النص المفهرس

صفحات 361-380

٢٩٠
النوع السابع
يُعكرُ على إطلاقِهِ ما (١) إذا استنبطَ الراوي السببَ، كما في حديثِ زيدِ بنِ
ثابتٍ أنَّ الوُسطَى هي الظُّهرُ(٢) . نَقلتهُ من خَطُّه.
الثالثةُ: قد اعتنيتُ بما ورَد عنِ النبيِّ بَّرَ في التفسيرِ وعن
أصحابه، فجمعتُ في ذلك كتابًا حافلًا فيه أكثرُ مِن عشرةِ آلافٍ
(٣)
حديثٍ(٣) .
الرابعةُ : قد تقرَّر أنَّ السُّنة قولٌ وفِعلٌ وتَقريرٌ، وقسَّمها شيخُ الإسلام
إلى صريحٍ وحُكمٍ (٤).
فمثالُ المرفوع قولًا صريحًا قولُ الصحابي: ((قال رسول الله وَّر))،
و ((حدَّثنا)) و(سمعتُ)) .
وحُكمًا : قولُه ما لا مَدخل للرأي فيه .
والمرفوعُ مِن الفعلِ صَريحًا: قوله: ((فَعَل))، أو ((رأيتُه يَفعلُ)).
قال شيخُنا الإمامُ الشُّمُنِّيُّ: ولا يتأتَّى فِعلٌ مرفوعٌ حُكمًا .
ومَثَّلَه شيخُ الإسلامِ بما تقدَّم (٥) عن عليٍّ في صلاة الكسوف .
(١) ليس في ((م)).
(٢) أخرجه: أحمد (١٨٣/٥)، وابن أبي شيبة (٢٤٤/٢)، وعبد الرزاق في ((مصنفه))
(١ / ٥٧٧) .
(٣) وهو ((الدر المنثور في التفسير بالمأثور)).
(٤) ((نزهة النظر)) (ص: ١٤٠).
(٥) (ص : ٢٨٤).

٢٩١
الموقوف
قال شيخنا: ولا يَلزمُ مِن كونه عِنده عَن النبيِّ وَِّ أن يكون عنده مِن
فِعله، لجوازٍ أن يكونَ عِنده مِن قولهِ .
والتقريرُ صريحًا: قولُ الصحابي: ((فعلتُ)) أو ((فُعِلَ بحضرته وَّةٍ)).
وحكمًا : حديثُ المغيرةِ السابقُ .

.........................................
٢٩٢
النوع الثامن
• النَّوعُ الثَّامِنُ :
المَقْطُوعُ
وَجَمْعُهُ: المَقَاطِعُ والَقَاطِيعُ، وهُوَ المَوْقُوفُ عَلَى التَّابِعِيِّ قَوْلاً لَهُ
أُوْ فِعْلاً، وَاسْتَعْمَلُهُ الشّافِعِيُّ ثُمَّ الطَّبَرَانِيُّ فِي المُنْقَطِعِ.
(النوعُ الثامنُ : المقطوعُ، وجمعُه المقاطِعُ والمقاطيعُ، وهو
الموقوفُ على التابعيّ قولاً له أو فعلًا، واستعمله الشافعيُّ ثم الطبرانيُّ
في المنقطع) الذي لَم يتصل إسنادُه، وكذا في كَلام أبي بكرِ الحميديِّ
والدار قطنيٍّ .
إلا أنَّ الشافعيَّ استعملَ ذلك قَبل استقرار الاصطلاح، كما قالَ في
بعض الأحاديث: ((حَسَنٌ)) وهو (١) على شرط الشيخين .
· فائدةٌ :
جَمع أبو حفصٍ ابنُ بدرٍ الموصلي كتابًا سمَّاه «معرفةُ الوقوفِ عَلى
الموقوفِ))، أَورد فيه ما أَورده أصحابُ الموضوعاتِ في مؤلفاتهم
فيها، وهو صَحِيحٌ عَن غيرِ النبيِّ وََّ، إِمَّا عَن صحابيٍّ أو تابعيٍّ فَمَن
بعده .
(١) في ((ص): ((وهي)).

٢٩٣
المقطوع
وقال : إنَّ إيرادَه في الموضوعاتِ غَلَطْ ، فبين الموضوع والموقوفِ
فَرِقٌ .
ومن مَظانٌّ الموقوفِ والمقطوع : مُصنَّفُ ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ،
وتفاسيرُ ابنِ جريرٍ وابنٍ أبي حاتم وابنِ المُنذرِ وغيرهم .

٢٩٤
النوع التاسع
• النَّوعُ التَّاسِعُ :
المُرْسَلُ
أَنَّفَقَ عُلَمَاءُ الطَّوَائِفِ عَلَى أنَّ قَوْلَ التَّابِعِيِّ الكَبِيرِ: ((قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَجَهَ كَذَا)) أو ((فَعَلَهُ)) يُسَمَّى مُرْسَلاً، فإِنِ انْقَطَعَ قَبْلَ
التَّبِعِيِّ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ، قَالَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ:
لا يُسَمَّى مُرْسَلاً، بَلْ يَخْتَصُ الْمُرْسَلُ بِالتَّابِعِيِّ عَنِ النَّبِي وَهَ،
فَإِنْ سَقَطَ قَبْلَهُ وَاحِدٌ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَمُعْضَلٌ
ومُنْقَطِعٌ، والمَشْهُورُ في الفِقْهِ والأُصُولِ أنَّ الكُلَّ مُرْسَلٌ، وَبِهِ
قَطَعَ الْخَطِيبُ، وَهَذَا اخْتِلافٌ فِي الاصْطِلاحِ والْعِبَارَةِ.
(النوعُ التاسعُ: المرَسلُ؛ اتَّفَق علماءُ الطوائفِ على أَنَّ قولَ التابعيّ
الكبيرِ) كعُبيدٍ (١) الله بن عَديٍّ بنِ الخيار، وقيسٍ بن أبي حازم، وسعيدِ
ابن المسيب: (قال رسولُ اللَّه ◌َله كذا أو فَعَلَه، يُسَمَّى مُرسَلًا) .
(فإن انقَطَع قبلَ التابعيّ) هكذا عبّر ابنُ الصلاح(٢) تَبَعًا للحاكم(٣)،
والصوابُ: قَبلَ الصحابيِّ (واحدٌ أو أكثرُ، قال الحاكمُ وغيرُهُ مِن
(١) في ((ص)): ((عبد)) .
(٢) ((علوم الحديث)) (ص: ٧١).
(٣) ((المعرفة)) (ص: ٢٨).
١ ----

٢٩٥
المرسل
المحدِّثين: لا يُسَمَّى مرسلًا، بل يَختصُّ المرسلُ بالتابعيِّ عَنِ النبيِّ ◌ََّ).
(فإن سَقَط قَبله (١)) تقدَّم ما فيه (واحدٌ، فهو منقطعٌ) .
(وإن كان) الساقطُ (أكثرَ) من واحدٍ (فمعضلٌ ومنقطعٌ) أيضًا .
(والمشهورُ في الفقهِ والأُصولِ أنَّ الكُلَّ مُرسَلٌ، وبه قَطَع
الخطيبُ)(٢) قال: إلا أنَّ أكثرَ ما يُوصف بالإرسالِ من حيثُ
الاستعمالُ ما رواه التابعيّ عنِ النبيِّ وَّ .
قال المُصنّفُ: (وهذا اختلافٌ في الاصطلاح والعبارةِ) لا في
المعنى ؛ لأنَّ الكُلَّ لا يُحتج به عند هؤلاء ولا هؤلاء، والمحدِّثون خَصُّوا
اسمَ المرسلِ بالأَوَّل دُون غيرِهِ ، والفقهاءُ والأصوليون عَمَّموا (٣).
وأمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وغَيْرِهِ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
◌َِّ))، فالمَشْهُورُ عِنْدَ مَنْ خَصَّهُ بِالتَّبِعِيِّ أنَّهُ مُرْسَلٌ كالكَبِيرِ.
وقِيلَ : لَيْسَ بِمُرْسَلٍ ، بَلْ مُنْقَطِعٌ .
(١) في ((م)): ((قبل الصحابي)).
(٢) ((الكفاية)) (ص: ٥٨).
(٣) بل استعمال المحدثين يدل على العموم أيضًا، وهذا واضح في كتب الرجال والعلل ؛
فإنهم كثيرًا ما يقولون: ((فلان عن فلان، مرسل))، ويكون الساقط تابعيًّا أو دونه.
وكتاب ((المراسيل)) لابن أبي حاتم أصل في هذا؛ فقد سماه بـ ((المراسيل))، مع أن
موضوعه عامّ فيما لم يتصل على أي وجهٍ. والله أعلم .

٢٩٦
النوع التاسع
(وأما قولُ الزهريِّ وغيرِهِ مِن صغارِ التابعينَ: ((قال رسولُ اللهِ وَتِ)) ،
فالمشهورُ عندَ مَن خَصَّه بالتابعيِّ أنه مرسلٌ كالكبير(١). وقيل: ليس
بمرسَلٍ بل منقطعٌ)(٢)؛ لأنَّ أكثرَ روايتهم عَنِ التابعين (٣).
● تنبية:
يَرِدُ على تخصيصٍ المرسَلِ بالتابعيِّ: مَن سَمِع مِنَ النبيِّ نَّ وهو
كافرٌ، ثُم أَسلم بعد موته، فهو تابعيٍّ اتفاقًا، وحديثُه ليس بمرسلٍ، بل
مَوصولٌ، لا خلاف في الاحتجاج به، كالتنوخيِّ رسولِ هِرقلَ . وفي
رواية: قَيصَر - فقد أخرج حديثَه الإمامُ أحمدُ وأبو يَعلى في
((مسنديهما)» (٤)، وساقاه مَساقَ الأحاديثِ المُسنَدةِ .
ومَن رأى النبيَّ نَّهَ غَيرَ مُميِّزٍ، كمحمدِ بن أبي بكرِ الصدِّيق، فإنَّه
صحابيٍّ، وحُكم روايتِهِ حُكمُ المرسلِ، لا الموصولِ، ولا يَجيء فيه
ما قِيل في مراسيلِ الصحابةِ ، لأنَّ أكثرَ رواية هذا وشبهِه عَنِ التابعين،
(١) في هامش ((م)): ((في كلامه إشارة إلى أن المراد بالصغير من كان أكثر رواياته عن
التابعين)» .
(٢) كما في ((التمهيد)) لابن عبد البر (٢٠/١ - ٢١).
(٣) قال الذهبي في ((الموقظة)) (ص ١٧):
((ومن أوهى المراسيل عندهم : مراسيل الحسن .
وأوهى من ذلك: مراسيل الزهري، وقتادة، وحُميد الطويل، من صغار التابعين .
وغالب المحققين يعدون مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات ؛ فإن غالب روايات
هؤلاء عن تابعي كبير، عن صحابي، فالظن بمرسله أنه أسقط من إسناده اثنين)).
(٤) أخرجه: الإمام أحمد في ((مسنده)) (٤٤١/٣)، وعزاه الهيئمي في ((مجمع الزوائد))
(٢٣٤/٨ - ٢٣٦) إلى أبي يعلى، وقال: ورجال أبي يعلى ثقات.

٢٩٧
المرسل
بخلافِ الصحابيِّ الذي أدرك وسمع، فإن احتمالَ روايته عن التابعين (١)
بعید جدًّا .
● فائدة:
قال العراقيُّ (٢): قال ابنُ القطّان: إنَّ الإرسالَ روايةُ الرجلِ عمَّن لم
يسمع منه .
قال : فعلى هذا، هُو قولٌ رابعٌ في حدُّ المُرسَلِ .
وَإِذَا قَالَ: ((فُلانٌّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ فُلانٍ))، فَقَالَ الْحَاكِمُ : مُنْقَطِعٌ
لَيْسَ مُرْسَلاً، وقَالَ غَيْرُهُ: مُرْسَلٌ.
(وإذا قال) الراوي في الإسنادِ: (((فلانٌ عن رجلٍ) أو شيخ (عن
فلانٍ))، فقال الحاكمُ) (٣) هو (منقطعٌ ليس مرسلًا. وقال غيرُه) - حكاه(٤)
ابنُ الصلاحِ(٥) عَن بعض كُتبِ الأُصولِ -: (مرسَلٌ) .
قال العراقيُّ(٦) : وكلٌّ مِن القولين خلافُ ما عليه الأَكثرون ، فإنَّهم ذَهبوا
إلى أنه مُتَّصِلٌ فِي سَنَدِهِ مَجهولٌ، حكَاه الرشيدُ العطَّارُ، واختاره العلائيُّ .
قال: وما حكَاه ابنُ الصلاحِ عَن بعضٍ كُتبِ الأُصولِ أَراد به
((البرهان)) لإمام الحرمين، فإنه ذكر ذلك فيه، وزاد كُتبَ النبيِّ ◌َّل التي
(١) في ((ص)): ((التابعي)) .
(٣) ((المعرفة)) (ص: ٢٨).
(٥) «علوم الحديث)) (ص: ٧٣).
(٢) ((التبصرة)) (١٤٦/١).
(٤) في ((ص)): ((حكاية عن)).
(٦) ((التقييد)) (ص: ٧٤).

٢٩٨
النوع التاسع
لم يُسَمَّ حاملها، وزاد في ((المحصول)) مَن سُمِّي باسم لا يُعرف به .
قال: وعلى ذلك مَشَى أبو داود في كتابٍ ((المراسيل))، فإنَّه يَروي فيه
ما أُبِهِمَ فيه الرَّجلُ .
قال : بَل زاد البيهقيُّ على هذا في ((سننه))، فجعل ما رواه التابعيُّ عن
رجلٍ من الصحابةِ لم يُسَمَّ مرسلًا، وليس بجيدٍ ، اللهم إلا إن كان يُسمِّيه
مرسلًا، ويجعله حُجةً كمراسيلِ الصحابة ، فهو قريبٌ .
وقد روى البخاريُّ عن الحُميديِّ قال : إذا صحَّ الإسنادُ عن الثقاتِ
إلى رجلٍ من الصحابة فهو حُجةٌ(١)، وإن لم يُسَمَّ ذلك الرجل .
وقال الأثرمُ(٢) : قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ : إذا قال رجلٌ مِن التابعين:
حدَّثني رجلٌ مِن الصحابة ولم يُسمِّه، فالحديثُ صحيحٌ؟ قال : نَعم .
قال : وفرَّق الصيرفيُّ مِنَ الشافعيةِ بَيْنَ أن يرويه التابعيُّ عن الصحابيِّ
معتعنّا أو مُصرِّحًا بالسماع .
قال: وهو حَسَنْ مُتَّجِةٌ، وكلامُ مَن أطلق قبولَه مَحمولٌ على هذا
التفصيل. انتهى (٣) .
(١) زاد في ((ص)): ((كمراسيل الصحابة))، وهي زيادة صحيحة معنًى، لكنها مقحمة هنا،
والنص في ((التقييد)) للعراقي (ص ٧٤) بدونها .
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٩٤/٤).
(٣) وهذا هو الراجح، والمسألة لها طرفان؛ فإن قول الراوي: ((عن رجل)) ولم يسمه
لا يخلو : إما أنه سمع منه أو لم يسمع ، فإن كان سمع منه ، فالعلة الجهالة ، ولا يعرف
سماعه منه إلا بالتصريح، كأن يقول: ((حدثني رجل))؛ لأن الحكم بسماع راوٍ من =

٢٩٩
المرسل
ثُمَّ الْمُرْسَلُ: حَدِيثٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ جَاهِيرِ الْمُحَدِّثِينَ وَكَثِيرٍ مِنَ
الفُقَهَاءِ وأصْحَابِ الْأصُولِ . وقَالَ مَالِكٌ وأبو حَنِيفَةً فِي طَائِفَةٍ :
صَحِيحٌ.
(ثم المرسلُ حديثٌ ضعيفٌ) لا يُحتجُّ به (عندَ جماهيرِ المحدثينَ)
كما حكاه عنهم مسلمٌ في صَدرِ ((صحيحه))(١)، وابنُ عبد البر في
= شيخ معين فرع من معرفتنا بهذا الراوي وذلك الشيخ، وعدم معرفتنا بأحدهما يمنع
الحكم بالسماع، لكن لما صرح بالسماع - وهو ثقة . قبلنا منه ذلك .
وإن لم يكن سمع، فالعلة الجهالة والانقطاع .
وإذا لم يصرح المبهم بالسماع ممن فوقه، فقد يحكم أيضًا بالانقطاع بينهما، حتى
ولو صرح ذلك المبهم بالسماع؛ لأن المبهم قد يكون ضعيفًا، والضعيف قد يخطئ
فيصرح ممن لم يسمع منه ، كما هو معلوم .
على أن الإبهام هو في الحكم كالانقطاع، وأي فرق بين أن يقول الراوي : ((قال فلان
كذا))، وهو لم يسمع منه، وبين أن يقول: ((حدثني شيخ عن فلان بكذا))، فكلا
الروايتين في الحكم سواء، هذه منقطعة جزمًا، وتلك منقطعة جزمًا، وإن اختلفت
ألفاظ الرواة ؛ لأن إبهام الراوي، حكمه كما لو لم يذكر أصلًا .
ولعله لذلك ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الرواية المبهمة هي من قبيل المرسل أو
المنقطع .
وراجع: ((المعرفة)) للحاكم (ص٢٧ - ٢٨)، و((العلل)) لابن المديني (ص١٠١)
و ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٨٢٩/٢٦٠/١/١) - مقارنًا بهامش ((تعظيم قدر الصلاة))
للمروزي (٢٨٨/١. ٢٨٩) . وأيضًا (٤١٧/١٣٩/١/١) و(٢١٢٨/١٨٩/٢/٣)
و (٢١٥٠/١٩٥/٢/٣) و((الناسخ والمنسوخ)) للأثرم (ص١٣٥)، و((سير أعلام
النبلاء)) (٣٣٩/٥)، و((الإصابة)) (٤٢١/٤ - ٤٢٢).
(١) (ص : ٢٤) .

٣٠٠
النوع التاسع
((التمهيد)) (١)، وحكَاه الحاكمُ(٢) عن ابن المسيب ومالك (وكثيرٍ مِن
الفقهاءِ وأصحابِ الأصولِ) والنظرِ ؛ للجهلِ بحالِ المحذوفِ، لأنه
يَحتملُ أن يكون غيرَ صحابيٍّ ، وإذا كان كذلك فيَحتملُ أن يكون ضعيفًا .
وإن اتَّفقَ أن يكون المُرسِلُ لا يَروي إلا عن ثقةٍ، فالتوثيقُ مع الإبهامِ
غير كافٍ، كما سَيأتي، ولأنَّه إذا كان المجهولُ المُسمَّى لا يُقبلُ،
فالمجهولُ عَينا وحالًا (٣) أولى (٤) .
(وقال مالكٌ) في المشهورِ عنه (وأبو حنيفةَ في طائفةٍ) منهم أحمدُ في
المشهورِ عنه: (صحيحٌ) .
قال المصنّفُ في ((شَرح المُهذَّب))(٥): وقيَّد ابن عبد البر وغيرُه ذلك
بما إذا لم يكن مُرسِلُه ممن لا يحترز ويُرسلُ عن غيرِ الثقاتِ ، فإن كان فلا
خِلاف في رَدُه .
وقال غيرُه : محلٌّ قبوله عند الحنفية ما إذا كان مُرسِلُه مِن أهلِ القرونِ
الثلاثةِ الفاضلةِ، فإن كان مِن غيرِها فلا؛ لحديث (ثُمَّ يَفشُو الكَذِبُ)).
صحَّحَه النسائي .
وقال ابنُ جريرٍ (٦) : أَجمع التابعون بأَسرِهم على قَبول المرسَلِ، ولم
(١) ((التمهيد)) (٥/١).
(٢) ((المعرفة)) (ص: ٢٦).
(٣) ليس في ((م)).
(٤) بل هذه حجة من صحح مراسيل سعيد وغيره. انظر ما سيأتي (ص: ٣٠٢). دكتور
أحمد معبد .
(٥) («المجموع)) (١٠٠/١).
(٦) كما في ((التمهيد)) (٤/١).

٣٠١
المرسل
يأتِ عنهم إنكارُه، ولا عَن أحدٍ مِن الأئمةِ بعدَهم إلى رأسٍ المائتين .
قال ابنُ عبد البر: كأنه يعني أنَّ الشافعيّ أوَّلُ مَن رَدَّه.
وبالَغ بعضُهم فَقَوَّاه على المسندِ ، وقال: مَن أَسندَ فَقد أحَالَكَ، ومَن
أرسلَ فَقَد تَكَفَّلَ لَكَ .
فإِنْ صَحَّ تَخْرَجُ المُرْسَلِ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُسْنَدًا، أو
مُرْسَلاَ أرْسَلَهُ مَنْ أَخَذَ عَنْ غَيْرِ رِجَالِ الأوَّلِ - كانَ صَحِيحًا،
ويتَبَيَّنُ بِذَلِكَ صِحَّةُ الْمُرْسَلِ، وأَنَّهُمَا صَحِيحَانِ لَوْ عَارَضَهُمَا
صَحِيحٌ مِنْ طَرِيقٍ رَجَّحْنَاهُمَا عَلَيْهِ إِذَا تَعذَّرَ الجَمْعُ.
(فإن صَحَّ مَخرَجُ المرسَلِ بمجيئِهِ) أو نحوه (مِن وجهٍ آخَرَ مسنَدًا أو
مرسلًا أَرسَلَه مَن أَخَذَ) العلمَ (عن غيرِ رجالٍ) المرسِل (الأَوَّلِ، كان
صحیحًا) .
هكذا نصَّ عليه الشافعيُّ في ((الرسالة))(١)، مقيدًا له بمرسَلِ كِبارِ
التابعين، ومَن إذا سَمَّى مَن أَرسلَ عنه سَمَّى ثقةً، وإذا شارَكه الحفاظُ
المأمونون لم يُخالفوه، وزاد في الاعتضادِ : أن يوافقَ قولَ صحابيٍّ، أو
يُقتي أكثرُ العلماءِ بِمُقتضاه، فإن فُقِدَ شرطٌ ممَّا ذُكِر لم يُقبل مُرسَلُهُ، وإنْ
وَجِدَت قُبِل .
(ويتبينُ (٢) بذلك صحةُ المرسَلِ وأنهما) أي المرسَل وما عَضَدَه
(١) ((الرسالة)) (ص : ٤٦١ - ٤٦٣).
(٢) في ((ص)): ((وتبین)).

٣٠٢
النوع التاسع
(صحيحانِ، لو عارَضهما صحيحٌ مِن طريقٍ) واحدةٍ (رَجَّحناهما(١)
عليه) بتعددِ الطُّرقِ (إذا تَعَذَّر الجمعُ) بينهما .
· فوائدُ:
الأُولى : اشتَهرَ عن الشافعيِّ أنَّه لا يحتجُّ بالمرسَلِ ، إلا مراسيلَ سعيدِ
ابنِ المسیبِ .
قال المصنّفُ في ((شرح المهذَّب))(٢) وفي ((الإرشادِ)): والإطلاقُ في
النفي والإثباتِ غلطٌ، بل هو يَحتجُ بالمرسَلِ بالشروطِ المذكورةِ،
ولا يَحتجُ بمراسيلِ سعيدٍ إلَّ بها أيضًا.
قال: وأَصلُ ذلك أنَّ الشافعيَّ قال في ((مختصر المزني)»: أخبرنا
مالكٌ، عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه نَهَىَ
عَنْ بَيْعِ اللَّحمِ بِالحَيوَانِ (٣) .
وعن ابنِ عباسٍ: أَنَّ جَزُورًا نُحِرَت على عَهدِ أَبِي بَكرٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ
بِعَنَاقٍ فقال : أَعطوني بهذهِ العناقِ، فقال أبو بكر: لا يصلحُ هذا .
قال الشافعيُّ : وكان القاسمُ بنُ محمدٍ وسعيد بن المسيبِ وعروةُ بن
الزبيرِ وأبو بكر بن عبد الرحمن يُحرِّمون بيعَ اللَّحم بالحَيوان .
(١) في ((ص)): ((رجحاهما)).
(٢) ((المجموع)) (١٠١/١ - ١٠٢).
(٣) رواه: مالك في ((الموطأ)) (ص: ٤٠٦)، ومن طريقه: الحاكم في ((المستدرك))
(٣٥/٢)، والبيهقي في ((السنن)) (٢٩٦/٥).

٣٠٣
المرسل
قال: وبهذا نأخذُ، ولا نعلم أحدًا مِن أصحابِ رسولِ الله وَلَّ خالف
أبا بكرِ الصديق، وإرسالُ ابنِ المسيبِ عندنا حَسَنٌ. انتهى .
فاختلفَ أصحابنًا في معنى قوله : ((وإرسالُ ابنِ المسيب عندنا حَسَنٌ))
على وجهين، حكَاهما (١) الشيخُ أبو إسحاق الشيرازي في ((اللَّمَع))
والخطيبُ البغداديُّ (٢) وغيرُهما .
أحدُهما : معناه أنه حُجَّةٌ عِنده بخلافِ غيرِها مِن المراسيلِ . قالوا :
لأنَّها فُتِشت فَوجِدَت مُسنَدَةً .
والثاني : أنَّها ليست بِحُجةٍ عنده، بل هي كَغيرها. قالوا: وإنما رجّح
الشافعيُّ بمرسَلِهِ، والترجيحُ بالمرسَلِ جائزٌ .
قال الخطيبُ: وهو الصوابُ، والأَوَّلُ ليس بِشَيءٍ؛ لأن في مراسيله
ما لم يُوجد مُسندًا بحال مِن وجهٍ يصحُ، وكذا قال البيهقيُّ (٣).
قال : وزيادةُ ابنِ المسيب في هذا على غيره أنَّه أصحُ التابعين إرسالًا
فيما زعم الحُفَّاظُ .
قال المصنّف: فهذان إمامان حافظان فَقيهان شافعيَّان مُتضلِّعان مِن
الحديث والفقهِ والأُصولِ والخبرةِ التامةِ بنصوصِ الشافعيِّ ومعاني
كلامهِ .
(١) في ((ص))، ((م): ((حكاه))، والمثبت من المطبوع.
(٢) (الكفاية)) (ص : ٥٧١ - ٥٧٢).
(٣) كما في ((مناقب الشافعي)) (٣١/٢ - ٣٢).

٣٠٤
النوع التاسع
قال : وأما قولُ القَفَّالِ: مرسَلُ ابنِ المسيبِ حُجَّةٌ عِندنا، فهو محمولٌ
على التفصيلِ المتقدِّمِ .
قال: ولا يصحُّ تَعلَّقُ مَن قال: ((إِنه حُجَّةٌ)) بقوله: ((إرسالُه حَسَنٌ))؛
لأنَّ الشافعيَّ لم يعتمد عليه وحده، بَل لِما انضمَّ إليه مِن قولِ أبي بكرٍ
ومَن حَضَره مِن الصحابةِ وقولِ أئمةِ التابعين الأربعةِ الذين ذكّرهم، وهُم
أربعةٌ مِن فقهاءِ المدينةِ السبعةِ .
وقد نقَل ابنُ الصبَّاغ وغيرُه هذا الحُكم عن تَمام السبعةِ، وهو مَذهبُ
مالكِ وغيرِهِ، فهذا عَاضدٌ ثانٍ للمُرسَلِ . انتهى (١) .
وقال البلقينيُّ (٢): ذكَر الماورديُّ في ((الحاوي)) أنَّ الشافعيَّ اختَلَفَ
قَولُه في مراسيلٍ سعيدٍ، فَكَان في القدِيم يحتج بها بانفرادها، لأنه
لا يرسِل حديثًا إلا يُوجَد مُسندًا، ولأنه لا يروي إلا ما سمعه مِن جماعة،
أو مِن أكابرِ الصحابةِ ، أو عَضَدَه قولُهم، أو رآه منتشرًا عِندَ الكافَّةِ، أو
وافقه فِعلُ أهلِ العصرِ، وأيضًا فإنَّ مراسيلَه سُبِرَت، فكانت مأخوذةً عن
أبي هريرة، لما بينهما من الوصلةِ والصهارةِ، فصار إرسالُه كإسنادِه عنه ،
ومذهبُ الشافعيِّ في الجديدِ أنه كَغَيرِه .
ثُم هذا الحديثُ الذي أورده الشافعيُّ مِن مراسيلِ سعيدٍ يصلحُ مثالًا
(١) في هامش ((م)): ((قلت : ويصير المعنى أن هذا المرسل الذي أوردناه حسن، أي لما
اعتضد به مما انضم إليه، فيكون مراده مرسلًا خاصًّا وهو ما اعتضد لا مطلقًا)).
(٢) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ١٣٧).

٣٠٥
المرسل
الأقسام المرسلِ المقبولِ، فإنّه (١) عَضَدَه قولُ صَحابيٍّ، وأفتى أكثرُ أهلٍ
العلم بمُقتضاه، وله شاهدٌ مُرسَلٌ آخر أَرسَله مَن أخذَ العِلمَ عَن غيرِ رجالٍ
الأولِ، وشاهدٌ آخر مُسندًا، فَرَوَى البيهقيُّ في ((المدخل)) مِن طريقٍ
الشافعيِّ، عن مُسلمٍ بن خالدٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن القاسم بن أبي بزة،
قال : قدمتُ المدينةَ فوجدتُ جزورًا قد جُزرَت، فَجُزْئت أربعة أجزاءٍ،
كلُّ جزءٍ منها بِعَناقٍ ، فأردتُ أن أبتاعَ منها جُزءًا ، فقال لي رجلٌ مِن أهل
المدينةِ: إِنَّ رسول اللـه بَّه نَهَى أَن يُبَاعَ حَيٍّ بِمَيْتٍ. فسألتُ عن ذلك
الرجل ، فأُخبرتُ عنه خيرًا(٢) .
قال البيهقيُّ : فهذا حديثٌ أرسله سعيدُ بنُ المسيب، ورواه القاسمُ
ابن أبي بَزَّةً عن رجلٍ مِن أهل المدينة مرسَلًا، والظاهرُ أنه غيرُ سعيدٍ ،
فإنَّه أشهرُ مِن أن لا يعرفه القاسمُ بن أبي بَزَّةَ المكْيُّ حتَّى يَسألَ عنه .
قال: وقد رويناه مِن حديثِ الحسنِ عن سَمُرةً بن جُندبٍ عنِ النبيِّ
وَّ، إلا أنَّ الحفاظَ اختلفوا في سماع الحسَن مِن سَمُرة في غير حديث
العقيقة، فمنهم مَن أَثبته، فيكون مثالًا للفصلِ الأَولِ، يعني ما له شاهدٌ
مُسنَدٌ، ومِنهم من لم يُثبته، فيكون أيضًا مرسَلًا انضَمَّ إلى مُرسَل سعيدٍ .
انتهى .
الثانيةُ: صَوَّر الرازي وغيرُه مِن أهلِ الأُصول المُسنَدَ العاضدَ بأن لا
يكون مُنتهِضَ الإسنادِ، ليكونَ الاحتجاجُ بالمجموع، وإلّ فالاحتجاجُ
(١) في ((ص)): ((فإن)).
(٢) أخرجه: البيهقي في ((السنن)) (٢٩٦/٥ - ٢٩٧).

٣٠٦
النوع التاسع
حينئذٍ بالمُسندِ فَقط، وليس بمخصوص بذلك، كما تقدَّم (١) الإشارةُ إليه
في كلامِ المُصنّفِ (٢) .
الثالثةُ: زادَ الأُصوليون في الاعتضادِ أن يوافقه قياسٌ، أو انتشارٌ مِن
غيرِ إنكارٍ، أو عَمَلُ أهلِ العصرِ به. وتقدَّم في كلام الماورديِّ ذِكرُ
الصورتين الأخيرتين، والظاهرُ أنهما دَاخِلتان(٣) في قولِ الشافعيِّ: وأَفتى
أكثرُ أهلِ العِلمِ بِمُقتضاه .
الرابعةُ : قال القاضي أبو بكرٍ : لا أَقَبلُ المُرسَلَ، ولا في الأمَاكنِ التي
قبلها الشافعي حَسمًا للبابِ ، بل ولا مُرسَل الصحابيِّ، إذا احتمل سَماعُه
مِن تابعيٍّ .
قال : والشافعيُّ لا يوجبُ الاحتجاجَ به في هذه الأماكن بل يَستحبُّه،
كما قال: أَسْتَحِبُّ قَبولَهَ، ولا أستطيعُ أن أقولَ: الحُجَّةُ تَثبتُ (٤) به
ثُبُوتَها (٥) بالمتصلِ .
(١) في هامش ((م): ((أي فيما إذا عارضهما حديث صحيح من طريق واحد فيقدمان
علیه)) .
(٢) وقد بينت في كتابي ((النقد البناء لحديث أسماء في كشف الوجه والكفين للنساء))، أن
هذا المسند العاضد لابد وأن يكون صحيحًا، وأنه هو الذي يدل عليه كلام النووي
وغيره، وأنه ظاهر كلام الشافعي وما فهمه الناس من كلامه، ورددت هناك على
الرازي وغيره ممن جوزوا أن يكون هذا المسند ضعيفًا لا تقوم به الحجة بانفراده .
وبالله التوفيق .
(٣) في ((ص))، و((م)): ((داخلان)) والمثبت من المطبوع.
(٤) في ((م)): ((ثبتت)) .
(٥) في ((ص): ((بثبوته))، وفي ((م): ((ثبوته)). والمثبت من ((الرسالة)) للشافعي (ص ٤٦٤).

٣٠٧
المرسل
وقال غيرُه : فائدةُ ذلك أنَّه لو عارضه مُتصلٌ قُدِّمَ عليه، ولو كان حُجَّةً
مطلقًا تَعَارِضًا .
لكن قالَ البيهقيُّ (١): مُرادُ الشافعيِّ بقولِهِ: ((أستحب)): أَخْتَارُ،
وكذا قال المصنّفُ في ((شرح المُهذَّب))(٢) .
الخامسةُ : إن لم يكن في البابِ دليلٌ سِوى المُرسَلِ، فَثلاثةُ أقوالٍ
للشافعي : ثَالثُها - وهو الأظهرُ: يجبُ الانكفافُ لأجله .
السادسةُ: تَلخَّصَ في الاحتجاج بالمرسلِ عشرةُ أقوالٍ: حُجَّةٌ مُطلقًا ،
لا يُحتجُّ به مُطلقًا، يحتجُّ به إن أرسَله أهلُ القرونِ الثلاثةِ ، يُحتجُّ به إن لم
يرو إلَّا عن عَدلٍ، يُحتجُّ به إن أرسلَه سعيدٌ فقط، يُحتجُ به إن اعتضدَ ،
يُحتجُّ به إن لم يكن في البابِ سِواهُ، هو أَقوى مِن المُسنَدِ ، يُحتجُّ به نَدبا
لا وُجوبًا، يُحتجُّ به إن أرسلَه صحابيُّ .
السابعةُ : تقدَّم في قولِ ابنِ جريرِ أنَّ التابعين أَجمعوا على قَبولِ
المرسلِ ، وأنَّ الشافعيّ أوَّلُ مَن أَباه، وقد تنبَّه البيهقيُّ لذلك فقال في
((المدخل)): بابُ ما يُستدلُّ به على ضعفِ المراسيل بعدَ تَغيُّرِ الناسِ
وظُهورِ الكَذبِ والبِدَع، وأورد فيه ما أخرجه مسلمٌ (٣)، عنِ ابنِ سِيرينَ ،
قال : لقد أتَى على الناسِ زمانٌ وما يُسألُ عن إسنادِ حديثٍ، فلما وقعتِ
الفتنةُ سُئل عنِ إسنادِ الحديثِ، فَيُنظرُ مَن كان مِن أَهلِ السُّنة يُؤْخَذُ مِن
حديثه، ومَن كان مِن أَهلِ البِدَعِ تُرك حديثُه .
(١) كما في ((مناقب الشافعي)) (٣٢/٢).
(٣) ((مقدمة صحيح مسلم)) (ص: ١١).
(٢) ((المجموع)) (١٠١/١).
-أ ....

٣٠٨
النوع التاسع
الثامنةُ: قال الحاكمُ في «علوم الحديث)) (١): أكثرُ ما تُروى المراسيلُ
مِن أَهلِ المدينةِ عنِ ابن المسيب، ومِن أهلِ مكةً عن عطاء بن أبي رباحٍ،
ومِن أهَلِ البصرةِ عَنِ الحسنِ البصريِّ، ومِن أهلِ الكوفةِ عن إبراهيم بن
يزيد النخعي، ومِن أهلِ مِصر عن سَعيد بن أبي هِلالٍ، ومِن أهلِ الشامِ
عن مکحولٍ .
قال: وأصحُها. كما قال ابن معين - مراسيلُ ابنِ المسيب؛ لأنَّه مِن
أولادِ الصحابةِ ، وأدرك العشرةَ، وفقيهُ أهلِ الحجازِ، ومُفتيهم (٢)، وأولُ
الفقهاءِ السبعةِ الذين(٣) يَعتدُّ مالكٌ بإجماعهم كإجماع كافةِ الناسِ، وقد
تأمَّل الأئمة المتقدِّمون مراسيلَه فوجَدُوها بأسانيدَ صحيحةٍ ، وهذه الشرائطُ
لم تُوجد في مراسيلٍ غيرِه .
قال : والدليلُ على عدمِ الاحتجاجِ بالمُرسَلِ غيرِ المسموعِ، مِنَ
الكتاب: قَولُهُ تعالى: ﴿لِيَنَفَقَّهُواْ فِ الدِّينِ وَلِيُنْدِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَمُواْ
إِلَتِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، ومِن السُّنة حَديثُ: ((تَسْمِعُونَ ويُسمعُ مِنكُم، ويُسمَعُ
مِمن يَسمَعُ مِنكُم)) .
التاسعةُ: تكلّم الحاكمُ على مراسيلٍ سعيدٍ فقط، دُون سائرٍ مَن ذُكِرَ
معه ، ونحن نَذکرُ ذلك :
(١) ((المعرفة)) (ص: ٢٥ - ٢٧).
(٢) في ((ص)): ((ومتقنهم)) .
(٣) في ((ص)): ((الذي)) .

٣٠٩
المرسل
فمراسيلُ عطاءٍ : قال ابنُ المديني(١): كان عطاءٌ يأخذُ عن كُلٌ
ضربٍ، مرسلاتُ مجاهدٍ (٢) أحبُّ إليَّ مِن مُرسلاته بكثيرٍ .
وقال أحمدُ بن حنبلِ (٣): مرسَلاتُ سعيدِ بنِ المسيبِ أصحُ
المرسَلاتِ، ومرسلاتُ إبراهيمَ النخعيِّ لا بأسَ بها، وليس في
المُرسلات أضعفُ مِن مُرسَلاتِ الحسَنِ وعطاءِ بنِ أبي رَباحِ ؛ فإنَّهما كانا
يأَخُذان عن كلِّ أحدٍ .
ومراسيلُ الحسَن : تَقدَّم القولُ فيها عن أحمدَ .
وقال ابنُ المدينيِّ (٤): مُرسَلاتُ الحسَنِ البصريِّ التي رواها عنه
الثقاتُ صِحَاحٌ، ما أقلَّ ما يَسقطُ منها!
وقال أبو زُرعة(٥): كلُّ شيءٍ قالَ الحَسَنُ: ((قالَ رسولُ اللهِ وَر))
وجدتُ له أَصلّا ثابتًا، ما خَلا أربعةَ أحاديثَ .
وقال يحيى بنُ سعيدِ القطَّانُ(٦): ما قالَ الحَسَنُ في حديثِه: ((قال
رسول الله ( 18)) إلا وجدنا له أصلًا، إلا حديثًا أو حديثين.
(١) كما في ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (٤/١)، و((تهذيب الكمال)) (٨٣/٢٠).
(٢) في ((م)): ((فمجاهد)) .
(٣) أسنده الخطيب في («الكفاية)» (ص: ٥٤٩)، وأورده: المزي في (تهذيب الكمال))
(٨٣/٢٠)، والذهبي في ((السير)) (٢٢٢/٤).
(٤) كما في ((التهذيب)) (٢٦٦/٢) .
(٥) كما في ((تهذيب الكمال)) (١٢٤/٦)، و((السير)) (٥٧٦/٤).
(٦) كما في ((شرح علل الترمذي)) (٢٧٥/١).
1