النص المفهرس

صفحات 421-440

٣٥٠
النوع الحادي عشر
وقيل : لم يَحكم البخاريُّ بذلك لمجردِ الزيادةِ، بل لأنَّ لحذاقٍ
المُحدِّثين نَظَرًا آخَرَ، وهو الرجوعُ في ذلك إلى القرائنِ دُون الحُكم بحكمٍ
مُطَّردٍ، وإنَّما حَكَم البخاريُّ لهذا الحديثِ بالوصلِ ؛ لأنَّ الذي وصَله عن
أبي إسحاقَ سبعةٌ، مِنهم إسرائيلُ حَفيدُه، وهو أثبتُ الناسِ في حَديثه
لكثرةٍ مُمارستِهِ له، ولأنَّ شُعبةَ وسُفيانَ سَمعاه منه في مَجلسٍ واحدٍ ،
بدليلٍ روايةِ الطيالسيِّ في ((مُسنده)) قال: حدَّثنا شُعبةُ قال : سمعتُ سُفيانَ
الثوريَّ يقول لأبي إسحاق: أحدَّثك أبو بردة عَنِ النبي ◌َّ - فذكَر
الحديث، فرجَعا كأنَّهما واحدٌ ، فإنَّ شعبة إنما رَواه بالسماع عَلى أَبي
إسحاقَ بقراءةٍ سُفيان .
وحَكَم الترمذيُّ في ((جامعه)) (١) بأنَّ رِوايةَ الذين وَصَلوه أصحُ . قال :
لأنَّ سماعَهم منه في أوقاتٍ مختلفةٍ، وشُعبةُ وسُفيانُ سَمعاه في مجلسٍ
واحدٍ، وأيضًا سُفيانُ لم يقل له: ولم يحدِّثك به أبو بردة إلا مرسلًا.
وكأن سُفيان قالَ له: أسمعتَ الحديثَ منه؟ فَقَصدُه إنَّما هو السؤالُ عن
سماعه له لا كيفيةِ روایتِه له .
(ومنهم مَن قال: الحكمُ لمن أَرسَلَه أو وَقَفَهُ. قال الخطيبُ(٢): وهو
قولُ أكثرِ المحدِّثين .
وعن بعضِهم الحكمُ للأكثرِ .
و) عن (بعضِهم) الحُكمُ (للأحفظِ .
(١) ((الجامع)) (٤٠٠/٣).
(٢) ((الكفاية)) (ص: ٥٨٠).

٣٥١
المعضل
وعلى هذا) القول؛ (لو أرسَله أو وَقفَه الأحفظُ لا يَقدَحُ الوصلُ والرفعُ
في عدالةِ راويه) ومسندِه من الحديث غير الذي أرسله (وقيل: يَقدَحُ فيه
وصلُه ما أرسَله) أو رَفعُه ما وَقَفَه (الحفاظُ) .
وصحح الأُصوليُّون في تعارض ذلك مِن واحدٍ في أوقاتٍ أنَّ الحُكمَ
لِمَا وَقَع منه أكثرَ، فإن كان الوصلُ أو الرفعُ أكثرَ قُدِّم، أو ضدهما
فكذلك .
قلتُ : بَقي عليهم ما إذا استويا، بأن وَقَعَ كلٌّ مِنهما في وقتٍ فقط أو
وَقْتَيْن فقط .
● فائدة :
قال الماورديُّ : لا تَعارُضَ بين ما وردَ مرفوعًا مرةً وموقوفًا على
الصحابي أُخری؛ لأنَّه قد يكون قد رواه وأَفتی به .

٣٥٢
النوع الثاني عشر
• النَّوعِ الثَّانِي عَشَر :
التَّذْلِیسُ
وَهُوَ قِسْمَانِ :
الأوَّلُ: تَدْلِيسُ الإِسْنَادِ، بِأنْ يَزْوِيَ عَمَّنْ عَاصَرَهُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ
مِنْهُ مُوهِمًا سَمَاعُهُ قَائِلاً: ((قَال فُلانٌ))، أو ((عَنْ فُلانٍ))،
ونَحْوَه. ورُبَّمَا لَمْ يُسْقِطْ شَيْخَهُ وَأَسْقَطَ غَيْرَهُ، ضَعِيفًا أوْ
صَغِيرًا، تَحْسِينًا للْحَدِيثِ.
(النوع الثاني عشر: التدليسُ، وهو قسمانٍ) بل ثلاثةٌ أو أكثرُ كما
سيأتي .
(الأولُ: تدليسُ الإسنادٍ ، بأن يرويَ عَمَّن عاصره) زادَ ابن الصلاح (١):
أو لَقِيه (ما لم يَسمعه منه) بل سَمِعه من(٢) رجلٍ عنه (مُوهِمًا سماعَه)
حيثُ أوردَه بلفظٍ يُوهِم الاتصالَ ولا يقتضيه (قائلًا: ((قال فلانٌ))، أو
((عن فلانٍ))، ونحوه) كـ((أن (٣) فلانًا))، فإن لم يكن عاصَره فليس الروايةُ
عنه بذلك تَدليسًا على المشهورِ .
(١) ((علوم الحديث)) (ص : ٩٥).
(٢) في ((ص)): ((عن)).
(٣) في ((ص)): ((وكأن)).

٣٥٣
التدليس
وقال قومٌ: إنَّه تدليسٌ ، فَحَدُّوه بأن(١) يحدِّث الرجلُ عن الرجلِ بما
لم يَسمعه منه بلفظٍ لا يقتضي تَصريحًا بالسماعِ .
قال ابنُ عبدِ البر (٢): وعلى هذا فما سَلِم أحدٌ مِن التدليسِ، لا مَالِكٌ
ولا غيرُه .
وقال الحافظُ أبو بكر البزَّار وأبو الحسن ابن القطّان: هو أن يَرويّ
عمَّن سمع منه ما لم يَسمع منه مِن غيرِ أن يذكرَ أنَّه سَمِعه منه .
قال : والفرقُ بينه وبين الإرسالِ: أنَّ الإرسالَ روايتُه عمّن لم يسمع
منه .
قال العراقي (٣): والقولُ الأَول هو المشهورُ.
وقيَّده شيخُ الإسلام (٤) بِقِسم اللقي، وجعَل قِسمَ المعاصرةِ إرسالًا
خفيًّا .
ومثلُ ((قال)) و((عن)) و((أن)): ما لو أسقطَ أداةً الروايةِ(٥) وسمَّى
الشيخَ فقط؛ فيقول: ((فلانٌ)) .
قال عليُّ بن خشرم(٦): كُنا عِند ابن عُبينة، فقال: الزُّهريُّ. فقيل
له : حدَّثكم الزهريُّ؟ فسكتَ، ثم قال: الزّهريُّ. فقيل له : سمعتَه مِن
(١) في ((م)): ((أن)).
(٣) ((التقييد والإيضاح)) (ص: ٩٨).
(٥) في ((ص)): ((الرواة)).
(٢) ((التمهيد)) (١٥/١).
(٤) ((نزهة النظر)) (ص: ١١٣).
(٦) كما في ((الكفاية)) للخطيب البغدادي (ص : ٥١٢).

٣٥٤
النوع الثاني عشر
الزهريِّ؟ فقال: لا ، ولا ممَّن سِمعه مِن الزُّهريِّ؛ حدَّثني عبدُ الرزّاقِ،
عن مَعمرٍ ، عن الزهريّ .
لكن سمَّى شيخُ الإسلام هذا: تدليسَ القَطع (١).
(١) قال في مقدمة ((طبقات المدلسين)) (ص٥) :
(«ويلتحق بتدليس الإسناد : تدليس القطع، وهو أن يحذف الصيغة ويقتصر على قوله .
مثلًا : الزهري عن أنس)). وقال في ترجمة ((عمر بن علي المقدمي)) (ص: ٥٠) :
((قال ابن سعد: ثقة، وكان يدلس تدليسًا شديدًا، يقول: ((حدثنا))، ثم يسكت ، ثم
يقول: ((هشام بن عروة - أو الأعمش أو غيرهما)).
قال الحافظ: ((وهذا ينبغي أن يسمى تدليس القطع)).
قلت : لكن هذه الصورة أخص من التي ذكرها السيوطي، كما هو ظاهر، وقد فرق
السيوطي - فيما سيأتي - بينها وبين تدليس القطع .
ثم إن الحافظ ذكر هذه القصة في ((النكت)) (٦١٧/٢)، لكن نسبها لـ «عمر بن عبيد
الطنافسي))، وليس لـ ((عمر بن علي المقدمي))، وعزاها إلى ((الكامل)) لابن عدي
وغيره، وفي نسبة هذا النوع من التدليس لـ ((عمر بن عبيد الطنافسي)) نظر، ولعله سبق
قلم من الحافظ ابن حجر رَظّفُ، فليس للطنافسي أصلًا ترجمة في ((الكامل))، ثم إنه
لا يروي عن هشام بن عروة، نعم؛ هناك ((عمر بن عبيد)) آخر، وهو الخزاز، وهو
مترجم في ((الكامل)) (١٧١٨/٥)، و((الضعفاء)) للعقيلي (١٨٠/٣)، و((الميزان))،
و ((اللسان))، ويروي عن هشام بن عروة، ولكن لم يُذكر في ترجمته أنه كان يتعاطى
هذا النوع من التدليس .
وإنما المعروف بتعاطي هذا النوع من التدليس، هو ((عمر بن علي المقدمي))، وصفه
بذلك ابن سعد في ((الطبقات)) (٧/ ٢٩١)، ووصفه أحمد وغيره بمطلق التدليس .
ويدل على أن ذلك سبق قلم من الحافظ كلّثُ: أنه ذكره هنا عن ((الطنافسي)) ولم
يذكره عن ((المقدمي))، مع أنه لو كان الأول يفعله ، فإن الثاني أشهر به منه .
وأيضًا؛ فإن الحافظ لم يدخل ((الطنافسي)) في ((طبقات المدلسين))، بينما أدخل
((المقدمي)) في الطبقة الرابعة منها، ووصفه بهذا النوع من التدليس، والله أعلم .

٣٥٥
التدليس
(وربما لم يُسقِط شيخَه، وأَسقَط غيرَه) أي شيخ شَيخِه أو أَعلى منه
لكونه (ضعيفًا) وشيخُه ثقةٌ (أو صغيرًا) وأتَى فيه بلفظٍ محتملٍ (١) عن
الثقةِ الثاني (تحسينًا للحديثِ) وهذا مِن زوائدِ المصنّفِ على ابنِ
الصلاحِ، وهو قسمٌ آخَرُ مِن التدليسِ يُسمَّى تدليس التسويةِ. سمَّاه بذلك
ابنُ القطّان .
وهو شرُّ أقسامِه، لأنَّ الثقةَ الأَول قد لا يكون معروفًا بالتدليسٍ،
ويجده الواقفُ على السندِ كذلك بَعدَ التسويةِ قد رَواه عن ثقةٍ آخر،
فَيَحكمُ له بالصحةِ ، وفيه غرورٌ شديدٌ .
وممَّنِ اشتَهر بفعلِ ذلك : بَقية بنُ الوليدِ .
قال ابنُ أبي حاتم في ((العلل)) (٢): سمعتُ أبي، وذكر الحديثَ الذي
رواه إسحاق بن راهويه، عن بقيةً، حدَّثني أبو وهبِ الأسديُّ، عن
نافعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ حديثَ: ((لا تَحمَدُوا إِسلامَ المرءِ حتى تَعرِفوا عُقْدَةَ رَأیهِ»
فقال أبي: هذا الحديثُ له أمرٌ قَلَّ مَن يَفهمُهُ (٣)، روى هذا الحديثَ
عُبِيدُ اللَّه بن عَمرٍو، عن إسحاق بن أبي فَروة، عن نافع، عن ابنِ عُمر،
وعبيدُ الله كُنيتُه أبو وهبٍ، وهو أَسديٍّ، فكنَّاه بقيةُ، ونَسَبَه إلى بني
أسدٍ، كي لا يُفطنَ له، حتى إذا تَرَك إسحاقَ لا يُهتدَى له. قال: وكان
بقيةُ مِن أَفعلِ الناسِ لهذا .
(١) في ((م)): ((يحتمل)).
(٢) (١٥٤/٢).
(٣) في علل ابن أبي حاتم (١٥٤/٢): ((علة قلَّ من يفهمها)).
****

٣٥٦
النوع الثاني عشر
وممَّن عُرِف به أيضًا: الوليدُ بن مُسلمٍ .
قال أبو مسهر(١): كان يُحدِّثُ بأحاديثِ الأوزاعيِّ عن (٢) الكذَّابين،
ثُم يُدلِّسها عَنهم .
وقال صالح جزرة(٣) : سمعتُ الهيثمَ بنَ خارجةً يقول: قلتُ للوليدِ :
قد أفسدتَ حديثَ الأوزاعيِّ. قال: كيف؟ قلتُ : تَروي عَنِ الأوزاعيِّ
عَن نافعٍ، وعَنِ الأوزاعيِّ عَنِ الزهري، وعنِ الأوزاعيِّ عن يحيى بن
سَعيدٍ، وغيرُك يُدخِلُ بين الأوزاعيِّ وبينَ نافع عبدَ الله بنَ عَامٍ
الأسلمي، وبينه وبين الزهريِّ [ أبا الهيثم قُرَّةَ] (٤)، فما يحملك على
هذا؟ قال: أُنْبِلُ الأوزاعيَّ أن يَروِي عن مِثلِ هؤلاءِ . قلتُ : فإذا رَوی عَن
هؤلاءِ ، وهُم ضُعفاءُ - أحاديثَ مناكيرَ، فأسقطتَهم أنت، وصيّرتَها مِن
روايةِ الأوزاعيِّ عَنِ الثقات، ضُعْف الأوزاعيُّ. فلم يَلتِفِت إلى قَولي .
قال الخطيبُ (٥): وكان الأعمشُ وسُفيانُ الثوريُّ يفعلون مِثلَ هذا.
قال العلائي (٦): وبالجُملة، فهذا النوعُ أفحشُ أنواع التدليسِ مُطلقًا
وشَرُّها .
(١) ((ميزان الاعتدال)) (٣٤٨/٤).
(٢) في ((ص)): ((من)).
(٣) ((ميزان الاعتدال)) (٣٤٨/٤).
(٤) في ((ص))، ((م)): ((أبا الهيثم بن مرة)) والمثبت من المطبوع. وهو ((قرة بن موسى
الھُجيمي» .
(٥) ((الكفاية)) (ص: ٥١٨).
(٦) ((جامع التحصيل)) (ص: ١١٨).

٣٥٧
التدليس
قال العراقي (١): وهو قادحٌ فيمن تعمَّد فِعلَهُ.
وقال شيخُ الإسلامِ(٢): لا شكَّ أنه جرحٌ، وإن وصِفَ به الثوريُّ
والأعمشُ، فالاعتذارُ أنهما لا يَفعلانه إلا في حقِّ مَن يكونُ ثِقةً عِندهما
ضَعيفًا عند غيرهما .
قال: ثُمَّ ابن القطَّان إنما سمَّاه تَسويةً بِدُون لفظِ التدليس، فيقولُ
((سؤَّاه فلانٌ))، و((هذه تسويةٌ))، والقدماء يُسمّونه تَجويدًا، فيقولون:
((جوَّده فلانٌ))، أي ذكَر مَن فيه مِن الأَجوادِ، وحذَف غيرهم .
قال: والتحقيقُ أن يُقال: متى قيل ((تدليس التَّسوية)) فلابُدَّ أن يكون
كل من الثقات الذين حُذِفت بينهم الوسائطُ في ذلك الإسنادِ قد اجتمعَ
الشخصُ مِنهم بشيخ شيخِه في ذلك الحديثِ ، وإن قيل : ((تسوية)) بدون
لفظِ التدليس، لم يحتج إلى اجتماعِ أحدٍ منهم بِمِنَ فوقه، كما فَعَل
مالٌ، فإنّه لم يقع في التدليس أصلًا، ووقع في هذا، فإنه يروي عن ثورٍ
عن ابنِ عباسٍ، وثورٌ لم يَلقه، وإنما رَوى عن عِكرمةَ عنه، فأسقطً
عكرمةَ؛ لأنَّه غير حُجةٍ عِنده، وعلى هذا يُفارِقُ المنقطعَ، بأنَّ شرطَ
الساقطِ هُنا أن يكون ضَعيفًا، فهو منقطعٌ خاصٍّ .
ثم زادَ شيخُ الإسلامِ (٣) «تدليسَ العَطفِ))، ومَثَلَه (٤) بما فَعل هشيمٌ،
(١) ((التقييد والإيضاح)) (ص: ٩٧).
(٢) ((النكت)) (٦١٧/٢ - ٦٣٤).
(٣) ((النكت)) (٦١٧/٢).
(٤) في ((ص)): (( ویمثله)) .

٣٥٨
النوع الثاني عشر
فيما نَقَل عن (١) الحاكم (٢) والخطيب، أنَّ أصحابه قالوا له: نريدُ أن
تُحدِّثنا اليومَ شيئًا لا يكون فيه تدليس. فقال: خُذوا، ثم أملَى عليهم
مَجلسًا يقول في كل حديثٍ منه: حدَّثنا فلانٌ وفلانٌ، ثُم يَسوقُ السَّندَ
والمتنَ ، فلمَّا فرغَ قال: هل دلستُ لكم اليوم شيئًا؟ قالوا: لا . قال:
بَلى، كل ما قلتُ فيه: ((وفلانٌ)) فإنِّي لم أَسمعه منه .
قال شيخُ الإسلام(٣): وهذه الأقسامُ كُلُّها يَشملُها تدليسُ الإسنادِ،
فاللائقُ ما فعله ابنُ الصلاحِ مِن تقْسيمه قِسمين فقط .
قلتُ : ومِن أقسامه أيضًا ما ذكَر محمدُ بنُ سَعدٍ (٤)، عن أبي حفص
عُمر بن علي المقدمي ، أنه كان يُدلْس تدليسًا شديدًا، يقول :
((سمعتُ))، و((حدثنا))، ثم يَسكُتُ، ثم يقول: هِشامُ بنُ عُروةَ،
الأَعمشُ (٥) .
وقال أحمدُ بنُ حنبل : كان يقول: حجاجٌ سمعتُه، يعني حديثًا آخَرَ .
وقال جماعةٌ : كان أبو إسحاق يقولُ: ليس أبو عبيدة ذكّره، ولكن
عبد الرحمن بن الأسود عن أبيهِ. فقولُه: ((عبد الرحمن)) تَدليسٌ يُوهِم أنَّه
سمعه منه .
(١) ليس في ((م)).
(٢) (معرفة علوم الحديث)) (ص: ١٠٥).
(٣) ((النكت)) (٦٢٢/٢).
(٤) ((الطبقات)) (٢٩١/٧).
(٥) تقدم أن هذه الصورة من تدليس القطع، لكن السيوطي فرق من دون داع، بينما جعلها
الحافظ ابن حجر من تدليس القطع .
٠٠٤٧٠٢٠٧١٠٠

٣٥٩
التدليس
وقسَّمه الحاكم (١) إِلى سِتّةٍ أَقسام:
الأول: قومٌ لم يُميزوا بين ما سَمعوه وما لم يَسمعوه .
الثاني: قومٌ يدلّسون، فإذا وقَع لهم مَن ينقرُ عنهم ويلح(٢) في
سَمَاعاتِهم، ذَكَّرُوا له. ومَثَّله بما حَكى ابنُ خَشْرَمِ عَنِ ابنِ عُيينةَ .
الثالث : قومٌ دلَّسوا عن مجهولین لا يُدرَى مَن هُم . ومثله بما رُوي عن
ابنِ المدينيِّ قال: حدثني حسين الأشقر، حدثنا شعيب بن عبد الله، عن
أبي عبدِ اللَّه، عن نوفٍ قال: بِتُّ عند عليٍّ ، فذكَرَ كَلامًا. قال ابنُ
المديني : فقلتُ لحسينٍ : ممَّن سمعتَ هذا؟ فقال: حدَّثنيه شعيبٌ عن أبي
عَبد الله عن نوفٍ. فقلتُ لشعيبٍ: مَن حدَّثْكَ بهذا؟ فقال: أبو عبد الله
الجصَّاص. فقلتُ: عمَّن؟ قال: عن حمَّاد القصارِ . فلقيتُ حمادًا فقلتُ
له : مَن حدَّثك بهذا؟ قال : بلغني عن فرقدِ السبخيِّ عن نوفٍ .
فإذا هو قد دلَّس عن ثلاثةٍ، وأبو عبد اللّه مجهولٌ، وحمادٌ لا يُدرى
مَن هو، وبَلَغه عن فرقدٍ ، وفَرَقَدٌ لم يدرك نوفًا .
الرابع : قومٌ دلَّسوا عن قوم سمعوا منهم الكثيرَ، وربما فاتَّهم الشيءُ
عنهم، فیدلسونه .
الخامسُ : قومٌ رَووا عن شيوخٍ لم يَرَوهُم، فيقولون: ((قالَ فلانٌ))
فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم سماعٌ .
قال البلقيني : وهذه الخَمسةُ كلُّها داخلةٌ تحت تدليسِ الإسنادِ .
(١) (المعرفة)) (ص: ١٠٣).
(٢) في ((ص)): ((ويلج)) بالمعجمة .

٣٦٠
النوع الثاني عشر
وذكّر السادس وهو: تدليس الشيوخ الآتي .
الثاني: تدْلِيسُ الشَّيُوخ؛ بِأنْ يُسَمّيَ شَيْخَهُ، أُوْ يَكْنِيَهُ، أُوْ
يَنْسُبَهُ، أَوْ يَصِفَهُ بِمَا لا يُعْرَفُ.
القسمُ (الثاني : تدليسُ الشيوخ، بأن يُسمِّي شيخَه، أو يَكنِيَهُ أو
يَنْسُبَهُ، أو يَصِفَه بما لا يعرفُ).
قال شيخُ الإسلام(١): ويَدخل أيضًا في هذا القِسم التَّسويةُ، بأن
يصفَ شيخَ شيخِه بذلك .
أُمَّا الْأوَّل فَمَكْرُوهٌ جِدًّا، ذَمَّهُ أكثرُ العَمَاءِ ثُمَّ قَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ :
مَنْ عُرِفَ بِهِ صَارَ تَجْرُوحًا مَرْدُودَ الرِّوَايَةِ وَإِنْ بَيِّنَ السَّمَاعَ.
والصَّحِيحُ التَّقْصِيلُ: فَمَا رَوَاهُ بِلَقْظٍ مُحْتَمَلٍ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ
السَّمَاعَ فَمُرْسَلٌ، ومَا بَيَّنَهُ فِیهِ - كـ ((سَمِعتُ))، و«حَدَّثَنَا))،
و((أَخْبَرَنَا))، وشِبْهِهَا ، فَمَقْبُولٌ يُجْتَجُ بِهِ. وَفِ الضَّحِيحَیْنِ
وَغَيْرِهِمَا مِنْ هَذَا الضَّرْبِ كَثِيرٌ. كَقَتَادَةَ والسُّفْيَانَيْنِ، وغَثْرِهِمْ.
وهَذَا الْحُكْمُ جَارٍ فِيمَنْ دَلِّسَ مرَّةً، وَمَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ
وَشِبْهِهِمَا عَنِ الُدَلِّسِينَ بـ ((عَنْ)) فمَحْمُولٌ عَلَى ثُبُوتِ السَّمَاعِ
مِنْ چِهَةٍ أُخْرَى .
(١) ((النكت)) (٦١٧/٢ - ٦٣٤).

٣٦١
التدلیس
وَأَمَّا الثَّانِ فَكَرَاهَتُهُ أَخَفُّ، وَسَبَبُهَا تَوْعِيرُ طَريقِ مَغْرِفَتِهِ،
وتَخْتَلِفُ الْحَالُ فِي كَرَاهَتِهِ بِحَسَبٍ غَرَضِهِ؛ لِكَوْنِ المُغَيَّرِ اسْمُهُ
ضَعِيفًا، أوْ صَغِيرًا، أو مُتأخّرَ الوفَاةِ، أَوْ سَمِعَ مِنْهُ كَثِيرًا،
فَامْتَنَعَ مِنْ تَكْرَارِهِ عَلَى صُورَةٍ ، وَتَسَمَّحَ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ بِهِذَا .
(أما) القِسم (الأولُ فمكروهٌ جدًّا، ذَمَّه أكثرُ العلماءِ) وبالغ شعبةُ في
ذَمِّه فقال: لأن أَزني أحبُّ إليَّ مِن أن أُدلِس(١).
وقال: التدليسُ أَخُو الكذبِ (٢) .
قال ابن الصلاح (٣): وهذا مِنه إفراطٌ محمولٌ على المبالغةِ في الزجرِ
عنه والتنفيرِ .
(ثم قال فريقٌ منهم) من أهل الحديث والفقهاء : (من عُرِف به صار
مجروحًا مردودَ الروايةِ) مُطلقًا (وإن بَيَّن السماعَ).
وقال جمهورُ مَن يَقبلُ المرسَلَ : يُقبلُ مطلقًا. حكَاه الخطيب (٤).
ونَقْلُ المصنّفِ في ((شرح المهذب)»(٥) الاتفاقَ على ردِّ ما عَنعَنَهُ تَبَعًا
للبيهقيِّ وابنِ عبدِ البر، محمولٌ على اتّفاقِ مَن لا يحتجُّ بالمرسلِ .
(١) ((الكفاية)) (ص: ٥٠٨)، ((علوم الحديث)) (ص: ٩٨).
(٢) المصدر السابق .
(٣) ((علوم الحديث)) (ص: ٩٨).
(٤) ((الكفاية)) (ص : ٥١٥).
(٥) ((المجموع)) (١٠٠/١ - ١٠٣).

٣٦٢
النوع الثاني عشر
لكن حكَى ابنُ عبدِ البر(١) عن أئمةِ الحديثِ أنَّهم قالوا: يُقبلُ تَدليسُ
ابنِ عُيينة؛ لأنه إذا وُقْف أحالَ على ابنِ جريج ومعمرٍ ونظرائِهما .
ورجَّحه ابنُ حِبَّان(٢)، قال: وهذا شيءٌ ليس في الدنيا إلَّا لسُفيانَ بن
عيينةَ، فإنَّه كان يُدلِسُ، ولا يُدلْسُ إلا عَن ثقةٍ مُتقنٍ، ولا يكادُ يُوجَدُ له
خبرٌ دَلَّس فيه إلَّ وقد بَيَّن سماعه عن ثقةٍ مِثل ثِقَتِهِ، ثُم مَثَّل ذلك بمراسیلٍ
كبارِ التابعين، فإِنَّهم لا يُرسلون إلا عن صحابيِّ .
وسَبقه إلى ذلك أبو بكرِ البزار وأبو الفتح الأزدي (٣)، وعبارةٌ
البزَّارِ (٤) : مَن كان يدلِسُ عن الثقاتِ كان تدليسُهُ عند أهل العلم مقبولًا .
وفي ((الدلائل)) لأبي بكر الصيرفيِّ: مَن ظهر تَدليسُهُ عن غيرِ الثقاتِ
لم يُقبل خَبرُه حتَّى يقولَ: ((حدَّثني))، أو ((سمعتُ)).
فعلى هذا، هو قولٌ ثالثٌ مفصلٌ غير التفصيلِ الآتي .
قال المصنف - كابنِ الصلاح(٥) .: وعُزِي للأكثرين؛ مِنهم الشافعيُّ
وابنُ المديني وابنُ معينٍ ، وآخرون .
(والصحيحُ التفصيلُ؛ فما رواه بلفظٍ محتملٍ لم يُبَيِّنْ فيه السماعَ
فمرسلٌ) لا يُقبلُ (وما بَيَّنْه فيه؛ كـ((سمعتُ)) و((حَذَّثنا)) و((أخبرنا))
(١) ((التمهيد)) (٣١/١).
(٢) ((الإحسان)) (١٦١/١).
(٣) ((الكفاية)) (ص: ٥١٦)، وفي ((سؤالات الحاكم للدار قطني)) (٢٦٥)، أنه سئل عن
تدليس ابن جريج، فقال: ((يجتنب ... ، وأما ابن عيينة؛ فإنه يدلس عن الثقات)).
(٤) كما في ((النكت)) (٢/ ٦٢٤).
(٥) ((علوم الحديث)) (ص : ٩٩).

٣٦٣
التدليس
وشبهِها، فمقبولٌ يُحتَجّ به، وفي الصحيحينِ وغيرِهما مِن هذا الضَّرب
كثيرٌ؛ كقتادةَ والسفيانَينِ وغيرِهم) كعبدِ الرزّاق والوليدِ بنِ مُسلم ؛ لأنَّ
التدليسَ ليس كَذِبًا، وإنما هو ضربٌ مِنَ الإيهامِ .
(وهذا الحكمُ جارٍ) كما نصَّ عليه الشافعيُّ (١) (فيمَن دَلَّسَ مَرَّةً)
واحدةً .
(وما كان في الصحيحينِ وشبههما) مِن الكُتبِ الصحيحةِ (عن
المدلّسين بـ((عن))، فمحمولٌ على ثبوتِ السماع) له (مِن جهةٍ أخرى)
وإنما اختارَ صاحبُ ((الصحيح)) طريقَ العَنعنةِ عَلى طريقِ التصريحِ
بالسماعِ، لِكُونِها على شرطِهِ دُون تِلك .
وفصَّلَ بعضُهم تفصيلًا آخر، فقال: إن كان الحاملُ له على التدليسٍ
تغطيةَ الضعيفِ فَجَرِحٌ؛ لأن ذلك حَرامٌ وغِشٌ، وإلّا فلا .
(وأما) القِسمُ (الثاني، فكراهتُه أَخَفُّ) مِن الأولِ (وسببُها توعيرُ
طريقٍ معرفته) على السامعِ ، كقولِ أبي بكرِ ابنِ مُجاهدٍ أحد أئمةِ القُرَّاءِ :
((حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله)) يريد: أبا بكر بن أبي داود السجستاني،
وفيه تضييعٌ للمرويِّ عنه والمرويّ أيضًا؛ لأنَّه قد لا يُفطنُ له فَيُحكم عليه
بالجهالة .
(ويَختلفُ الحالُ في كراهتِهِ بحسَبٍ غَرَضِه) فإن كان (لكونِ المغيّرِ (٢)
(١) ((الرسالة)) (ص: ٣٧٩).
(٢) في (ص): ((الغير)).

٣٦٤
النوع الثاني عشر
اسْمُهُ ضعيفًا) فيدلْسه حتى لا يُظهرَ روايتَه عَنِ الضُّعفاءِ، فهو شرُّ هذا
القِسمِ، والأصحُ أنَّه ليسَ بجرحٍ .
وجزَم ابنُ الصباغ في ((العدة» بأن مَن فَعل ذلك لِكونِ شيخِه غير ثقةٍ
عند الناسِ، فَغَيَّره ليقبلوا خَبَرَهُ يجبُ أن لا يُقبلَ خَبرُه، وإن كان هو يَعتقدُ
فيه الثقة (١)؛ لجوازٍ أن يعرفَ غيرُهُ مِن جَرحِه ما لا يَعرفهُ هو .
وقال الآمديُّ : إن فَعَله لِضَعفِه فجرحٌ، أو لضعفِ نَسَبِهِ أو لاختلافِهم
في قَبُولِ روایتِه فلا .
وقال ابنُ السَّمعانيِّ(٢): إن كان بحيث لو سُئل عنه لم يُبيِّنه فَجَرِحٌ،
وإلّا فلا .
ومنَع بعضُهم إطلاقَ اسم التدليسِ على هذا؛ روى البيهقيُّ في
((المَدخلِ)) عن محمد بن رافع، قال : قلتُ لأبي عامٍ : كان الثوريُّ
يدلس؟ قال: لا . قلتُ: أليسَ إذا دخَل كورةً يعلمُ أنَّ أهلَها لا يَكتبوُنَ
حديثَ رجلٍ قال : حدَّثني رجلٌ ، وإذا (٣) عُرِف الرجلُ بالاسم كنَّه، وإذا
عُرِف بالكُنيةِ سمَّاه. قال : هذا تَزيينٌ ليس بِتدليسٍ .
(أو) لِكَونه (صغيرًا) في السِّنِّ (أو متأخرَ الوفاةِ) حتى شاركه فیه مَن
هو دُونَه ، فالأمرُ فيه سهلٌ .
(أو سَمِع منه كثيرًا، فامتَنَع من تكرارِه على صورةٍ) واحدةٍ ، إيهامًا
(١) بعده في المطبوع ((فقد غلط في ذلك)).
(٢) كما في ((النكت)) (٦٣٢/٢).
(٣) في ((م): ((فإذا)).

٣٦٥
التدليس
لكثرة الشيوخ، أو تَفتْنَا في العِبَارةِ، فَسَهلٌ أيضًا (و) قَد (تَسمَّحَ(١)
الخطيبُ (٢) وغيرُه) مِنَ الرواةِ المصنّفين (بهذا).
● تنبيه :
مِن أقسام التدليسِ ما هو عَكسُ هذا، وهو إعطاءُ شخصٍ اسمَ آخَرَ
مشهورٍ تَشبيهًا، ذكره ابنُ السُّبكي في ((جمع الجوامع))، قال: كَقولنا :
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ؛ يعني: الذهبيَّ، تشَبيها بالبيهقيِّ، حيث
يقول ذلك، يعني به : الحاكم .
وكذا إيهامُ اللَّقي والرِّحلة، كـ((حدثنا مَنْ وراءَ النهر)) يوهم أنه
جَيحون، ويريد نهرَ عيسى ببغداد، أو الجيزة بِمِصر .
وليس ذلك بجرح قَطعًا، لأنَّ ذلك مِن المعاريض لا مِنَ الكَذبِ ؛
قاله الآمديُّ في ((الإحكام))(٣)، وابنُ دقيقِ العيدِ في ((الاقتراح)) (٤) .
فائدةٌ :
قال الحاكمُ (٥): أهلُ الحجازِ، والحَرَمينِ، ومِصرَ، والعَوالي،
وخُراسانَ ، والجبالِ، وأصبهانَ ، وبلاد فارسَ، وخوزستان، وما وراء
النهر، لا نعلمُ أَحَدًا مِن أئمتهم دلَّسوا .
قال: وأكثرُ المحدِّثين تَدليسًا أهلُ الكوفةِ ونفرٌ يسيرٌ مِن أهل البصرةِ .
(١) في ((ص)): ((يسمح)).
(٣) ((الإحكام)) (١٠١/٢).
(٢) ((الكفاية)) (ص: ٥٢١).
(٤) ((الاقتراح)) (ص: ٢١٢، ٢١٣).
(٥) ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ١١١).

٣٦٦
النوع الثاني عشر
قال: وأمَّا أهلُ بغداد فلم يُذكر عن أحدٍ مِن أهلِها التَّدليسُ، إِلَّا
أبا بكرٍ محمدَ بن محمدِ بن سُليمان البَاغنديَّ الواسطيَّ، فهو أوَّلُ مَن
أَحَدَثَ التدليسَ بها، ومَن دَلَّسَ مِن أهِلها إنما تَبعه في ذلك .
وقد أَفردَ الخطيبُ كتابًا في أَسماءِ المُدلِسين، ثُم ابنُ عساكر .
· فائدةٌ :
استُدِلَّ عَلى أنَّ التدليسَ غيرُ حَرام بما أخرجه ابنُ عَديٌّ عَنِ البراءِ
قال: لم يكن فِينا فارسٌ يَومَ بَدرٍ إلَّا المقداد(١).
قال ابنُ عَسَاكر: قولُه: ((فينا))، يعني المسلمين ؛ لأنَّ البَرَاءَ لم يَشهَد
بدرًا (٢) .
(١) أخرجه: ابن عدي في ((الكامل)) (٤٥٠/٢) في ترجمة بشر بن محمد بن أبان
السكري .
(٢) انظر: كتابي ((ردع الجاني)) (ص ١٢٥ - ١٢٦) الطبعة الثانية .

٣٦٧
الشاذ
· النَّوعُ الثَّالِثَ عَشَرَ :
الشَّاذُ
هُوَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ الحِجَازِ: مَا رَوَىُ الثَّقَةُ
مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ النَّاسِ لَا أنْ يَرْوِيَ ما لا يَرْوِي غيْرُهُ .
قالَ الَخَلِيلِيُّ: والَّذِي عَلَيْهِ حُفَّاظُ الحَدِيثِ: أنَّ الشَّاذَّ مَا لَيْسَ
لَهُ إِلا إِسْنَادٌ وَاحِدٌ يَشِذُّ بِهِ ثِقَةٌ أَوْ غَيْرُهُ، فَمَا كَانَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ
فَمَتْرُوكٌ، وَمَا كَانَ عَنْ ثِقَةٍ تُوُقُّفَ فِيهِ وَلا يُجْتَجُّ به .
وقال الَحَاكِمُ: هُوَ مَا انْفَرَدَ بِهِ ثِقَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ بِمُتَابِعٍ.
(النوعُ الثالثَ عشرَ : الشاذٌّ، هو عِندَ الشافعيِّ وجماعةٍ مِن علماءِ
الحجازِ ما رَوَى الثقةُ مخالفًا لروايةِ الناسِ ، لا أن يَروِيَ) الثقة (ما لا يَروِي
غيرُه) هو مِن تَتَمَّةِ كَلامِ الشَّافعيِّ(١) .
(قال) الحافظُ أبو يَعلى(٢) (الخليليُّ: والذي عليه حفاظُ الحديثِ أَنَّ
الشاذَّ ما ليس له إلا إسنادٌ واحدٌ ، يَشِذُّ به ثقةٌ أو غيرُه، فما كان) مِنه (عن
غيرِ ثقةٍ فمتروٌ) لا يُقبلُ (وما كان عن ثقةٍ تُؤْقُّفَ فيه ولا يُحتَجُّ به) .
فجعلَ الشاذَّ مُطلقَ التفرُّدِ، لا(٣) مَعَ اعتبارِ المخالَفةِ.
(١) رواه الحاكم في ((المعرفة)) (ص: ١١٩) بإسناده عن يونس بن عبد الأعلى عنه به.
(٣) في ((ص): (ولا)).
(٢) ((الإرشاد)) (١٧٦/١).

٣٦٨
النوع الثالث عشر
(وقال الحاكمُ (١): هو ما انفَرَد به ثقةٌ، وليس له أصلٌ بمتابع) لذلك
الثقةِ .
قال : ويُغايرُ المُعلَّلَ ؛ بأنَّ ذلك وُقِف على عِلَّته الدالةِ على جِهةِ الوهم
فيه، والشاذُّ لم يُوقَف فيه على عِلةٍ كذلك .
فجعلَ الشاذَّ تفردَ الثقةِ، فهو أخصُّ مِن قولِ الخليليِّ .
قال شيخُ الإسلامِ : وبَقي مِن كلامِ الحاكمِ : وَينقدِحُ فِي نَفسِ الناقدِ
أنَّهِ غَلَطْ ، ولا يقدرُ على إقامة الدليل على ذلك .
قال: وهذا القيدُ لابُدَّ منه. قال: وإنَّما يُغايرُ المُعلَّل مِن هذه الجهةِ.
قال: وهذا على هذا أدقُّ مِن المُعلَّل بكثيرٍ، فلا يتمكَّنُ مِن الحُكم به إلا
مَن مَارَسَ الفنَّ غايةَ الممارسةِ، وكان في الذِّرْوَةِ مِن الفهمِ الثاقبٍ ،
ورُسوخِ القَدَمِ في الصناعةِ .
قلتُ: ولعُسرِه لم يُفرده أحدٌ بالتصنيفِ، ومِن أَوضَح أَمثلتِه :
ما أَخرِجَه في ((المستدرك))(٢) مِن طريقِ عُبيدٍ بن غَنَّمِ النَّخَعِي، عن عليٍّ
ابنِ حَكِيمٍ، عن شَريكٍ، عن عَطاءِ بن السائبِ ، عن أبي الضُّحَى، عن
ابنِ عباسٍ قال : في كلِّ أرضٍ نبيٌّ كنبيّكم، وآدمُ كآدَمَ، ونوحٌ كُنُوحٍ،
وإبراهیم کإبراهيم، وعیسی کعيسى .
وقال : صحيحُ الإسنادِ .
(١) ((المعرفة)) (ص : ١١٩).
(٢) ((المستدرك)) (٤٩٣/٢).

٣٦٩
الشاذ
ولم أزل أتعجّبُ مِن تَصحيح الحاكم له، حتى رأيتُ البيهقيَّ قال :
إسنادُه صحيحٌ، ولكنه شاذٌ بمرةً(١) .
وَمَا ذَكَرَاهُ مُشْكِلٌ بِأفْرَادِ العَدْلِ الضَّابِطِ: كَحَدِيثِ : ((إِنَّمَا
الأعْمَالُ بِالنِّيَاتِ»، وَ «النَّهِي عَنْ بَيْعِ الوَلاءِ»، وَغَثْرٍ ذَلِكَ بِمَّا فِي
الصَّحِيحِ.
فَالصَّحِيحُ التُّفْصِيلُ :
فَإِنْ كَانَ بِتَفَرُّدِهِ مُخَالِفًا أحْفَظَ مِنْهُ وَأَضْبَطَ، كَانَ شاذًا مَرْدُودًا .
وَإِنْ لَمْ يُخَالِفِ الرَّاوِيَ، فَإِنْ كَانَ عَدْلاً حَافِظًا مَؤْثُوقًا بِضَبْطِهِ
كَانَ تَفَرُّدُهُ صَحِيحًا، وَإِنْ لَمْ يُوثَقْ بِحِفْظِهِ وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْ دَرَجَةٍ
الضَّابِطِ كانَ حَسَنًا، وإنْ بَعُدَ كَانَ شَاذًا مُتْكَرًا مَزْدُودًا،
واْحَاصِلُ أنَّ الشَّاذَّ المَرْدُودَ: هُوَ الفَرْدُ الْمُخَالِفُ، والْفَرْدُ الَّذي
لِيْسَ فِي رُوَاتِهِ مِنَ الثِّقَةِ والضَّبْطِ مَا يُحْبَّرُ بِهِ تَفَرُّدُهُ.
قال المصنفُ . كابنِ الصلاح(٢) .: (وما ذَكَراه) أي الخليليُّ والحاكمُ
(مُشكِلٌ) فإنه ينتقضُ (بأفرادِ العَدلِ الضابطِ) الحافظِ (كحديثِ: ((إنَّما
الأعمالُ بِالنَّاتِ)))(٣) فإنَّه حديثٌ فَرِدٌ، تفرَّد به عُمْرُ عنِ النبيِّ ◌َّوِ، ثُم
(١) ((الأسماء والصفات)) (ص: ٣٩٠). (٢) ((علوم الحديث)) (ص: ١٠٢).
(٣) أخرجه: البخاري (٢/١)، ومسلم (٤٨/٦).