النص المفهرس
صفحات 101-120
٧٥ د 3 حـ فِي شَرْح تَقْرِيْبٍ التَّوَاوِي للحافظ أبي الفضل عبدالرحمن بنأبي بكر جلال الدين السيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ ) حَقَّقَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ أبو معاذ طارق بن عوض الدين محمد الجزء الَوَّلْ ٣٣ مقدمة السيوطي ـةٍ بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ أَ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه(١) الحمدُ لله الذي جعل أسبابَ من انقطعَ إليه موصولةً، ورفع مقامَ الواقف ببابه، وآتاه مُناه وسُوله، وأدرج في زُمرة أحبابه مَن لم تكن نفسه بزخارفِ المُبطلِين معلولةٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له ، شهادةً برداء الإخلاص مشمولةً، وللملكوتِ الأعلى صاعدةً مقبولةٌ ، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدُه ورسوله، الذي بلغ به (٢) من كمالٍ(٣) الدِّين مأموله، وآتاه جوامع الكلم، فنطق بجواهرِ الحِكم، وفاحت من حدائق أحاديثه في الخافقين شذًا أزهارها المَطْلولة، صلى اللَّه عليه وعلى آله وصَحبه ذَوي الأصولِ الكريمةِ والأمجادِ المأثولة . أما بعد : فإن علْمَ الحديث رفيعُ القذْر، عظيمُ الفخر، شريفُ الذُّكر، لا يعتني به إلا كل حَبْر، ولا يحرمه إلا كلُّ غَمْر، ولا تَفنى محاسنُه على ممرٌ الدهر . (١) ليس في ((ص))، وفي ((م): ((وبه ثقتي)). (٢) ليست في ((م)) . (٣) في ((م)): ((إكمال)). ٣٤ مقدمة السيوطي وكنت ممَّن عبر إلى لجة قاموسه حيث وقفَ غيري بشاطئِهِ، ولم أكتفٍ بوردِ مجاريه حتى بَقَرْتُ عن منبعه ومناشئه وقلتُ لمن على الراحة عوَّل ، متمثلًا بقولِ الأول : يَوْمًا على الأحسَابِ نَتَّكِلُ لسْنَا وإن كنّا ذَوي حسبٍ تَبني ونَفعل مِثل ما فَعلوا نَبني كما كانتْ أوائلُنا مع ما أمدَّني (١) اللَّه تعالى به من العلوم، كالتفسيرِ الذي به يطلع على فهم الكتاب (٢) العزيز، وعلومه التي (٣) دوَّنتها ولم أسبق إلى تحريرها الوجيزِ، والفقه الذي مَن جَهِله فأَنَّى له الرفعة والتمييز، واللغة التي عليها مَدارُ فَهْم السُّنة والقرآن، والنحو الذي يفتضح فاقده بكثرة الزلل ولا يصلحُ الحديثُ لِلَحَّان، إلى غيرِ ذلك من علوم المعاني والبيان، التي هي لبلاغةِ الكتابِ والحديثِ تِبيانٌ . وقد أَلَّفْتُ في كل ذلك مؤلفاتٍ ، وحررتُ فيها قواعدَ ومهماتٍ ، ولم أكن كغيري ممن يدَّعي الحديثَ بغير علم، وقُصارى أمرِه كثرةُ السماع على كل شيخ وعجوزٍ ، غيرَ مُلتفتٍ إلى معرفة ما يحتاج المحدث إليه (٤) أن يَحوزَ، ولا مكترث بالبحث عما يُمْنَع أو يجوز، ثم ظن الانفراد بجمع الكتب والضن بها على طلابها، فهو كمثل الحمارِ يحمل أسفارًا، عاريًا (١) في ((ص)): ((أدبني)). (٢) في ((م)): ((كتاب اللَّه)). (٣) في ((ص)): ((الذي)). (٤) في ((م): ((إليه المحدث)) . ٣٥ مقدمة السيوطي عن الانتفاع بِخِطابِها، إن سُئل عن مسألةٍ في المصطلح لم يهتدِ إلى جوابها، أو عَرَضتْ له مسألةٌ في دِينه لم يعرفْ خطأها من صوابها ، أو تلفَّظ بكلمةٍ من الحديثِ لم يأمن أن يَزِلَّ في إعرابها، فصارَ بذلك ضُحْكَةً للناظرين وهُزْأةً للساخرين، واللَّهُ تعالى حسبي وهو خيرُ الناصرين . هذا؛ وقد طالما قيدتُ في هذا الفن فوائدَ وزوائدَ ، وعلقتُ فيه نوادرَ وشواردَ، وكان يخطر ببالي جَمعُها في كتابٍ، ونظمُها في عقدٍ ، لينتفع بها الطلابُ، فرأيتُ كتابَ ((التقريب والتيسير)) لشيخ الإسلام الحافظ ولي اللَّه تعالى أبي زكريا [ يحيى ](١) النواوي، كتابًا جلَّ نفعه، وعلا قدرُه، وكثرت فوائدُه، وغزرت للطالبين موائدُه، وهو مع جلالته وجلالة صاحبِه وتطاول هذه الأزمان من حين وضعه لم يتصدَّ أحدٌ إلى وضعٍ شرحٍ عليه ، ولا الإنابة إليه . فقلتُ : لعلَّ ذلك فضلٌ ذَخَره اللَّه لمن يشاء من العبيدِ ، ولا يكون في الوجود إلا ما يُريد، فقوي العزمُ علی کتابة شرح علیه، کافِلٍ بإيضاح معانيه، وتحريرِ ألفاظه ومبانيه، مع ذكر ما بينه وبين أصله من التفاوت في زيادةٍ أو نقصٍ، أو إيرادٍ أو اعتراضٍ ، مع الجواب عنه إن كان ، مُضيفًا إليه زوائد عَلِيَّة ، وفوائد جليّة ، لا توجد مجموعةً في غيره، ولا سار أحدٌ قبْله كسيرِهِ، فشرعتُ في ذلك مستعينًا باللَّهِ تعالى، ومتوكلا عليه، وحبّذَا ذاك اتكالًا(٢)، وسميتُه: ((تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي)). (١) زيادة من ((م)). (٢) في ((م)): ((الاتكال)). ٣٦ مقدمة السيوطي وجعلتُه شرحًا لهذا الكتاب خُصوصًا، ثم لمختصر ابن الصلاح ولسائرٍ كُتب الفن عمومًا . والله أسأل أن يجعله خالصًا لوجْهه، فهو بإجابةِ السائل أخرى، وينفع به مؤلفَه وقارئَه في الدنيا والأُخرى (١). (١) فى ((م): ((الآخرة)). ٣٧ مقدمة السيوطي وهذه مقدّمة فيها فوائد : الأُولى : في حدٍّ علم الحديث وما يتبعه : قال ابنُ الأكفاني في كتاب ((إرشاد القاصد)) الذي تكلّم فيه على أنواع العلوم (١) : عِلم الحديث الخاص بالرواية: علمٌ يشتمل على نقلٍ أقوال النبي ◌َّ- وأفعاله، وروايتها(٢)، وضَبطِها وتحريرِ ألفاظها . وعِلمُ الحديث الخاص بالدراية : علمٌ يُعرَف منه حقيقةُ الرواية ، وشروطها، وأنواعها، وأحكامُها، وحالُ الرواة، وشروطهم، وأصناف المرويات، وما يتعلَّق بها(٣). انتهى . (١) ابن الأكفاني، هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ساعد، المتوفى سنة ٧٤٩هـ. وانظر: ((إرشاد القاصد)) (ص: ١٠٢ - ١٠٧). دكتور أحمد معبد . (٢) في ((م)): ((ورواتها)). (٣) هذا التفريق؛ لا يعرف عن الأئمة المتقدمين، فإن ((علم الرواية))، عندهم يدخل فيه ما يجعله ابن الأكفاني من ((علم الدراية)) وكله علم الحديث، و((علم النقل)) أيضًا. وقد سمى الخطيب البغدادي كتابه في علم الحديث بـ ((الكفاية في علم الرواية))، مع أن كتابه هذا يشتمل على ما يدخل تحت ((علم الدراية)) بحسب تقسيم ابن الأكفاني . ومن قبله القاضي الرامهرمزي، فقد عقد في كتابه ((المحدث الفاصل)) (ص٢٣٨) بابًا، فقال: ((القول في فضل من جمع بين الرواية والدراية))، ثم ساق رواياتٍ كثيرةً ، يدل مجموعها على مثل ما دلَّ عليه صنيع الخطيب في ((الكفاية)) والله أعلم . ٣٨ مقدمة السيوطي فحقيقةُ الروايةِ: نقْل السُّنة ونحوها، وإسنادُ ذلك إلى مَن عُزِيَ إليه [ بتحديثٍ](١) أو إخبارٍ أو غيرِ ذلك . وشروطها: تحمُّل راويها(٢) لما يرويه بنوع من أنواع التحمُّل؛ مِن سماعٍ أو عرضٍ أو إجازةٍ ونحوها . وأنواعها : الاتصالُ والانقطاعُ ونحوهما . وأحكامها : القبولُ والردُّ . وحالُ الرواةِ : العدالةُ والجرحُ . وشروطهم : في التحمُّل والأداء، كما سيأتي . وأصناف المرويات: المصنفات من المسانيد والمعاجم والأجزاءِ وغيرِها ، أحاديثَ وآثارًا وغيرهما . وما يتعلق بها : هو معرفةُ اصطلاح أهلِها . وقال الشیخُ عِزُّ الدين ابن جماعة : عِلمُ الحديث : علمٌ بقوانينَ يُعرفُ بها أحوالُ السندِ والمتنِ . وموضوعُه: السندُ والمتنُ . وغايته : معرفةُ الصحيح من غيره(٣) . (١) في ((م): ((بيان الحديث)) . (٢) في (م)): ((تحتمل رواتها)). (٣) قال المصنف في ((شرح ألفيته)): ((واعلم؛ أن هذه الغاية ليست هي الغاية المقصودة من كل علم شرعي، وهي الغاية الأخروية ، وإنما هذه الغاية هي التي تدرك في مبادئ العلوم، والتي الغاية الأخروية أثرها، أو لازمها)). ٣٩ مقدمة السيوطي وقال شيخُ الإسلام أبو الفضل ابنُ حجرٍ (١): أولى التعاريف له أن يُقال: معرفةُ القواعدِ المعرِّفة بحالِ الراوي والمرويِّ . قال: وإن شئتَ حذفتَ لفظ: ((معرفة)) فقلتَ: القواعد إلى آخِرِه . وقال الكِزْمانيُّ في ((شرح البخاريِّ)) (٢): واعلم أنَّ علم الحديث موضوعه ذاتُ رسولِ اللَّه وَلّل من حيث إنه رسول اللَّه. وحَدُّهُ: هو علمٌ يُعرَفُ به أقوالُ رسول اللَّهُ وَّهِ وأفعالُه وأحوالُه. وغايتُه: هو الفوزُ بسعادةِ الدَّارَيْنِ . وهذا الحدُّ - مع شمولِهِ لعلم الاستنباط - غيرُ محررٍ، ولم يزل شيخُنا العلّامة محيي الدين الكافيجي يتعجب من قوله : إن موضوع علم الحديث ذات الرسول، ويقول : هذا موضوعُ الطبِّ لا موضوعُ الحديثِ (٣). وأما ((السَّندُ))، فقال البدرُ ابن جماعة والطيبيُّ: هو الإخبار عن طريق (٤) المتن (٤) . (١) ((النكت على ابن الصلاح)) (٢٢٥/١). (٢) (١/ ١٢) . (٣) ((مختصر الكافيجي)) (ص: ١١٢) طبعة الرشد. دكتور أحمد معبد. (٤) ((المنهل الروي)) (ص: ٢٩ - ٣٠). وقال الحافظ ابن حجر في ((النزهة)) (ص: ٥٣): ((الإسناد: حكاية طريق المتن)). وهذا هو المعروف في تعريف ((السند)) وأما ما شاع واشتهر بين طلبة العلم، من أن السند: ((هو سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن))، فهذا تعريف غير صحيح . أولًا: لأن الإسناد يشتمل على جزأين: الرجال، وأدوات الأداء، وهذا التعريف لا يشمل الثاني . ٤٠ مقدمة السيوطي قال ابنُ جماعة: وأخْذُه إما مِن السَّند، وهو ما ارتفع وعلا عن سَفْح الجبل (١)، لأن المسنِدَ يرفعه إلى قائله، أو مِن قولهم: ((فلانٌ سَندٌ))، أي : معتمدٌ ، فسُمِّي الإخبارُ عن طريقِ المتن سندًا؛ لاعتماد الحُفاظ في صِحة الحديثِ وضعفه عليه . وأما الإسناد ؛ فهو رَفْعُ الحديثِ إلى قائله . قال الطيبيُّ: وهُما مُتقاربان(٢) في معنى اعتمادِ الحفاظ في صِحة الحدیث وضعفه عليهما . وقال ابنُ جَماعة: المُحدِّثون يستعملون السندَ والإسنادَ لشيءٍ واحدٍ (٣). = وإن قيل: إن وصفه بـ ((سلسلة)) يتضمن أدوات الأداء؛ لأنها هي التي تربط كل راوٍ بمن فوقه . قلت: وتتضمن أيضًا الاتصال، لأن السلسلة لا توصف بكونها ((سلسلة)) إلا إذا كانت متصلة الحلقات، وحيث ثبت ذلك، فليست كل الأسانيد متصلة - كما هو معلوم - فرجع التعريف إلى كونه غير جامع. والله أعلم . ثانيًا : أن هناك من الأسانيد ما تكون الواسطة في بعض طبقاتها من غير الرواة ، كما هو الحال فيما أخذ بالوجادة ، فإن الواسطة فيها تكون الكتاب، لا الرجال، ولهذا تجد المحدثين يقولون في مثل ذلك : ((رواه فلانٌ، عن كتاب فلانٍ، عن فلانٍ)) . راجع على سبيل المثال: كتاب ((أطراف الغرائب والأفراد)) لابن طاهرٍ المقدسي (ق ٢٣ /ب)، (ق ٢٥/ أ)، (ق ٢٦/ ب) . (١) في ((م)): ((من سفح الجبال)). (٢) في ((م)): ((متغايران)). (٣) كلام ابن جماعة هذا في ((المنهل الروي)) (ص ٢٩ . ٣٠) بتمامه، وهو صريح في أن السند والإسناد عند المحدثين واحدٌ، وإنما أراد بقوله السابق: ((وأما الإسناد فهو رفع الحديث إلى قائله)) بيان المعني اللغوي للإسناد فحسب، وأما من جهة الاصطلاح فلا فرق بينهما . والعجب من السيوطي، حيث نقل كلام ابن جماعة هنا بتمامه، ثم قال في ((الألفية)) : = ٤١ مقدمة السيوطي وأما ((المسنَدُ)) - بفتح النون - فله اعتباراتٌ: أحدُها : الحديث الآتي تعريفه في النوعِ الرابعِ من كلامِ المصنّف . الثاني : الكتاب الذي جمع فيه ما أسنده الصحابةُ ۔ أي : رَوَوہ ۔ فهو اسمُ مفعولٍ . الثالث : أن يُطَلق ويُراد به الإسنادُ، فيكون مصدرًا، كـ«مسند الشهاب))، و((مسند الفردوس))، أي: أسانيدُ أحاديثهما (١). وأما ((المتن))، فهو ألفاظ الحديث التي تتقوم بها المعاني ؛ قاله الطيبيُّ. وقال ابنُ جماعة (٢): هو ما ينتهي إليه غايةُ السندِ من الكلام، وأخْذُه إما من المُماتَنة، وهي المباعدةُ في الغاية لأن المتن غايةُ السند ، أو مِن ((متنتُ الكبشَ)): إذا شققت جلدة بيضته واستخرجتها، فكأنَّ المسنِدَ استخرج المتن بسندِه أو من المتنِ، وهو : ما صَلُبَ وارتفع مِن الأرضِ ، = والسند : الإخبار عن طريق متنٍ ؛ كالاسناد لدى فريق فكأنه فهم من قول ابن جماعة: ((وأما الإسناد ... ))، أنه يفرق بين الإسناد والسند، فذكر ((أن السند كالإسناد لدى فريق))، ومفهومه : أنهما يفترقان لدى فريق آخر ! وقد قلده في ذلك بعض من صنف في المصطلح من المعاصرين، فقال: ((الإسناد: له معنيان؛ (أ) عزو الحديث إلى قائله مسندًا. (ب) سلسلة الرجال الموصلة للمتن ؛ وهو بهذا المعنى مرادف للسند)) !! هذا؛ وقد سبق بيان ما يَرِد على تعريف الإسناد بـ ((سلسلة ... )). (١) وعلى هذا؛ يصح إطلاق ((المسند)) على كل كتاب يسند فيه مؤلفه الأحاديث بإسناده ، مهما كان ترتيبه . والله أعلم . (٢) ((المنهل الروي)) (ص: ٢٩). ٤٢ مقدمة السيوطي لأن المسنِدَ يقوِّيه بالسند ويرفعُه إلى قائله، أو مِن («تَمْتِينَ(١) القوس)) أي : شدها بالعصب، لأن المسنِدَ يقوي الحديثَ بسنده . وأما الحديثُ : فأصله ضد القديم، وقد استُعْمل في قليل الخبر و کثیره، لأنه يحدث شيئًا فشيئًا . وقال شيخُ الإسلام ابن حجر في ((شرح البخاري))(٢): المرادُ بالحديث في عُرف الشرع ما يضاف إلى النبي ◌َّرَ، وكأنه أُريد به مُقابلة القرآنِ لأنه قدیم . وقال الطيبي: الحديث أعمّ من أن يكون قول النبي ◌َّر والصحابي والتابعيِّ وفعلهم وتقریرهم. وقال شيخُ الإسلام في ((شرح النخبة)) (٣): الخبرُ عند علماءِ الفن مرادفٌ للحديثِ، فيُطلقان على المرفوع وعلى الموقوف والمقطوع . وقيل: الحديثُ ما جاء عن النبي وَلَّ والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثم قيل لمن يشتغل بالسنة: ((مُحدِّث))، وبالتواريخ ونحوها: ((أخباريٌّ))، وقيل : بينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ، فكلُّ حديثٍ خبرٌ ولا عكس . وقيل : لا يُطلق الحديثُ على غيرِ المرفوع إلا بشرطِ التقييد(٤). (٢) ((فتح الباري)) (١٩٣/١). (١) في ((ص): ((تمتن)). (٣) ((نزهة النظر)) (ص : ٥٢، ٥٣). (٤) في ((م): ((التقيد)). ولا شكَّ؛ أن ((الحديث)) حيث أطلق فإنَّما يعنى به الخبر المرفوع عن رسول اللَّه وَ لَه، أما إذا قيد؛ كأن يقال - مثلاً - ((حديث أبي بكر))، أو: ((حديث قتادة))، أو أن = ٤٣ مقدمة السيوطي وقد ذكرَ المصنّف في النوع السابع أن المُحدِّثين يسمُّون المرفوعَ والموقوفَ بالأثرِ، وأن فقهاءَ خراسان يُسمُّون الموقوفَ بالأثر والمرفوعَ بالخبرِ . ويقال : أثرتُ الحديثَ بمعنى: رويتُه، ويسمى المحدث ((أثريًّا)) نسبةً للأثر(١) . الثانية: في حَدِّ ((الحافظ)) و((المُحدِّث)) و((المُسْنِدِ)): اعلم ؛أنَّ أدنى درجات الثلاثة «المُسْنِدُ)» ۔ بکسر النون - وهو من يروي الحدیثَ بإسناده، سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد رواية . وأمَّا ((المحدث)) فهو أرفعُ منه، قال الرافعيُّ وغيرُه: إذا أُوصي للعلماءِ لم يدخلِ الذين يسمعون الحديثَ ولا عِلم لهم بطُرقه ولا بأسماء الرُّواة والمُتون؛ لأن السماعَ المجرد ليس بعِلمٍ . وقال التاجُ ابنُ يونس في ((شرح التعجيز)): إذا أوصي للمحدِّث تناول مَن عَلِمَ طرق إثبات الحديث وعدالة رجاله؛ لأنَّ من اقتصر على(٢) السماع فقط ليس بعالم . = يكون الإمام في معرض الكلام عن بعض الموقوفات، فيقول: ((هذه الأحاديث كذا وكذا))؛ فهذه قرائن تدل على المعنى المراد من كلمة ((الحديث)) في هذه المواضع وأمثالها، أما حيث أطلق لفظ ((حديثٍ)) فإنما يعنى به بالدرجة الأولى الحديث المرفوع عن رسول اللّه الله. (١) في ((م): ((بنسبته إلى الأثر)). (٢) في ((ص): ((عن))، والمثبت من ((م)). ٤٤ مقدمة السيوطي وكذا قال السُّبكيُّ في ((شرح المنهاج)). وقال القاضي عبدُ الوهاب: ذكر عيسى بنُ أبان عن مالكٍ (١) أنه قال : لا يُؤخَذ العلمُ عن أربعةٍ، ويؤخذ عمَّن سواهم: لا يؤخذ عن مبتدع يدعو إلى بدعته، ولا عن سفيهٍ يُعلن بالسفه، ولا عمَّن يكذبُ في أحاديث الناس وإن كان يَصدُق في أحاديث النبيِ بَّرَ، ولا عمَّن لا يعرف هذا الشأنَ . قال القاضي: فقوله: ((ولا عمَّن لا يعرف هذا الشأنَ))، مرادُه (٢) به : إذا لم يكن ممن يعرفُ الرجالَ مِن الرواة، ولا يعرف هل زِيد في الحديث شيءٌ أو نقص . وقال الزركشي: أما الفقهاءُ فاسم ((المحدِّث)) عندهم لا يطلق إلا على مَن حفظ متنَ (٣) الحديثِ، وعَلِم عدالةً رجالِهِ وجَرحَها، دون المقتصر على السماع . وأخرج ابنُ السمعاني في ((تاريخه)) (٤) بسَنده عن أبي نصر الحسين بن عبد الواحد الشيرازي قال: ((العَالِمُ)): الذي يعرفُ المتن والإسنادَ جميعًا، و((الفقيهُ)): الذي يعرف المتن ولا يعرف الإسناد، و((الحافظُ)): الذي يعرف الإسنادَ ولا يعرف المتن، و((الراوي)): الذي لا يعرف المتنَ ولا يعرف الإسناد . (١) ((المحدث الفاصل)) (ص: ٤٠٣). (٢) في ((م)): ((يراد)). (٤) انظر ((النكت)) للزركشي (٥٤/١). (٣) في ((م)): ((متون)). ٤٥ مقدمة السيوطي وقال الإمامُ الحافظُ أبو شامة (١): علومُ الحديث الآن ثلاثة : أشرفها : حفظُ متونه ومعرفةُ غريبها وفقهها . والثاني : حفظُ أسانيده(٢)، ومعرفةُ رجالها، وتمييزُ صحيحها من سقيمها، وهذا كان مهمًّا، وقد كُفِيَه المشتغل بالعلم بما صُنِّف فيه وألْف فيه من الكتب، فلا فائدة إلى (٣) تحصيلِ ما هو حاصلٌ. والثالثُ : جَمْعه وكِتابتُه وسماعه وتطريقه وطلب العلوِّ فيه، والرحلةُ إلى البُلدان، والمشتغل بهذا مشتغل عمَّا هو الأهم من العلوم النافعةِ ، فضلاً عنِ العملِ به الذي هو المطلوبُ الأصليُّ إلا أنه لا بأسَ به لأهلٍ البطالةِ ، لما فيه مِن بقاءِ سلسلةِ الإسنادِ المتصلةِ بأشرفِ البشر . قال : ومما يزهد في ذلك أن فيه يتشارك الكبيرُ والصغيرُ، والفَدْم (٤) والفَاهِمُ، والجاهل والعالم . وقد قال الأعمشُ (٥) : حديثٌ يتداوله الفقهاءُ خيرٌ من حديثٍ يتداوله الشيوخُ . ولامَ إنسانٌ أحمد في حضورٍ مجلس الشافعيِّ وتركه مجلس سفيان بن (١) انظر ((النكت)) للزركشي (٤١/١)، وكذا لابن حجر (٢٢٨/١ - ٢٢٩). (٢) في ((م)): ((أسانيدها)) . (٣) في ((م): ((في)) . (٤) أي : العَيِيُّ الثَّقيلُ . (٥) ليس هذا من قول الأعمش ؛ بل من قول وكيع . راجع: ((المحدث الفاصل)) (ص٢٣٨)، و((المعرفة)) للحاكم (ص١١)، و((الكفاية)) للخطيب (ص٦١١)، و((الإرشاد)) للخليلي (١٧٧/١). ٤٦ مقدمة السيوطي عيينة، فقال له أحمدُ : اسكتْ؛ فإن فاتك حديثٌ بعلوِّ تجده بنزولٍ ولا يضرك، وإن فاتك عقلُ هذا الفتى أخافُ أن لا تجدَه . انتهى . قال شيخ الإسلام(١): وفي بعض كلامه نظرٌ: لأنَّ قوله: ((وهذا قد كُفِيَه المشتغل بما صُنِّف فيه))، قد أنكره العلّامة أبو جعفر ابن الزبير وغيرُه، ويقال عليه : إنْ كان التصنيفُ في الفنِّ يوجب الاتكالَ على ذلك وعدمَ الاشتغال به، فالقولُ كذلك في الفنِّ الأول، فإن فِقْه الحديثِ وغريبَه لا يُحصى كم صُنِّف فيه، بل لو ادَّعى مُدع أنَّ التصانيف فيه أكثرُ من التصانيف في تمييز الرجال والصحيح من السقيم لما أبعدَ ، بل ذلك هو الواقعُ ؛ فإنْ كان الاشتغال بالأول مهمًّا فالاشتغالُ بالثاني أهمُ، لأنه المَرْقاة إلى الأول، فمَن أخلَّ به خلط السقيم بالصحيح، والمعدل بالمجرح ، وهو لا يشعر . قال : فالحقُّ أن كلَّ منهما في علم الحديث مُهمٌّ، ولا شكَّ أن من جمعهما حاز القدحَ المُعَلَّى مع قُصورٍ فيه إنْ أخلَّ بالثالث، ومن أخل بهما فلا حظّ له في اسمِ الحُفَّاظِ (٢) . ومَن حرزَ الأولَ وأخلَّ بالثاني كان بعيدًا من (٣) اسم ((المحدِّث)) عُرفًا، ومَن أحرزَ(٤) الثاني وأخلَّ بالأولِ لم يُبْعد عنه اسمُ ((المُحدِّث)) ولكن فيه نقصٌ بالنسبة إلى الأولِ . (١) ((النكت)) (٢٢٩/١ - ٢٣١). (٢) في ((النكت)) (٢٣٠/١): ((في اسم المحدث))، وبه يعرف ما في تعليق المؤلف الآتي عقب كلام الحافظ هذا . (٣) في ((م)): ((عن)). (٤) في ((م): ((حرز)). ٤٧ مقدمة السيوطي وبقي الكلامُ في الفنّ الثالثِ ، ولا شك أن مَن جمع ذلك مع الأوَّلين كان أوفر سهمًا (١) وأحظ قسمًا، ومن اقتصر عليه كان أخس حظًّا وأبعد حفظًا، فمن جمع الثلاثةَ كان فقيها محدثًا كاملًا . ومَنِ انفردَ باثنتين منهما كان دُونه، إلا أنَّ من اقتصر على الثاني والثالث فهو محدثٌ صِرْفٌ، لا حظّ له في اسم ((الفقيه))، كما أنَّ من انفرد بالأول فلا حظّ له في اسم ((المحدِّث))، ومن انفرد بالأول والثاني(٢) فهل يُسمَّى محدثًا؟ فيه بحثٌ . انتهى . وفي غُضون كلامِهِ ما يُشعِر باستواءِ المحدث والحافظ ، حيث قال : فلا حظّ له في اسم الحفّاظِ، والكلام كله في المحدِّث (٣). وقد كان السلف يُطلقون المحدث والحافظ بمعنّى : كما روى أبو سعدِ السَّمعانيُّ (٤) بسندِه إلى أبي زرعة الرازي : سمعتُ أبا بكر ابن أبي شيبة يقول : مَن لم يكتب عشرين ألف حديث إملاءً لم يُعدَّ صاحب حديثٍ . وفي ((الكاملِ)) (٥) لابن عدي مِن جهة النفيليِّ، قال: سمعتُ هشيمًا، يقول: مَن لم يحفظِ الحديثَ فليس هو من أصحاب الحديث . والحقُّ؛ أن الحافظ أخصُّ، وقال التاج السُّبكي في كتابه ((معيد (١) في ((م): ((فهما)). (٢) في ((م)): ((والثالث)). (٣) قد عرفت ما في هذا النقل عن الحافظ . (٤) ((أدب الإملاء والاستملاء)) (ص: ١١). (٥) (١٠٦/١). ----- ٤٨ مقدمة السيوطي النعم)) : مِن الناس فرقةٌ ادَّعتِ الحديثَ، فكان قُصارىُ أمْرِها النظرُ في ((مشارق الأنوار)) للصاغاني، فإن تَرَفَّعَت إلى ((مصابيح البغوي))، وظنَّت أنها بهذا القدر تصل إلى درجة المُحدِّثين، وما ذلك إلا بجهلها بالحديث(١)، فلو حفظ مَن ذكرناه هذين الكتابين عن ظَهْر قلبٍ، وضم إليهما مِن المتون مثليهما، لم يكن مُحدِّثًا، ولا يصيرُ بذلك مُحدِّثًا حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط، فإن رامتْ بلوغَ الغايةِ في الحديث على رغْمها اشتغلتْ بـ ((جامع الأصول)) لابن الأثير، فإن ضمت إليه ((علوم الحديث)) لابن الصلاح أو مختصره المسمى بـ ((التقريب والتيسير)) للنووي ونحو ذلك، وحينئذ ينادَى مَن انتهى إلى هذا المقام ((محدِّث المحدثين)) و((بخاري العصر))، وما ناسب هذه الألفاظ الكاذبة ؛ فإن مَن ذكرناه لا يُعَدُّ محدِّثًا بهذا القَدْر، إنما المحدّث مَن عرف الأسانيدَ ، والعللَ، وأسماءَ الرجالِ ، والعالي والنازلَ، وحَفِظ من(٢) ذلك جملةٌ مُستكثرةً من المتون، وسمع الكتب الستةَ، و((مسند أحمد بن حنبل))، و((سننَ البيهقي)) و((معجمَ الطبراني)) وضم إلى هذا القدر ألفَ جزءٍ من الأجزاء الحديثية . هذا أقل درجاته ، فإذا (٣) سمع [(٤) ما ذكرناه، وكتب الطباق ، ودار على الشيوخ، وتكلّم على العلل والوفَيَاتِ والأسانيدِ ، كان من أول درجات المُحدِّثين، ثم يزيدُ مَا يَشاءُ لمن شاء . وقال في موضعٍ آخر منه : ومِن أهلِ العلمِ طائفةٌ طلبت الحديثَ (١) في ((م)): ((في الحديث)) . (٢) في ((م): ((مع)). (٣) في ((م)): ((فإن)) . (٤) من هنا سقط من ((ص))، وأثبتناه من ((م))، ونهايته (ص: ٥٠). .. أ ........... ٤٩ مقدمة السيوطي وجعلتْ دأبَها السماعَ على المشايخ، ومعرفةَ العالي مِن المسموع والنازل، وهؤلاء هُم المحدِّثون على الحقيقةِ، إلا أن كثيرًا منهم يُجْهِد نفسَه في تهَجِّ الأسماءِ والمتونِ وكثرة السماع مِن غير فهم لما يقرءونه ، ولا تتعلَّق فكرتُه بأكثر مِن أنّي حصلتُ ((جزءَ ابنِ عرفةً)) عن سبعين شيخًا، و((جزءَ الأنصاريِّ)) عن كذا وكذا شيخًا، و((جزءٍ البطاقة)) و(نسخة أبي (١) مسهر)) وأنحاء ذلك . وإنما كان السلف يَسْمعون فيقرءون، ويرْحلون فيُفسِّرون ، ويحفظون فيعَملون . ورأيتُ مِن كلام شيخنا الذهبيِّ في وصية لبعض المحدِّثين في هذه الطائفةِ: ما حظّ هؤلاء إلا أن يسمعَ ليروي فقط، فليُعَاقَبَنَّ بنقيضٍ قَصْده، وليشهرنه اللَّه بعد ستره مراتٍ، وليبقين مُضْغَةً في الأَلْسُن وعِبرةً بين المحدثين، ثم ليطبعنَّ اللَّه على قلبهِ . ثم قال : فهل يكون طالبٌ من طلابِ السُّنة يتهاون بالصلواتِ أو يتعَانى تلك العاداتِ! وأخس منه مُحدِّثٌ يكذبُ في حديثه ويتخلقُ الفشار، فإن ترقّتْ هِمَّته المفتنةُ إلى الكذبِ في النقلِ والتزوير في الطباقٍ فقد استراح، وإن تعانى سرقة الأجزاء وكشط الأوقاف فهذا لِصِّ بسمتِ مُحدِّثٍ، فإن كمل نفسه بتلوطِ أو قيادةٍ فقد تمتْ له الإفادةُ، وإن استعمل في العلوم فقد ازداد مهانةً وخبطًا . (١) في ((م): ((ابن). ------ '