النص المفهرس

صفحات 181-200

١١٠
النوع الأول
الحسين بن عليٍّ عن أبيه عن جَدِّه عن عليٍّ، إذا كان الراوي عن جعفرٍ ثقةً .
هذه عبارةُ الحاكم، ووافقه مَن نقلها، وفيها نظرٌ؛ فإن الضميرَ في
جَدِّه إنْ عاد إلى جعفرٍ، فجدُّه عليٍّ لم يسمع مِن عليٍّ بن أبي طالب، أو
إلى مُحمدٍ ، فهو لم يسمع مِن الحسين .
وحكى الترمذي في ((الدعوات)) (١) عن سليمان بن داود، أنه قال في
رواية الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن عليٍّ: هذا الإسنادُ مِثلُ
الزهريِّ عن سالم عن أبيه .
ثم قال الحاكم (٢): وأصحُّ أسانيدِ أبي هريرةً: الزهري عن سعيد بن
المسيب عنه .
وروى قبلُ عن البخاريِّ: أبو الزناد عن الأعرج عنه (٣).
وحكى غيره عن ابن المديني (٤): مِن أصح الأسانيدِ : حماد بن زيد
عن أيوب عن محمدٍ بن سِيرين عن أبي هريرة .
قال: وأصحُّ أسانيدِ ابنِ عُمر : مالكٌ عن نافعٍ عنه .
وأصحّ أسانيدِ عائشةَ: عُبيد الله بن عُمر عن القاسم عنها .
قال ابن معين(٥): هذه ترجمةٌ مسبكةٌ بالذَّهب.
(٢) ((المعرفة)) (ص : ٥٥).
(١) ((الجامع)) عقب حديث (٣٤٢٣).
(٣) كما في ((المعرفة)) (ص : ٥٣).
(٤) كما في ((الكفاية)) للخطيب (ص : ٥٦٤).
(٥) كما في ((المعرفة)) (ص : ٥٥).

١١١
الصحيح
قال: ومِن أصحِّ الأسانيدِ أيضًا: الزّهري عن عروة بن الزبير عنها .
وقد تقدَّم عن الدارميِّ قولٌ آخَرُ .
وأصخُ أسانيدِ ابنِ مسعودٍ : سفيانُ الثوريُّ عن منصورٍ عن إبراهيمَ عن
علقمةَ عنه(١) .
وأصحُ أسانيدِ أنسٍ : مالكٌ عن الزهريِّ عنه(٢).
قال شيخُ الإسلام(٣): وهذا ممَّا يُنازَع فيه ؛ فإنَّ قتادةً وثابتًا البنانيَّ
أَعرَفُ بحديثٍ أنس من الزهري، ولهما من الرواة جماعة، فأثبتُ
أصحابِ ثابتٍ : حمادُ بن زيد، وقيل : حمادُ بن سلمة، وأثبتُ أصحابٍ
قتادَة : شعبةُ، وقيل : هشامُ الدَّستُوَائي .
وقال البزارُ(٤): روايةُ عليٍّ بنِ الحُسينِ بن عليٍّ عن سعيد بن المسيب
عن سعد بن أبي وقّاص أصحُ إسنادٍ يُروى عن سعد .
وقال أحمدُ بنُ صالح المصري(٥) : أثبتُ أسانيدِ أهلِ المدينةِ :
إسماعيل ابن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان عن أبي هريرة .
(١) كما في ((المعرفة)) (ص : ٥٥).
(٢) كما في ((المعرفة)) (ص: ٥٥).
(٣) ((النكت)) (٢٥٩/١).
(٤) ((مسند البزار)) عقب حديث (١٠٦٥).
(٥) نقله الحافظ عن ابن شاهين (تهذيب التهذيب)) (٢٨٩/١) ترجمة إسماعيل بن
أبي حکیم .

١١٢
النوع الأول
قال الحاكم (١): وأصحُّ أسانيدِ المكْيين: سفيانُ بنُ عُيينةً عن عَمرو
ابنِ دينارٍ عن جابرٍ .
وأصحُّ أسانيدِ اليمانيِّين: معمرٌ عن هَمَّام عن أبي هريرة .
وأثبتُ أسانيدِ المِصْريين : الليثُ بن سعدٍ ، عن يزيدِ بنِ أبي حبيبٍ عن
أبي الخير عن عُقبة بنِ عامٍ .
[ وأثبتُ أسانيدِ الخُراسانيين: الحسينُ بن واقدٍ عن عبدِ الله بن بُرَيدة
عن أبيه ] (٢) .
وأثبتُ أسانيدِ الشاميين : الأوزاعيُّ عن حسَّان بن عطيةَ عن الصحابة .
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ حجرٍ (٣): ورجّح بعضُ أئمتهم روايةَ سعيدِ بن
عبدِ العزيز عن ربيعةً بن يزيدَ عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذَرٍّ .
وقال عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ عن أبيه : ليس بالكوفة أصح مِن هذا
الإسناد : يحيى بنُ سعيدِ القطّانُ عن سُفيان الثوريّ عن سليمان التيميِّ عن
الحارث بن سويدٍ عن عليٍّ .
وكان جماعةٌ لا يُقدِّمون على حديثِ الحجازِ شيئًا، حتى قال مالكٌ :
إذا خرَج الحديثُ عن الحِجَازِ انقطعَ نُخاعُه (٤) .
(١) ((المعرفة)) (ص: ٥٥).
(٢) زيادة من ((م)).
(٣) ((النكت)) (٢٦٠/١).
(٤) ذكره ابن أبي حاتم في ((آداب الشافعي ومناقبه)) (ص: ٢٠٠).

١١٣
الصحيح
وقال الشافعيُّ (١): إذا لم يوجد للحديثِ في الحجازِ أصلّ ذهَب
نخاعه. حكاه الأنصاري في كتاب ((ذم الكلام)) .
وعنه أيضًا : كلُّ حديثٍ جاء مِن العراقِ وليس له أصلٌ في الحجاز فلا
تقبله وإنْ كان صحيحًا، ما أُرِيدُ إلا نصيحتَك .
وقال مِسعرٌ(٢) : قلتُ لحبيبٍ بن أبي ثابتٍ: أيُّما أَعلمُ بالسُّنة ، أهلُ
الحجاز أَم أهلُ العراقِ؟ فقال : بلْ أهلُ الحِجازِ .
وقال الزهريُّ : إذا سمعتَ بالحديثِ العراقيّ فَأَرْوِذْ به، ثم أَزْوِذْ به(٣) .
وقال طاوس: إذا حدَّثك العراقيُّ مائةَ حديثٍ، فاطْرخْ تسعةً
وتسعين .
وقال هشامُ بنُ عُروة (٤) : إذا حدَّثْك العراقيُّ بألفِ حديثٍ فألقٍ
تِسعَمائة وتسعينَ، وكُن مِن الباقي في شَكٍّ .
وقال الزهريُّ (٥) : إنَّ في حديثِ أهلِ الكوفةِ دَغَلًا كثيرًا .
(١) كما في ((الجامع)) للخطيب (٢٨٦/٢، ٢٨٧).
(٢) كما في ((العلل ومعرفة الرجال)) لأحمد (٦٠/٢)، و((التاريخ الصغير)) للبخاري
(٣١/٢) .
(٣) أي: تمهل ولا تسارع إلى قبوله. وفي ((اللسان)): ((الإرواد»: الإمهال، ولذلك قالوا
(رويدًا)) بدلًا من قولهم: ((إِزْوادًا)) التي بمعنى: ((أَزْوِذْ))، فكأنه تصغير الترخيم
بطرح جميع الزوائد .
(٤) كما في ((سؤالات البرذعي)) (٧٧٨/٢) بلفظ ((إذا حدثك العراقي بمائة حديث ... )).
(٥) ((الجامع)) للخطيب (٢٨٧/٢).

١١٤
النوع الأول
وقال ابنُ المباركِ : حديثُ أهلِ الحجاز (١) أصحُ، وإسنادُهم أقَربُ .
وقال الخطيبُ (٢): أصحُّ طُرقِ السُّنَنِ ما يرويه أهل الحَرَمَين - مكة
والمدينة . فإنَّ التدليسَ عنهم قليلٌ والكذِبَ ووَضعَ الحديثِ عندهم عزيزٌ .
ولأهل اليمن رواياتٌ جيدةٌ وطرقٌ صحيحةٌ إلَّا أنها قليلةٌ، ومَرجِعُها
إلى الحجازِ أيضًا .
ولأهلِ البصرةِ من السُّنن الثابتةِ بالأسانيدِ الواضحةِ ما ليس لغيرِهم مع
إكثارِهم .
والكوفيُّونَ مِثْلُهم في الكَثرةِ، غيرَ أنَّ رواياتِهم كثيرةُ الدَّغلِ ، قليلةُ
السلامةِ من العِلل .
وحديثُ الشاميين أكثرُه مراسيلُ ومقاطيعُ، وما اتَّصل منه مما أسنده
الثقاتُ فإنه صالحٌ، والغالبُ عليه ما يتعلَّق بالمواعظ .
وقال ابنُ تيمية(٣) : اتفقَ أهلُ العلم بالحديثِ على أنَّ أصحَّ
الأحاديثِ : ما رواه أهلُ المدينةِ، ثم أهلُ البصرةِ، ثم أهلُ الشام .
الرابع : قال أبو بكر البردِيجي (٤): أجمعَ أهلُ النقل على صحةٍ
حديثٍ الزهري عن سالم عن أبيه، وعن سعيد بن المسيب عن
(١) في ((م): ((المدينة)).
(٢) ((الجامع)) (٢٨٦/٢ - ٢٨٧).
(٣) ((مجموع الفتاوى)) (٣١٦/٢٠).
(٤) كما في ((النكت)) لابن حجر (٢٦١/١ - ٢٦٢).

١١٥
الصحيح
أبي هريرة، مِن رواية مالكِ وابن عيينةً ومعمرٍ والزبيديِّ وعقيلٍ، ما لم
يختلفوا، فإذا اختلفوا توقف فيه .
قال شيخ الإسلام : وقضيةُ ذلك أن يَجري هذا الشرطُ في جميع ما
تَقدَّم، فيقال: إنما يوصفُ بالأصحيةِ حيث لا يكون هناك مانعٌ مِن
اضطرابٍ أو شُذوذٍ .
● فوائد:
الأُولى: تقدَّم عن أحمدَ أنَّه سمع ((الموطأ)) مِن الشافعيِّ، وفيه مِن
روايته عن نافع عن ابن عُمر العددُ الكثيرُ، ولم يتّصل لنا منه إلا ما تقدَّم .
قال شيخُ الإسلام في ((أماليه)): لعلَّه لم يحدِّث به، أو حدَّث به
وانقطع .
الثانية : جمَع الحافظُ أبو الفضل العراقي في الأحاديثِ التي وقعت في
((المسند)) لأحمد و((الموطٍ)) بالتراجم الخمسة التي حكاها المصنّفُ،
وهي المطلقة، وبالتراجم التي حكاها الحاكم، وهي المقيَّدة، ورتبها
على أبواب الفقه وسمَّاها: ((تقريب الأسانيد)).
قال شيخ الإسلام : وقد أخلى كثيرًا من الأبواب؛ لكونه لم يجد فيها
بتلكَ الشريطةِ، وفاته أيضًا جملةٌ من الأحاديثِ على شرطه؛ لكونه تقيّد
بالكتابين للغرضِ الذي أراده مِن كونِ الأحاديث المذكورةِ تصيرُ متصلة
الإسنادِ مع الاختصارِ البالغِ .

١١٦
النوع الأول
قال: ولو قُدِّر أن يتفرغَ عارفٌ لجمع (١) الأحاديث الواردةِ بجميع
التراجم المذكورةِ من غير تقييدٍ بكتابٍ، ويَضُم إليها التراجمَ المزيدةَ
عليه، لجاء كتابًا حافلًا حاويًا لأصحِّ الصحيح .
الثالثة : ممَّا يُناسِب هذه المسألةَ : أصحُ الأحاديثِ المقيَّدة ؛ كقولهم :
((أصحُّ شيءٍ في الباب كذا))، وهذا يوجد في ((جامع الترمذي)) كثيرًا،
وفي ((تاريخ البخاري))، وغيرهما .
وقال المصنف في ((الأذكار))(٢): لا يلزمُ مِن هذه العبارة صحةُ
الحديث ؛ فإنهم يقولون : هذا أصحُ ما جاء في الباب وإن كان ضعيفًا،
ومرادُهم : أرجحه، أو أقلُّه ضعفًا .
ذكَر ذلك عقب قول الدارقطني : أصحُّ شيءٍ في فضائل السور : فَضلُ
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ﴾ [الإخلاص: ١]، وأصح شيء في فضائل الصلوات :
فَضلُ صلاةِ التسبيح .
ومن ذلك: أصح مُسَلْسَلٍ ، وسيأتي في نوعِ المسلسلِ .
الرابعة: ذكّر الحاكمُ (٣) هنا والبلقينيُّ في ((محاسنِ الاصطلاح)) (٤)
أوهى الأسانيدِ، مقابلة لأصحّ الأسانيد، وذكره في نوع الضعيف أليقُ ،
وسيأتي إن شاء الله تعالى.
(١) في ((ص)): ((بجميع)).
(٣) ((المعرفة)) (ص : ٥٦ - ٥٨).
(٢) (ص : ٣٠٨).
(٤) (ص : ٨٨).

١١٧
الصحيح
الثَّانِيَةُ: أوَّلُ مُصَنَّفٍ فِي الصَّحِيحِ المُجَرَّدِ صَحِيحُ البُخَارِيِّ، ثُمَّ
مُشْلِم .
(الثانيةُ) من مسائل الصحيح (أَوَّلُ مُصَنَّفِ في الصحيحِ المجرَّدِ
صحيحُ) الإمام محمد بن إسماعيل (البخاريِّ) .
والسببُ في ذلك: ما رواه عنه إبراهيمُ بن معقلِ النسفيُّ، قال : كُنا
عند إسحاق بن راهويه فقال : لو جَمعتُم كتابًا مختصَرًا لصحيح سُنة النبيِّ
وَثّر. قال: فوقَع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمع (( الجامعِ
(١)
الصحيح))(١) .
وعنه أيضًا قال: رأيتُ النبيَّ ◌ََِّ، وكأنِّي واقفٌ بين يديه وبيدي
مِروَحَةٌ أَذُبُّ عنه، فسألتُ بعض المعبّرين، فقال لي : أنتَ تذبُّ عَنه
الكَذِبَ. فهو الذي حَملني على إخراجِ ((الجامع الصحيح)). قال: وألَّفْتُه
في بِضعَ عشرةَ سنة (٢).
وقد كانت الكتب قبلَه مجموعةً ممزوجًا فيها الصحيح بغيرهِ، وكانت
الآثارُ في عصر الصحابةِ وكبارِ التابعين غيرَ مدونةٍ ولا مرتبةً ؛ لِسَيَلان
أذهانهم وسعة حفظهم، ولأنهم كانوا نُهوا أَوَّلًا عن كتابتها . كما ثبت في
((صحيح مسلم)) - خشيةً اختلاطها بالقرآن، ولأن أكثرَهم كان لا يُحسن
(١) انظر ((تهذيب الكمال)) (٤٤٢/٢٤)، ((تاريخ بغداد)) (٨/٢)، مقدمة (( الفتح))
(١ / ٧) .
(٢) انظر ((تغليق التعليق)) (٤٢٠/٥)، ومقدمة ((الفتح)) (٧/١).

١١٨
النوع الأول
الكتابةَ ، فلما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداعُ من الخوارجِ
والروافضِ، دُوِّنت ممزوجةٌ بأقوالِ الصحابة وفتاوى التابعين وغيرهم .
فأوَّلُ مَن جمع ذلك: ابنُ جريج بمكة، وابنُ إسحاق أو مالكٌ
بالمدينة، والربيعُ بن صَبِيح أو سعيدُ بن أبي عَرُوبة أو حمادُ بنُ سلمة
بالبصرة، وسفيانُ الثوريُّ بالكوفة ، والأوزاعيُّ بالشام، وهُشيمٌ بواسطٍ ،
ومَعمرٌ باليمن، وجريرُ بنُ عبد الحميد بالرَّيِّ، وابنُ المبارك بخُراسان .
قال العراقيُّ وابنُ حجرٍ (١) : وكان هؤلاء في عصرٍ واحدٍ ، فلا ندري
أَيُّهم سَبَقَ .
وقد صنّف ابن أبي ذئب بالمدينة موطأً أكبر مِن ((موطٍ مالك)) حتى
قِيل لمالك : ما الفائدةُ في تصنيفك؟ قال: ما كان لله بَقِي .
قال شيخُ الإسلامِ(٢): وهذا بِالنّسبة إلى الجَمعِ للأبواب، أمَّا جمعُ
حديثٍ إلى مِثْله في بابٍ واحدٍ فقد سبَق إليه الشَّعبيُّ ؛ فإنه رُوي عنه أنه
قال (٣): هذا بابٌ من الطلاق جسيمٌ، وساقَ فيه أحاديثَ .
ثم تلا المذكورين كثيرٌ من أهل عصرهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة أن
تُفْرَدَ أحاديثُ النبيِّ وَّر خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنّف
عُبيد اللَّه بن موسى العَبْسي الكُوفي مسندًا، وصنَّف مسدَّدُ البصريُّ
(١) كما في ((التبصرة)) (٥١/١)، و((هدي الساري)) (ص: ٦).
(٢) ((هدي الساري)) (ص: ٦).
(٣) كما في ((المحدث الفاصل)) (ص: ٦٠٩)، و((الجامع)) للخطيب (٢٨٥/٢)،
و ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١٧٥/٤).

١١٩
الصحيح
مسندًا، وصنَّف أَسدُ بنُ موسى الأُموي مُسنَدًا، وصنَّف نعيمُ بن حمادٍ
الخزاعيُّ المصريُّ مُسندًا، ثم اقتفى الأئمةُ آثارَهم، فَقَلَّ إمامٌ مِن الحُفَّاظ
إلا و[قد ](١) صنّف حديثَه على المسانيد، كأحمدَ بن حنبلٍ، وإسحاقَ
ابنِ راهويه، وعثمانَ بن أبي شيبة، وغَيرِهم . انتهى .
قلتُ : وهؤلاء المذكورون في أول مَن جمع، كلهم (٢) في أثناء المائة
الثّانية ، وأما ابتداءُ تدوين الحديثِ، فإنَّه وقَع على رأسِ المائة ، في خلافة
عمر بن عبد العزيز بأمره؛ ففي ((صحيح البخاري)) (٣) في أبواب العلم:
وكَتَب عمرُ بن عبد العزيز إلي أبي بكر بن حزم : انظر ما كان مِن حديثٍ
رسول اللَّه ◌َ لّ فاكتُبه؛ فإني خِفتُ دروسَ العلم وذَهابَ العُلماءِ.
وأخرجه أبو نُعيم في ((تاريخ أصبهان)» (٤) بلفظ: كتبَ عُمر بنُ
عبد العزيز إلى الآفاقِ: انظُروا حديثَ رسولِ اللَّه وَّ فاجمعوه.
قال في ((فتح الباري))(٥) يُستفادُ مِن هذا ابتداءُ تدوينِ الحديثِ
النبويٌ .
ثُمَّ أفاد أنَّ أوَّل مَن دوَّنه بأمرٍ عمر بن عبد العزيز ابنُ شهاب الزهري .
تنبيه :
قول المصنف: ((المجرَّد)) زيادة على ابن الصلاح، احتَرَز بها عما
(١) زيادة من ((م)).
(٣) (٣٦/١) .
(٥) (١/ ١٩٤) .
(٢) في ((م)): ((كتبهم)).
(٤) (١/ ٣١٢) .

١٢٠
النوع الأول
اعتُرِض عليه بهِ، مِن أنَّ مالكًا أوَّل من صنف الصحيحَ ، وتلاه أحمدُ بن
حنبل ، وتلاه الدارميُّ .
قال العراقيُّ(١): والجوابُ أن مالكًا لم يُفرِد الصحيحَ ، بل أدخل فيه
المُرسَل والمنقطِعَ والبلاغاتِ، ومِن بلاغاته أحاديثُ لا تُعرف، كما ذكره
ابن عبد البر، فلم يُفردِ الصحيحَ إِذَا .
وقال مغلطاي (٢): لا يَحسُنُ هذا جوابًا، لوجودِ مِثلٍ ذلك في كتاب
البخاريِّ .
وقال شيخُ الإسلام(٣): كتابُ مالكٍ صحيحٌ عنده، وعند مَن يقلِّده ،
على ما اقتضاه نَظرُه من الاحتجاج بالمُرسَل والمنقطع وغيرهما، لا على
الشرطِ الذي تقدَّم التعريفُ به .
قال: والفَرقُ بين ما فيه مِن المُنقطِعِ وبين ما في ((البخاريِّ))، أن
الذي في ((الموطإِ)) هو كذلك مسموعٌ لمالك غالبًا، وهو حُجة عنده،
والذي في ((البخاري)) قد حذف إسناده عمدًا؛ لقصدِ التخفيفِ إن كان
ذَكَره في موضع آخرَ موصولًا ، أو لقصدِ التنويع إن كان على غيرِ شَرطِه،
ليخرجه عن موضوع كتابه، وإنَّما يذكر ما يذكر (٤) من ذلك تنبيهًا،
واستشهادًا، واستئناسًا، وتفسيرًا لبعضٍ آياتٍ، وغير ذلك مما سيأتي عِندَ
الكلام على التعليق .
(١) (التقييد والإيضاح)) (ص: ٢٥).
(٣) (النكت)) (٢٧٧/١ - ٢٧٨).
(٢) كما في ((النكت)) (٢٧٧/١ - ٢٧٨).
(٤) زيادة من (( م).

١٢١
الصحيح
فَظَهَر بهذا أنَّ الذي في ((البخاري)) لا يُخرجه عن كونه جرَّد فيه
الصحيحَ بخلافِ ((الموطإِ))، وأمَّا ما يتعلق بـ ((مسند أحمد)) و((الدارمي))
فسيأتي الكلامُ فيه في نوعِ الحسَنِ عند ذِكرِ المسانيدِ .
(ثُمَّ) تلا البخاريَّ في تصنيفِ الصحيحِ (مسلم) بنُ الحجّاجِ،
تلميذُه .
وقال العراقي (١): وقد اعتُرض هذا بقولِ أبي الفضل أحمد بن
سَلمة : كنتُ مع مسلم بن الحجاج في تأليفِ هذا الكتاب سَنة خمس
ومائتين .
وهذا تصحيفٌ؛ إنَّما هو ((خَمسين)) بزيادةِ الياءِ والنون؛ لأن في سنة
خَمسٍ كان عُمرُ مُسلمٍ سَنَةً، بل لم يكنِ البخاري صنَّف إذ ذاك، فإنَّ
مے
مولده سَنة أربع وتسعين ومائة .
وَهُمَا أصَحُّ الكُتُبِ بَعْدَ القُرْآنِ، والبُخَارِيُّ أُصَخُّهُمَا،
وأَكْثَرُهُمَا فَوَائِدَ، وَقِيلَ: مُسْلِمْ أَصَحُّ. والصَّوابُ الأوَّلُ،
وَاخْتَصَّ مُسْلِمٌ بِجَمْعِ طُرْقِ الحَدِيثِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ .
(وهُما أَصَحُ الكتبِ بعدَ القرآنِ) العزيز. قال ابن الصلاح(٢): وأمَّا
ما رويناه عن الشافعيِّ من أنه قال: ما أعلمُ في الأرض كتابًا أكثرَ صوابًا
(١) ((التقييد)) (ص : ٢٥).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص : ٢٥).

١٢٢
النوع الأول
من كتابٍ مالكٍ. وفي لفظٍ عنه: ما بعدَ كتابِ اللَّهِ أصحُ مِن «موطٍ
مالكِ))؛ فذلك قَبل وُجودِ الكتابين .
(والبخاريُّ أَصَحُهما) أي المُتَّصلُ فيه (١) دُون التعاليق(٢) والتراجم .
(وأكثرُهما فَوائِدَ) لما فيه مِن الاستنباطاتِ الفقهيةِ، والنُّكتِ الحكمية،
وغير ذلك .
(وقِيلَ: مسلمٌ أَصَحُ . والصوابُ الأولُ) وعليه الجمهور ؛ لأنَّهُ أشدُّ
اتصالًا، وأتقنُ رجالًا .
• وبيانُ(٣) ذلك من وجوه:
أحدها : أنَّ الذين (٤) انفرد البخاريُّ بالإخراجِ لهم دُون مسلم أربعمائةٍ
وبضعةٌ وثلاثون(٥) رجلًا، المُتكلّم فيهم بالضعف منهم ثمانون رجلاً،
والذين انفرد مسلمٌ بالإخراج لهم دُون البخاري ستُّمائةٍ وعشرون،
المتكلّم فيهم بالضعف منهم مائةٌ وستون .
ولا شكَّ أن التخريج عمَّن لم يُتكلّم فيه أصلًا أولى من التخريج عمَّن
تُكُلِّم فيه، وإن لم یکن ذلك الكلام قادحًا .
ثانيها : أنَّ الذين انفرد بهم البخاريُّ ممَّن تُكلِّم فيه لم يُكثِر مِن تخريج
(١) في ((ص): (( به)) .
(٢) في ((ص)) و((م)): ((التعليق))، والمثبت أشبه .
(٣) في ((ص)): ((وبين)).
(٤) في ((ص)): ((الذي)).
(٥) في ((ص)): ((ثمانون))، وهو خطأ. راجع: ((النكت)) لابن حجر (٢٨٦/١).

١٢٣
الصحيح
أحاديثهم، وليس لواحدٍ منهم نسخةٌ كبيرةٌ(١) أخرجها كلها أو أكثرها، إلا
ترجمة عكرمة عن ابنِ عباس، بخلافِ مُسلم، فإنه أخرج أكثرَ تلك
التُّسَخ ؛ كأبي الزبير عن جابرٍ ، وسُهيل عن أبيه، والعَلاء بن عبد الرحمن
عن أبيه، وحماد بن سلمة عن ثابت، وغير ذلك.
ثالثها : أنَّ الذين انفرد بهم البخاريُّ ممَّن تُكلِّم فيهم أكثرُهم من
شيوخِه الذين لَقِيهم وجالَسهم، وَعَرف أحوالَهم، واطّلع على أحاديثهم ،
وعَرَفَ جَيْدَها مِن غيرِه، بخلاف مُسلم؛ فإنَّ أكثرَ مَن تفرَّد بتخريج حديثهِ
ممَّن تُكلّم فيه، ممن تقدَّم عن عصرهً من التابعين فَمَن بَعدَهم .
ولا شكَّ أن المُحدِّثَ أعرفُ بحديثٍ شيوخه، [ وبصحيح حديثهم
مِن ضعيفِه](٢) ممّن تقدَّم عنهم .
رابعها : أنَّ البخاري يُخرِّجُ عن الطبقةِ الأُولى البالغةِ في الحفظِ
والإتقانِ، ويخرج عن طبقةٍ تليها في التثبتِ وطولِ الملازمة انتقاءً(٣)
وتعليقًا، ومسلمٌ يخرُجُ عن هذه الطبقة أُصولًا كما قرَّره الحازمي (٤) .
خامسها: أنَّ مسلمًا يَرى أن للمُعَنعن حُكمَ الاتصالِ إذا تعاصَرا وإن
لم يثبت اللُّقِيُّ، والبخاريُّ لا يرى ذلك حتى يثبتَ - كما سيأتي - ورُبما
أخرج الحديثَ الذي لا تعلُّقَ له بالباب أصلًا، إلا ليبيِّن سماعَ راوٍ مِن
شيخِه، لكونه أخرج له قبل ذلك مُعنعَنًا .
(١) في ((ص)) و((م)): ((كثيرة)). والمثبت أشبه. راجع: ((النكت)) (٢٨٧/١).
(٢) زيادة من المطبوع و((النكت)) (٢٨٨/١).
(٣) في المطبوع: ((اتصالًا))، وهو تحريف .
(٤) كما في ((شروط الأئمة الخمسة)) (ص : ٥٧ - ٦١).

١٢٤
النوع الأول
سادسها : أنَّ الأحاديثَ التي انتُقِدت عليهما نحو مائتي حديثٍ وعشرةٍ
أحاديث - كما سيأتي أيضًا - اختص البخاري منها بأقلَّ مِن ثمانين،
ولا شك أن ما قلَّ الانتقادُ فيه أرجحُ مما كثر.
وقال المصنف في ((شرح البخاري)) (١): مِن أخصِّ ما يُرجَّحُ به كتابُ
البخاري اتفاقُ العُلماءِ على أنَّ البخاريَّ أجَلُّ مِن مسلم، وأصدقُ بمعرفةٍ
الحديثِ ودقائقِه، وقد انتَخَبَ عِلمَه، ولخَّصَ ما ارتضاه في هذا الكتابِ .
وقال شيخ الإسلام (٢): اتَّفق العلماءُ على أنَّ البخاري أجلُّ مِن مسلم
في العلوم، وأعرفُ بصناعةِ الحديث ، وأنَّ مسلمًا تلميذُهُ وخِرِيجُه، ولم
يزل يستفيدُ منه، ويتبع آثارَه، حتى قال الدار قطني : لولا البخاريُّ ما راح
مسلمٌ ولا جاء .
• تنبيه :
عبارة ابن الصلاح(٣): وروينا عن أبي علي النَّيسابوريَّ شيخ الحاكم
أنه قال : ما تحتَ أديم السماءِ كتابٌ أصحُ مِن كتابٍ مُسلمٍ .
فهذا - وقولُ مَن فضَّل مِن شيوخ المغربِ كتابَ مسلم على كتابٍ
البُخاري - إن كان المراد به أنَّ كتاب مسلم يَترجَّحُ بأنه لم يُمازجه غيرُ
الصحيحِ، فإنَّه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيح مسرودًا غيرَ
ممزوج بِمثلِ ما في كتابِ البخاريِّ، فهذا لا بأسَ به، ولا يلزمُ منه أن
(١) (١/ ٧) .
(٣) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٦).
(٢) ((النكت)) (٢٨٦/١ - ٢٨٩).

١٢٥
الصحيح
كتابَ مسلم أرجحُ فيما يرجع إلى نَفسِ الصحيح، وإن كان المرادُ أنَّ
كتابَ مسلم أصحُ صحيحًا، فهو مردودٌ على مَن يقوله. انتهى .
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ حجرٍ (١): قول أَبي عليٍّ ليس فيه ما يقتضي
تصريحَه بأنَّ كتابَ مسلم أصحُ من كتابِ البخاريِّ، خلافَ ما يقتضيه
إطلاقُ الشيخ محيي الدين في ((مختصره)) وفي ((مقدمة شرح البخاري))
له، وإنما يقتضي نفيَ الأصحيّةِ عن غيرِ كتاب مسلم عليه، أمَّا إثباتها له
فلا؛ لأنَّ إطلاقه يَحتملُ أن يريدَ ذلك، ويَحتمل أن يريدَ المساواةَ، كما
في حديث: «مَا أَظَلَّتِ الخَضِرَاءُ ولا أَقَلَّتِ الغَبراءُ أَصَدِقَ لَهجةٌ مِن أَبِي ذَرْ)) .
فهذا لا يقتضى أنَّه أصدقُ من جميع الصحابةِ، ولا مِن الصِّدِيق، بل نَفَى
أن يكون فيهم أصدَق مِنه، فيكون فيهم مَن يُساويه .
ومما يدلُّ على أن عُرفَهم في ذلك الزمان ماشٍ على قانونِ اللُّغة ، أنَّ
أحمد بن حنبل قال: ما بالبصرةِ أعلمُ - أو قال : أثبتُ . مِن بشرِ بن
المفضَّل، أما مِثْلُه فَعَسَى (٢) .
قال : و[ مع ] (٣) احتمالِ كلامِه ذلك فهو منفردٌ به، سواء قصدَ
الأولَ أم الثاني .
(١) ((النكت)) (٢٨٤/١).
(٢) هذا اللفظ قاله الإمام أحمد في ترجمة هشام الدستوائي ((تذكرة الحفاظ)) (١٦٤/١)،
و(تهذيب التهذيب)) (١١ / ٤٠). وفي ترجمة بشر بن المفضل، قال الإمام أحمد: إلى
بشر المنتهى في التثبت بالبصرة. ((تهذيب الكمال)) (١٥٠/٤)، ((السير)) (٣٧/٩).
(٣) سقط من ((ص)) .

١٢٦
النوع الأول
قال : وقد رأيتُ في كلام الحافظِ أبي سعيدِ العلائيِّ ما يُشعِرُ بأنَّ
أبا عليٍّ لم يقف على ((صحيح البخاري)). قال(١): وهذا عندي بعيدٌ ؛
فقد صحَّ عن بَلَدِيُّه وشيخِه أبي بكر ابن خزيمة أنه قال : ما في هذه الكُتب
كلّها أجودُ مِن كتاب محمد بن إسماعيل. وصحَّ عن بَلَدِيُّه ورفيقهِ
أبي عبد الله ابن الأخرم أنه قال(٢): قَلَّمَا يفوتُ البخاريَّ ومسلمًا مِن
الصحيحِ .
قال : والذي يظهرُ لي مِن كلام أبي عليّ أنه قدَّم ((صحيح مسلم))
لمعنّى آخر غير ما يرجعُ إلى ما نحن بصددِه مِن الشرائطِ المطلوبةِ في
الصحةِ ؛ بل لأنَّ مسلمًا صنّف کتابه في بلده بحضور أصوله في حیاةِ کثیرٍ
من مشايخه، فكان يتحرَّزُ في الألفاظِ ويتحرَّى في السياق ، بخلافٍ
البخاريِّ، فَربما كتَب الحديثَ مِن حِفظه، ولم يميز ألفاظَ رواته، ولهذا
ربما يَعْرِضُ له الشك، وقد صحَّ عنه أنه قال(٣) : رُبَّ حديثٍ سمعتُه
بالبصرة فكتبتُه بالشام. ولم يتصدَّ مسلمٌ لما تصدَّى له البخاريُّ، من
استنباطِ الأحكام، وتَقطيعِ الأحاديثِ، ولم يخرِّجِ الموقوفاتِ .
قال (٤): وأمَّا ما نقَله عَن بعض شيوخ المغاربة، فلا يُحفظ عن أحدٍ
منهم تقييدُ الأفضليةِ بالأصحيَّةِ، بل أطلقَ بعضُهم الأفضليَّةَ، فحكَى
القاضي عياضٌ عن أبي مروان الطَّبنِيِّ - بضم المهملة وسكون الموحدة ثم
(١) كما في ((النكت)) (٢٨٥/١).
(٢) كما في ((تاريخ بغداد)) (١٠٢/١٣).
(٣) كما في ((تاريخ بغداد)» (١١/٢)، و((هدي الساري)) (ص: ٤٨٧).
(٤) كما في ((هدي الساري)) (ص: ١٢ - ١٣).
جمبرجينيسسسـ

١٢٧
الصحيح
نُون - قال: كان بعضُ شيوخي يُفضِّل ((صحيح مسلم)) على ((صحيح
البخاري)). قال : وأظنه عَنَى ابنَ حزم .
فقد حَكَى القاسمُ التجيبي في ((فهرسته)) عَنه ذلك. قال: لأنَّه ليس
فيه بعدَ الخطبةِ إلا الحديث السرد .
وقال مسلمةُ بنُ قاسم القرطبيُّ . [ من أقران الدارقطني](١) .: لم
يَصنع أحدٌ مِثل ((صحيح مسلم)) (٢) .
وهذا في حُسن الوضع، وجودة الترتيب لا في الصِّحة .
ولهذا؛ أشار المصنّف حيث قال مِن زياداته على ابن الصلاح :
(واختصَّ مسلمٌ بجمع طُرقِ الحديثِ في مكانٍ واحدٍ) بأسانيدِهِ المتعددة
وألفاظه المختلفةِ، فسَهُل تناوله، بخلاف البخاريِّ، فإنه قَطَّعها في
الأبواب بسبب استنباطه الأحكام منها، وأورد كثيرًا منها في غير مَظنته .
قال شيخ الإسلام (٣): ولهذا نرى كثيرًا ممن صنَّف في الأحكام مِن
المغاربة يَعتمدُ على كتاب مسلم في سياقِ المُتُونِ دُون البخاري لتقطيعِهِ
لها .
قال : وإذا امتاز مسلمٌ بهذا، فَلِلبُخاري في مقابله مِنَ الفضلِ ما ضمَّنه
في أبوابه مِن التراجم التي حيّرت الأفكارَ، وما ذكره الإمامُ أبو محمد ابن
(١) زيادة من ((م)).
(٢) ((هدي الساري)) (ص: ١٣).
(٣) ((هدي الساري)) (ص: ١٣).

١٢٨
النوع الأول
أبي جمرة عن بعض السادة قال: ما قُرِئ ((صحيحُ البخاري)) في شدَّةٍ إلا
فرجت، ولا رُكِبَ به في مَركَبٍ فغَرِق .
· فَوائدُ:
الأولى: قال ابن الملقن: رأيتُ بعض المتأخرين قال : إن الكتابين
سواءٌ. فهذا قولٌ ثالثٌ، وحكَاه الطوفي في ((شرح الأربعين))، ومالَ إليه
القُرطبيُّ .
الثانيةُ: قدَّم المصنفُ هذه المسألةَ، وأخَّر مسألةَ إمكان التصحيحِ في
هذه الأعصارِ ، عَكس ما صنعَ ابنُ الصلاحِ؛ لمناسبةٍ حسنةٍ ، وذلك أنه
لما كان الكلام في الصحيح ناسب أن يذكر الأصحَّ، فبدأ بأصحٌ
الأسانيدِ، ثم انتقل إلى أخصَّ منه وهو أصحُّ الكُتبِ .
الثالثةُ: ذكَر مسلم في ((مُقدمة صحيحه)) (١) أنَّ يقُسم الأحاديثَ ثلاثةً
قسام :
الأول: ما رواه الحُفَّاظُ المتقنون .
والثاني : ما رواه المستورون والمتوسِّطُون في الحِفظِ والإتقانِ .
والثالث : ما رواه الضعفاء والمتروكون .
وأنه إذا فرغ مِن القِسم الأوَّلِ أتبعه الثاني، وأمَّا الثالثُ فلا يعرج
عليه .
(١) (ص: ٣، ٤) .
. mIm IZ

١٢٩
الصحيح
فاختلفَ العلماءُ في مُرادِه بذلك :
فقال الحاكمُ والبيهقيُّ (١): إن المَنِيَّةَ اخترمتْ مسلمًا قبَل إخراج القسمِ
الثاني، وأنه إنَّما ذكَر القسمَ الأولَ .
قال القاضي عياضٌ (٢): وهذا ممَّا قَبِلَهُ الشيوخُ والناسُ مِن الحَاكم،
وتابعوه عليه .
قال: وليس الأمرُ كذلك، بل ذكر حديثَ الطبقةِ الأُولى، وأتَى
بأسانيدِ الثانيةِ على طريقِ المتابعةِ والاستشهادِ ، أو حيث لم يجد في الباب
مِن حديثِ الأُولى شَيْئًا، وأتَى بأحاديثِ طَبقةٍ ثالثةٍ ، وهُم أقوامٌ تَكلّم فيهم
قومٌ، وزكّاهم آخرون، [ ممن ضعف رواتهم ](٣) ببدعة، وطرح الرابعةَ
کما نصَّ عليه .
قال : والحاكم تأوَّل أنَّ مرادَه أن يفرد لكلِّ طبقةٍ كتابًا، ويأتي
بأحاديثها خاصَّةً مفردةً، وليس ذلك مُرادَه .
قال : وكذلك عللُ الحديثِ التي ذكَر أنَّه يأتي بها، قد وفَّى بها
في مواضِعها من الأبوابِ، من اختلافِهم في الأسانيدِ ؛ كالإرسالِ،
والإسنادِ، والزيادةِ، والنقصٍ، وتصاحيفِ المُصحّفين .
قال: ولا يُعترض على هذا بما قاله ابنُ سفيان صاحبُ مسلم: إن
(١) كما في ((صيانة صحيح مسلم)) (ص: ١٩)، و((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٣/١).
(٢) كما في ((صيانة صحيح مسلم)) (ص: ١٩)، و(شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٣/١).
(٣) سقط من ((ص)).