١) ((نزهة النظر)) (ص : ٩٧).
(٢) ((نزهة النظر)) (ص: ٩٧).
(٣) أخرجه: الترمذي (٢١٠٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٤٠٩)، وابن ماجه
(٢٧٤١)، وراجع ((الإرواء)) (١٦٦٩).
(٤) أخرجه: النسائي في ((الكبرى)) (٦٤١٠)، والطبراني في ((الكبير)) (٤٢٧/١١).
(٥) أخرجه: أبو داود (٢٩٠٥)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٤٢/٦) من طريق حماد
ابن سلمة موصولًا .
(٦) أخرجه: البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٤٢/٦).
(٧) ((العلل)) لابنه (٥٢/٢).
(٨) ((نزهة النظر)) (ص: ٥٨).

٣٧٢
النوع الثالث عشر
قال: وعُرف مِن هذا التقريرِ (١): أنَّ الشاذَّ ما رَواهُ المقبولُ مخالِفًا لمَن
هُو أولى مِنه . قال: وهذا هو المعتمدُ في حدِّ الشاذٌ، بحسبِ الاصطلاحِ.
ومِن أمثلتِه في المَتنِ : ما رواه أبو داود والترمذيُّ مِن حديثٍ
عبدِ الواحدِ بن زِيَادٍ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ
مَرفوعًا: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكَعَتَي الفجرِ فَليضطجعِ عَن يمينِهِ))(٢) .
قال البيهقيُّ (٣): خالف عبدُ الواحدِ العددَ الكثيرَ في هذا؛ فإن الناسَ
إنما رَوَوهُ من فِعلِ النبيِّ ◌ََّ لا مِن قولِهِ، وانفرد عبدُ الواحدِ مِن بَيْنِ ثقاتٍ
أصحابِ الأعمشِ بهذا اللفظِ .
(وإن لم يُخالف الراوي) بتفردِهِ غَيرَه، وإنما رَوَى أَمرًا لم يَروِهِ غيرُه،
فينظرُ في هذا الراوي المنفردِ : (فإن كان عدلًا حافظًا موثوقا بضبطِه، كان
تفردُه صحيحًا، وإن لم يُوثَق بحفظه و) لكن (لم يَبعُد عن درجةِ الضابطِ ،
كان) ما انفردَ بهِ (حسنًا، وإن بَعُد) مِن ذلك (كان شاذًّا منكرًا مردودًا).
(والحاصلُ أنَّ الشاذَّ المردود هو الفَردُ(٤) المخالفُ، والفَردُ الذي
ليس (٥) في رُواته مِن الثقةِ والضبطِ ما (٦) يُجْبَرُ به تفردُه) وهو - بهذا
التفسيرِ- يُجامعُ المنکرَ، وسيأتي ما فيه .
(١) في ((ص))، ((م)): ((التقدير)) والمثبت من المطبوع و((النزهة)) (ص٩٨).
(٢) أخرجه أبو داود (١٢٦١)، والترمذي (٤٢٠) وقال: ((حديث حسن صحيح غريب من
هذا الوجه)).
(٥) سقط من ((ص)) .
(٣) ((السنن الكبرى)) (٤٥/٣) بنحوه.
(٦) في ((م): ((لما)).
(٤) في ((ص)): ((المفرد)).

الشاذ
٣٧٣
تنبية :
ما تقدَّم مِنَ الاعتراضِ عَلى الخليليِّ والحاكم بأفرادِ الصَّحيح، أُورِدَ
عليه أمران :
أحدُهما : أنَّهما إنما ذكرا تفردَ الثقةِ، فلا يَرِدُ عليهما تفردُ الضابطِ
الحافظِ؛ لِمَا بَينهما مِنَ الفَرقِ .
وأُجيبَ بأنَّهما أَطلقًا الثقةَ، فَشَمِلَ الحافظَ وغَيرَهُ(١).
(١) وفي هذا الجواب نظر؛ لأن أبا يعلى الخليلي قيد ((الثقة)) بـ ((الشيخ))، فقال: (( ...
والذي عليه حفاظ الحديث : الشاذ : ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ،
ثقة كان أو غير ثقة)) .
والشيوخ دون الحفاظ .
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في ((شرح العلل)) (٤٦١/١):
((لكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة
عمن دون الأئمة الحفاظ ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره، فأما ما انفرد به الأئمة
والحفاظ ، فقد سماه الخليلي: ((فردًا))، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين أو أفراد
إمام عن الحفاظ والأئمة صحيح متفق عليه)) .
قلت: ونص كلامه المتعلق بأفراد الحفاظ في ((الإرشاد)) (١٦٧/١)، قال:
(«وأما الأفراد؛ فما يتفرد به حافظ مشهور ثقة، أو إمام عن الحفاظ والأئمة ، فهو
صحیح متفق عليه)).
وبهذا؛ يسلم كلام الخليلي من النقد الذي أوردوه عليه؛ لأن كلامه ليس في كل ما
يتفرد به الثقات، وإنما يقصد بـ ((الثقات)) هنا: الشيوخ الثقات، ويعني بـ «الشيوخ
الثقات)) أي : الذين لم يبلغوا في الحفظ وسعة الرواية منزلة الزهري وهشام بن عروة
وأمثالهما، فإن من لم يبلغ في الحفظ وسعة الرواية منزلة هؤلاء، يصعبُ عليه أن
يتفرد وأن يكون تفرُدُهُ مقبولًا ؛ لأن التفرد إنما يقبلُ من المكثرينَ الذين سمعوا من =
w.r .-

٣٧٤
النوع الثالث عشر
الثاني: أنَّ حديثَ النيةِ لم يتفرد (١) به عُمر، بَل رواهُ عَنِ النبيِّ ◌َِّه
أبو سَعيدِ الخدريُّ، كما ذكره الدار قطنيُّ(٢) وغيرُه(٣) .
بَل ذكَر أبو القاسم ابن مَندَه أنَّه رَواه سبعةَ عشرَ أُخَرُ مِن الصحابةِ (٤)؛
عليُّ بن أبي طالبٍ، وسعدُ بن أبي وقّاصٍ، وابنُ مَسعودٍ، وابنُ عُمر،
وابنُ عباسٍ، وأنسُ بن مالكِ، وأبو هريرة، ومعاويةُ بنُ أبي سُفيان ،
وعُتبةُ بن عبدِ السلمي ، وهلالُ بن سويدٍ ، وعبادةُ بنُ الصامتِ ، وجابرُ بنُ
عبدِ اللَّه، وعقبةُ بنُ عَامٍ، وأبو ذَرِ الغفاريُّ، وعُتبةُ بنُ النُّدَّر، وعتبةُ بنُ
(٥)
مُسلم (٥) .
وزادَ غيرُه: أبا الدرداء، وسهلَ بن سعدٍ ، والنواسَ بن سمعانَ،
= أهل بلدهم ورحلوا وسمعوا من غير أهل بلدهم، أما من ليس له من الحديث إلا
القليل، ولم يشتغل بالرواية أو بسماع الحديث وروايتهِ اشتغال غيره من الأئمة
الحفاظ، فمثل هذا لا يحتمل تفرده، إنما يحتملُ التفردُ من الرجل الذي سمع
فأوعى، ورحل وطاف البلدان وجاء بما لم يستطعه غيره من الرواة ، فمثل هذا يحتمل
تفرده .
وأما الحاكم، وإن أطلق ((الثقة))؛ إلا أن الأمثلة التي مثَّل بها تدل على أنه لم يقصد
الثقات الحفاظ، وإنما قصد من هم دونهم. والله أعلم .
(٢) ((العلل)) (٢٥٣/١١).
(١) في ((ص)): ((ينفرد)).
(٣) أخرجه: ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١٣١/١)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٣٤٢/٦)،
والخليلي في ((الإرشاد)) (٢٣٣/١).
(٤) ((التقييد والإيضاح)) (ص: ١٠١).
(٥) هؤلاء: ستة عشر، لا سبعة عشر، وقد سقط ذكر ((هزال بن يزيد))، كما في
((النكت)) للزركشي (١٤١/٢).

٣٧٥
الشاذ
وأبا موسى الأشعريٍّ، وصهيبَ بنَ سنانٍ، وأبا أمامة الباهليَّ، وزيد بن
ثابتٍ، ورافعَ بن خديج، وصفوانَ بنَ أَميةَ، وغزيةَ بنَ الحارثِ - أو :
الحارثَ بنَ غُزِيةً.، وعائشةَ، وأُمَّ سَلمةَ، وأُمَّ حَبيبةً، وصفيةَ بنتَ حُبَيِّ .
وذكر ابنُ منده أنه رواه عن عُمر غيرُ عَلقمَة، وعَن علقمةَ غيرُ محمدٍ ،
وعن محمدٍ غیر یحیی(١) .
وأنَّ حديثَ ((النهي عَن بيعِ الولاءِ)) رواه غيرُ ابنِ دينارٍ .
فأخرجه الترمذيُّ في ((العلل المُفرَد))(٢)، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الملك
ابن أبي الشّواربِ ، ثنا يحيى بنُ سليم، عن عُبيد الله بن عُمر، عن نافعٍ،
عَنِ ابن عُمر .
وأخرجه ابنُ عدي في ((الكامل)) (٣)، ثنا عصمةُ البخاريُّ، ثنا إبراهيمُ
ابن فَهدٍ ، ثنا مُسلمٌ، عن محمدِ بنِ دینارٍ ، عن یونسَ - یعنی ابن عُبیدٍ- عن
نافعٍ، عن ابن عُمر .
وأُجِيبَ بأنَّ حديثَ ((الأعمالِ)) لم يصحَّ له طريقٌ غيرُ حديثٍ عُمرَ ،
ولم يَرِد بلفظِ حديثِ عُمر إلَّا مِن حديث أبي سعيدٍ وعليٍّ وأنسٍ
وأبي هُريرة .
(١) المصدر السابق، لكنها كلها معلولة. راجع كتابي ((الإرشادات)) (ص ٥٢، ٢١٩ .
٢٢٢، ٣٢٧ - ٣٢٩) .
(٢) ((العلل الكبير)) (ص: ١٨١).
(٣) ((الكامل)) (٢٦٨/١، ٢٦٩).

٣٧٦
النوع الثالث عشر
فأمَّا حديثُ أبي سعيدٍ ؛ فقد صرَّحوا بتغليط ابنِ أبي روادِ الذي رَواهُ
عن مَالكِ، وممَّن وهمه فيه الدَّار قطنيُّ(١) وغيره .
وحديث عليٍّ في ((أربعين علوية))، بإسنادٍ مِن أهلِ البيتِ ، فيه مَن
لا يُعرفُ .
وحديثُ أنسٍ رواه ابنُ عَساكر (٢) في أول ((أماليه)) مِن رواية يحيى بنِ
سَعيدٍ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن أنسٍ، وقال: غريبٌ جدًّا،
والمحفوظُ حديثُ عُمَرَ .
وحديثُ أبي هريرةَ رواهُ الرشيدُ العطارُ في جزءٍ له بسندٍ ضعيفٍ (٣).
وسائرُ أحاديثِ الصحابةِ المَذكورين إنَّما هي في مُطلق النِّيَّةِ ،
كحديث: ((يُبعثُونَ علىَ نِيَّاتِهِم)) (٤)، وحديث: ((لَيسَ لَهُ مِن غَزَاته إلَّا
مَا نَوَىُ))(٥) ونحو ذلك(٦) .
(١) ((علل الدار قطني)) (٢٥٣/١١) .
(٢) ((تاريخ دمشق)) (٢١٩/٧) في ترجمة إبراهيم بن محمود بن حمزة النيسابوري .
(٣) راجع ((طرح التثريب)) للعراقي (٢/٢، ٣)، ففيه فوائد قيمة عن الحديث المذكور
وطرقه المختلفة .
(٤) أخرجه: أحمد (٣٩٢/٢)، وابن ماجه (٤٢٢٩) من طريق شريك بن عبد اللَّه بإسناده
إلى أبي هريرة ﴿83 بلفظه، وشريك ضعيف .
وهو عند البخاري (٧١/٩)، ومسلم (١٦٥/٨) من حديث ابن عمر رضيها بنحوه.
(٥) أخرجه: أحمد (٣١٥/٥)، والنسائي (٢٤/٦، ٢٥) من حديث عبادة بن الصامت
(٦) ((طرح التثريب)) (٣/٢).

٣٧٧
الشاذ
وهكذا يفعل الترمذي في ((الجامع)) حيث يقول: وفي الباب عن فلانٍ
وفلانٍ؛ فإنه لا يريدُ ذلك الحديثَ المُعيَّنَ، بل يريدُ أحاديثَ أَخَرَ يَصِحُ أن
تُكتبَ في البابِ(١) .
قال العراقي (٢): وهو عملٌ صحيحٌ، إلَّا أنَّ كثيرًا من الناس يَفهمون
مِن ذلك أنَّ من سُمِّي مِنَ الصحابةِ يَروُون ذلك الحديثَ بِعَينه، وليسَ
كذلك، بل قد يكونُ كذلك، وقد يكونُ حديثًا آخرَ يصحُّ إيرادُه في ذلك
الباب .
ولم يصحَّ مِن طريقِ عن عُمر إلا الطريقَ المُتقدُّمَة .
قال البزَّار في ((مُسنده)) (٣): لا يَصِحُّ عن رَسُول اللَّهِ وَلَ إلا مِن
حَديثٍ عُمَرَ ، ولا عَن عُمرَ إلَّا مِن حديثٍ عَلقمةَ، ولا عَن عَلقمَة إلَّا مِن
حَديثِ مُحمدٍ ، ولا عَن مُحمدٍ إلا مِن حديثٍ يحيى .
وأما حديثُ ((النهي))، فقال الترمذيُّ في ((الجامع)) و((العلل)) (٤): أخطأَ
فيه يحيى بنُ سليم، وعبدُ الله بنُ دينارٍ تفرَّد بهذا الحديثِ عَنِ ابنِ عُمر .
وقال ابنُ عديٍّ (٥) عَقِيبَ (٦) ما أوردَه: لَم أَسمعه إلا مِن عصمة عَن
إبراهيمَ بنِ فهدٍ، وإبراهيمُ مُظلِمُ الأَمرِ، له مَناکیرُ .
(١) ((التقييد والإيضاح)) (ص: ١٠٢).
(٢) المصدر السابق .
(٣) ((مسند البزار)) (٣٨٢/١).
(٤) ((سنن الترمذي)) (٥٢٩/٣)، و((العلل الكبير)) (ص: ١٨١، ١٨٢).
(٦) في ((ص)): ((عقب )).
(٥) ((الكامل)) (٢٦٨/١، ٢٦٩).

٣٧٨
النوع الثالث عشر
نَعَم؛ حديثُ ((المِغْفَرِ)) لم يتفرد (١) به مَالِكٌ، بل تابعه عَنِ الزُّهريّ
ابنُ أخي الزُّهريِّ، رواها البزَّارُ في ((مُسنده)). وأبو أويس بن أبي عَامٍ ،
رواه ابنُ عديٍّ في ((الكامل)) (٢)، وابنُ سعدٍ في ((الطبقات))(٣) . ومعمرٌ،
رواها ابنُ عديٌّ (٤). والأوزاعيُّ، نبّه عليها المزِّيُّ في ((الأطراف)) (٥).
وعن ابن العربي(٦): أنَّ له ثلاثةَ عشرَ طريقًا غيرَ طريقِ مالكٍ.
وقال شيخُ الإسلامِ(٧) : وقد جمعتُ طُرُقَه فوصلت إلى سبعةً
عَشر (٨).
(١) في ((ص)): ((ينفرد)).
(٢) ((الكامل)» (٤/ ١٥٠٠).
(٣) ((الطبقات الكبرى)) (١٤٠/٢).
(٤) ((الكامل)) (٤ / ١٥٠٠).
(٥) ((تحفة الأشراف)) (٣٨٩/١).
(٦) كما في ((النكت)) (٦٥٥/٢).
(٧) ((النكت)) (٦٥٦/٢)، ولكنه ذكر ستة عشر طريقًا فقط، وكذا ذكره في ((الفتح))
(٥٩/٤، ٦٠) .
(٨) وهي أيضًا معلولة. راجع: ((النكت)) لابن حجر (٦٥٤/٢ - ٦٧٠).

٣٧٩
معرفة المنكر
· النَّوْعُ الرَّابعَ عَشَرَ :
مَعْرِفَةُ المُنْكَرِ
قَالَ الْحَافِظُ البَرْدِيجِيُّ: هُوَ الفَرْدُ الَّذِي لا يُعْرَفُ مَتْنُهُ عَنْ غَيْرِ
رَاوِيهِ، وَكَذَا أَظْلَقَهُ كَثِرُونَ، والصَّوَابُ فِيهِ التَّفْصِيلُ الَّذِي
تَقَدَّمَ فِي الشَّاذٌ.
(النوعُ الرابعَ عشرَ: معرفةُ المنكَرِ، قال الحافظُ) أبو بكر (البَرْدیجيُّ).
بفتح المُوحِّدةِ، وسُكون الراءِ، وكَسرِ الدالِ المهملةِ، بعدها تَحتيةٌ
وجيمٌ، نسبة إلى بَردِيج قُرب بردعة، بإهمالِ الدالِ، بلدٌ بأذربيجان،
ويقال له : البرذعي أيضًا -: (هو) الحديث (الفَردُ الذي لا يُعرفُ متنُه عن
غيرِ راويه(١). وكذا أَطْلَقه كثيرون) مِن أهلِ الحديثِ .
قالَ ابنُ الصلاحِ(٢): (والصوابُ فيه التفصيلُ الذي تَقَدَّم في الشاذٌ).
قال: وعِند هذا نقولُ: المنكرُ قِسمان على ما ذكرنا في الشاذٌّ، فإِنَّه
بِمَعناهُ .
مِثالُ الأَولِ - وهو المنفرد المُخالِفُ لما رَواه الثقاتُ -: روايةُ مالكِ،
عن الزُّهريِّ، عن عليٍّ بن حُسينٍ، عن عُمرَ بن عُثمان، عن أسامة بن
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٠٥، ١٠٦).
(٢) المصدر السابق .

٣٨٠
النوع الرابع عشر
زيدٍ، عَن رسولِ الله وَّه قال: ((لا يَرِثُ المُسِلمُ الكَافِرَ، ولا الكَافِرُ
المُسلِمَ)) (١) .
فخالفَ مالكٌ غَيرَهُ مِنَ الثقاتِ في قوله(٢): ((عُمر بن عُثمان))، بضم
العين، وذكر مسلمٌ في ((التمييز)) أنَّ كُلَّ مَن رواه مِن أصحابِ الزُّهريّ
قاله : بِفَتحها، وأن مالكًا وهم في ذلك .
قال العراقيُّ (٣): وفي هذا التمثيل نَظَرٌ؛ لأنَّ الحديثَ ليس بمُنكرٍ ،
ولم يُطلِقِ عليه أحدٌ اسمَ النكارةِ فيما رأيت، وغايتُه أن يكونَ السّندُ مُنكرًا
أو شاذًّا لمخالفةِ الثقاتِ لمالكِ في ذلك، ولا يلزمُ مِن شذوذِ السَّند
ونكارتِه وجودُ ذلك الوصفِ في المتنِ، وقد ذكر ابنُ الصلاح (٤) في نوع
المعلِّل أنَّ العلةَ الواقعةَ في السَّندِ قد تَقدَحُ في المتنِ وقد لا تَقدحُ، كما
سَيأتي (٥) .
(١) أخرجه: مالك (ص: ٣٢١)، وأحمد (٢٠٨/٥)، والترمذي (٢١٠٧)، وانظر
((العلل)) لابن أبي حاتم (٥٠/٢)، و(التمهيد)) لابن عبد البر (١٦٠/٩)، و((الفتح))
لابن حجر (٥١/١٢).
(٢) في ((م)): ((قول)).
(٣) ((التقييد والإيضاح)) (ص: ١٠٦).
(٤) ((علوم الحديث)) (ص : ١١٧).
(٥) وهذا هو الذي أراده ابن الصلاح من هذا التمثيل، أراد: نكارة الإسناد لا المتن،
ولا تلازم بينهما .
وهذا الخطأ، وإن لم يعرف من وصفه بالنكارة قبل ابن الصلاح، إلا أنه وصف
صحيح على أساس أن المنكر هو الخطأ المتحقق ، في الإسناد أو في المتن .
وقد رأيت الإمام أبا حاتم الرازي وصف مثل هذا الخطإ بالنكارة، فقد سأله ابنه في
((العلل)) (١٥٦٤) عن حديث رواه نصر بن علي، عن أبيه، عن إبراهيم بن نافع، =

٣٨١
معرفة المنكر
قال: فالمثالُ الصحيحُ لهذا القِسم ما رواه أصحابُ السُّنن الأَربعةِ (١)
مِن روايةِ همامٍ بن يَحيى، [عَنِ ابن جُريجٍ] (٢)، عَنِ الزُّهريِّ، عَن أنسٍ
قال: كَانَ النَّبِيُّ وَّةٍ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمُهُ.
قال أبو داودَ بعد تَخريجِهِ: هذا حديثٌ مُنكرٌّ، وإنَّما يُعرَفُ عن ابنِ
◌ُريجٍ، عَن زيادٍ بن سعدٍ، عَنِ الزُّهريّ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ وَّ اتَّخِذَ
خَاتَمًا مِن وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ. قال: والوَهمُ فيه مِن هَمام، ولم يَروه إلَّا
همامٌ .
وقال النسائيُّ (٣) بعدَ تخريجِهِ: هذا حديثٌ غيرُ مَحفوظٍ .
فَهَمامُ بنُ يَحيى ثقةٌ، احتجَّ به أهلُ الصحيح، ولكنَّه خالفَ الناسَ ،
فَرَوىُ عنِ ابنِ جريجِ هذا المتنَ بهذا السندِ ، وإنَّما رَوىُ الناسُ عِن ابنِ
جريج الحديثَ الذي أشار إليه أبو داود، فلهذا حكم عليه بالنكارةِ .
ومثالُ الثاني - وهو الفردُ الذي ليس في رَاويه (٤) مِنَ الثقةِ والإتقانِ
= عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عمر - في الخمر، فقال أبو حاتم :
((هذا حديث منكر، لا يحتمل عندي أن يكون من حديث ابن عمر ، وبعبد الله بن
عمرو أشبه)» .
وهذا الحديث: أخرجه النسائي (٣٠٠/٨).
(١) أخرجه: أبو داود (١٩)، والترمذي (١٧٤٦)، والنسائي (١٧٨/٨)، وابن ماجه
(٢٠٣) .
(٢) سقط من ((ص)).
(٣) كما في ((تحفة الأشراف)) (٣٨٥/١)، وانظر كتابي ((الإرشادات)) (ص: ٣٤١).
(٤) في (ص)): ((رواته)).
٠٫٢٠٠

-......
٣٨٢
النوع الرابع عشر
ما يحتملُ معه تَفرُّده .: ما رواه النسائيُّ وابنُ ماجه مِن روايةِ أبي زُکَیْرِ
يَحيى بنِ مُحمدٍ بن قيسٍ، عَن هِشام بنِ عُروةَ، عَن أَبيه، عَن عَائشَةً
مَرفوعًا: ((كُلُوا البَلَحَ بِالتَّمرِ؛ فَإِنَّ ابنَ آدَمَ إِذَا أَكَلَهُ غَضِبَ الشَّيطَانُ))
الحديث(١) .
قال النسائيُّ(٢): هذا حديث مُنكَرٌ. تفرَّد به أبو زكيرٍ، وهو شيخٌ
صالحٌ (٣)، أخرجَ له مسلمٌ في المُتابعَات، غَير أنَّه لم يَبلغ مبلغَ مَن
يحتملُ تَفْرُّده، بل قد أطلقَ عليه الأئمةُ القولَ بالتضعيفِ، فقالَ ابنُ
معينٍ (٤): ضعيفٌ. وقال ابن حبان(٥): لا يحتجُّ به. وقال العقيليُّ(٦):
لا يُتَابَعُ على حديثِه. وأَورد له ابنُ عديٍّ (٧) أربعةَ أحاديثَ مَناكيرَ .
● تنبيهات:
الأولُ: قد عُلم مما تقدَّم بَل مِن صريح كلام ابنِ الصلاحِ أنَّ الشاذّ
والمُنكَرَ بمعنَّى .
وقال شيخُ الإسلام (٨): إنَّ الشاذَّ والمُنكَرَ يَجتمعان في اشتراطٍ
(١) أخرجه: ابن ماجه (٣٣٣٠). والنسائي في ((الكبرى)) (٦٧٢٤).
(٢) ((تحفة الأشراف)) (٢٢٤/١٢).
(٣) أصل هذا الكلام لأبي يعلى الخليلي في ((الإرشاد)) (١٧٣/١)، قال: ((هذا فرد شاذ،
لم يروه عن هشام غير أبي زكير، وهو شيخ صالح، ولا يحكم بصحته ولا بضعفه)) .
قال الذهبي في ((السير)) (٢٩٩/٩): ((قلت: بل نحكم بضعفه، ونكارة مثل هذا)).
(٤) كما في ((الجرح والتعديل)) (١٨٤/٩).
(٥) ((المجروحون)) (١١٩/٣).
(٧) ((الكامل)) (٢٦٩٨/٧).
(٦) ((الضعفاء الكبير)) (٤٢٧/٤).
(٨) ((نزهة النظر)) (ص : ٩٩).

٣٨٣
معرفة المنكر
المخالفةِ، ويَفترقان في أنَّ الشاذَّ رَاويهِ (١) ثقةٌ أو صَدوقٌ، والمُنكَرَ
راويه(١) ضَعِيفٌ. قال: وقَد غَفْل مَن سَوَّى بينهما .
ثم مَثَّل المُنكَر بما رَواهُ ابنُ أبي حَاتٍ مِن طريقٍ حُبَيِّب - بِضَمِّ الحاءِ
المُهمَلةِ، وتشديدِ الثَّحتيةِ بَيْن مُوخَّدتين، أولاهما مفتوحة . ابنِ حَبيبٍ .
بِفَتْحِ المُهمَلة بِوَزنِ كَريم - أخي حَمزة الزَّيَّاتِ، عن أبي إسحاق، عَنِ
العَيزارِ بنِ حُرِيثٍ، عَنِ ابنِ عباسٍ، عَنِ النبيِّ وََّ قَال: ((مَن أَقَامَ الصَّلاةَ،
وَآتَى الزَّكَةَ، وَحَجَّ، وَصَامَ، وَقَرَىْ الضَّيفَ، دَخَلَ الجنَّةَ)) .
قال أبو حاتم: هو مُنكَرٌ؛ لأنَّ غَيرَه مِنَ الثقاتِ رَواه عَن أبي إسحَاقَ
موقوفًا، وهو المعروفُ(٢) .
وحينئذٍ، فالحديثُ الذي لا مُخالفَةً فيه ورَاويه مُتَّهِمٌ بالكَذبِ، بَأن
لا يُروىُ إلَّا مِن جِهته، وهو مُخالِفٌ للقواعدِ المعلومةِ، أو عُرف به في
غيرِ الحديثِ النبويٌّ، أو كثيرُ الغَلطِ أو الفسقِ أو الغفلةِ، يُسمَّى
((المتروكَ))، وهو نوعٌ مُستَقِلٌّ ذكّره شيخُ الإسلام(٣) .
كحديثٍ صدقةَ الدَّقيقيِّ، عَن فرقدٍ، عن مُرَّةً ، عن أبي بَكرٍ .
(١) في ((م)): ((رواية)) في الموضعين، وفي ((ص)): مثلها في الموضع الأول. وفي
الثاني ((راويه)). والتصويب من ((نزهة النظر)) (ص٩٩).
(٢) ((العلل)) لابن أبي حاتم (٢٠٤٣)، لكنه هناك من قول أبي زرعة وليس من قول
أبي حاتم، ثم إنه ليس هناك قوله: ((وهو المعروف)» .
(٣) ((النزهة)) (ص: ١٢٢) و((النكت)) (٦٧٥/٢).

٣٨٤
النوع الرابع عشر
وحديثِ عَمرِو بنِ شمر، عن جابرِ الجعفيِّ، عن الحارثِ، عن
(١)
عليّ(١) .
الثاني: عبارةُ شيخ الإسلام في ((النخبة))(٢): فإن خُولِفَ الراوي
(١) لكنَّ أكثر ما يستخدمُ المحدثون مصطلح ((المتروك)) على الرواة دون الروايات، فكثيرًا
ما يقولون: ((فلان متروك)) أو ((متروك الحديث)) أو ((تركوه)) أو ((تركه الناس)).
أما في الحديث فلا يستعملونه إلا نادرًا، ومع ذلك فلا يحصرونه في رواية المتهم
بالكذب، كما قال ذلك البعض، بل الحديث عندهم يُتركُ إذا قامت الدلائل على
ضعفه، أو لم تقم على قبوله، وإن لم يكن ذلك موجبًا لترك راويه .
لأن الراوي لا يترك إلا إذا كثر الخطأ منه، لكن إذا أخطأ - ولو قليلا - ترك الحديث
الذي أخطأ فيه .
وقد يطلقون ((المتروك)) بمعنى المنسوخ، على معنى ترك العمل لا ترك الرواية .
قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٤/١٢): ((خبر ابن عباس في رد أبي العاص إلى
زينب بنت رسول اللَّه ◌َ﴿ خبرٌ ((متروك))، لا يجوز العمل به عند الجميع)).
ويعني قوله: ((متروك)) أي : منسوخ، فقد قال هو قبل هذا عن هذا الحديث نفسه
(٢٠/١٢): ((وهذا الخبر - وإن صح - فهو (متروك)) منسوخٌ عند الجميع)). واللَّه
أعلم .
(٢) ((نزهة النظر)) (ص : ٩٧).
مراد أهل العلم من قولهم: ((المحفوظ مقابل الشاذ»، و ((المعروف مقابلُ المنكر))،
أي : حيث تقع رواية شاذة ويُستدل على شذوذها بالمخالفة ؛ فإن الرواية الراجحة هي
المحفوظة ، وحيث تقع رواية منكرة، ويستدلُّ على نكارتها بالمخالفة، فإن الرواية
الراجحة هي المعروفة .
ومعلوم بداهةً أن الرواية الصحيحة ((المحفوظة أو المعروفة)) هي صحيحة ثابتة، وإن
لم تعارضها رواية شاذة أو منكرةٌ .
وبهذا؛ تعلم خطأ من صنف في علم المصطلح من المعاصرين ، حيث أفرد لكل من
((المحفوظ)) و((المعروف)) فصلًا؛ مُعرفًا الأول بأنه: «ما رواه الأوثق مخالفًا لرواية =

٣٨٥
معرفة المنكر
بأَرجحَ، فالراجحُ يُقال له المحفوظُ، ومُقابلُه يُقالُ له الشاذُّ. وإن وقعتِ
المخالفةُ مع الضعفِ، فالراجحُ يُقالُ له المعروفُ، ومُقابلُه يقال له
المُنگرُ .
وقد علمتَ مِن ذلك تفسيرَ المحفوظِ والمعروفِ، وهُما مِن الأنواع
التي أَهملها ابنُ الصلاح والمُصنِّفُ، وحقُّهما أن يُذكَرا كما ذُكر المُتَّصل
مع مَا يُقابلُه مِن المُرسلِ والمُنقطعِ والمُعضلِ .
الثالثُ : وقع في عبارتِهم : ((أَنكَرُ ما رواه فلان كذا)) وإن لم يكن ذلك
الحديثُ ضَعيفًا، وقال ابنُ عدي (١): أَنكَرُ ما رَوَى بُرَيدُ بنُ عبدِ الله بن
أبي بُردة: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِأُمَّةٍ خَيرًا قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا)) .
قال : وهذا طريقٌ حسنٌ رُواته ثقاتٌ ، وقد أَدخله قومٌ في صِحَاحِهم .
انتھی .
والحديثُ في ((صحيح مسلم)) (٢).
وقال الذهبيُّ(٣): أنكرُ ما للوليدِ بنِ مُسلم من الأحاديث حديثُ حِفِظِ
= الثقة))، والثاني بأنه: ((ما رواه الثقة مخالفًا لما رواه الضعيف» !! فأوهمَ بذلك أنه
لا يكون الحديث محفوظًا إلا إذا عارضه شاذ، ولا معروفًا إلا إذا عارضه منكر !!
وإنما استدل الأئمة على شذوذ الرواية الشاذة بمخالفتها لما هو محفوظٌ سلفًا، وعلى
نكارة المنكرة بمخالفتها لما هو معروف سلفًا. فالمحفوظ محفوظً وإن لم يخالف ،
والمعروف معروف وإن لم يخالف ؛ فافهم .
(١) ((الكامل)) (٤٩٦/٢).
(٢) ((الصحيح)) (٦٥/٧).
(٣) ((ميزان الاعتدال)) (٣٤٧/٤)، و((السير)) (٢١٧/٩).

٣٨٦
النوع الرابع عشر
القرآنِ، وهو عِندَ الترمذيِّ(١) وحَسَّنه، وصحَّحه الحاكمُ (٢) على شَرطِ
الشيخين (٣) .
(٢) ((المستدرك)) (٣١٦/١).
(١) ((جامع الترمذي)) (٣٥٧٠).
(٣) فهم بعضهم - كالتهانوي في ((قواعده الحديثية)) (ص ٢٧٣ - ٢٧٥) من هذا أن قولهم :
((هذا الحديث من مناكير فلان))، أو ((من أنكر ما رواه)) لا يستلزم التضعيف ؛ وليس
هذا بشيءٍ ، وليس في هذين المثالين ما يدل على ذلك .
فأما مثال ابن عدي ، فهو إنما قال هذا الكلام في سياق الدفاع عن بريدٍ، قال في
((الكامل)) (٢/ ٢٤٧) :
((وقد اعتبرت حديثه فلم أر فيه حديثًا أُنكره، وأنكر ما روى هذا الحديث)) ... إلخ.
فالظاهر من سياق كلامه، أنه يريد من قوله: ((أنكر ما روى)) أي: إن كان هناك
ما ينكر من حديثه فهذا الحديث؛ لأنه ذكر قبلُ أنه لم ير له حديثًا منكرًا .
يعني : أن هذا الحديث أقرب الأحاديث إلى أن ينكره مُنكرٌ، ومع ذلك فهو - كما
يقول -: ((طريق حسن، ورواته ثقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم))، فكأنه
يقول : إذا كان هذا حال أقرب حديث من أحاديثه إلى الإنكار ، فكيف يكون حال بقية
أحاديثه .
فالحاصل ؛ أن كلام ابن عدي هذا يدل سياقه على التوثيق لا التجريح، والتصحيح
لا التضعيف. فينبغي تأمل سياق الكلام، ولا يحكم بحكم مطلق بمجرد مثال أو
مثالين ليسا صريحين في المراد .
وأما مثال الذهبي؛ فالأمر فيه أوضح، فالذهبي تَّقُ يرىُ فعلًا الحديث منكرًا ضعيفًا
مردودًا ، بل يراه موضوعًا .
ففي («الميزان)) (٢١٣/٢ - ٢١٤) قال :
((هو - مع نظافة سنده - حديث منكر جدًّا، في نفسي منه شيءٌ، فالله أعلم؛ فلعل
سليمان - هو : ابن عبد الرحمن الدمشقي راويه عن الوليد - شبه له وأدخل عليه ، =

٣٨٧
معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد
النَّوْعُ الخَامِسَ عَشَرَ :
مَعْرِفَةُ الاعْتِبَارِ ، والمُتَابَعَاتِ، والشَّوَاهِدِ
هذِهِ أُمُورٌ يَتَعَرَّفُونَ بِهَا حَالَ الحَدِيثِ.
(النوعُ الخامسَ عَشَرَ : معرفةُ الاعتبارِ والمتابعاتِ والشواهدِ .
هذه أمورٌ) يتداولها أهلُ الحديثِ (يَتَعرَّفون بها حالَ الحديثِ) ينظرون
هل تَفرَّد به راويه أو لا؟ وهل هُو مَعروفٌ أو لا؟
فالاعتبارُ أن تأتي (١) إلى حديثٍ لبعضِ الرُّواةِ، فَتَعتبرَهُ(٢) برواياتٍ
غيرِهِ مِنَ الرُّواةِ بَسبرٍ (٣) طُرقِ الحديثِ، لِتعرفَ (٤) هل شاركَه(٥) في ذلك
الحديثِ راوٍ غيرُه فرواه عن شَيخه أو لا؟ فإن لم يكن فتنظرُ (٦) : هل تابعَ
= كما قال فيه أبو حاتم: لو أن رجلاً وضع له حديثًا لم يفهم)).
وفي ((تلخيص المستدرك)) (٣١٦/١ - ٣١٧) قال: ((هذا حديث منكرٌ شاذ، أخاف
لا يكون موضوعًا، وقد حيرني - والله - جودة سنده)).
وقال في ((سير الأعلام)) (٢١٨/٩ - ٢١٩):
«هذا عندي موضوع، والسلام، ولعل الآفة دخلت على سليمان ابن بنت شرحبيل
فيه، فإنه منكر الحديث، وإن كان حافظًا ... وإنما هذا الحديث يرويه هشام بن
عمار، عن محمد بن إبراهيم القرشي ، عن أبي صالح، عن عكرمة ، عن ابن عباس ،
ومحمد هذا ليس بثقة، وشيخه لا يدرى من هو)) .
(١) في ((م)): ((يأتي)).
(٣) في ((م)): ((بسبب)).
(٥) في ((ص)): ((یشاركه)) .
(٢) في ((ص)): ((فيعتبرونه)) .
(٤) في ((ص)): ((ليعرف)).
(٦) في ((ص)): ((فينظر)).

٣٨٨
النوع الخامس عشر
أحدٌ شيخَ شيخِه فرواه عمّن رَوى عنه؟ وهكذا (١) إلى آخرِ الإسناد؛
وذلك المتابعةُ، فإن لم يكن فتنظر (٢): هل أتَى بمعناه حديثٌ آخَرُ؛ وهو
الشاهدُ؟ فإن لم يكن، فالحديثُ فردٌ، فليس الاعتبارُ قَسيمًا للمُتابع
والشاهِد، بل هو هيئةُ التوصلِ إليهما .
فَمِثَالُ الاعْتِبَارِ : أنْ يَرْوِيَ حَمّادٌ - مَثَلاً - حَدِيثًا لا يُتَابَعُ عَلَيْهِ
عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّهِ،
فيُنْظَرُ : هَلْ رَوَاهُ ثِقَةٌ غَيْرُ أَيُّوَب عَن ابْنِ سِيرِينَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ
فَغَيْرُ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وإلاَّ فَصَحَابِيٌّ غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ
النَّبِيِّ ◌َ، فأيُّ ذَلِكَ وُجِدَ عُلِمَ أنَّ لَهُ أصْلاً يرجعُ إِلَيْهِ، وإلاّ
فَلاَ .
(فمثالُ الاعتبارِ : أن يَرويَ حمادُ) بنُ سلمةَ (مثلًا حديثًا لا يُتابعُ عليه،
عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ؛ فينظرُ: هل
رواه ثقةٌ غير أيوبَ عن ابنِ سيرينَ، فإن لم يُوجد) ثقةٌ غيرُهُ (فغيرُ ابنِ
سيرينَ عن أبي هريرةَ، وإلا) أي: وإن لم يوجد ثِقَةٌ عَن أبي هُريرة غيره
(فصحابيٌّ غيرُ أبي هريرةَ عن النبيِّ ◌ََّ، فَأَيُّ ذلك وُجِد عُلِم) به (أَنَّ له
(١) في ((م): ((وكذا)).
(٢) في ((ص)): ((فينظر)) .

٣٨٩
معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد
أصلًا يرجعُ إليه، وإلا) أي وإن لَم يُوجد شَيءٌ من ذلك (فلا) أصلَ له(١) .
كالحديثِ الذي رواه الترمذيُّ (٢) مِن طريقِ حمادِ بنِ سلمةَ، عن
(١) أصل هذا الكلام للإمام ابن حبان البستي ، فرأيت أن أثبت هنا نص كلامه ؛ فإنه أوضح
وأبين، وقد شرحته في ((شرح لغة المحدث)) (ص ٢٩١ - ٢٩٤)، فليرجع إليه من
شاء .
قال ابن حبان في ((مقدمة الصحيح)) (١٤٣/١ - ١٤٤ - إحسان):
((وإني أمثّل للاعتبار مثالًا يستدرك به ما وراءه .
وكأنًّا جئنا إلى حماد بن سلمة، فرأيناه روى خبرًا عن أيوب، عن ابن سيرين، عن
أبي هريرة، عن النبي ◌َ*، لم نجد ذلك الخبر عند غيره من أصحاب أيوب .
فالذي يلزمنا فيه التوقف عن جرحه، والاعتبار بما روى غيره من أقرانه :
فيجب أن نبدأ، فننظر هذا الخبر : هل رواه أصحاب حماد عنه، أو رجل واحدٌ منهم
وحده؟ فإن وجد أصحابه قد رووه، عُلِمَ أن هذا قد حدث به حماد، وإن وجد ذلك
من رواية ضعيف عنه ، أُلزق ذلك بذلك الراوي دونه .
فمتى صحَّ أنه روي عن أيوب ما لم يتابع عليه يجبُ أن يُتوقف فيه، ولا يُلزق به
الوهن .
بل ينظر : هل روى أحدٌ هذا الخبر من الثقات عن ابن سيرين غير أيوب، فإن وجد
ذلك ، عُلم أنّ الخبر له أصل يرجع إليه .
وإن لم يوجد ما وصفنا، نظر حينئذٍ : هل روى أحدٌ هذا الخبر عن أبي هريرة غير ابن
سيرين من الثقات، فإن وجد ذلك، عُلم أنَّ الخبر له أصل .
وإن لم يوجد ما قلنا، نُظر: هل روى أحد هذا الخبر عن النبي ◌ِّل غير أبي هريرة؟
فإن وجد ذلك، صحّ أن الخبر له أصل .
ومتى عدم ذلك، والخبرُ نفسه يخالفُ الأصول الثلاثة، عُلم أن الخبر موضوع لا شك
فيه، وأن ناقله الذي تفرَّد به هو الذي وضعه. هذا حكم الاعتبار بين النقلة في
الروايات)) .
(٢) ((الجامع)) (١٩٩٧).