النص المفهرس
صفحات 281-300
٢١٠ النوع الأول فصاعدًا، لكن قد يَقوَى (١) ما ذهبَ إليه ابنُ الصلاح بوجهٍ آخر، وهو ضعفُ (٢) نظرِ المتأخرين بالنسبةِ إلى المتقدِّمين . وقيل: إنَّ الحاملَ لابن الصلاحِ على ذلك أنَّ ((المستدرَك)) للحاكم كتابٌ كبيرٌ جدًّا، يَصفُو له منه صحيحٌ كثيرٌ، وهو مع حِرصِه على جمعِ الصحيحِ غزيرُ الحفظِ ، [ كثيرُ الاطلاع، واسعُ الروايةِ، فَيَبعُدُ كلَّ البعدِ أن يوجدَ حديثٌ بشرائط الصحةِ](٣) لم يخرجه، وهذا قد يُقبلُ، لكنه لا ينهضُ دليلاً على التعذرِ . قلتُ: والأَحوطُ في مِثل ذلك أن يُعَبِّرَ عنه بصحيح الإسناد، ولا يُطلِقَ التصحيحَ (٤)؛ لاحتمالِ علةٍ للحديثِ خَفِيَت عليه، وقد رأيتُ مَن يُعَبِّرُ - خشيةً مِن ذلك - بقوله: صحيحُ الإسنادِ(٥) إن شاء اللَّه تعالى . وكثيرًا ما يكونُ الحديثُ ضعيفًا أو واهيًا، والإسنادُ صحيحٌ مركّبٌ عليه؛ فقد روى ابنُ عساكر في ((تاريخه)) (٦) من طريق [ علي بنٍ فارسٍ ](٧)، ثنا مكِّي بن بندار ، ثنا الحسن بن عبد الواحد القَزوينيُّ، ثنا هشام بن عَمَّارٍ ، ثنا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن أنس مرفوعًا: ((خُلِقَ الوَردُ الأحمرُ مِن عَرَقٍ جِبريلَ لَيلَةَ المِعرَاجِ، وخُلِقَ الوَردُ الأَبَيَضُ مِن عَرَقِي، وخُلِقَ الوَردُ الأَصَفْرُ مِن عَرَقِ الْبُرَاقِ)) . (١) في ((ص)): ((قوي)). (٣) سقط من: ((ص)). (٢) في ((ص): ((ضعيف)). (٤) في ((ص)): ((الصحيح)) . (٥) ليس في: ((م)). (٦) ((تاريخ دمشق)) (١٣١/١٣). (٧) في ((ص)): ((فارس))، وفي ((م)): ((ابن فارس))، والمثبت من المطبوع. ٢١١ الصحيح قال ابنُ عَساكر : هذا حديثٌ موضوعٌ، وضَعَه مَن لا علم له، ورگَّبه على هذا الإسنادِ الصحيحِ(١) . (١) المتأمل لكلام الإمام ابن الصلاح يتجلى له أنه لم يقصد هذا الذي فهموه عنه، وأن كلامه إنما يتعلق بنوع من الروايات، رويت في كتب معينة في أزمنة معينة ، يتعذر الحكم عليها بمجرد اعتبار الأسانيد، لا لشيءٍ إلا لأن الأسانيد في هذه الأزمنة لم يتحقق فيها - أو في أغلبها - الشرائط المعتبرة لصحتها، سواء منها المتعلق بالعدالة والضبط ، أو المتعلق بالاتصال ، فضلًا عن السلامة من الشذوذ والعلة . وقد أشار الإمام ابن الصلاح إلى بعض ذلك، فذكر ما يفيد إلى أن نوعي الضبط . ضبط الصدر ، وضبط الكتاب .، غير متحققين في رواة هذه الأزمنة ؛ لأنهم يعتمدون على كتب لا يؤمن فيها التغيير والتحريف، فهي غير مضبوطة ، وهم أيضًا لا يحفظون ما فيها، فهم لا يتنبهون إلى ما فيها من تغيير وتحريف؛ لأن مثل هذا إنما يدركه الحافظ غالبًا، وأما غير الحافظ فأنى له إدراك ذلك؟! قال ابن الصلاح: ((لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه، عريًّا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان، فآلَ الأمر إذًا في معرفة الصحيح والحسن ، إلى الاعتماد على ما نصَّ عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة، التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف)). فواضح من كلام الإمام ابن الصلاح، أنه يقصد روايات تقع في كتب معينة وهي - كما نصَّ عليها: ((أجزاء الحديث وغيرها))، يعني: من الكتب المتأخرة، التي صنفها المتأخرون، وأودعوا فيها روايات قصدوا بها الإغراب أحيانًا ككتب الأفراد، أو العلو أحيانًا أخرى ، كعامة كتب المتأخرين . وهذه الروايات، عامتها يرويها الشيوخ المتأخرون، الذين لا همّ لهم إلا العلو بالإسناد، أو تحصيل شرف الرواية لا غير، فهم غير حافظين لما يروون، ولا عارفين بما يعتري الكتب التي سمعوها من تصحيف وتحريف ، وزيادة ونقص . ومثل هؤلاء الرواة لم يكونوا بمحل للثقة عند المتقدمين؛ لأنهم لم يحققوا ما يستحقون به وصف الثقة، فهم غير حافظين، ليحققوا ضبط الصدر، ولا هم أصحاب كتب مصححة ، ليحققوا ضبط الكتاب . ٢١٢ النوع الأول = إلا أن المتأخرين توسعوا في مثل هؤلاء، ومنحوهم وصف الثقة ، واصطلحوا لأنفسهم أن الثقة في زمانهم هو من صح سماعه ، بقراءته أو بحضوره مجلس السماع ، حفظ أو لم يحفظ ، ضبط أو لم يضبط . قال الذهبي في ترجمة أبي بكر ابن خلاد من ((السير))، بعد أن حكى عن الخطيب ، أنه قال فيه: ((كان لا يعرف شيئًا من العلم، غير أن سماعه صحيح))، وعن أبي نعيم الأصبهاني: ((كان ثقة))، وعن أبي الفتح ابن أبي الفوارس، أنه وثقه وقال: «لم يكن يعرف من الحديث شيئًا))، قال الذهبي (٦٩/١٦ . ٧٠): («قلت : فمِن هذا الوقت ، بل وقبله، صار الحفاظ يطلقون هذه اللفظة (ثقة) على الشيخ الذي سماعه صحيح بقراءة متقنٍ، وإثبات عدلٍ، وترخّصوا في تسميته بـ((الثقة))، وإنما الثقة في عرف أئمة النقد كانت تقع على العدل في نفسه، المتقن لما حَمَله، الضابط لما نَقَل، وله فهمّ ومعرفة بالفنِّ، فتوسع المتأخرون)» . وقال أيضًا في مقدمة ((الميزان)) (٤/١): ((وكذلك؛ من قد تكلم فيه من المتأخرين، لا أُورِدُ منهم إلا من قد تبين ضعفه واتضح أمره من الرواة، إذ العمدة في زماننا ليس على الرواة، بل على المحدثين والمقيدين، والذين عرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين ؛ ثم من المعلوم أنه لا بدَّ من صون الراوي وستره، فالحدُّ الفاصل بين المتقدم، والمتأخر : هو رأس ثلاثمائة ، ولو فتحتُ على نفسي تليينَ هذا الباب لما سلم معي إلا القليل ؛ إذ الأكثر لا يدرون ما يرؤُون، ولا يعرفون هذا الشأن، إنما سُمِّعوا في الصِّغر، واحتيج إلى علوّ سندهم في الكبر، فالعمدة على من قرأ لهم، وعلى من أثبت طباق السماع لهم؛ كما هو مبسوط في علوم الحديث)) . وقال ابن الأثير في مقدمة ((جامع الأصول)) (١/ ٧٣ - ٧٤)، بعد أن بين معنى الضبط ، وشروطه ، قال : «على أن الضبط في زماننا هذا، بل وقبله من الأزمان المتطاولة، قلَّ وجوده في العالم، وعزَّ وقوعه ؛ فإن غاية درجات المحدّثِ - في زماننا - المشهورِ بالرواية ، الذي ينصبُ نفسه لإسماع الحديث في مجالس النقل : أن تكون عنده نسخة قد قرأها أو = ٢١٣ الصحيح = سمعها، أو في بلدته نسخة عليها طبقةُ سماع، اسمه مذكور فيها، أو له مناولة أو إجازة بذلك الكتاب، فإذا سُمع عليه استمع إلى قارئه، وكتب له بخطه بقراءته وسماعه، ولعلَّ قارئه قد صحَّف فيه أماكن لا يعرفها شيخه، ولا عثر عليها، وإن سأله عنها كان أحسن أجوبته أن يقول: كذا سمعتها؛ إن فَطِنَ لها، وإذا اعتبرت أحوال المشايخ من المحدثين في زماننا وجدتها كذلك أو أكثرها، ليس عندهم من الرواية علم، ولا لهم بصواب الحديث وخطئه معرفة ، غير ما ذكرنا من الرواية على الوجه المشروح» . وقال الحافظ أبو الطاهر السلفي في جزء له جمعه في ((شرط القراءة على الشيوخ)) كما في ((شرح الألفية)) للعراقي (٣٤٨/١)، و((النكت)) للزركشي (٤٣٠/٣): ((إن الشيوخ الذين لا يعرفون حديثهم، الاعتماد في روايتهم على الثقة المقيد عنهم، لا عليهم، وإن هذا كله توسل من الحفاظ إلى حفظ الأسانيد، إذ ليسوا من شرط الصحيح إلا على وجه المتابعة، ولولا رخصة العلماء لما جاز الكتابة عنهم، ولا الرواية إلا عن قوم منهم دون آخرين)) . وهذا الذي قاله الإمام ابن الصلاح، وذكرنا من كلام غيره من أهل العلم، قد سبقه إليه الإمام البيهقي في كتاب ((مناقب الشافعي)) (٣٢١/٢)، فقال : (توسع من توسع في السماع عن بعض محدِّثي زماننا هذا، الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم، بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، وهو أن الأحاديث التي قد صحَّت . أو وقعت بين الصحة والسقم.، قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة أهل العلم بالحديث ، ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم، وإن جاز أن تذهب على بعضهم؛ لضمان صاحب الشريعة حفظها، فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم، لم يقبل منه ، ومن جاء بحديث هو معروف عندهم ، فالذي يرويه اليوم لا ينفرد بروايته ، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره، والقصد من روايته والسماع منه : أن يصير الحديث مُسلسلًا بـ ((حدثنا)) أو بـ ((أخبرنا))، وتبقى هذه الكرامة التي اختصت بها هذه الأمة إلى يوم القيامة، شرفًا لنبينا المصطفى مَ﴿ كثيرًا)). = ٢١٤ النوع الأول = وهذا الذي قاله الإمام البيهقي، هو عين ما قاله ابن الصلاح، وهو عين ما انتقده على ابن الصلاح من جاء بعده من العلماء . فقد ذكر البيهقي أن الأحاديث . صحيحها وسقيمها . قد دونت وجمعت في الجوامع المشهورة، وأنه لا يفوتها شيء منها؛ وهذا مثل قول ابن الصلاح: ((فآل الأمر إذًا في معرفة الصحيح والحسن ، إلى الاعتماد على ما نصَّ عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة ... ))؛ مثله سواءً بسواءٍ . والقضية هنا: أن الإمام ابن الصلاح ذكر - فيما سيأتي في المسألة ((الرابعة عشرة)) من ((النوع الثالث والعشرين)).، ذكر هناك كلام البيهقي هذا، مستدلا به على مثل ما قاله هو هنا، بل أحال هناك على هذا الموضع المتقدم، فقال هناك : ((أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه، فلم يتقيدوا بها في رواياتهم، لتعذر الوفاء بذلك، على نحو ما تقدم، وكان عليه من تقدم. ووجه ذلك : ما قدمناه في أول كتابنا هذا - يعني : هذا الموضع . من كون المقصود المحافظة على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد، والمحاذرة من انقطاع سلسلتها ؛ فليعتبر من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض على تجرده، وليكتف في أهلية الشيخ بكونه مسلمًا بالغًا عاقلًا غير متظاهر بالفسق والسخف ، في ضبطه بوجود سماعه مثبتًا بخط غير متهم، وبروايته من أصلٍ موافق لأصل شيخه، وقد سبق إلى نحو ما ذكرناه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي - رحمه الله تعالى ٤٠٠٠ ثم ساق كلام البيهقي بتمامه . فالعجب ممن خالفوا ابن الصلاح في الموضع الأول كيف لم يخالفوه في الموضع الثاني أيضًا؟! ثم كيف نسبوا إليه التفرد بهذا القول، وقد سبقه إليه البيهقي - كما رأيت - وقد ساق هو كلامه محتجًّا به، وقد بينا أن في كلام البيهقي عين ما انتقدوه على ابن الصلاح وخالفوه فيه . والأعجب؛ أن الذين اختصروا ((مقدمة ابن الصلاح)) أو نظموها قد قالوا في هذا الموضع الثاني مثل ما قاله ابن الصلاح، واحتجوا فيه أيضًا بكلام البيهقي، مثل النووي والعراقي والزركشي والسيوطي وابن كثير. = ٢١٥ الصحيح = وهذا التساهل الواقع فيه المتأخرون، كما أنه كان سببًا في الإخلال في تحقيق شرط الضبط في الراوي، على نحو ما سبق بيانه، كان أيضًا سببًا للإخلال ببقية شرائط الصحة من الاتصال والسلامة من الشذوذ والعلة . فأما الاتصال؛ فواضح؛ لأن التساهل في تحمل الحديث ، منه: أن المتأخرين جوزوا صورًا من التحمل لم تكن معهودة عند المتقدمين، وما جوزها المتأخرون إلا من باب التوسع والتساهل إبقاءً لسلسلة الإسناد، من ذلك الإجازة العامة ، والإجازة للمجهول وللمعدوم، وكذا الإجازة للطفل غير المميز ونحو ذلك . حتى قال الحافظ ابن حجر في ((نزهة النظر)) (ص ١٧٥)، بعد أن ساق صور الإجازة، وما في بعضها من تساهل، قال: ((وكلُّ ذلك؛ كما قال ابن الصلاح، توسّع غير مَرضيٍّ، لأن الإجازة الخاصَّة المعينة مختلف في صحتها اختلافًا قويًّا عند القدماء، وإن كان العمل استقر على اعتبارها عند المتأخرين، فهي دون السماع بالاتفاق، فكيف إذا حَصَل فيها الاسترسالُ المذكور؟! فإنها تزداد ضعفًا، لكنَّها في الجملة خير من إيراد الحديث معضلًا. والله أعلم)». وأيضًا؛ فإن ألفاظ السماع عند المتأخرين، غالبًا ما يقع فيها التساهل، كإطلاق الإخبار في الإجازة وغير ذلك، وأيضًا ما يقع فيها من خطإٍ من قِبَلٍ بعض الرواة؛ إذ لم يكونوا يعتنون بضبط هذه الألفاظ اعتناء المتقدمين . وقد أشار إلى هذا الإمام الذهبي، فبعد أن ذكر في ((الموقظة)) (ص٤٦) حكم العنعنة، وما يلتحق بها من التدليس، وأن المدلس إنما يقبل منه التصريح بالسماع لا العنعنة ، قال : ((وهذا في زماننا يَعسر نقدُه على المحدّث؛ فإن أولئك الأئمة، كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود، عاينوا الأصول، وعرفوا عللَها؛ وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفُقِدت العبارات المتيقّنة؛ وبمثل هذا ونحوه دَخَل الدَّاخل على الحاكم في تصرفه في («المستدرك)) . وأما تسبّيه في الإخلال بشرطي السلامة من الشذوذ والعلة ؛ فلأن هؤلاء الرواة لما كان أغلبهم غير حافظين، ولا ضابطين لكتبهم، لم يكونوا أهلًا للتفرد، ولا موضعًا = ٢١٦ النوع الأول = لقبول ما يتفردون به دون غيرهم، فكل حديث يتفرد به بعضهم، ولا يوجد له أصل في الكتب المتقدمة المشهورة المتداولة ينبغي حينئذٍ أن يكون شاذًا أو معلولًا . وقد أشار الإمام البيهقي إلى هذا المعنى فيما تقدم من كلامه حيث قال : (( ... فمن جاء اليوم بحديث، لا يوجد عند جميعهم، لم يقبل منه، ومن جاء بحديث هو معروف عندهم، فالذي يرويه اليوم لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره ... )). ومما يدل على أن ابن الصلاح لم يقصد من كلامه غلق باب الاجتهاد : أن الإمام ابن جماعة ساق هذا الموضع من كتاب ابن الصلاح في مختصره له، المسمَّى ((المنهل الرويّ)» بسياق من قبله عبر به عن فحوى كلام ابن الصلاح، فجاء كلام ابن جماعة أشبه بشرح لمراد ابن الصلاح من كلامه، فجاء فيه (ص٣٤) : ((ليس المقصود بالسند في عصرنا إثبات الحديث المروي وتصحيحه؛ إذ ليس يخلو فيه سند عمَّن لا يضبط حفظه أو كتابه ضبطًا لا يعتمد عليه فيه، بل المقصود بقاء سلسلة الإسناد المخصوص بهذه الأمة فيما نعلم، وقد كفانا السلف مئونة ذلك ، فاتصال أصل صحيحٍ، بسند صحيحٍ إلى مصنفه كافٍ ، وإن فُقِد الإتقان في كلهم أو بعضهم» . فواضح من كلام ابن جماعة أنه فهم من كلام ابن الصلاح أنه يقصد زمانًا فُقِد فيه ضبط الحفظ وضبط الكتاب معًا، ثم إن اختصار ابن جماعة لكلام ابن الصلاح هاهنا وعدم تعقبه فيه ، يدل على موافقته له . وفي ظني أن الذين خالفوا ابن الصلاح في هذا الموضع، لو لم يسبق إلى ذهنهم ما تصوروه من أن ابن الصلاح يسعى بكلامه هذا إلى إغلاق باب الاجتهاد، لما خالفوه ؛ لأنهم في الواقع يوافقونه على كلامه - بحسب ما حملناه عليه.، وهو أيضًا يوافقهم في أن باب الاجتهاد لم يغلق فيما يتعلق بالأحاديث المودعة في الكتب المشهورة المتداولة التي يمكن أن يعتمد على أسانيدها للحكم عليها . وهذه كلمة رأيت أنه من المناسب ذكرها هنا، على أن يكون تفصيل القول في هذه المسألة في التعليق على ((مقدمة ابن الصلاح))، إن شاء الله تعالى. ٢١٧ الصحيح ● تنبية : لم يتعرَّض المصنّفُ ومَن بعده كابنِ جَماعة وغيرِهِ ممن اختصرَ ابنَ الصلاح، والعراقي في ((الألفية))، والبلقيني وأصحابُ النُّكتِ إلا للتصحيحِ فقط، وسكتوا عن التحسين، وقد ظهر لي أن يقال فيه : إنَّ مَن جَوَّز التصحيحَ فالتحسينُ أَولى، ومَن مَنع فَيَحتملُ أن يجوِّزه، وقد حسِّنَ المزيُّ حديث: ((طَلَبُ العِلمِ فَرِيضَةٌ)) مع تصريحِ الحُفاظِ بتضعيفه، وحسَّن جماعةٌ كثيرون أحاديثَ صرَّح الحُفاظُ بتضعيفها . ثم تأملتُ كلامَ ابنِ الصلاحِ فرأيتُه سَوَّى بينه وبين التصحيح، حيث قال (١): فَآلَ الأمرُ إذن في معرفةِ الصحيح والحسنِ إلى الاعتماد على ما(٢) نصَّ عليه أئمةُ الحديثِ في كُتبهم - إلى آخِرِه . وقد منع . فيما سيأتي ووافقه عليه المصنِّفُ وغيرُه - أن يُجزَمَ بتضعيفٍ الحديثِ اعتمادًا على ضَعفِ إسنادِه؛ لاحتمالِ أن يكونَ له إسنادٌ صحيحٌ غيره . فالحاصلُ؛ أنَّ ابنَ الصلاح سَدَّ بابَ التصحيح والتحسينِ والتضعيفِ على أهلِ هذهِ الأزمانِ لضعفِ أَهليتهم، ولم (٣) يُوافَقْ على الأول. ولا شكَّ أن الحُكم بالوضع أولى بالمنع قَطعًا إلا حيث لا يخفى؛ (١) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٤ - ٢٥). (٢) في ((ص)): ((كما)). (٣) في ((ص): ((وإن لم)). ٢١٨ النوع الأول كالأحاديثِ الطّوال الرَّكِيكة التي وضَعها القُصَّاصُ، أو ما فيه مُخالَفةٌ للعقلِ أو الإجماعِ . وأما الحُكم للحديث بالتواتر أو (١) الشُّهرةِ، فلا يمتنعُ إذا وُجِدَتِ الطرقُ المعتبرةُ في ذلك، ويَنبغي التوقُّفُ عنِ الحُكمِ بالفرديةِ والغرابةِ وعَنِ العِزَّةِ أكثر . وَمَنْ أَرَادَ العَمَلَ بِحَدِيثٍ مِنْ كِتَابٍ، فَطَرِيقُهُ أنْ يَأْخُذَهُ مِنْ نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ قَابَلَهَا هُوَ أوْ ثِقَةٌ بِأُصُولٍ صَحِيحَةٍ، فَإِنْ قَابَلَهَا بِأَضْلٍ مُحَقَّقٍ مُعْتَمَدٍ - أجْزَأَهُ. (ومَن أَراد العَمَلَ) أو الاحتجاج (بحديثٍ مِن كتابٍ) مِن الكُتبِ المعتمدةِ، قال ابنُ الصلاح: حيث ساغ له ذلك (فطريقُه أَن يأخذَه مِن نسخةٍ معتمدةٍ قابلها هو أو ثقَةٌ بأصولٍ صحيحةٍ) . قال ابنُ الصلاح: ليحصلَ له بذلك - مع اشتهارِ هذه الكُتبِ ، وبُعدِها عن أن تُقْصَدَ بالتبديلِ والتحريفِ - الثقةُ بصحةٍ ما اتَّفقت عليه تلك الأصولُ . وفَهِم جماعةٌ من هذا الكلام الاشتراطَ ، وليس فيه ما يصرِّحُ بذلك ، ولا يقتضيه، مع تصريحِ ابنِ الصلاحِ باستحبابِ ذلك في قِسم الحَسن ، حيث قال في ((الترمذي)): فَينبغي أن تُصحِّح أصلَكَ بجماعةِ أُصول . (١) في ((ص): ((و)). ٢١٩ الصحيح فأشارَ بـ((ينبغي)) إلى الاستحبابِ، ولذلك قال المصنّف - زيادةً علیه -: (فإن قابلها بأصلٍ مُحققٍ معتمَدٍ أجزاء) ولم يُورد ذلك موردَ الاعتراض كما صَنَع في مسألةِ التصحيحِ قبلَه، وفي مسألةِ القطع بما في ((الصحيحين))، وصرَّح أيضًا في ((شرح مسلم)) بأن كلامَ ابن الصلاح محمولٌ على الاستظهارِ والاستحبابِ دُون الوجوبٍ، وكذا في ((المنهل الروي )) . · خاتمةٌ: زاد العراقي في ((ألفيته)) (١) هنا لأجل قول ابن الصلاح: ((حيثُ ساغٌ له ذلك)) أن الحافظَ أبا بكر محمد بن خير بن عُمر الأَمَوي - بفتح الهمزة . الإشبيلي، خالَ أبي القاسمِ السُّهيلي قال في ((برنامجه)): اتفق العلماءُ على أنه لا يصحُّ لمسلم أن يقول: ((قال رسول اللَّه وَّل كذا)) حتى يكون عنده ذلك القول مرويًّا، ولو على أقلٌّ وُجوهِ الروايات؛ لحديث: ((مَن كَذَبَ عَلَئ». انتهى . ولم يتعقَّبه العراقي، وقد تعقّبَهُ الزركشيُّ في جزءٍ له فقال فيما قرأتُه بخطّه : نَقلُ الإجماعِ عجيبٌ، وإنما حُكي ذلك عن بعضٍ المحدثين ، ثم هو مُعارَض بنقلِ ابنِ برهان إجماعَ الفقهاء على الجوازِ، فقال في ((الأوسط)): ذهَب الفقهاءُ كافةً إلى أنه لا يتوقف العملُ بالحديثِ على (١) ((التبصرة)) (٨٢/١). ٢٢٠ النوع الأول سماعه، بل إذا صحَّ عندَه النسخةُ جازَ له العملُ بها، وإن لم يسمع . وحكَى الأستاذُ أبو إسحاق الإسفرائيني الإجماعَ على جوازِ النقلِ من الكُتبِ المعتمدةِ، ولا يُشترطُ اتصالُ السندِ إلى مُصنَّفيها (١)، وذلك شاملٌ لكتبِ الحديثِ والفقهِ . وقال إلكيا الطَّبري في ((تعليقه)): من وجَد حديثًا في كتابٍ صحيحٍ جازَ له أن يرويَه ويحتجَّ به، وقال قومٌ من أصحابِ الحديثِ : لا يجوزُ له أن يَرويه(٢)؛ لأنَّه لم يَسمعه، وهذا غَلَطْ . وكذا حكّاه إمامُ الحرمين في ((البرهان)) عن بعضٍ المحدثين، وقال : هُم عُصبَةٌ لا مُبالاةَ بِهِم في حَقائق الأُصولِ. يعني المقتصرين على السماعِ لا أئمةً الحدیثِ . وقال الشيخُ عِزُّ الدين ابن عبدِ السلام في جوابٍ سؤالٍ كتبه إليه أبو محمد ابن عبد الحميد : وأما الاعتمادُ على كُتبِ الفقهِ الصحيحةِ الموثوقٍ بها، فقد اتفق العلماءُ في هذا العصر على جوازِ الاعتمادِ عليها والاستنادٍ إليها؛ لأنَّ الثقةَ قد حَصَلَت بها كما تحصل بالرواية، ولذلك اعتمدَ الناسُ على الكُتبِ المشهورةِ في النحوِ واللغةِ والطبِّ وسائرِ العلوم لحصولِ الثقةِ بها وبُعد التدليس، ومَنِ اعتقدَ أن الناسَ قد اتفقوا على الخطإٍ في ذلك ، فهو أولى بالخطٍ مِنهم، ولولا جوازُ الاعتمادِ على ذلك لتعطّل كثيرٌ مِن (١) في ((ص))، ((م)): ((مصنفها))، والمثبت من المطبوع . (٢) في (ص)): «یروي)) . ٢٢١ الصحيح المصالح المتعلقةِ بها، وقد رجَع الشارعُ إلى قول الأطباءِ في صُورٍ ، وليست كُتُبُهم مأخوذةً في الأصل إلَّا عن قوم(١) كُفَّارٍ، ولكن لَمَّا بَعُد التدليس فيها اعتمد عليها، كما اعتمد في اللغةِ على أشعارِ العربِ وهم كُفَّارٌ، لِبُعدِ التدليس. انتهى . قال : وكُتُبُّ الحديثِ أَولى بذلك مِن كُتُبِ الفقهِ وغيرِها ، لاعتنائهم بضبطِ النسخ وتحريرها، فمن قال : ((إن شَرطَ التخريج مِن كِتابٍ يتوقّف على اتصالِ السَّنَد (٢) إليه)) فقد خرق الإجماعَ، وغايةُ المُخرِّجِ أن يَنْقُلَ الحديثَ من أصلٍ موثوقٍ بصحته، وينسبَه إلى مَن رواه، ويتكلمَ على عِلته وغريبهِ وفقههِه . قال : وليس الناقلُ للإجماعِ مشهورًا بالعلمِ مِثل اشتهارِ هؤلاءِ الأئمة . قال: بل نصَّ الشافعيُّ في ((الرسالة)) على أنَّه يجوز أن يحدث بالخبر وإن لم يعلم أنَّه سمعه . فَلَيتَ شِعري أيُّ إجماع بعد ذلك؟! قال: واستدلاله على المنعِ بالحديثِ المذكورِ أَعجبُ وأَعجبُ ؛ إذ ليسَ في الحديثِ اشتراطُ ذلك، وإنما فيه تحريمُ القولِ بنسبةٍ (٣) الحديثِ إليه حتى يتحقَّق أنه قاله، وهذا لا يتوقَّف على روايته ، بل يَكفي في ذلك عِلمُه بوجودِه في كُتبٍ مَن خرَّجِ الصَّحيحَ، أو كونُه (٤) نصَّ على صِخَّته إِمامٌ، وعلى ذلك عَملُ الناسِ . انتهى . (١) في ((ص)): ((قول)). (٣) في ((ص)): ((بنسبته)). (٢) في ((ص)): ((السنة)). (٤) سقط من ((ص)). ٢٢٢ النوع الثاني · الَّوعُ الثَّانِ : الحَسَنُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ (١): هُوَ مَا عُرِفَ مَخْرَجُهُ، واشْتَهَرَ رِجَالُهُ، وعَلَيْهِ مَدَارُ أكْثَرِ الَحَدِيثِ، وَيَقْبَلُهُ أكْثَرُ العُلَمَاءِ، واسْتَعْمَلَهُ عَامَّةُ الفُقَهَاءِ . (النوعُ الثاني: الحَسَنُ) للناسِ فيه عباراتٌ : (قال) أبو سليمان (الخَطَّابيُّ: هو ما عُرِف مَخرَجُه واشتَهَر رجالُه) فَأَخْرَج بمعرفةِ المخرجِ : المنقطعَ وحديثَ المدلْس قَبل بيانِهِ(٢). قال ابنُ دقيقِ العيد(٣): وهذا الحدُّ صادقٌ على الصحيح أيضًا، فيدخلُ في (٤) حدِّ الحسَن . وكذا قال [ ابنُ الصلاح(٥)](٦)، وصاحبُ ((المنهل الرَّوي))(٧). وأجاب التبريزيُّ بأنه سيأتي أنَّ الصحيحَ أخصُّ منه، ودخولُ الخاصّ في حدِّ العامِّ ضروريٍّ، والتقيدُ بما يخرجه عنه مخلٌّ للحدُ(٨). (١) ((معالم السنن)) (١١/١). (٣) ((الاقتراح)) (ص: ١٦٤). (٥) ((علوم الحديث)) (ص: ٤٦). (٧) (ص: ٣٦). (٢) والشاذَّ أيضًا . (٤) في ((ص)): ((فيه)). (٦) سقط من: ((م)). (٨) كما في ((التبصرة والتذكرة)» (٨٥/١). ٢٢٣ الحسن قال العراقي: وهو مُتَّجَهٌ (١). قال : وقد اعترضَ ابنُ رشيدٍ ما نُقِلَ عَنِ الخطّابيِّ بأنه رآه بخطُّ الحافظِ أبي عليَّ الجياني ((واستَقَرَّ حالهُ)) بالسين المهملة وبالقاف، وبالحاء المهملة دون راء في أوله . قال: وذلك مردودٌ؛ فإن الخطَّابي قال ذلك في خُطبة ((معالم السُّنن))، وهو في النُسخِ الصحيحةِ كما نُقِل عنه، وليس لقوله: ((واستقر حاله)) كبيرُ مَعنّى . وقال ابنُ جَماعة(٢): يَرِدُ على هذا الحدِّ ضعيفٌ عُرف مخرجه واشتَهرَ رجالُه بالضعف . ثم قال الخطَّبيُّ في تتمةِ كلامه: (وعليه مَدَارُ أكثرِ الحديثِ) لأنَّ غالب الأحاديث لا تَبلغُ رتبةَ الصحيح . (وَيَقبَلُه أكثرُ العلماءِ) وإن كان بعضُ أهل الحديث شّدَّد فردّ بكل علةٍ ، قادحة كانت أم لا . كما رُوي عن ابن أبي حاتم أنَّه قال : سألتُ أَبِي عَن حديثٍ فقال : إسنادهُ حَسَنٌ . فقلتُ يُحتَجُّ به؟ فقال: لا(٣). (١) ((التقييد)) (ص: ٤٣ - ٤٤). (٢) ((المنهل الروي)) (ص: ٣٦). (٣) يشير إلى ما في ((العلل)) لابن أبي حاتم (٣٦٥)، بصدد حديث يرويه: عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الله بن نافع بن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن عباس، ولفظ ابن أبي حاتم: ((قلت لأبي : هذا الإسناد عندك صحيح ؟ قال: حسن. قلت لأبي : من ربيعة بن الحارث؟ قال : هو ربيعة= ------ ٢٢٤ النوع الثاني (واستَعمَلَه) أي عَمِلَ به (عامَّةُ الفقهاءِ) وهذا الكلامُ فَهِمَه العراقيُّ زائدًا على الحدِّ، فأخَّرِ ذِكرَه، وفَصَلَه عنه . وقال البلقيني (١): بَل هُو مِن جُملة الحدِّ، لِيُخرِجَ الصحيحَ الذي دخَل فيما(٢) قبلَه، بل والضعيفَ أيضًا . تنبية : حَكَى ابن الصلاح(٣) بعدَ كلام الخطَّابي أنَّ الترمذي حَدَّ الحسَنَ بأنْ لا يكون في إسنادهِ مَن يُتَّهم بالكذبِ، ولا يكون شاذًّا، ويُروَى من غیرِ وجهٍ نحو ذلك. وأن بعض المتأخرين قال : هو الذي فيه ضعفٌ قريبٌ محتَمَلٌ ويُعمل به . = ابن الحارث بن عبد المطلب. قلت : سمع من الفضل؟ قال: أدركه. قلت: يحتج بحديث ربيعة بن الحارث؟ قال : حسن. فكررت عليه مرارًا، فلم يزدني على قوله : حسن ، ثم قال : الحجة سفيان وشعبة . قلت : فعبد ربه بن سعيد؟ قال : لا بأس به . قلت : يحتج بحديثه؟ قال : هو حسن الحديث)). وليس في هذا السياق ما يفهم منه أن أبا حاتم الرازي لا يحتج بالحديث الحسن ، بل غايته أن الحجة مراتب ودرجات، وأن الحجة الكاملة إنما تكون بمثل شعبة وسفيان ، وهذا لا ينفي قيام الحجة بمن دونهما ، كما سئل ابن معين عن ابن إسحاق ، فقال : ((كان ثقة، إنما الحجة مالك وعبيد الله بن عمر والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز))، وكما قيل لابن مهدي : أبو خلدة كان ثقة؟ فقال : كان مأمونًا، كان خيارًا، الثقة شعبة وسفيان)) . والله أعلم . (١) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ١٠٣). (٢) في ((ص)"، ((م)): ((فيه ما)). (٣) ((علوم الحديث)) (ص : ٤٤). ٢٢٥ الحسن وقال: كل هذا منبهم لا يَشفى الغليلَ، وليس في كلام الترمذيّ والخطَّابيِّ ما يَفْصِلُ الحسَنَ مِنَ الصحيحِ. انتهى. وكذا قالَ الحافظُ أبو عبدِ الله ابن المواق: لم يَخُصَّ الترمذيُّ الحسَنَ بصفةٍ تميزه عن الصحيح، فلا يكون صحيحًا إلا وهو غيرُ شادٌّ، ورواتهُ غيرُ مُتَّهمين، بل ثقاتٌ(١) . قال ابن سيد الناس (٢): بَقِي عليه أنَّه اشترطَ في الحسَنِ أن يُروَى مِن وجهٍ آخر ولم يشترط ذلك في الصَّحِيحِ . قال العراقي (٣): على(٤) أنه حَسَّن أحاديثَ لا تُروَىُ إلا مِن وجهٍ واحدٍ ؛ كحديثٍ إسرائيل، عن يُوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة: كان رسولُ اللهِ وَ لّ إذا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ قال: ((غُفرَانَكَ)) فإنه قال فيه : حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا مِن هذا الوجه، ولا نَعرف في البابِ إلا حديثَ عائشةَ (٥) . قال : وأجاب ابنُ سيد الناس عن هذا الحديث بأنَّ الذي يُحتاجُ إلى مجيئه من غير وجهٍ ما كان راويه في درجةِ المستورِ ، ومَن لم تثبت عدالتُه . قال : وأكثرُ ما في الباب أنَّ الترمذيَّ عرَّف بنوع منه لا بكلِّ أنواعه . (١) كما في ((التبصرة والتذكرة)) (٨٥/١). (٢) ((النفح الشذي)) (٢٩١/١). (٣) ((التبصرة والتذكرة)) (٨٦/١). (٤) ليس في: ((ص)) . (٥) ((الجامع)» (٧). ٢٢٦ النوع الثاني وقال شيخ الإسلام(١): قد مَيَّزَ الترمذيُّ الحسَنَ عن الصحيحِ بشيئين : أحدُهما : أن يكون راويه قاصرًا عن درجةٍ راوي الصحيحِ، بل وراوي الحسَن لِذاته، وهو أن يكونَ غيرَ مُتَّهم بالكَذب، فيدخلُ فيه المستورُ والمجهولُ ونحو ذلك، [وراوي الصحيح لابُدَّ وأن يكون ثقةً](٢)، وراوي الحسَنِ لذاتِهِ لابُدَّ وأن يكون موصوفًا بالضبطِ ، ولا يَكفي كونه غير متهم . قال: ولم يعدل الترمذيُّ عن قوله: ((ثقات)) وهي كلمةٌ واحدةٌ، إلى ما قاله إلّا لإرادة قصورِ رُواته عن وصفِ الثقةِ كما هي عادة البُلَغاء . الثاني : مجيئُه مِن غيرِ وجهٍ، على أنَّ عِبارةَ الترمذيِّ فيما ذكره في ((العلل)) التي في آخر ((جامعه)): وما ذَكَرنا في هذا الكتاب «حديثٌ حَسَنٌ)) فإنما أردنا به حُسنَ إسناده - إلى آخر كلامه . قال ابنُ سيد الناس (٣): فلو قالَ قائلٌ: إن هذا إنما اصطَلَح عليه في کِتابه ولم يقله اصطلاحًا عامًا لكان له ذلك . وقولُ ابن كثيرٍ (٤): ((هذا الذي رُوي عن الترمذيِّ في أيِّ كتابٍ قاله؟ وأين إسنادُه عنه؟)) مردودٌ بوجودِهِ في آخرِ ((جامعه)) كما أشرنا إليه. (١) ((النكت)) (٣٨٧/١ - ٤٠٣) . (٢) سقط من: ((ص)) . (٣) ((النفح الشذي)) (٢٠٥/١). (٤) ((اختصار علوم الحديث)) (ص: ٣١ - ٣٢). ٢٢٧ الحسن ـمسبعي وقال بعضُ المتأخّرين : قولُ الترمذي مرادفٌ لقولِ الخطابي ؛ فإن قولَه: ((ويروَىُ نحوه من غيرِ وجهٍ)) كقوله: ((ما عرف مخرجه))، وقولُ الخطَّابي: ((اشتَهر رِجَالُهُ)) يعني به السلامةَ مِن وَصْمَةِ الكذبِ كقولٍ الترمذيِّ: ((ولا يكُون في إسنادِهِ مَن يُتَّهُمُ بالكَذبِ))، وزادَ الترمذيُّ : ((ولا يَكونُ شاذًّا))، ولا حاجةَ إليه؛ لأن الشاذَّ يُنافي عرفان المخرجِ، فكأنَّ المصنّف أسقطه لذلك . لكن قال العراقي (١): تفسيرُ قول الخطَّابي: ((ما عرف مخرجه)) بما تقدَّم مِنَ الاحتراز عن المنقطع وخبرِ المدلِّس أَحسنُ؛ لأن الساقطَ مِنه بعضُ الإسنادِ لا يُعرف فيه مَخرَجُ الحديثِ؛ إذ لا يُدرَىُ مَن سَقَطْ ، بخلافِ الشاذُّ الذي أَبرِز كلُّ رِجالِه، فَعُرِف مَخرجُ الحديثِ مِن أين(٢). (١) ((التبصرة)) (٨٤/١). (٢) كلا؛ فإن الشاذ لا أصل له ولا مخرج له، وكونه روي بإسنادٍ ، فهو إسناد مركب خطأ لا يعتمد عليه لتحقيق مخرج الحديث؛ فتأمل . وقد يقال: كيف؛ ومنهم من يجعله من باب صحيح وأصحّ، ويطلقه الحاكم في «المستدرك)»؟! فيقال : من يجعله من باب صحيح وأصحّ، إنما ذلك عنده من حيث التسمية ، لكنه - مع ذلك - لا يحتج به عنده، يعني: أنه يجوز عنده أن يسمى ((صحيحًا))، لكن لا يحتج به . وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٦٥٤/٢)، حيث قال: ((إن الشذوذ يقدح في الاحتجاج، لا في التسمية))، وقد سبق ذلك في ((نوع الصحيح)) (ص : ٥٢) . وقد ذكر الحافظ ابن حجر نفسه في موضع آخر ما يدل على أن الحديث ((الشاذ)) = ٢٢٨ النوع الثاني وقال البلقيني (١): اشتهارُ الرجالِ (٢) أخصُّ مِن قولٍ: ((ولا يَكون في الإسناد متهمٌ )) لشمولِه المستور . وما حكاه ابنُ الصلاح عن بعضٍ المتأخّرين أرادَ به ابنَ الجوزي ، فإنه ذكَر ذلك في ((العلل المُتناهية))، وفي ((الموضوعات)). = مخرجه غير معروف؛ فقد ذكر في ((نكته)) (١/ ٤٠٥) تفسير القاضي أبي بكر ابن العربي لـ ((مخرج الحديث)): ((بأن يكون الحديث معروفًا في أهل بلد الراوي ؛ يرويه عنه أهل بلده، كحديث البصريين يخرج عن قتادة، والكوفيين عن أبي إسحاق السبيعي، والمدنيين عن ابن شهاب، والمكيين عن عطاء؛ وعليه مدار الحديث)). ثم قال الحافظ ابن حجر ؛ موضحًا ذلك: ((فإن حديث البصريين - مثلاً - إذا جاء عن قتادة ونحوه، كان ((مخرجه معروفًا))، وإذا جاء عن غير قتادة ونحوه، كان ((شاذًّا)). والله أعلم)) اهـ. وأما الحاكم؛ فتصرفه لا يخرج عن هذا، وقد عقد هو نفسه في المعرفة علوم الحديث)) لنوع ((الشاذ)) (ص: ١١٩)، وذكر أن ((الشاذ)) هو ((ما يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة))، وأنه يغاير ((المعلول))، حيث إن المعلول عنده هو ما وقف على وجه الخطإ فيه بالاختلاف بين الرواة ، وسيأتي في نوع ((الشاذ)) قول الحافظ ابن حجر: ((وبقي من كلام الحاكم: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على هذا)). وهذا يدل على أن الحديث الشاذ عند الحاكم خطأ وغلط ليس له أصل، والأمثلة التي مثل بها الحاكم للشاذ تدل على هذا، بل إنه قال في بعضها : ((فنظرنا ؛ فإذا الحديث موضوع)). والله أعلم . وراجع: فصل ((المنكر أبدًا منكر)) من كتابي ((الإرشادات)). (١) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ١٠٥). (٢) في ((ص)): ((الرجل)). ٢٢٩ الحسن قال ابن دقيق العيد (١) : وليس ما ذكره مضبوطًا بضابطٍ يتميّزُ به القَدرُ المُحتمل مِن غيرِه . قال البدرُ ابنُ جَماعة (٢): وأيضًا فيه دَوْرٌ؛ لأنه عَرَّفه بصلاحيتِه للعملِ به ، وذلك يتوقَّف على مَعرفةِ کونِه حَسَنًا . قلتُ : ليس قوله: ((ويُعملُ به)) من تمام الحدِّ ، بل زائدٌ عليه، لإفادةِ أنه يجبُ العملُ به كالصحيح، ويَدُلُّ على ذلك أنه فَصَله مِن الحدِّ ، حيث قال: ما فيه ضعفٌ قريبٌ محتملٌ فهو الحديثُ الحسنُ، ويَصلحُ البناءُ عليه والعمل به . وقال الطيبي (٣): ما ذكره ابنُ الجوزي مَبنيٌّ على أنَّ معرفَة الحسَنِ موقوفةٌ على معرفة الصحيح والضعيفِ ؛ لأنَّ الحسَنَ وَسَطْ بينهما، فقوله : ((قريبٌ)) أي قريبٌ مَخرَجُهُ إلى الصحيح ، محتملٌ ؛ لكون رجالِهِ مستورین . قَالَ الشَّيْخُ: هُوَ قِسْمَانِ : أحَدُهُمَا: مَا لا يَخْلُو إسنادُهُ مِنْ مَسْتُورٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ أهْلِيَّتُهُ، ولَيْسَ مُغَفَّلاً كَثِيرَ الخَطَأِ، ولا ظَهَرَ مِنْهُ سَبَبٌ مُفَسِّقٌ، ويَكُونُ مَثْنُ الْحَدِيثِ مَعْرُوفًا بِروَايَةٍ مِثْلِهِ أوْ نَحْوِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. الثَّانِي: أنْ يَكُونَ رَاوِيهِ مِشْهُورًا بِالصِّدْقِ وَالْأمَانَةِ، ولَمْ يَبْلُّغْ (١) ((الاقتراح)) (ص: ١٦٩). (٣) ((الخلاصة)) (ص: ٤١). (٢) ((المنهل الروي)) (ص: ٣٦).