النص المفهرس

صفحات 241-260

١٧٠
النوع الأول
قال شيخُ الإسلام : وهو واردٌ قطعًا، وأنا متوقْفٌ في رُتبته، هل هي
قَبل المُتَّفق عليه أو بعده؟
الثالث : ما أخرجه السِّتَّةُ .
وأُجيب بأنَّ مَن لم يشترطِ الصحيحَ في كتابهِ لا يزيدُ تخريجُه للحديثِ
قُوَّةً .
قال الزركشيُّ(١): ويمنعُ بأنَّ الفقهاءَ قد يُرجُحون بما لا مَدخَلَ له في
ذلك الشيء، كتقديم ابن العَمِّ الشقيقِ على ابنِ العمِّ للأبِ، وإن كان
[ ابنُ العمِّ للأُبِ](٢) لا يرثُ .
قال العراقي (٣): نعَم، ما اتَّفق الستةُ على توثيقِ رُواتِه أَولى بالصحة
ممَّا اختلفوا فيه وإنِ اتَّفق عليه الشيخان .
الرابع : ما فَقَد شرطًا كالاتصالِ عِندَ مَن يَعدُّه صحيحًا .
الخامس : ما فَقد تمامَ الضبطِ ونحوه، مما يَنزلُ إلى رُتبةِ الحسَن عِند
مَن يُسمِیه صحيحًا .
قال شيخُ الإسلام: وعلى ذلك يُقال: ما أخرجه الستةُ إلا واحدًا
منهم ؛ وكذا ما أخرجه الأئمةُ الذين التزموا الصِّحَّة، ونحو هذا، إلى أن
تنتشرَ الأقسامُ فتكثر حتى يَعسُر حَصرُها .
(١) ((النكت)) له (٢٥٥/١).
(٢) في ((م): ((العم للأم)). وفي ((ص)): ((العم للأب)) بحذف كلمة ((ابن)).
(٣) ((التقييد)) (ص: ٤١).

١٧١
الصحيح
التنبيه الثاني: قد عُلم مما تقدَّم أنَّ أصحَّ مَن صَنَّف في الصحيحِ ابنُ
خزيمة، ثُم ابنُ حِبَّان، ثُم الحَاكمُ، فَيَنبغي أن يُقالَ: أصحُّها بعد مسلم
ما اتفق عليه الثلاثةُ، ثُم ابنُ خزيمة وابنُ حِبَّن أَو والحاكمُ ، [ ثُم ابنُ حِبَّانَ
والحاكمُ، ثم ابنُ خزيمة فقط] (١)، ثُم ابنُ حبان فقط، ثُم الحاكمُ فقط ،
إن لم يكنِ الحديثُ على شرطِ أحدِ الشيخين، ولم أَرَ مَن تعرَّضَ لذلك،
فليتأمُّل .
الثالثُ : قد يَعرِضُ للمَفُوقِ (٢) ما يجعله فائقًا، كأن يتَّفقا على إخراج
حديثٍ غريبٍ، ويُخرج مسلمٌ أو غيرُه حديثًا مشهورًا(٣)، أو مما وُصِفَتِ
ترجمتُه بكونها أصحَّ الأسانيد، ولا يقدح ذلك فيما تقدَّم؛ لأنَّ ذلك
باعتبارِ الإجمالِ .
(١) ما بين المعقوفين سقط من ((ص))، وسقط من ((م)): ((ثم ابن خزيمة فقط)).
(٢) في ((ص)): ((للمتون)).
(٣) من ذلك: أن مسلمًا انفرد بإخراج حديث ابن عمر مرفوعًا: ((لا يقبل اللَّه صلاة بغير
طهور، ولا صدقة من غلول))، وقد قال الترمذي في ((الجامع)) (١): «هذا الحديث
أصح شيء في هذا الباب وأحسن))، مع أنه أشار بأن في الباب حديث أبي هريرة،
وهو في ((الصحيحين))، ولفظه: ((لا يقبل اللّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)).
وإنما كان حديث ابن عمر أصح؛ لأنه أشهر، فقد رواه غير واحدٍ ، عن سماك، عن
مصعب بن سعد، عن ابن عمر ؛ بينما حديث أبي هريرة حديث فرد، يرويه عبد
الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة .
وإنما اختار البخاري حديث أبي هريرة على حديث ابن عمر، فهذا - والله أعلم .
لاعتبارات متنية راجعة إلى فقه الحديث؛ فإن لفظ ((الطهور)» في حديث ابن عمر
يدخل فيه الغسل من الحدث الأكبر، بخلاف لفظ ((يتوضأ))، ثم إن قوله في حديث
أبي هريرة: ((إذا أحدث)) مبين أن الوضوء لا يجب إلا عند الحدث. فتأمل.
...
........

١٧٢
النوع الأول
قال الزركشيُّ(١) : ومِن هُنا يُعلم أنَّ تَرجيحَ كتابِ البُخاريِّ على مُسلم
إنَّما المرادُ به ترجيحُ الجُملةِ على الجملةِ ، لا كل فردٍ مِن أحاديثه على كل
فردٍ مِن أحاديثِ الآخر .
الرابعُ : فائدةُ التقسيم المذكورِ تَظهرُ عِندَ التَّعارضِ والتَّرجيحِ .
الخامسُ : في تَحقيقِ شرِطِ البخاريِّ ومسلم، قال ابنُ طاهرٍ (٢):
شرطُ البخاريٍّ ومسلم أن يُخرِّجا الحديثَ المُجمَعَ على ثقةِ رجالِهِ إلى
الصحابيِّ المشهورِ .
قال العراقيّ(٣): وليس ما قالَه بجيدٍ؛ لأنَّ النسائيَّ ضَعَّف جماعةٌ
أخرج لهم الشيخان أو أحدُهما .
وأجيب بأنَّهما أخرجًا من أُجمعَ على ثقته إلى حين تصنيفهما، فلا
يقدحُ في ذلك تضعيفُ النسائي بعد وجودِ الكتابين .
وقال شيخ الإسلام : تضعيفُ النسائي إن كان باجتهادِه أو نَقلِهِ عن
مُعاصرٍ فالجوابُ ذلك، وإن نَقَلَه عن مُتَقَدِمِ فلا .
قال : ويُمكن أن يُجَاب بأنَّ ما قاله ابنُ طاهرِ هو الأصلُ الذي بَنَيا عليه
أَمرَهما، وقد يَخْرُجانِ عنه لمرجُّح يقوم مقامه .
وقال الحاكمُ في ((علوم الحديث)) (٤): وصفُ الحديثِ الصحيح : أن
يرويه الصحابيُّ المشهورُ بالروايةِ عن النبيِّ بَّـ، وله راويان ثِقتان، ثم
(١) ((النكت)) له (٢٥٦/١ - ٢٥٧) .
(٣) ((التبصرة)) (٦٥/١).
(٢) ((شروط الأئمة الستة)) (ص: ١١).
(٤) ((المعرفة)) (ص: ٦٢).
...............
ا سك الـ

١٧٣
الصحيح
جيسيـ
يَرويه مِن أتباع التابعينِ الحافظُ المتقنُ المشهورُ بالروايةِ ، وله رواةٌ ثقاتٌ .
وقال في ((المدخل)): الدرجةُ الأُولى مِن الصحيح اختيارُ البخاريُّ
ومسلم، وهُو أن يَروي الحديثَ عن النبي ◌َِّ صحابيٍّ زائلٌ عنه اسمُ
الجهالةِ ، بأن يَروي (١) عنه تابعيان عَدلان، ثم يَروي عنه التابعيُّ المشهورُ
بالرواية عن الصحابةِ ، وله راويان ثقتان ، ثم يَرويه عنه مِن أتباع التابعين
حافظٌ متقنّ، وله رواةٌ مِن الطبقةِ الرابعةِ، ثم يكون شيخُ البخاريِّ أو
مسلم حافظًا مشهورًا بالعدالةِ في روايته، ثم يَتداوله أهلُ الحديثِ بالقبولِ
إلى وَقتنا، كالشهادةِ على الشهادةِ .
فعمَّم في ((علوم الحديث)) شرطَ الصحيح مِن حيثُ هو، وخصَّص
ذلك في ((المدخل)) بشرطِ الشيخين، وقد نَقَضَ عليه الحازميُّ(٢)
ما ادَّعى أنَّه شرطُ الشيخين بما في ((الصحيحين)) (٣) من الغرائبِ التي تفرَّد
بها بعضُ الرواةِ .
وأجيب بأنَّه إنَّما أرادَ أنَّ كل راوٍ في الكتابين يُشترطُ أن يكون له
راويان، لا أنَّه يُشترطُ أن يثَّفقا في رواية ذلك الحديث بعينه .
قال أبو عليَّ الغسانيُّ . ونقلَه عياضٌ عنه (٤) . : ليس المرادُ منه أن
يكونَ كلُّ خبرِ روياه يجتمعُ فيه راويان عن صَحابيِّه، ثم عن تابعيه فَمَن
(١) في ((م)): ((يرويه)).
(٢) ((شروط الأئمة الخمسة)) (ص : ٤٠ - ٤٢).
(٣) في ((م)": ((الصحيح)) .
(٤) ليس في ((ص)) .
٢٤.٠٠

١٧٤
النوع الأول
بَعده ؛ فإنَّ ذلك يَعِزُّ وجودُه، وإنما المراد أنَّ هذا الصحابيَّ وهذا التابعيَّ
قد(١) روى عنه رَجلان خرج بهما عن حَدُ الجهالة(٢) .
قال شيخ الإسلام (٣): وكأنَّ الحازميَّ فَهِمَ ذلك مِن قولِ الحاكم:
((كالشهادةِ على الشهادةِ))؛ لأنَّ الشهادةَ يُشترط فيها التعددُ.
وأجيب : باحتمالٍ أن يريدَ بالتشبيه بعض الوجوهِ لا كُلَّها، كالاتّصالِ
واللّقاءِ وغيرِهما .
وقال أبو عبد الله ابن المواق: ما حَمل الغسانيُّ عليه كلامَ الحاكم
وتَبِعَه عليه عياضٌ وغيرُه ليس بالبَيْنِ، ولا أَعلمُ أحدًا روَىُ عنهما أنَّهما
صرَّحا بذلك، ولا وجود له في كتابيهما، ولا خَارجًا عنهما . فإن كان
قائلُ ذلك عَرفه مِن مذهبهما بالتصفّحِ لتصرُّفِهما في كتابيهما فلم يُصِب ؛
لأنَّ الأمرين معًا في كتابيهما، وإن كانَ أخَذه مِن كونِ ذلك أكثريًّا في
كتابيهما، فلا دليلَ فيه على كونِهما اشتَرَطاه، ولعلَّ وجود ذلك أكثريًّا إنما
هو لأنَّ من رَوى عنه أكثرُ مِن واحدٍ أكثرُ ممَّن لم يروِ عنه إلا واحدٌ في
الرواة مطلقًا، لا (٤) بالنسبة إلى مَن خرَّج له منهم في ((الصحيحين))،
وليس من الإنصافِ إلزامُهما هذا الشرطَ مِن غير أن يثبتَ عنهما ذلك مع
وجودٍ إخلالهما (٥) به ؛ لأنَّهما إذا صحَّ عنهما اشتراطُ ذلك كان في
إخلالهما به دركٌ(٦) عليهما.
(١) في ((ص)): ((وقد)).
(٢) كما في ((السير)) للذهبي (١٢ / ٥٧٤ - ٥٧٥).
(٣) ((النكت)) (٢٤٠/١).
(٥) في ((ص)): ((اختلالهما)).
(٤) في ((ص)): ((إلا)).
(٦) في ((ص))، و((م)): ((دركًا)).

١٧٥
الصحيح
قال شيخُ الإسلام: وهذا كلامٌ مقبولٌ، وبحثٌ قويٍّ .
وقال في ((مقدمة شرح البخاريٌّ)) (١): ما ذكره الحاكمُ وإن كان
مُنتقضًا في حقِّ بعض الصحابة الذين (٢) أخرج لهم، إلّا أنه مُعتَبَرٌ في حقٌّ
مَن بعدَهم، فليس في الكتابِ حديثٌ أصلًا من رواية من ليس له إلا راوٍ
واحدٌ قط .
وقال الحازميُّ ما حاصِلُهُ(٣): شرط البخاريِّ أن يخرجَ ما اتصل
إسنادُه بالثقات المتقنين الملازمين لمن أخَذُوا عنه ملازمةً طويلةً، وأنَّه قد
يخرج أحيانًا عن أعيان الطبقةِ التي تَلي هذه في الإتقانِ والملازمةِ لمن
رووا عنه، فلم يلزموه إلا ملازمةً يسيرةً، وشرط مسلم أن يخرِّج حديثَ
هذه الطبقةِ الثانيةِ، وقد يخرج حديثَ مَن لم(٤) يَسلم مِن غوائلِ الجَرحِ،
إذا كان طويلَ الملازمةِ لمن أخذ عنه، كحماد بن سلمة في ثابت البناني
وأيوب .
وقال المصنّفُ: إن المرادَ بقولهم: ((على شرطهما)) أن يكونَ رجالٌ
إسنادِه في كتابيهما؛ لأنَّه ليس لهما شرطٌ في كتابيهما ولا في غيرِهما .
قال العراقي (٥): وهذا الكلامُ قد أخَذه من(٦) ابن الصلاح حيثُ قال
في ((المستدرك)): أودَعَه ما [ ليس في واحدٍ مِن ((الصحيحين)) مما ](٧)
(١) ((هدي الساري)) (ص: ٩).
(٣) ((شروط الأئمة الخمسة)) (ص: ٦١، ٦٥ - ٦٩).
(٤) ليس في (ص)).
(٦) ليس في ((ص)).
(٢) في ((ص)): ((الذي)).
(٥) ((التقييد)) (ص: ٢٩ - ٣٠).
(٧) زيادة من المطبوع وابن الصلاح.

١٧٦
النوع الأول
رآه على شَرطِ الشيخين ، قد أخرجا عن رُواته في كتابيهما .
قال : وعلى هذا عمل ابن دقيق العيد، فإنه يَنقُل عن الحاكم تصحيحه
لحديثٍ على شرطِ البخاريِّ مثلًا، ثُم يعترض عليه بأن فيه فلانًا، ولم
يُخرِّج له البخاريُّ، وكذا فعل الذهبي في ((مختصر المستدرك)).
قال: وليس ذلك منهم بجيدٍ؛ فإن الحاكم صرَّح في خُطبة
((المستدرَك)) بخلافِ ما فهموه عنه، فقال: وأنا أستعينُ اللَّه تعالى على
إخراج أحاديثَ رواتُها ثقاتٌ قد احتجَّ بمثلها الشيخان أو أحدُهما .
فقوله: ((بمثلها)) أي: بِمِثل رُواتها، لا بِهم أنفسهم، ويحتمل أن
يُراد : بمثل تلك الأحاديث، وإنَّما تكون مثلها إذا كانت بنفس رُواتها ،
وفيه نظرٌ .
قال : وتحقيقُ المِثلية(١) أن يكونَ بعضُ مّن لم يُخرَّج عنه في
الصحيح مِثلَ مَن خُرِّج عنه فيه، أو أعلى منه عند الشيخين، وتُعرف
المثليةُ عندهما إما بنصِّهما على أن فلانًا مِثْلُ فلانٍ، أو أرفع منه، وقلَّما
يوجد ذلك، وإما بالألفاظِ الدالةِ على مراتبِ التعديلِ، كأن يقولا في
بعضٍ مَنِ احتجًّا به: ((ثقة))، أو ((ثَبتْ))، أو ((صَدوقٌ))، أو ((لا بأس
به))، أو غير ذلك مِن ألفاظِ التعديل، ثم يُوجد عنهما أنهما قالا ذلك أو
أَعلَى منه في بعضٍ مَن لم يحتجًّا به في كتابيهما، فيستدلُّ بذلك على أنه
(١) في ((ص)): ((المسألة)).

١٧٧
الصحيح
عندهما في مرتبةٍ (١) من احتجًّا به؛ لأنَّ مراتبَ الرواةِ معيارُ معرفتِها ألفاظُ
الجرحِ والتعديلِ .
قال : ولكن هنا أمرٌ فيه غموضٌ لا بُدَّ مِن الإشارةِ إليه، وذلك أنَّهم
لا يكتفون في التصحيح بمجردِ حالِ الراوي في العدالةِ والاتصالِ من غيرِ
نظرٍ إلى غيره، بل ينظرون في حالِهِ مع مَنْ روى عنه في كثرة ملازمته له
أو قلتها، أو كونه من بلده ممارسًا لحديثه، أو غريبًا مِنْ بلد مَنْ أخذ
عنه، وهذه أمور تظهر بتصفّح كلامهم وعملهم في ذلك، انتهى
كلامه(٢) .
وقال شيخُ الإسلام(٣): ما اعترض به شيخُنا على ابنِ دقيق العيد
والذهبيِّ ليس بجيدٍ ؛ لأن الحاكم استعمل لفظةَ: ((مِثل)) في أعم من
الحقيقة والمجاز في الأسانيد والمتون، دلَّ على ذلك صنيعه، فإنه تارةً
يقول : على شرطهما، وتارةً: على شرط البخاري ، وتارةً : على شرط
مسلم، وتارةً: صحيح الإسناد ولا يعزوه لأحدهما .
وأيضًا؛ فلو قصد بكلمة ((مثل)) معناها الحقيقي حتى يكون المراد ،
أحتجُّ بغيرها ممَّن فيهم مِن (٤) الصفاتِ مِثلُ ما(٥) في الرواة الذين خرَّجا
(١) في ((م)): ((رتبة)).
(٢) وقد بينت طرفًا من هذا في غير هذا الموضع: في ((الإرشادات)) و((صيانة الحديث
وأهله))، و((لغة المحدث)).
(٣) ((النكت)) (٣١٢/١ - ٣٢١).
(٤) ليس في ((ص)) .
(٥) في ((ص)): ((مثلًا)).
٠٠,٠٠٠٠

١٧٨
النوع الأول
عنهم، لم يقل قط: ((على شرط البخاري))؛ فإنَّ شَرْطَ [ مسلم دونَه،
فما كان على شرطهِ فهو على شَرطهما؛ لأنه حَوَىُ شرطً مسلم
وزاد ](١) .
قال : ووراء ذلك كله(٢) أن يُروَىُ إسنادٌ مُلَفَّقٌ من رجالهما؛ كَسِماك
عن عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ ، فسِماكٌ على شرط مسلم فقط ، وعكرمةُ انفرد
به البخاريُّ، والحق أن هذا ليس على شرطٍ واحدٍ منهما .
وأدقُّ مِن هذا أن يرويا عن أناسٍ ثقاتٍ ضُعْفوا في أناسٍ مخصوصین ،
مِن غيرِ حديث الذين ضُعِّفوا فيهم، فيجيءُ عنهم حديثٌ مِن طريق مَن
ضُعِّفوا فيه، برجالٍ كلهم في الكتابين أو أحدهما، فنسبتُه أنه على شَرطِ
مَن خرَّج له غَلَطْ .
كأن يقال في هشيم عن الزهريِّ : كلٌّ من هشيم والزهري أخرجا له ،
فهو على شرطهما .
فيقال : بل ليس على شرطٍ واحدٍ منهما؛ لأنهما إنما أخرجا لهشيم
من غیر حدیث الزهري، فإنه ضُعِّفَ فيه؛ لأنه كان رَحَل إليه فأخذ عنه
عشرين حديثًا، فَلَقِيَه صاحبٌ له وهو راجعٌ فسأله رؤيتَهُ، وكان ثَمَّ ریحْ
شديدةٌ فذهبت بالأوراق مِن يدِ الرجل ، فصار هشيمٌ يحدِّثُ بما عَلِقَ منها
بِذِهنهِ، ولم يكن أَتقَنَ حِفظَها، فَوَهِمَ في أشياءَ منها، ضُعْفَ في الزهريِّ
بسببها(٣) .
(١) ليس في ((ص)).
(٣) كما في ((تاريخ بغداد)) (٨٧/١٤).
(٢) في ((ص)) بعده: ((إلا)).

١٧٩
الصحيح
وكذا؛ هماٌ ضعيفٌ في ابنِ جريج، مع أنَّ كلَّا منهما أَخرجا له،
لكن؛ لم يخرّجا له عن ابن جريج شيئًا، فعلى مَن يعزو إلى شرطهما أو
شرطٍ واحدٍ منهما أن يسوقَ ذلك السندَ بنسقِ روايةٍ مَن نُسِبَ إلى شرطه ،
ولو في موضعٍ من كتابه .
وكذا قال ابن الصلاح في ((شرح مسلم)): مَن حَكم لشخصٍ بمجرد
رواية مسلم عنه في ((صحيحه)) بأنَّه مِن شَرطِ الصحيح؛ فقد غَفَّل
وأخطأ ، بل ذلك متوقّفٌ على النظرِ في كيفيةٍ روايةٍ مسلم عنه، وعلى أيِّ
وجهٍ اعتمد عليه(١) .
(١) يكثر في كتب الحديث والتخريجات وغيرها مصطلح ((على شرط البخاري))، أو
(على شرط مسلم))، أو ((على شرط البخاري ومسلم))، أو ((على شرطهما))، أو
((على شرط الشيخين))، ونحوه .
وهذا المصطلح لم يكن معروفًا - بداهة . قبل البخاري ومسلم، ولم يكن أيضًا معروفًا
في عصرهما، بل لم يُعرف إلا بعد عصرهِما بفترةٍ، ولعلَّ أولَ من استخدم هذا
المصطلح هو الإمام الدارقطني - عليه رحمة الله تعالى.، وذلك في كتابه ((الإلزامات))
حيث ألزم الشيخين إخراج أحاديث لم يخرجاها، وهي على شرطهما .
قال الدارقطني في أوائل هذا الكتاب (ص٧٤) :
((ذكر ما حضرني ذكره مما أخرجه البخاري ومسلم أو أحدهما من حديث بعض
التابعين، وتركا من حديثه شبيهًا به، ولم يخرجاه، أو من حديث نظيرٍ له من التابعين
الثقات، ما يلزمُ إخراجه على شرطهما ومذهبهما)).
وقال في أثنائه (ص١٠٤):
((ذكر أحاديث رجالٍ من الصحابة * له رووا عن النبي ◌َِّ رُويت أحاديثُهم من وجوهٍ
لا مطعن في ناقلها، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئًا، فليزمُ إخراجها على مذهبهما،
وعلى ما قدَّمنا ذكره، وما أخرجاه أو أحدُهما)) .
=
..---...
.........
..............

١٨٠
النوع الأول
ثم اشتهر هذا المصطلح بعد ذلك ، فوجدنا الحاكم أبا عبد الله النيسابوري قد أكثر من
استخدامه في كتابه ((المستدرك على الصحيحين))، بل جعل أصله موضوع كتابه هذا .
وقال في مقدمته (١/ ٢ -٣) بشأن شرط كتابه: ((يشتمل على الأحاديث المروية
بأسانيد يحتجُّ محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجّاج بمثلها؛ إذ لا سبيل إلى إخراج
ما لا علَّة له؛ فإنهما . رحمهما الله . لم يدَّعيا ذلك لأنفسهما)).
قال الشيخ المعلمي اليماني في ((التنكيل)) (٤٥٧/١ - ٤٥٨):
((ولم يُصب في هذا؛ فإنَّ الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد
النظر والبحث والتدبُّر أنه ليس له علة قادحة)) .
فالدار قطني والحاكم في حكمهما على الحديث بكونه على شرط الشيخين، اتفقا في
شرطٍ ، واختلفا في شرطٍ آخر :
اتفقا على أنه لا يُشترط أن رواة الحديث هم من رواةٍ الكتابين ، وإنما يُكتفى - عندهما .
أن يكون هؤلاء ((مثل)) رواةٍ أخرج لهم الشيخان من حيث الثقة .
واختلفا في اشتراط السلامة من العلَّة ، فالدار قطني يدلُّ كلامه على اشتراط السلامة من
العلة ، بينما كلام الحاكم صريح في عدم اشتراط ذلك . ولا شك أن هذا من الأسباب
القوية التي أدت إلى كثرة الأحاديث المعلولة في ((المستدرك)) ....
وقد أشرت إلى ذلك في هذه الأبيات :
بما يصحح على شرطهما
والدار قطني؛ فألزمهما
من بِهم احتجًّا، ولم يعلّا
بأن يخرج رجالًا مثلا
على ((الصحيحين))، فما أحبكه
وألف الحاكمُ ((مستدركه))
أنه لا يجتنبُ المُعلَّا
وشرطه : كالدار قطني ، إلّا
هذا؛ فضلاً عن أنَّ الحاكم لم يوفِّ حتى بشرطِهِ في كتابِهِ، فهو يخرجُ فيه لرواٍ
ضعفاء وهلكى أحاديث منكرة وموضوعة، وقد أشار إلى ذلك السيوطي في ((الألفية))
قائلًا :
فيه مناكرٌ وموضوعٌ يردُ
وکم بوِ تساهلٌ حتى ورد
وقد تقدم تفصيل القول في أحاديث ((المستدرك)).
=
٠٠٠٠

١٨١
الصحيح
= وأما شرط الشيخين :
فاعلم أن البخاريَّ ومسلمًا، لم يُنقل عن واحدٍ منهما أنه قال : شرطت أن أخرجَ في
كتابي ما يكون على الشرط الفلاني ، وإنما يُعرف ذلك من سبرٍ كتابيهما، فيعلم بذلك
شرط كل رجل منهما .
اللَّهم، إلا ما ذكره الإمام مسلمٌ. عليه رحمة اللَّه تعالى - في ((مقدمة صحيحه)) في
مسألة عنعنة المعاصرِ من الاكتفاءِ من غير المدلس بالمعاصرة مع إمكان اللقاءِ .
وليس يخفى أن شرطهما . على سبيل الإجمال - هو نفس شرط الصحيح المتفق عليه
عند علماء الحديث، وهو الحديث الذي اتصل إسناده ، بنقل العدل الضابط ، عن
مثلهِ ، إلى مُنتهاه، من غير شذوذٍ ولا علةٍ .
يقول الحافظ ابن الصلاح في ((الصيانة)) (ص٧٢) :
((شرط مسلم في ((صحيحه)): أن يكون الحديث متصل الإسناد، بنقل الثقة عن
الثقة، من أوَّله إلى منتهاه، سالمًا من الشذوذ، ومن العلة. وهذا هو حدّ الصحيح في
نفس الأمر» .
إِلَّا أن أكثر العلماء الذين أطلقوا هذا المصطلح، لا يحكمون على حديثٍ ما بأنه على
شرط الشيخين أو أحدهما إلا بمراعاة اختيارهما للرواةٍ، والكيفية التي التزماها في
الإخراج لهم .
ويمكن تلخيص شرائطِ الحكم على الحديث بأنه على شرطهما أو شرطٍ أحدهما،
اعتمادًا على أقوال وأفعالِ العلماءِ المحققين على النحو التالي :
الشرط الأول: أن يكون رواة هذا الإسناد قد خرج لهم الشيخان - أو أحدهما - في
«الصحیحین)) .
ولا يكتفى بأن يكونوا من حيث الثقة مثل رواة الكتابين، فإن هؤلاء وإن كان يسمَّى
حديثهم ((صحيحًا)) إذا تحققت فيه بقية شرائط الصحيح، إلا أنَّه لا يرقى إلى أن يكون
على شرطهما .
الشرط الثاني : أن يكون رجال هذا الحديث ممن أخرج لهم الشيخان - أو أحدهما .
احتجاجًا ، لا في الشواهد والمتابعات والتعاليق أو مقرونًا .

١٨٢
النوع الأول
الشرط الثالث: أن يكون الشيخان قد احتجًّا برواةٍ هذا الحديث جميعًا على نفس
=
الكيفية .
لكن ؛ إذا كان الحديثُ قد احتجَّ برواتِه في (( الكتّابین)) بصورة الانفراد ، أو كان بعض
رواة الحديث ممَّن احتجَّ به البخاريُّ فقط، والبعضُ الآخر احتجَّ به مسلم فقط ، فليس
هذا الحديث على شرطهما، ولا على شرط أحدهما .
قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٣١٤/١ - ٣١٥):
((كسفيان بن حسين عن الزهري ، فإنهما احتجًّا بكل منهما على الانفراد، ولم يحتجًا
بروايةٍ سفيان بن حسين عن الزهري، لأن سماعه من الزهري ضعيفٌ دون بقيَّةٍ
مشايخهِ .
فإذا وجد حديثٌ من روايتهِ عن الزهري لا يُقالُ على شرط الشيخين لأنهما احتجًا بكل
منهما، بل لا يكون على شرطهما إلا إذا احتجًّا بكل منهما على صورة الاجتماع،
وكذا إذا كان الإسناد قد احتجَّ كل منهما برجل منه ولم يحتج بآخر منه ؛ كالحديث
الذي يُروى عن طريق شعبة مثلًا عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس
فإن مسلمًا احتجَّ بحديث سماك إذا كان من رواية الثقات عنه ولم يحتج بعكرمةً،
واحتجَّ البخاري بعكرمةً دون سماكٍ، فلا يكون الإسناد - والحالة هذه - على شرطهما
حتى يجتمع فيه صورة الاجتماع، وقد صرَّح بذلك الإمام أبو الفتح القشيري وغيره)) .
قلت: وكذا؛ إذا رُويَ الحديث بإسنادين: أحدهما على شرط البخاري، والآخر
على شرط مسلم، لا يقال في مثل هذا: ((هو على شرطهما))، حتى يكون الحديث
قد تحقّق فيه شرطهما في إسنادٍ بعينه .
وقد رأيت الصنعاني وقع منه ذلك في ((سبل السلام)) في شرح الحديث رقم (٢٥٣)
بترقيمي ؛ فليتنبه لذلك .
الشرط الرابع: أن يكون هذا الحديث سالمًا من الشذوذ والعلة، سواءٌ في الإسناد أو
في المتن، وهذا شرط جوهريٍّ، وهو شرطً في أصل الصحة، فكيف بشرط
الشیخین؟
وقد سبق أن شرطهما هو شرط الصحيح المتفق عليه .
IF
........................

١٨٣
الصحيح
= وهذا الشرط؛ صرَّح به الحافظ ابن حجر (٣١٤/١ - ٣١٥)، وقال: (٣١٦/١):
((إذا أخرجا لرجلٍ، وتجنّبًا ما تفرَّد به أو ما خالف فيه، كما أخرج مسلمٌ من نسخة
العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة 288 ما لم يتفرَّد به .
فلا يحسن أن يقالَ : إن باقي النسخة على شرط مسلم ؛ لأنه ما خرَّجَ بعضها إلا بعد
أن تبين أن ذلك ممَّا لم ينفرد به، فما كان بهذه المثابة لا يلتحق أفراده بشرطهما)).
قلت: ويصدّق هذا قول أبي يعلى الخليلي في ترجمة العلاء هذا من ((الإرشاد)) (١/
٢١٨ - ٢١٩) :
((مختلف فيه؛ لأنه يتفرَّدُ بأحاديثَ لا يُتَابَعُ عليها، كحديثٍ عن أبيه، عن أبي هريرة،
عن النبي ◌َّر: ((إذا كان النصف من شعبان فلا صومَ حتى رمضان)). وقد أخرج مسلمٌ
في ((الصحيح)) المشاهيرَ من حديثه، دون هذا، والشواذٌ)).
الشرط الخامس : أن تقع رواية رواةٍ هذا الحديث في ((الصحيحين)) قصدًا، لا عرضًا
أو اتفاقًا .
من ذلك: قال البخاري في ((المناقب)) من ((صحيحه)) (٦٣٢/٦ - فتح): ((حدثنا علي
ابن عبد اللَّه : أخبرنا سفيان: حدثنا شبيب بن غرقدة، قال: سمعت الحيَّ يتحدثون
عن عروة؛ أن النبي ◌َّل﴿ أعطاه دينارًا يشتري له به شاةً، فاشترى له به شاتين، فباع
إحداهما بدينارٍ ، فجاء بدينارٍ وشاةٍ، فدعا له بالبركة في بيعهِ، وكان لو اشترى التراب
لربح فيه .
قال سفيان: كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث، عنه - يعني : عن شبيبٍ .
قال : سمعهُ شبيبٌ من عروةَ، فأتيتُه، فقال شبيبٌ: إني لم أسمعه من عروة، قال :
سمعت الحيَّ يخبرونه عنه، ولكن سمعته يقول: سمعت النبي وَلو يقول: ((الخيرُ
معقودٌ بنواصي الخيل إلى يوم القيامة)) قال: وقد رأيت في دارِهِ سبعين فرسًا)) اهـ.
قال الحافظ في ((مقدمة الفتح)) (ص ٣٩٧):
«فهذا . كما ترى - لم يقصد البخاريُّ الرّواية عن الحسن بن عمارةً، ولا الاستشهاد
به ، بل أراد بسياقِهِ أن يُبين أنه لم يحفظ الإسناد الذي حدثه به عروة، وممًّا يدل على
أن البخاري لم يقصد تخريجَ الحديث الأول أنه أخرج هذا في أثناء أحاديث عدَّةٍ في =

١٨٤
النوع الأول
• تتمة :
ألف الحازمي كتابًا في ((شروط الأئمة)) ذكرَ فيه شرطَ الشيخين
وغيرهما، فقال(١) : مذهبُ مَن يخرُج الصحيحَ أن يعتبرَ حالَ الراوي
العَدلِ في مشايخه، وفيمن روى عنهم وهُم ثقاتٌ أيضًا، وحديثُه عن
بعضِهم صحيحٌ ثابتٌ يلزمه إخراجُه، وعن بعضهم مدخولٌ لا يصلحُ
إخراجُه إلا في الشواهد والمتابعاتِ، وهذا بابٌ فيه غموض، وطريقه
معرفةُ طبقاتِ الرواة عن راوي الأصل ومراتبٍ مدارٍكهم .
ولنوضح ذلك بمثال : وهو أن تعلمَ أنَّ أصحابَ الزهريِّ - مثلًا -
على خَمس طبقاتٍ، ولكلِّ طبقةٍ منها مَزِيَّةٌ على التي تَليها وتَفاوتٌ .
فمَن كان في الطبقة الأولى فهي الغايةُ في الصحة، وهو غاية قصدٍ
البخاريِّ ؛ كمالكِ، وابنٍ عُبينة، ويونسَ وعقيلٍ الأيليين، وجماعة .
والثانيةُ: شاركت الأُولى في العدالةِ، غيرَ أنَّ الأولى جمعت بين
الحفظِ والإتقانِ وبين طولِ المُلازمةِ للزهريِّ ، حتى كان منهم مَن يزامله
في السفرِ، ويُلازمُه في الحضرِ، كالليثِ بن سعدٍ، والأوزاعيِّ،
والنعمانِ بنِ راشدٍ .
= فضلِ الخيلِ، وقد بالغ أبو الحسن ابن القطان في كتاب ((بيان الوهم)) في الإنكار على
من زعم أن البخاري أخرج حديث شراءِ الشاةِ، قال: ((وإنما أخرج حديث الخيلِ ،
فانجرَّ به سياقُ القصةِ إلى تخريجِ حديث الشاةِ))، وهذا ما قلناه، وهو لائحٌ لا خفاء
به. والله الموفق)) .
وراجع: ((الفتح)) (٦٣٥/٦) أيضًا .
(١) (ص : ٥٦).

١٨٥
الصحيح
والثانيةُ لم تلازم الزهري إلا مدةً يسيرةً، فلم تمارس حديثَه ، وكانوا
في الإتقان دُون الطبقةِ الأولى، كجعفر بن برقان، وسُفيان بن حُسينٍ
السلمي، وزَمعة بن صالحِ المكِّي، وهُم شرطُ مُسلمٍ .
والثالثة : جماعةٌ لزموا الزهريَّ مِثل أهلِ الطبقةِ الأُولى، غيرَ أنهم لم
يَسلموا من غوائلِ الجرحِ، فهم بين الردِّ والقَبولِ، كمُعاويةً بن يحيى
الصَّدفي، وإسحاقَ بنِ يحيى الكلبي، والمثنى بنِ الصباح، وهُم على
شرطٍ أبي داود والنسائي .
والرابعةُ : قومٌ شاركوا الثالثةَ في الجرح والتعديلِ، وتفرَّدوا بقلةٍ
ممارستهم لحديثِ الزهريِّ؛ لأنهم لم يُلازموه كثيرًا، وهُم شرطُ
الترمذي .
والخامسةُ : نفرٌ مِن الضعفاءِ والمجهولين لا يَجوزُ لمن يُخَرِّجُ الحديثَ
على الأبوابِ أن يخرجَ حديثَهم، إلا على سبيلِ الاعتبارِ والاستشهادِ،
عند أبي داود فمن دونه، فأمَّا عند الشيخين فلا .
وَإِذَا قَالُوا: صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى صِحَّتِهِ - فَمُرَادُهُم :
أَتَّفَاقُ الشَّيْخَيْنِ .
(وإذا قالوا: صحيحٌ متفقٌ عليه أو على صحتِهِ - فمرادُهم اتفاقُ
الشيخينِ) لا اتفاق الأمة .

١٨٦
النوع الأول
قال ابن الصلاح(١) : لَكن يلزمُ مِن اتفاقِهما اتفاقُ الأُمةِ عليه؛ لتلقّيهم
له بالقَبُولِ .
وذَكَرَ الشَّيْخُ أنَّ مَا رَوَيَاهُ أوْ أحَدُهُمَا فَهُو مَقْطُوعٌ بِصِخَّتِهِ،
والْعِلْمُ القَطْعِيُّ حَاصِلٌ فِيهِ، وخَالَفَهُ المُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ،
فَقَالُوا: يُفيدُ الظَّنَّ مَا لَمْ يَتَواتَزْ.
(وذَكَرَ الشيخُ) يعني ابنَ الصلاح(٢) (أَنَّ ما رَوَيَاه أو أحدُهما فهو
مقطوعٌ بصحتِه، والعلمُ القطعيُّ حاصلٌ فيه) .
قال : خلافًا لمن نَفى ذلك، مُحتجًّا بأنَّه لا يفيدُ إلا الظنَّ، وإنما تلقته
الأُمة بالقبُولِ؛ لأنَّه يجبُ عليهم العملُ بالظن، والظنُّ قد يخطئ.
قال : وقد كنتُ أَميلُ إلى هذا وأحسبه قويًّا، ثُم بَانَ لي أنَّ الذي
اخترناه أولًا هو الصحيحُ؛ لأنَّ ظَنَّ مَن هو معصومٌ مِن الخطإٍ لا يخطئ،
والأمةُ في إِجماعها معصومةٌ من الخطٍ، ولهذا كان الإجماعُ المبنيُّ على
الاجتهاد حُجةً مَقطوعًا بها .
وقد قال إمام الحرمين: لو حَلَفَ إنسانٌ بطلاق امرأتِه: ((أنَّ ما في
الصحيحين مما حَكَما بصحته مِن قول النبيِّ وَِّ)) لما ألزمتُه الطلاقَ؛
لإجماعِ عُلماءِ المسلمين علي صِحَّته(٣).
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ٤١).
(٣) ((النكت)) لابن حجر (٣٧٢/١).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص: ٤١ - ٤٢).

١٨٧
الصحيح
قال: وإن قال قائلٌ: إنَّه لا يحنثُ ولو لم يُجْمِع المسلمون على
صِحتهما؛ للشكّ في الحِنْثِ، فإنه لو حَلَف بذلك في حديثٍ ليس هذه
صفته لم يحنث، وإن كان رواته فُسَّاقًا .
فالجوابُ : أنَّ المضافَ إلى الإجماع هو القطعُ بعدم الحنثِ ظاهرًا
وباطنًا، وأمَّا عِندَ الشكِّ، فعدمُ الحنثِ محكومٌ به ظاهرًا مَع احتمالٍ
وجودِه باطنًا، حتى تستحب الرجعةُ .
قال المصنّف: (وخالفه المُحَقِّقونَ والأكثرونَ؛ فقالوا: يفيدُ الظَّنَّ
ما لم يتواتر) .
قال في ((شرح مسلم)) (١): لأنَّ ذلك شأن الآحاد، ولا فَرقَ في ذلك
بين الشيخين وغيرِهما، وتلقّي الأُمة بالقبولِ إنما أفَاد وجوبَ العملِ بما
فيهما مِن غير توقُّفٍ على النظرِ فيه، بخلافِ غيرهما، فلا يعمل به حتّى
يُنظر فيه ويوجدَ فيه شروط الصحيح، ولا يلزمُ مِن إجماع الأمة على
العملِ بما فيهما إجماعُهم على القَطعِ بأنَّه كلامُ النبيِّ ◌َِّ .
قال: وقد اشتدَّ إنكارُ ابن برهانٍ على مَن قال بما قاله الشيخُ، وبالغَ
في تغليطِه . انتهى .
وكذا عاب ابنُ عبد السلام على ابنِ الصلاح هذا القولَ، وقال : إنَّ
بعضَ المعتزلةِ يَرَونَ أنَّ الأُمة إذا عملت بحديثٍ اقتضى ذلك القطع
بصحته. قال : وهو مذهبٌ رديءٌ(٢) .
(١) (٢٠/١) .
(٢) كما في ((النكت)) لابن حجر (٣٧١/١).
٠,٠٠.٠٠٠
.. ⑈
:

١٨٨
النوع الأول
وقال البلقينيُّ(١): ما قالَه النوويُّ وابنُ عبد السلام ومَن تبعهما؛
ممنوعٌ، فقد نَقَلَ بعضُ الحفاظ المتأخّرين مثلَ قولِ ابن الصلاحِ عَن
جماعةٍ مِن الشافعيةِ، كأبي إسحاق وأبي حامد الإسفرائينيّيْنِ، والقاضي
أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق الشِّيرازي، وعن السَّرخَسِيِّ مِن
الحنفية، والقاضي عبد الوهاب مِن المالكية، وأبي يعلى،
وأبي الخطاب، وابنِ الزاغوني مِن الحنابلة، وابنِ فورك، وأكثرِ أهلِ
الكلام مِن الأشعرية، وأهلِ الحديث قَاطِبةً. ومذهبُ السلف عامةً :
[ أنهم يَقطعون بالحديثِ الذي تلقته الأمةُ بالقبول](٢) بل بالغ ابنُ طاهرٍ
المقدسي في ((صفة التصوف))، فألحقَ به ما كان على شرطهما وإن لم
يخرجاه .
وقال شيخ الإسلام (٣): ما ذكره النووي مُسلَّمٌ من جهة الأكثرين ، أمَّا
المُحقٌّقون فلا، فقد وافقَ ابنَ الصلاح أيضًا محققون .
وقال في ((شرح النُّخبة)) (٤): الخبرُ المُحتَفُّ بالقرائنِ يفيدُ العلمَ خِلافًا
لمن أبى ذلك .
قال : وهو أنواعٌ .
منها: ما أَخرَجه الشيخان في ((صحيحيهما)) ممَّا لم يبلغ التواتر، فإنَّه
(١) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ١٠١).
(٢) ليس في ((ص))، (م)، وأثبته من المطبوع .
(٣) ((النكت)) (٣٧١/١).
(٤) ((نزهة النظر)) (ص : ٧٣ - ٧٧) .

١٨٩
الصحيح
احتَفَّ به قرائنُ ؛ منها جَلالتُهما في هذا الشأنِ، وتقدُّمهما في تمييز (١)
الصحيح على غيرهما، وتلقّ العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقِّي
وحدَه أَقوى في إفادةِ العلم مِن مُجرَّد كثرةِ الطرقِ القاصرةِ عن التواترِ ، إلا
أنَّ هذا مختصِّ بما لم ينتقده أحدٌ من الحفاظِ [ مما في الكتابين](٢)،
وبما لم يقعِ التجاذبُ بين مدلوليه [ مما وقعَ في الكتابين ](٣) حيث
لا ترجيحَ، لاستحالة أن يُفيدَ المتناقضان العلمَ بصدقهما مِن غيرِ ترجيحٍ
لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماعُ حاصلٌ على تسليمٍ
صِحْتِهِ .
قال: وما قيل من أنهم إنَّما اتفقوا على وُجوبِ العملِ به لا على
صحته ممنوعٌ؛ لأنّهم اتَّفقوا على وجوبِ العملِ بكل ما صَحَّ ولو لم
يُخرِّجاه، فلم يبقَ للصحيحين في هذا مَزيَّةٌ، والإجماع حاصلٌ على أنَّ
لهما مَزِيَّةً فيما يرجعُ إلى نفسِ الصحة .
قال: ويَحتملُ أن يُقالَ: المزيةُ المذكورةُ كونُ أحاديثهما أصحّ
الصحيح .
قال : ومنها : المشهورُ إذا كانت له طرقٌ متباينةٌ سالمةٌ مِن ضَعفٍ
الرُّواةِ والعللِ، وممن صرَّح بإفادتهِ العلمَ [النظريّ] (٤) الأستاذُ
أبو منصور البغدادي .
(١) في ((م)): ((تميز)).
(٢) ليس في ((ص))، ((م)) والمثبت من المطبوع .
(٣) ليس في ((ص))، ((م)) والمثبت من المطبوع .
(٤) زيادة من المطبوع و((النزهة)) (ص٧٦) .