النص المفهرس
صفحات 301-320
٢٣٠ النوع الثاني دَرَجَةَ الصَّحِيحِ؛ لِقُصُورِهِ فِي الْحِفْظِ والإِثْقَانِ، وهُوَ مُرْتَفِعٌ عَنْ حالٍ مَنْ يُعَدُّ تَفَرُّدُهُ مُنْكَرًا . (قال الشيخُ) ابنُ الصلاح(١) بعد حِكايته الحدودَ الثلاثةَ وقوله ما تقدَّم : قد أمعنتُ النظرَ في ذلك والبحثَ ، جامعًا بين أطرافِ كلامِهم ، مُلاحِظًا مواقعَ استعمالهم، فتنقَّح لي وانَّضح أن الحديثَ الحَسَنَ (هو قسمانِ) : (أحدُهما : ما لا يَخُلو إسنادُه مِن مستورٍ لم تتَحَقّق أَهليتُه، ولیس مغفلًا كثيرَ الخطإِ) فيما يرويه، ولا هو مُتَّهمّ بالكذبِ في الحديثِ (ولا ظَهَر منه سَبَبٌ) آخر (مُفَسِّقٌ، ويكونُ مَتنُ الحديثِ) مع ذلك (معروفًا بروايةٍ مثلِهِ أو نحوِهِ مِن وَجهٍ آخَر) أو أكثر حتَّى اعتضدَ بمتابعةِ مَن تابعَ راويه(٢) علی مثله، أو بما له مِن شاهدٍ ، وهو ورودُ حدیثٍ آخر نحوه ، فيخرج بذلك عَن أن يكونَ شادًّا أو منكرًا . قال: وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل . القِسمُ (الثاني: أن يكونَ راويه مشهورًا بالصدقِ والأمانة، و) لكن (لم يَبلُغ درجةَ الصحيح، لقصورِه) عن رُواته (في الحفظ والإتقان، وهو) مَع ذلك (مرتفعٌ عن حالِ مَن يُعَدُّ تفردُه) أي ما ينفردُ به مِن حديثه (مُنْكَرًا) . (١) ((علوم الحديث)) (ص: ٤٦ - ٤٧). (٢) في ((ص)): ((رواية)). mImAMMs ٢٣١ الحسن قال : ويُعتبر في كل هذا مع سَلامةِ الحديثِ مِن أن يكون شاذًّا أو مُنكَرًا سلامتُه مِن أن يكون مُعَلَّلًا. قال: وعلى هذا القِسمِ يتنزلُ كلامُ الخطّابِيِّ . قال : فهذا الذي ذكرناه جامعٌ لِمَا تفرَّق في كلام مَن بلغنا كلامُه في ذلك . قال: وكأن الترمذيَّ ذَكّر أحدَ نَوعَي الحسَن، وذَكَر الخطابيُّ النوعَ الآخرَ، مُقْتَصِرًا كلٌّ منهما على ما رَأى أنَّه يُشكِلُ ، مُعرِضًا عما رَأَى أنه لا يُشكِلُ أو أنه غَفَل عن البعض وذهل. انتهى كلامُ ابن الصلاح. قال ابنُ دقيق العيدِ (١): وعليه فيه مؤاخذاتٌ ومُناقشَاتٌ . وقال ابن جَماعة(٢): يَرِدُ على الأول مِن القِسمِين: الضعيفُ والمنقطعُ والمرسلُ الذي في رِجاله مَستورٌ، وَرُوِي مثلُه أو نحوُه مِن وجهٍ آخر، وعلى الثاني : المرسلُ الذي اشتَهر راويه بما ذُكِر، فإنَّه كذلك، وليس بحسَنٍ (٣) في الاصطلاحِ . قال : ولو قيل: الحسنُ كلُّ حديثٍ خالٍ عن العِلَلِ، وفي سَندِه المتصلِ مستورٌ له به شاهدٌ ، أو مشهورٌ قاصِرٌ عن درجةِ الإتقانِ ، لَكَان أجمعَ لما في حُدودِه وأَخْصَرَ . وقال الطيبي (٤): لو قيل: الحسَنُ مُسنَدُ مَن قَرُبَ مِن درجة الثقة ، أو (١) («الاقتراح)) (ص: ١٧١). (٣) في ((ص)): ((يحسن)). (٢) ((المنهل الروي)) (ص: ٣٦). (٤) ((الخلاصة)) (ص: ٤١). ٢٣٢ النوع الثاني مُرسَلُ ثقةٍ، ورُوي كلاهما من غيرِ وجهٍ، وسَلِمَ مِن شذوذٍ وعلةٍ ، لكان أجمَعَ الحدودِ وأضبَطَها وأبعدَ عن التعقيدِ . وحدَّ شيخُ الإسلام في ((النخبة)) (١) الصحيحَ لذاته بما نقَله عدلٌ، تامُ الضبطِ، متصلُ السندِ، غيرُ معللٍ ولا شاذٌ. ثم قال: فإن خَفَّ الضبطُ فهو الحسَنُ لِذاته . فشرك بينَه وبينَ الصحيح في الشروطِ إلا تمامَ الضَّبطِ، ثم ذكَر الحسَن لغيرِه بالاعتضادِ . وقال شيخُنا الإمامُ تقيُّ الدين الشمني : الحسنُ خبرٌ متصلٌ قَلَّ ضبطُ راويه العدلِ، وارتفع عن حالِ مَن يُعَدُّ تفردُه مُنكَرًا، وليس بشاذٌ ولا مُعلَّلٍ . قال البلقيني (٢): الحسَن لَمَّا توسَّط بين الصحيح والضعيفِ عند الناظر ، کأن شيئًا ینقدحُ في نفسِ الحافظ ، قد تقصُرُ عبارتُه عنه، كما قيل في ((الاستحسانِ))، فلذلك صَعُبّ(٣) تعريفه . وسَبَقَّهُ إلى ذلك ابنُ كثيرٍ (٤). (٢) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ١٠٥). (١) (ص : ٨٢). (٣) في ((ص)): ((فكذلك ضعف)). (٤) ((اختصار علوم الحديث)) (ص: ٣٠). وقال الذهبي في ((الموقظة)) (ص: ٨) : ((ثم لا تطمح بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها ، فأنا على إياس من ذلك، فكم من حديث تردد فيه الحفاظ ، هل هو حسن أو ضعيف أو صحيح؟ بل = .أسس ٢٣٣ الحسن تنبية : الحسَنُ أيضًا على مراتبَ كالصحيح ، قال الذهبيُّ (١): فَأَعلى مَراتبِهِ : بهزُ بن حكيمٍ عَن أبيهِ عن جَدِّه، وعمرو بنُ شعيبٍ عَن أبيهِ عن جَدِّه، وابنُ إسحاق عَن التيمي ، وأمثالُ ذلك مما قيل إنَّه صحيحٌ، وهو مِن(٢) أدنى مراتبِ الصحيحِ، ثم بعد ذلك ما اختُلِفَ في تَحسينِهِ وتَضعيفِهِ (٣)، كحديث الحارث بن عبد الله، وعاصم بن ضمرة، وحجَّاج بن أرطاة ونحوهم . ثُمَّ الْحَسَنُ كَالصَّحِيحِ في الاخْتِجَاجِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ في القُوَّةِ؛ وَلِهِذَا أَدْرَجَتْهُ طَائِفَةٌ فِي نَوْعِ الصَّحِيحِ . (ثم الحَسَن كالصحيحِ في الاحتجاجِ به، وإن كان دُونَه في القوةِ، ولهذا أَدَرَجَتْه طائفةٌ في نوعِ الصحيحِ) كالحاكم، وابنِ حبانَ، وابنٍ خزيمة، مع قولهم بأنه دُون الصحيح المبيَّنِ أولًا (٤). = الحافظ الواحد يتغير إجتهاده في الحديث الواحد، فيومًا يصفه بالصحة، ويومًا يصفه بالحسن، ولربما استضعفه. وهذا حق، فإن الحديث الحسن يستضعفه الحافظ عن أن يرقيه إلى رتبة الصحيح، فبهذا الاعتبار فيه ضعف ما، إذ الحسن لا ينفك عن ضعف ما، ولو انفك عن ذلك لصح باتفاق)). (١) ((الموقظة)) (ص: ١١). (٢) ليس في ((ص)) . (٣) في (ص))، ((م): ((ضعفه))، والمثبت من المطبوع . (٤) ((علوم الحديث)) (ص: ٦٠). .....-. ٢٣٤ النوع الثاني ولا بِدعَ في الاحتجاج بحديثٍ له طريقانِ لو انفرد كلٌّ منهما لم يكن حُجةً، كما في المرسَلِ إذا وَرَدَ من وجهٍ آخر مُسنَدًا، أو وافقَه مرسَلٌ آخر بشرطِهِ، كما سيجيء ؛ قاله ابنُ الصلاح(١) . وقال في ((الاقتراح))(٢): ما قِيل من أن الحسنَ يُحتَجُّ به فيه إشكالٌ ؛ لأنَّ ثَمَّ أوصافًا يَجبُ معها قَبولُ الروايةِ إذا وُجِدَت [ في الراوي](٣)، فإن كان هذا المُسمَّى بالحسَن مما وجدت فيه على أقلِّ الدرجاتِ التي يجَبُ معها القَبولُ فهو صحيحٌ، وإن لم توجد لم يَجُز الاحتجاجُ به وإن سُمِّي حَسَنًا ، اللهم إلا أن يُرَدَّ هذا إلى أمرِ اصطلاحِيٍّ، بأن يقال: إنَّ هذه الصفاتِ لها مراتبُ ودرجاتٌ، فأعلاها وأوسطها يُسمَّى صحيحًا، وأدناها يُسمَّى حَسَنًا، وحينئذٍ يرجع الأمر في ذلك إلى الاصطلاح، ويكون الكلُّ صحيحًا في الحقيقة . وقَوْلُهُم: حَدِيثٌ حَسَنُ الإِسْنَادِ أَوْ صَحِيحُهُ، دُونَ قَوْلِهِم: حَدِيثٌ صَحِيحٌ أوْ حَسَنٌ؛ لأنَّه قَدْ يَصِحُّ أَوْ يَحْسُنُ الإِسْنَادُ دَونَ الَتْنِ؛ لِشُذُوذٍ أوْ عِلَّةٍ، فإنِ اقْتَصَر على ذَلِكَ حَافِظُ مُعْتَمَدٌ فالظَّاهِرُ صِحَّةُ المَتْنِ وحُسْنُهُ. (١) ((علوم الحديث)) (ص: ٤٨، ٧٣). (٢) (ص: ١٧٦). (٣) سقط من: ((ص))، ((م))، وأثبته من المطبوع و((الاقتراح)). ٢٣٥ الحسن (وقَولُهم) أي الحفاظ : هذا (حديثٌ حَسَنُ الإِسنادِ أو صحيحُه، دونَ قولهم حديثٌ صحيحٌ أو حسنٌ؛ لأنه قد يَصِحُ أو يَحسُنُ الإِسنادُ) لثقةٍ رِجالهِ (دونَ المتنِ لشذوذٍ أو علةٍ) وكثيرًا ما يستعمل ذلك الحاكم في (مستدركه)) . (فإن اقتَصَر على ذلك حافظٌ معتَمَدٌ) ولم يذكر له علةً ولا قادحًا (فالظاهرُ صحةُ المتنِ وحسنُه) لأنَّ عدمَ العلةِ والقادحِ هو الأصلُ والظاهرُ . قال شيخ الإسلام: والذي لا أَشُكُّ فيه أنَّ الإمام منهم لا يَعدِلُ عن قوله(١): ((صحيح)) إلى قوله(٢): ((صحيح الإسناد)) إلا لأمرٍ ما(٣). (١) في ((ص)): ((قول)). (٢) في ((ص)): ((قول)). (٣) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٤٧٤/١) : («قلت : لا نسلم أن عدم العلة هو الأصل؛ إذ لو كان هو الأصل ما اشترط عدمه في شرط الصحيح، فإذا كان قولهم: ((صحيح الإسناد)) يحتمل أن يكون مع وجود العلة لم يتحقق عدم العلة، فكيف يحكم له بالصحة؟ والذي يظهر لي : أن الصواب التفرقة بين من يفرق في وصفه الحديث بالصحة بين التقييد والإطلاق وبين من لا يفرق ؛ فمن عرف من حاله بالاستقراء التفرقة يحكم له بمقتضى ذلك ويحمل إطلاقه على الإسناد والمتن معًا وتقييده على الإسناد فقط ، ومن عرف من حاله أنه لا يصف الحديث دائمًا وغالبًا إلا بالتقييد فيحتمل أن يقال في حقه ما قال المصنف آخرًا. والله أعلم)) . ٢٣٦ النوع الثاني وأمَّا قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ وغيِرِهِ: حدِيثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ، فمَعْنَاهُ: رُوِيَ بِإِسْنَادَيْنِ: أَحَدُهُما يَقْتَضي الصِّحَّةَ، والآخَرُ الْحُسْنَ. (وأما قولُ الترمذيُّ وغيره) كعليٍّ بنِ المديني، ويَعقوبَ بنِ شَيبة : هذا (حديثٌ حسنٌ صحيحٌ) وهو ممَّا استُشكِل؛ لأن الحسَنَ قاصرٌ عن الصحيح، فكيفَ يجتمع إثباتُ القصورِ ونفيُه في حديثٍ واحدٍ (فمعناه) أنَّه (رُوِي بإسنادينٍ، أحدُهما يَقتَضى الصحةَ، والآخَرُ الحُسنَ) فصحَّ أن يقال فيه ذلك، أي : حَسَنٌّ باعتبارِ إسنادٍ، صحيحٌ باعتبار آخَرَ . قال ابن دقيق العيد (١): يَرِدُ على ذلك الأحاديثُ التي قِيل فيها ذلك مع أنَّه ليس لها إلا مَخرَجٌ واحدٌ، كحديثٍ أخرجه الترمذيُّ من طريقٍ العلاءِ بنِ عبد الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هُريرة: ((إِذَا بَقِيَ نصفُ شَعبَانَ فلا تَصُومُوا))(٢)، وقال فيه: حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ . وأجاب بعضُ المتأخّرين بأن الترمذي إنما يقول ذلك مُرِيدًا تفرد أحدٍ الرواة عن الآخرِ، لا التَّفَرُّدَ المُطلَقَ . قال: ويوضح ذلك ما ذكره في ((الفِتَنِ)) مِن حديثِ خالدٍ الحذاء، [عِن ابنِ سِيرين](٣)، عن أبي هُريرة يَرفَعُه: ((مَن أَشَارَ إِلى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ)» (٤) - الحديث . (١) ((الاقتراح)) (١٧٣). (٣) سقط من: ((ص)). (٢) ((السنن)) (٧٣٨). (٤) ((السنن)) (٢١٦٢) . ٢٣٧ الحسن قال فيه : حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِن هذا الوجه . فاستغرَبه مِن حديثٍ خالدٍ ، لا مُطلقًا . قال العراقي (١): وهذا الجوابُ لا يَمشي في المواضع التي يقول فيها: ((لا نَعرفه إلا من هذا الوجه)) كالحديثِ السابق. وقد أجابَ ابنُ الصلاح (٢) بجوابٍ ثانٍ وهو: أن المراد بالحسنِ : اللُّغويُّ دُونَ الاصطلاحيِّ، كما وقَع لابن عبد البر ، حيثُ رَوَى في كتاب ((العلم)) (٣) حديث معاذ بن جبل مرفوعًا: ((تَعَلَّمُوا العِلمَ؛ فإنَّ تَعَلَّمَهُ للَّهِ خَشِيَةٌ، وطَلَبَهُ عِبَادَةٌ)) الحديث بطوله، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ جدًّا، ولكن ليس له إسنادٌ قويٌّ . فأراد بالحسنِ حسنَ اللفظِ ؛ لأنَّه مِن روايةٍ موسى البلقاويّ وهو كذَّاب نُسِبَ إلى الوضعِ، عن عبد الرحيم العمِّيِّ وهو متروكٌ . وروينا عن أمية بن خالد قال: قلتُ لشعبة: تُحدِّثُ عن محمد بن عبيد اللَّه العَرزَمي وَتَدعُ عبد الملك بن أبي سليمان وقد كان حَسَنَ الحديثِ؟! فقال: مِن حُسْنِهَا فَرَرتُ. يعني: أنَّها مُنكَرَةٌ (٤). (١) ((التقييد والإيضاح)) (ص: ٥٦). (٢) ((علوم الحديث)) (ص: ٥٦). (٣) ((جامع بيان العلم وفضله)) (ص: ٩٤). (٤) رواه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (١٤٦/١). ٢٣٨ النوع الثاني وقال النخعي: كانوا يَكرهون إذا اجتمعوا أن يُخرج الرجلُ أَحسَنَ ما عِنده . قال السمعاني(١): عَنى بالأحسنِ الغَرِيبَ (٢) . قال ابن دقيق العيد(٣): ويلزمُ على هذا الجواب أن يُطلق على الحديثِ الموضوع إذا كان حَسَنَ اللفظِ أنه حَسَنٌ ، وذلك لا يقولُهُ أحدٌ مِن المُحدِّثين، إذا جَرَوا على اصطلاحِهم . قال شيخُ الإسلام: ويلزم عليه أيضًا أنَّ كلَّ حديثٍ يُوصَفُ بصفةٍ فالحسن تابعه؛ فإنَّ كلَّ الأحاديثِ حَسَنَةُ الألفاظِ بليغةٌ، ولما رأينا الذي وقَع له هذا كثيرَ الفَرقِ، فتارةً يقول: ((حسنٌ)) فقط، وتارةً: ((صحيحٌ)) فقط، وتارةً: ((حسنٌ صحيحٌ))، وتارة ((صحيحٌ غريبٌ))، وتارةً: ((حسنٌ غريبٌ))، فعرفنا (٤) أنه لا محالة جارٍ مع الاصطلاح، مع أنه قال في آخر ((الجامع)): وما قلنا في كتابنا ((حديثٌ حسنٌ))، فإنما أردنا به حسن إسناده عَندنا . فقد صرَّح بأنه أراد حسن الإسنادٍ ، فانتفَى (٥) أن یریدَ حسن اللفظِ . (١) ((أدب الإملاء والاستملاء)) (ص: ٥٩). (٢) سبقه إلى ذلك الخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي)) (١٠١/٢)، قال: ((عَنَّى إبراهيم بالأحسن : الغريب ؛ لأن الغريب غير المألوف يستحسن أكثر من المشهور المعروف، وأصحاب الحديث يعبرون عن المناكير بهذه العبارة)) . (٣) ((الاقتراح)) (ص: ١٧٤). (٤) في ((م): ((عرفنا)). (٥) في ((ص)): ((وانتفى)). ............. ٢٣٩ الحسن وأجاب ابنُ دقيق العيد (١) بجوابٍ ثالثٍ، وهو أن الحسنَ لا يُشترط فيه القصورُ عن الصحةِ إلا حيث انفردَ الحسنُ ، أما إذا ارتفع إلى درجةٍ الصحةِ فالحسنُ حاصلٌ لا محالة تَبعًا للصحةِ ؛ لأن وجودَ الدرجةِ العليا . وهي الحفظُ والإتقانُ - لا يُنافي وجود الدُّنيا كالصِّدَقِ، فيصحُّ أن يُقالَ(٢) ((حسنٌ)) باعتبار الصفةِ الدُّنيا، ((صحيحٌ)) باعتبارِ العُليا. ويَلزمُ على هذا أنَّ كلَّ صحيحِ حسنٌ . وقد سبقه إلى نحوِ ذلك ابنُ المواق . قال شيخ الإسلام: وشِبهُ ذلك قولُهم في الراوي : ((صدوقٌ)) فقط ، و((صَدوقٌ ضابطٌ))، فإن الأوَّلَ قاصرٌ عن درجةِ رجالِ الصحيحِ، والثاني مِنهم، فكما أنَّ الجمع بينهما لا يضرُّ ولا يُشكِلُ، فكذلك الجمعُ بين الصحةِ والحُسنِ . ولابن كثير جوابٌ رابعٌ، وهو أن الجَمعَ بين الصحةِ والحسنِ درجةٌ متوسطةٌ بين الصحيح والحسنِ . قال: فما يقول (٣) فيه ((حسنٌ صحيحٌ)) أعلى رتبة من ((الحسن)) ودون ((الصحيح)) . (١) ((الاقتراح)) (ص: ١٧٥). (٢) في ((ص)): ((یکون)) . (٣) في ((ص)): ((تقول))، وفي ((م): ((نقول)). والمثبت من المطبوع و((اختصار علوم الحديث )) (ص٣٦) . --------** ٢٤٠ النوع الثاني قال العراقي(١): وهذا تَحكُّمٌ(٢) لا دليلَ عليه، وهو بعيدٌ(٣). ولشيخ الإسلام جوابٌ خامسٌ(٤): وهو التوسّطُ بينَ كلامٍ ابن الصلاح وابن دقيق العيدِ ، فيخصُّ جوابَ ابنِ الصلاح بما له إِسنادان فصاعدًا، وجَوابَ ابنِ دقيق العيد بالفردِ . قال: وجوابٌ سادسٌ - وهو الذي أَرتضيه ولا غُبار عليه، وهو الذي مشَى عليه في ((النخبة)) و((شَرحِها)) -: أنَّ الحديثَ إن تعدَّد إسنادُه فالوصفُ راجعٌ إليه باعتبار الإسنادَين أو الأسانيد . قال: وعلى هذا فما قِيل فيه ذلك فوقَ ما قِيلَ فيه ((صحيحٌ)) فقط إِذَا كان فَردًا؛ لأنَّ كثرةَ الطرق تُقَوِّي . وإلا فبحسب اختلافِ النُّقادِ في رَاويه، فيرىُ المجتهدُ مِنهم بعضَهم يقول فيه: صدوقٌ، وبعضهم يقول فيه : ثقةٌ، ولا يَترجَّح عندَه قولُ واحدٍ منهما، أو يَترجَّحُ ولكنه يريدُ أن يُشيرَ إلى كلام الناس فيه فيقول ذلك، وكأنه قال: حسنٌ عِندَ قوم، [ صحيحٌ عِندَ قومٍ ](٥). (١) ((التقييد)) (ص: ٦٢). (٢) في ((ص)): ((الحكم)) . (٣) وقال الحافظ في ((النكت)) (١/ ٤٧٧): ((قلت: لكن هذا يقتضي إثبات قسم ثالث ، ولا قائل به، ثم إنه يلزم عليه أن لا يكون في كتاب الترمذي حديث صحيح إلا النادر؛ لأنه قلما يعبر إلا بقوله: حسن صحيح، وإن أردت تحقيق ذلك، فانظر إلى ما حكم به على الأحاديث المخرجة من ((الصحيحين))، كيف يقول فيها: حسن صحيح ؛ غالبًا)) . (٤) ((نزهة النظر)) (ص : ٩٣ - ٩٤). (٥) سقط من ((ص)). n-fmingm an anana ٢٤١ الحسن قال : وغايةُ ما فيه أنَّه حذف منه حرف الترددِ ؛ لأن حقَّه أن يقول : حسنٌ أو صحيحٌ . قال: وعلى هذا ما قِيل فيه ذلك دُونَ ما قيل فيه: صحيح؛ لأن الجَزمَ أقوى مِن الترددِ . انتهى . وهذا الجوابُ مُرَكَّبٌ مِن جوابِ ابنِ الصلاحِ وابنِ كثيرٍ (١). (١) وهو جواب منتقد أيضًا، وقد بينت ذلك في غير هذا الموضع، وأقرب الأجوبة إلى الصواب: جواب الإمام ابن رجب الحنبلي في ((شرح علل الترمذي)) (٣٨٤/١ . ٣٨٨)، وقد ذكرته وشرحته في كتابي ((شرح لغة المحدث)) (ص: ١٧٥ - ١٨٤). تنبيه : وقع في ((ألفية الحديث )) للسيوطي - بشرح الشيخ أحمد شاكر - ثلاثة أبيات ، تضمنت جوابين آخرين عن هذا الإشكال، وهي : لَم يُوجدا لأهلٍ هذا الشَّانِ وَقد بدا لي فيهِ مَعنَيانِ أَي : حسنٌ لذاتِهِ صحیحُ لغيره، لمَّا بدا الترجيحُ وهوَ أصحُّ ما هناكَ قَد وَرَد أَو : حسنٌّ على الذي بهِ يُحَد يرى ناظم هذه الأبيات الثلاثة أن قول الترمذي: ((حسن صحيح)) له معنيان، لم يُسبق إلى بيانهما . الأول : أن المراد : حسن لذاته صحيح لغيره . وهذا بالطبع حيث تتعدد طرق الحديث . والثاني: أن المراد بـ ((الحسن)) الحسنُ الذي تقدم حدُّه، وهو الحسن لذاته أيضًا، والمراد بـ ((الصحيح)) أي: أصح ما روي في الباب . وهذا يمكن تنزيله على ما لم تتعدد طرقه . وهذه الأبيات الثلاثة ذكرت في نسخة الشيخ أحمد شاكر فقط ، وقد ذكر الشيخ محيي الدين في ((شرحه)) أنها من زيادات بعض النسخ . وفي نقدي أنها ليست من نظم السيوطي، وإنما هي مما زاده بعض من بعده على = ٢٤٢ النوع الثاني وَأَّمَّا تَقْسِيمُ البَغَوِيِّ أحَادِيثَ المصابيحِ إِلَى حِسَانٍ وَصِحَاحٍ ؛ مُرِيدًا بالصِّحَاحِ مَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))، وبِالحِسَانِ مَا فِي ((السُّنَنِ)) - فَلَيْسَ بِصَوَابٍ؛ لأنَّ فِي السُّنَنِ الصَّحيحَ والَحَسَنَ، والضَّعيفَ والمُنْكَرَ. (وأما تقسيمُ البغويِّ أحاديثَ المصابيح إلى حسانٍ وصِحَاحٍ، مريدًا بالصُحَاحِ ما في ((الصحيحينِ))، وبالحِسَانِ ما في ((السُّنَنِ))، فليس بصوابٍ؛ لأن في السُّنَنِ الصحيحَ والحسَنَ والضعيفَ والمنكَرَ) كما سيأتي بیانُه . ((الألفية))، ولعلَّ ذلك البعض كتبها على هامش نسخته، ثم جاء من أدخلها في الأصل . ويقوي ذلك عندي أمران : الأول: أن السيوطي لم يذكر في ((التدريب)) هذا الجواب عن أحدٍ، فضلاً عن أن ينسبه إلى نفسه، ولا تعرض لهذا الجواب من قريب أو بعيد. الثاني : أنني وقفت على من أجاب بمثل هذا الجواب ، ونسبه إلى نفسه ممن جاء بعد السيوطي، وهو الشيخ عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري صاحب ((تحفة الأحوذي شرح الترمذي))، فإنه قال في مقدمة شرحه المذكور (٤١٠/١)، بعد أن أطال في ذكر الأجوبة المختلفة في هذه المسألة قال ((قلت : وظهر لي توجيهان آخران : أحدهما : أن المراد : حسن لذاته صحيح لغيره . والآخر: أن المراد: حسن باعتبار إسناد، صحيح، أي: أصح شيءٍ، ورد في الباب، فإنه يقال: ((أصح ما ورد كذا))، وإن كان حسنًا أو ضعيفًا، فالمراد: أرجحه أو أقله ضعفًا)). والله أعلم . ٢٤٣ الحسن ومَن أطلقَ [عليها الصُّحاحَ](١) ، كقولِ السلفيُّ في الكُتبِ الخمسةِ : ((أنَّفق على صحتها علماءُ المشرقِ والمغربِ)) وكإطلاقِ الحاكمِ على الترمذيّ: ((الجامع الصحيح))، وإطلاقِ الخطيبِ (٢) عليه وعلى النسائيِّ اسم ((الصحيح))؛ فقد تَسَاهَلَ . قال التاجُ التبريزي (٣): ولا أَزال أَتعجبُ مِن الشيخين - يعني ابنَ الصلاح والنوويَّ ـ في اعتراضِهما على البغوي، مع أنَّ المقرر أنه لا مُشَاحَّةَ في الاصطلاح . وكذا مشَى عليه علماءُ العَجَم، آخرُهم شيخُنا العلّامةُ الكافيجي في ((مختصره)) (٤) . قال العراقي (٥) : وأُجيب عنِ البغويُّ بأنه يبينُ عَقِبَ كل حديثٍ الصحيحَ والحسنَ والغريبَ . قال : وليس كذلك ؛ فإنه لا يبيِّنُ الصحيحَ مِن الحسنِ فيما أَورده من ((السنن))، بل يسكتُ، ويبيِّنُ الغريبَ والضعيفَ غالبًا، فالإيرادُ باقٍ في مَزْجِه صحيحَ ما في ((السنن)) بما فيها مِن الحَسَنِ . وقال شيخُ الإسلامِ(٦): أراد ابنُ الصلاحِ أن يُعَرِّفَ أنَّ البغويَّ اصطلح (١) في (ص)): ((عليه الصحيح))، وفي ((م)): ((عليه الصحاح)). والمثبت من المطبوع. (٢) ((تاريخ بغداد)) (٤٢/٢). (٣) كما في ((النكت)) لابن حجر (٤٤٥/١). (٤) ينظر: ((مختصر الكافيجي)) (ص: ١١٤) طبعة مكتبة الرشد. دكتور أحمد معبد. (٦) ((النكت)) (٤٤٦/١) . (٥) ((التقييد)) (ص: ٥٩ - ٦٠). ٢٤٤ النوع الثاني لنفسِه أن يُسَمِّيَ السننَ الأربعةَ: الحِسَانَ؛ ليستغني(١) بذلك عن أن يقولَ عَقِبَ (٢) كلِّ حديثٍ: أخرجه أصحاب السنن، وإن هذا اصطلاحٌ حادثٌ ليس جاريًا على المصطلحِ العُرفيِّ(٣) . • فروعٌ: أحدُهَا : كِتَابُ التِّرْمِذِيِّ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ الْحَسَنِ، وهُوَ الَّذِي شَهَّرَهُ، وَتَخْتَلِفُ النُّسَخُ مِنْهُ فِي قَوْلِهِ: ((حَسَن)) أَو: ((حَسَنٌ صَحِيحٌ)) ونَحْوهُ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ تَعْتَنِيَ بِمُقَابَلَةِ أَضْلِكَ بِأُصُولٍ مُعتَمَدةٍ، وتَعْتَمِدَ ما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ . (فروعٌ: أحدُها) في مَظِنَّةِ الحسنِ ، كما ذكر في الصحيحِ مظانه، وذكر في كل نوعٍ مظانه من الكُتب المُصنَّفة فيه إلا يسيرًا أُنَبُهُ عليه . (كتابُ) أبي عيسى (الترمذيِّ أَصلّ في معرفةِ الحَسَنِ وهو الذي شَهَرَه) وأكثَرَ مِن ذِكرِه . (١) في ((ص))، و((م)): ((ليغتني))، والمثبت من المطبوع. (٢) في ((ص)): ((عقيب)). (٣) وقد أنكر الحافظ في ((النكت)) (٤٤٥/١ . ٤٤٦) على ابن الصلاح والنووي تخطئتهما للبغوي، وقال: «لا یعرف له وجه)). ٢٤٥ الحسن قال ابنُ الصلاح (١): ويُوجَد (٢) في متفرقاتٍ مِن كلام بعض مشايخه والطبقةِ التي قَبله كأحمدَ والبخاريِّ وغيرِهما . قال العراقي (٣): وكذا مشايخُ الطبقة التي قَبل ذلك كالشافعيِّ، قال في ((اختلاف الحديث)) عِندَ ذِكرِ حديثٍ ابنِ عُمر: لَقَدِ ارتَقَيتُ عَلَى ظَهرِ بَيْتٍ لَنَا . الحديث : حديثُ ابنِ عُمَرَ مُسندٌ حَسَن الإسنادِ . وقال فيه أيضًا : وسَمعتُ مَن يروي بإسنادٍ حسنٍ أنَّ أبا بكرة ذكَر لِلنَّبيِّ ﴿َّ أنه ركّع دُون الصَّفِّ - الحديث. وكذا يعقوب بن شيبة في ((مسنده)) وأبو علي الطوسي أَكثَرا (٤) مِن ذلك؛ إلَّ أنهما ألَّفا بعدَ الترمذيّ. (وتختلفُ النسخُ منه) أي مِن كتابِ الترمذيِّ (في قولِهِ: حسنٌّ أو حَسَنٌ صحيحٌ ونحوه، فينبغي أَن تَعتَنِيَ بمقابلةِ أَصلِكَ بأصولٍ معتمدةٍ ، وتعتمدَ ما اتَّفَقَت عليه) . ومِنْ مَظَانٌّهِ سُنَنُ أَبِي دَاوَدُ، فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ أنَّهُ يَذْكُرُ فِيهِ الصَّحِيحَ ومَا يُشْبِهُهُ ويُقَاربُهُ، ومَا كَانَ فِيهِ وَهِنٌ شَدِيدٌ بَيَّنَهُ، ومَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شيئًا فَهُوَ صَالِحْ، فَعَلى هذا ما وَجَدْنَا فِي كِتَابِهِ (١) ((علوم الحديث)) (ص : ٥١ - ٥٢). (٢) في ((ص))، و((م)): ((وإن وجد)) . (٣) ((التقييد)) (ص: ٥٢). (٤) في ((ص))، و((م): ((أكثر))، والمثبت من المطبوع. ٠٫١٠٠٠ ٢٤٦ النوع الثاني مُطْلقًا، ولَمْ يُصَحِّحْهُ غيْرُهُ مِنَ المُغْتَمَدِينَ وَلا ضَعَّفَهُ - فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ أبي دَاوُدَ . (ومِن مَظَانُه) أيضًا (سُنَنُ أبي داودَ، فقد جاءَ عنه أنه يَذْكُرُ فيه الصحيحَ وما يُشبِهُه (١) ويقاربُه، وما كان فيه وهنّ شديدٌ بَيِّتَه، وما لم يَذْكُر فيه شيئًا فهو صالحٌ) قال: وبعضُها أصحُ مِن بعضٍ . (فعلى هذا ما وَجَدنا في كتابِهِ مطلقًا) ولم يكن في أحدٍ ((الصحيحين)) (ولم يُصَحِّحه غيرُه من المعتَمَدِينَ) الذين يُميزون بين الصحيحِ والحسنِ (ولا ضَعَّفَه؛ فهو حَسَنْ عندَ أبي داودَ) لأن الصَّالِحَ للاحتجاجِ لا يخرجُ عنهما، ولا يَرتقي إلى الصحِة إلا بنصٍّ، فالأَحوطُ الاقتصارُ على الحسنِ، وأحوطُ منه التعبيرُ عنه بصالحٍ . وبهذا التقريرِ يندفعُ اعتراضُ ابنِ رشيدٍ بأنَّ ما سَكَت عليه قد يكون عنده صحيحًا، وإن لم يكن كذلك عِند غيره . وزاد ابن الصلاح (٢) أنَّه قد لا يكون حسنًا عِند غيره ولا مُندرجًا في حدِّ الحسَنِ؛ إذْ حَكَىُ ابنُ مَندَه أنه سَمِع محمدَ بنَ سعدٍ الباوردي يقول : (١) قوله: ((يشبهه))، في حاشية ((م)): ((يريد بذلك الحسن لذاته كما أنه أراد بـ ((يقاربه)) الحسن لغيره؛ قاله القاضي)). قلت : وهذا يدل على أن الحسن عند أبي داود داخل في اسم الصحيح، على نحو ما تقدم في التعليق على أوائل الكتاب أن الحديث إما صحيح وإما ضعيف، وأن الحسن عندهم قسم من الصحيح . والله أعلم . (٢) ((علوم الحديث)) (ص: ٥٣). ------- ٢٤٧ الحسن كان مِن مذهبِ النَّسائيِّ أن يُخرِّجَ عَن كلِّ مَن لم يُجمَعِ عَلى تركهِ . قال ابن منده: وكذلك أبو داود يأخُذُ مأخَذَه، ويخرِّجُ الإسنادَ الضعيفَ إذا لم يجد في الباب غيرَه ؛ لأنه أقوىُ عِنده مِن رَأي الرجالِ . وهذا أيضًا رأيُ الإمام أحمدَ، فإنَّه قال: إنَّ ضعيفَ الحديثِ أحبُ إِليه مِن رأي الرجال؛ لأنه لا يُعدَلُ إلى القياسِ إلا بعد عَدَمِ النَّصِّ. وسيأتي في هذا البحثِ مزيدُ كلام حيث ذكر المصنّفُ العملَ بالضعيفِ ، فعلى ما نُقِل عن أبي داود يَحتمل أن يريدَ بقوله: ((صالح)) : الصالحَ للاعتبارِ دُون الاحتجاجِ، فيشملُ(١) الضعيفَ أيضًا . لكن؛ ذَكَر ابنُ كثير (٢) أنه رُوِي عنه: وما سَكَتُّ عنه فهو حَسَنٌ . فإن صَحَّ ذلك فلا إِشكالَ . تنبية : اعترضَ ابنُ سيدِ الناسِ (٣) ما ذُكِرَ في شأنِ ((سنن أبي داود)) فقال: لم يرسم أبو داود شيئًا بالحسنِ، وعملُه في ذلك شبيهٌ بعملٍ مُسلم الذي لا ينبغي أن يُحملَ كلامُه على غيرِه؛ أنَّه اجتَنَبَ الضعيفَ الواهي، وأتَى بالقِسمينِ الأوَّلَ والثاني، وحديثُ مَن مَثَّل به مِن الرواةِ من القِسمينِ الأوَّل والثاني موجودٌ في كتابه دُونَ القِسمِ الثالث . (١) في ((ص)): ((ويشمل)). (٢) ((اختصار علوم الحديث)) (ص: ٣٤). (٣) ((النفح الشذي) (٢٠٧/١ - ٢١٣). .............. ٢٤٨ النوع الثاني قال : فهلَّا أُلزِمَ مسلمٌ من ذلك ما أُلزِمَ به أبو داود؛ فمعنى كلامِهما واحدٌ . قال : وقولُ أبي داود ((وما يُشبِهُه)) يعني في الصحة، ((ويقارِبُه)) يعني فيها أيضًا، هو (١) نحوُ قولِ مسلم: ليس كل الصحيح نجده عِندَ مالكٍ وشعبةً وسفيانَ، فاحتاج أن ينزلَ إلى مِثلِ حديثٍ ليثِ بن أبي سُليم ، وعطاءِ بنِ السائبِ، ويزيدَ بن أبي زيادٍ، لِمَا يَشمَلُ الكلَّ مِن اسم العدالةِ والصدقِ، وإن تفَاوتوا في الحِفظِ والإتقانِ . ولا فرقَ بين الطريقين، غَيرَ أنَّ مسلمًا شَرَطَ الصحيحَ فَتَحرَّجَ (٢) مِن حديثِ الطبقةِ الثالثةِ، وأبا داود لم يَشترطه فذكَر ما يَشتَدُّ (٣) وَهنهُ عِنده ، والتَّزَمَ البيانَ عنه . قال: وفي قول أبي داود ((إن بعضَها أصحُ مِن بعض)) ما يشيرُ إلى القَدرِ المُشتَركِ بينهما من الصحةِ وإن تفاوتت؛ لِمَا يقتضيه صيغةُ ((أفعل)) في الأكثرِ . وأجاب العراقي (٤) بأن مسلمًا التزمَ الصحيحَ، بلِ المُجمَعَ عليه في كِتابه، فليس لنا أن نَحْكُم على حديثٍ خَرَّجه بأنَّه حَسَنٌ عِنده؛ لما عُرف مِن قصورِ الحسنِ عن الصحيح، وأبو داود قال : إنَّ ما سكتُّ عنه فهو (١) سقط من ((ص)). (٢) في ((ص))، و((م)): ((فتخرج))، والمثبت من ((النفح الشذي)) (٢١٣/١). (٣) في ((ص)): ((شد)) . (٤) ((التقييد)) (ص : ٥٤). ٢٤٩ الحسن صالحٌ. والصالحُ يشملُ الصحيحَ والحسنَ، فلا يَرتقي إلى الأوَّل إلا ـيقينٍ . ونَمَّ أجوبةٌ أُخرى . منها: أنَّ العَمَلَيْنِ إِنَّما تَشَابها في أنَّ كلَّا منهما (١) أتَى بثلاثةِ أقسام، لكنَّها في ((سُنَنِ أبي داود)) راجعٌ إلى مُتونِ الحديثِ، وفي ((مسلم)) إلَى رجالِهِ، وليس بين ضَعفِ الرجلِ وصحةٍ حديثهِ منافاةٌ . ومنها: أنَّ أبا داود قال: ((ما كان فيه وهنٌ شديدٌ بَيَّنْتُه))، فَفُهِم أنَّ ثَمَّ شيئًا فيه وهنّ غيرُ شديدٍ لم يَلتزم بيانَه . ومنها : [أن مسلمًا إنَّما يَروي عن الطبقةِ الثالثةِ في المتابعاتِ ؛ لينجبرَ القصُورُ الذي في روايةِ مَن هو مِن الطبقةِ الثانية، ] (٢) ثم إنَّه يُقِلُّ مِن حديثهم جدًّا، وأبو داود بخلافٍ ذلك . · فوائدُ: الأُولى: مِن مَظَانُ الحَسَنِ أيضًا: ((سُننُ الدارقطني))؛ فإنه نصَّ على كثيرٍ منه، قاله [ في ((المنهل الروي))(٣)]. الثانيةُ : عدةُ أحاديثِ كتابٍ أبي داود أربعةُ آلافٍ وثمانمائةِ حديثٍ ، (١) سقط من ((م)). (٢) سقط من ((ص)). (٣) ((المنهل الروي)) (ص٨٣)، وفي ((م)): ((ابن الصلاح))، وهو خطأ. لكن؛ الدارقطني أكثر ما يقول: ((حسن)) يريد: الغريب والمنكر، كما بينته في ((الإرشادات)). والله أعلم .