النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ب]
هو: أن النبي صلى الله عليه وسلم واعد الحارث بن ضرار على أن يرسل إليه مصدقاً،
ولما حان الوقت أرسل الوليد، ولم يكن الوليد على علم بما سبق من المواعدة،
وكان ذلك إبّان غزوة بني المصطلق قومِ الحارث هذا، وسبق بينه وبينهم إِحَن، ونفخ
الشيطان إشاعته، ورأى تجمعهم، فكان ما كان في نفسه، فمثله في موقفه لا يؤاخذ
على ظنه مؤاخذةً (قضائية).
ثانيها : معنى الفسق، كلمة (فسق) لها معنيان: لغوي واصطلاحي، أما اللغوي:
فهو الخروج عن الطاعة، وهذا يقع بالقليل من الذنوب وكثيرها، والمعنى
الاصطلاحي: هو الفسق المخرِج عن حدّ العدالة، وذلك - من حيثُ الجملة - يكون
بارتكاب كبيرة، أو إصرار على صغيرة، والأمران منفيّان هنا، فلا ارتكابٌ لكبيرة مع
هذه الظروف والملابسات، ولا إصرارٌ على صغيرة.
أما تاريخ الوليد بن عقبة: فأقول: مالنا ندرس أمره وتاريخه من آخر مشكلته
هذه، ولا نبدؤه بالتسلسل؟ !.
إنه أحد خمسة إخوة من أولاد عقبة بن أبي معيط: أم كلثوم، وهي أولهم
إسلاماً، ثم الوليد وعُمارة وخالد وأم حكيم، وأمهم أسلمت أيضاً، وهي: أروى بنت
كُرَيز بن ربيعة العبشمية، وهي أم عثمان بن عفان، رضي الله عنهم.
ويكفي الوليدَ هذا، ويكفينا دلالةً على حسن إسلامه: اختيارُ رسول الله صلى الله
عليه وسلم له في هذا الموقف جابياً لصدقات بني المصطلق، وما كان ليخيب اختيار
رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذات شخصه، إنما حصل منه ماحصل للقرائن
التي قدمتُها، لا لانحراف في دينه وسلوكه، ولو كان شيء من ذلك لما ترك النبي
صلى الله عليه وسلم عقوبته، أو تعنيفه، أو التشهير به بين الصحابة، أو أيّ موقف
سلبي منه.
بل تركُ النبي صلى الله عليه وسلم هذه المؤاخذات للوليد تأكيد منه على عدالة
الوليد رضي الله عنه وسلامته من أيّ مؤاخذة شرعية، وإصرارُ من يُصرّ على الطعن
=

١٨٢
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ب]
فيه: إصرار منه على اتهام جانب النبوة بالتهاون في إقامة حقّ الله تعالى، وحاشاه
صلی الله عليه وسلم.
واستمر الاعتماد عليه بعد وفاته عليه الصلاة والسلام في خلافة الصديق
رضي الله عنه، فتنظر المواقف التي أشير إلى أرقام صفحاتها من ((البداية والنهاية)) لابن
إلى الخليفة أبى بكر، ٩: ٥٤١
كثير ٩: ٥١٧: اعتماد خالد بن الوليد عليه رسولا
استعمال الصديق له مع عمرو بن العاص لجباية صدقات قضاعة، ٩: ٥٤٤ إرسال
الصديق له مع عكرمة بن أبي جهل مدداً إلى خالد بن العاص.
وفي خلافة الفاروق، في سنة ١٧ قصد صاحب الروم قتال أبي عبيدة ابن الجراح
وهو على حمص، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص بالتقدم
لإغاثة أبي عبيدة، بفلان وفلان، كلّ إلى منطقة، ومن ذلك: سرِّح الوليد بن عقبة
على عرب الجزيرة - الجزيرة الشامية - من ربيعة وتنوخ، حكاه الطبري ٢: ٤٣٨.
وهذا رضا واطمئنان كبير من عمر الفاروق إلى أمر الوليد بن عقبة في دينه وسلوكه.
وفي أوائل خلافة عثمان رضي الله عنه - سنة ٢٤، أو ٢٦ - غزا الوليد أذربيجان
وأرمينية. ١٠: ٢١٩، وفي ١٠: ٢٢٤ ولاه عثمان الكوفة سنة ٢٦، وكان فيه رِفْق
بالرعية. ١٠: ٢٣٣ عزله عثمان عن الكوفة، وسأفصِّل القول فيها بعد أسطر.
وثمة موقفان ينبغي الربط بينهما، هما: لما رجع الوليد إلى النبي صلى الله عليه
وسلم وأخبره بما توهَّمه من بني المصطلق، أمَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم خالد بن
الوليد على جماعة لغزو بني المصطلق، وأمَره أن يتثبّت ولا يتعجل، فخالد بن الوليد
على علم بما كان من الوليد بن عقبة، وبالقصة كلها، ثم إنه كان منه هذا الموقف في
السنة ١٢ حين بعث الصديقُ خالداً إلى العراق، وكانت وقعة المَذار، وأرسل كسرى
إلى الهرمزان مدداً لقتال خالد، فأرسل خالدٌ الوليد إلى الصدیق یخبره بمدد کسری،
فكان موقفاً يشبه الموقف ذاك، ومع ذلك: فما حَذِرِه خالد، مع علمه بالقصة السابقة
بكاملها، بل اطمأن إليه رسولاً مأموناً إلى الخليفة بأمر كان مهماً.
=

١٨٣
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ب]
أما ما يحتاج إلى تفصيل: فهو عزل عثمان له عن الكوفة، وکان تولّیه لها سنة ٢٦
إلى سنة ٣٠، وقد عَرَض له ابن جرير في ((تاريخه)) ٢: ٦٠٨ فما بعدها، في حوادث
سنة ٣٠ وعَرَضها بتسلسل ودقّة.
وأول المشكلة: صداقةُ الوليد مع رجل يقال له: أبو زُبيد، أخوالُه من بني
تغلب، کان نصرانياً - کأخواله - ثم أسلم وحسن إسلامه، وغلبه أخواله على مال له،
فاستردّه له الوليد منهم، فحفظ له أبو زبيد هذه الصَّنيعة، فكان له جليساً مواتياً، لكن
كان بين أبي زُبيد وبين آخرين دم وثأر، فصاروا يتبّعونه ويضعون له العيون،
ويتهمونه ويتهمون معه الوليد بن عقبة، ويقتحمون عليهما مجالسهما، ولم يكن
للوليد باب يُقرع، اطمئناناً منه إلى حسن معاملته لأهل الكوفة.
ومما جاء في رواية ابن جرير ٢: ٦١٠: ((لم يُفْجَأ الوليد إلا بهم، فنحتى شيئاً،
فأدخله تحت السرير، فأدخل بعضهم يده فأخرجه، لا يؤامره - أي: لم يستأذن الوليدَ
في هذا - فإذا طبقٌ عليه تفاريقُ عنب، وإنما نحّاه استحياء أن يروا طبقه ليس عليه إلا
تفاريق عنب، فقاموا، فخرجوا على الناس .. )).
ثم ذكر رواية أخرى: أن بعضهم جاء ابنَ مسعود فقالوا له: الوليد يعتكف على
الخمر، وأذاعوا ذلك حتى طُرِح على ألسن الناس، فقال ابن مسعود: من استتر عنا
بشيء لم نتتبّع عورته، ولم نهتك ستره، فأرسل الوليد إلى ابن مسعود يعاتبه وقال له:
أَيُرضَى من مثلك أن يجيب قوماً موتورين بما أجبتَ عليَّ! أيُّ شيءٍ أستتر به؟ إنما
يقال هذا للمُریب !!.
ثم روى تآمر اثنين عليه أخذا خاتمه من يده وهو نائم، ثم وثم، وذكر شهادتهم
عليه أمام عثمان رضي الله عنه بشرب الخمر، وأنهم رأوه يقيء الخمر، فاستدعاه
عثمان، فحلف الوليد أنه ما شربها، وحكى له أمرهم معه، فقال له عثمان: نقيم
الحدود، ويبوء شاهد الزور بالنار، فاصبر يا أخي، وأقام عليه الحدّ.
ثم روى عن نافع بن جبير قال: قال عثمان رضي الله عنه: إذا جُلد الرجل الحدَّ،
=

١٨٤
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ب]
ثم ظهرت توبته جازت شهادته.
ويتصل بهذا الخبر وما آل إليه الوليد: روايةُ ((صحيح مسلم)) ٣: ١٣٣١ (٣٨)،
قال فيها أبو ساسان: شهدت عثمان بن عفان وأُتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثم
قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان، أحدهما حُمْران، أنه شرب الخمر، وشهد الآخر
أنه رآه يتقيّأ، فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها، ثم أمر به عثمان فجلد.
وقصدُ الإمام مسلم من رواية هذا الخبر في كتاب الحدود: بيانٌ مقدارِ حدّ شرب
الخمر، أمّا إن الوليد ثبت عليه شرب الخمر، أو لم يثبت عليه ذلك: فهذا أمر آخر،
يتصل بسابقة الخبر وملابساته، فلا نستطيع القول: إن شرب الوليد الخمر ثابت عليه
في ((صحيح مسلم))، وهذا بيّن واضح، نعم ثبت عليه إقامة الحدّ، لكن بحقّ أو
بجناية؟ هذا ما تقدم بيانه، والله أعلم.
ويتصل بهذا الكلام أيضاً: أن المشكلة كانت مع أهل الكوفة سنة ٣٠، وهم هم
الذين كانت لهم المشكلة السابقة مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه سنة ٢٠، أو
٢١، وشكوه إلى أمير المؤمنين عمر، وكان ما كان، وهو مذكور باختصار في
((صحيح البخاري)) (٧٥٥)، وبالتفصيل في شرحه ((فتح الباري)).
وقد كان مآل الوليد: أنِ اعتزلَ الفتنة أيام عليّ ومعاوية رضي الله عنهم جميعاً،
وسكن في مكان يقال له البليخ، على نهرٍ قرب الرقة حرسها الله، ومات هناك، وقال
عند اختضاره: ((اللهم إن كان أهل الكوفة صَدَقوا عليّ فلا تُلْقَ رُوحي منك رَوْحاً ولا
ريحاناً، وإن كانوا كذبوا عليّ فلا تُرْضهم بأمير، ولا تُرْضِ أميراً عنهم، وانتقم لي
منهم، واجعله كفارة لما لا يعلمون من ذنوبي)). حكاه أبو العباس المبرِّد في كتابه
«التعازي)) ص٢٣٦.
ولا بد من تنبيه أخير: أشار ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٤: ١٥٥٥ - ١٥٥٦ إلى
ما نقلته عن الطبري: أن أهل الكوفة تعصَّبوا على الوليد واتهموه بشرب الخمر، وردّ
الاتهام بشدة، وهو موقف غريب منه رحمه الله، كأنه لم يتسلسل في قراءة أخبار
=

١٨٥
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
أي: عدولاً، وقال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]،
والخطاب فيهما للموجودين حينئذ(١).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((خير الناس قرني))، رواه الشيخان(٢).
قال إمام الحرمين: والسبب في عدم الفحص عن عدالتهم: أنهم حَمَلة
الشريعة، فلو ثبت توقّف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصره صلى الله
(س)
الوليد بن عقبة من أولها، والله أعلم، هذا مع اعتماده خبرَ ((صحيح مسلم))، وإقامةً
الحدّ على الوليد، كمصدر لتصحيح التهمة عليه، مع أن تحرير الخبر والواقعة كما
قدمته، والله ولي التوفيق، وإلیه العلم کله.
[فائدتان: إحداهما: قال الحافظ المزي: من الفوائد : أنه لم يوجد قطُّ رواية
عمن لُمز بالنفاق من الصحابة.]، ونقله عن المزي: الزركشي في ((البحر المحيط)) ٤:
٣٠٠، ولقائل أن يقول: إن هذا النفي مبنيّ على معرفة أسمائهم أولاً، وجوابه: نعم،
أسماؤهم معروفة، أحصاها البلاذري في ((أنساب الأشراف)) ١: ٣٢٥، عددهم ٣٤
رجلاً، ٩ من الخزرج، و٢٥ من الأوس، والإمام المزي من أهل التتبّع والاستقراء في
هذا الباب، رحمه الله تعالى.
[الثانية: من فوائد القول بعدالتهم مطلقاً، إذا قيل: عن رجل من أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم: كذا، كان كتعيينه باسمه، لاستواء الكلّ في العدالة. إلخ.
بِرماوي - ١ : ٨٧/أ -. ].
(١) ((والخطاب فيهما)): أي: في الآيتين، وفي النسخ: والخطاب فيها.
(٢) من حديث ابن مسعود: البخاري (٢٦٥٢) وهنا أطرافه، ومسلم ٤ :١٩٦٣
(٢١٢).

١٨٦
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
عليه وسلم، ولَمَا استرسلت على سائر الأعصار(١).
وقيل: يجب البحث عن عدالتهم مطلقاً. وقيل: بعد وقوع الفتن.
وقالت المعتزلة: عدول إلا من قاتل عليّاً. وقيل: إذا انفرد. وقيل: إلا
المقاتِلَ والمقاتَلَ.
وهذا كله ليس بصواب، إحساناً للظنّ بهم، وحملاً لهم في ذلك على
الاجتهاد المأجور فيه كلٌّ منهم(٢).
وقال المازِرَي في ((شرح البرهان))(٣): لسنا نعني بقولنا ((الصحابة عدول))
كلّ من رآه صلى الله عليه وسلم يوماً ما، أو زاره لِماماً، أو اجتمع به لغرض
وانصرف، وإنما نعني به: الذين لازموه وعزّروه ونصروه.
قال العلائي(٤): وهذا قول غريب يُخرِج كثيراً من المشهورين بالصحبة
[ب] -
(١) تكلم إمام الحرمين في ((البرهان)) عن عدالة الصحابة من فقرة (٥٦٦ -
٥٧٢)، والنص المذكور هنا جاء في الأخير، وكلامه رحمه الله قويّ، وزاده قوةً
المازري في ((إيضاح المحصول)) ص ٤٨٢ - ٤٨٤، إلا ما سيأتي التنبيه إليه.
(٢) قول الشارح رحمه الله وحكمه على هذه الأقوال الخمسة الأخيرة ((ليس
بصواب)): حكم فيه لِين لا ينبغي، إنما هي أقوال أهل البدع، ومصدره في حكايتها:
الزركشي في ((البحر المحيط)) ٢٩٩:٤ - ٣٠٠، وقد صرّح - هو وغيره - بعد حكايتها
بقوله: ((وكل هذه الأقوال باطلة، والصحيح الأول، وعليه جمهور السلف والخلف))،
والبطلان غير الخطأ، كما تبيَّن لك مما تقدم ص٥٥٣ - ٥٦٤.
(٣) ((إيضاح المحصول)) ص ٤٨٢، والقرافي في ((تنقيح الفصول)) ص ٣٦٠.
(٤) في ((تحقيق منيف الرتبة)) ص ٦٢، وكلامه ينتهي عند قوله ((صرح به
=

١٨٧
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
والرواية عن الحكم بالعدالة، كوائل بن حُجْر، ومالك بن الحويرث، وعثمان
ابن أبي العاص وغيرهم، ممن وَفَد عليه صلى الله عليه وسلم ولم يُقِم عنده إلا
قليلاً وانصرف، وكذلك من لم يُعرف إلا برواية الحديث الواحد(١)، ولم يعرف
مقدار إقامته من أعراب القبائل، والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور،
وهو المعتبر(٢).
[ب]
الجمهور))، ونقل كلام المازري الحافظُ ابن حجر في مقدمة ((الإصابة)) ص ١١،
وعلق عليه بقوله: ((لم يوافق عليه، بل اعترضه جماعة من الفضلاء))، ونقل كلام
العلائي، وزاد عليه كلمة قال: ((وهو المعتبر))، فظهر أن الشارح ينقل من ((الإصابة)).
(١) وعدد الذين لم يعرف إلا برواية حديث واحد - على ما في كتاب ابن
حزم -: ٤٦٣ صحابيًا !.
(٢) ساق الحافظ رحمه الله بعد هذا خبراً فيه جواب عن سؤالِ متعلمٍ، أو
اعتراضٍ معترضٍ: ما الدليل على كرامة من لقي النبي صلى الله عليه وسلم ولو لقاءً
عابرًا، ومن أجله لم يكن تقييد المازري مقبولاً معتمدًا عند العلماء؟ فقال رحمه الله:
((وقد كان تعظيم الصحابة - ولو كان اجتماعهم به صلى الله عليه وسلم قليلاً - مقرَّرًا
عند الخلفاء الراشدين وغيرهم، فمن ذلك ما قرأت ... )) وذكر خبراً من رواية علي بن
الجعد، عن زهير بن حرب، عن الأسود بن قيس، عن نُبَيح العنزي، عن أبي سعيد
الخدري: أنه سمع رجلاً تناول معاوية بن أبي سفيان، فغضب أبو سعيد وحكى: أنهم
كانوا رفقة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وحصل لرجلٍ من
أهل البادية أمر أنكره أبو بكر، ثم إن هذا البدوي هجا الأنصارَ في عهد عمر، فأُتّيَ به
فقال له عمر: لولا أن له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أدري ما نال
فيها لکفیتکموه، ولکن له صحبة من رسول الله صلی الله علیه وسلم.
=

١٨٨
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
وأكثرهم حديثاً : أبو هريرة، .
[ش]
(وأكثرهم حديثاً: أبو هريرة) روى خمسة آلاف وثلاث مئة وأربعة
وسبعين حديثاً (١)، اتفق الشيخان منها على ثلاث مئة وخمسة وعشرين، وانفرد
[س).
-
قال الحافظ: ((هذا لفظ علي بن الجعد، ورجاله ثقات، وقد توقف عمر
رضي الله عنه عن معاقبته، فضلاً عن معاتبته، لكونه علم أنه لقي النبي صلى الله عليه
وسلم، وفي ذلك أبينُ شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يَعدله
شيء، كما ثبت في الصحيحين))، وذكر حديث أبي سعيد نفسه: ((لو أنفق أحدكم مثل
أحُد ذهبًا، ما بلغ مدّ أحدهم ولا نَصِيفه)).
وأزيد في (تشخيص) وتوضيح محل الشاهد: أن صاحب هذا الموقف هو عمر،
وهو مَن هو في أمر الله، وثبت عنده على هذا الرجل البدوي فعلُه المنكر، وهو هجاء
الأنصار، ومع ذلك فقد راعى عمر منه ما أكرمه الله به، وما ناله من شرف لقاء النبي
صلی الله عليه وسلم، ولذلك تركه.
(١) هو الصواب، وفي د: وتسعين، وفي هـ: وستين. ثم، إن هذه الأرقام التي
يذكرها العلماء لعدد روايات كل صحابي، إنما يعتمدون فيها على جزء ابن حزم
رحمه الله: ((أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد من العدد))، الذي طُبع أولاً مع
((جوامع السيرة) له، ثم أُفرد في مجلد ضخم! ومثل ذلك في ((تلقيح فهوم أهل الأثر))
لابن الجوزي رحمه الله.
ومما يجب التنبيه والتنبُّه له: أن هذا الرقم الكبير في عدد روايات أبي هريرة إنما
هو شامل لكل ما رُوي عنه: من المكررات، والصحاح والضعاف، وبعد غربلتها لا
يبقى منها ربع هذا العدد، يضاف إلى ذلك: ضرورة النظر في هذه الأحاديث المتبقية:
ما الذي انفرد به أبو هريرة عن سائر الصحابة، فإنه لا يبقى إلا أقل من القليل، بل
أندر من النادر، وحينئذٍ تزول طعون الحاقدين عليه أدراج الرياح !!.
=

١٨٩
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمئة وتسعة وثمانين(١)، وروى عنه أكثر من
ثمان مئة رجل(٢). وهو أحفظ الصحابة.
قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، أسنده البيهقي
في ((المدخل))(٣).
وكان ابن عمر يترحّم عليه في جنازته ويقول: كان يحفظ على المسلمين
حديث النبي صلى الله عليه وسلم، رواه ابن سعد (٤).
وفي ((الصحيح))(٥): عنه قال: قلت: يا رسول الله إني أسمعُ منك حديثاً
[ب] -
وهكذا يقال في عدد أحاديث الصحابة الآخرين: إن فيها المكررات،
والصحاح، والضعاف، وفيها الأحاديث التي لم ينفرد فيها هذا الصحابي.
(١) هكذا جاءت الأرقام الثلاثة في ((كشف النقاب)) للحافظ العلائي (٢٠٧)،
وهو الصواب، فعمدتهم في ذلك: عدُّ الحميدي لها في كتابه ((الجمع بين الصحيحين))
وهكذا جاء تعدادها تمامًا عنده: المتفق عليه من ٥:٣ - ٢٣٥، وما انفرد به البخاري
٢٣٦:٣ - ٢٦٣، وما انفرد به مسلم ٢٦٣:٣ - ٣٢٢.
أما ما جاء في آخر المجلد الثاني من ((السِّير)) للذهبي: المتفق عليه (٣٢٦)، وما
انفرد به مسلم (٩٨): فلا، لاسيما في هذا الرقم الأخير.
(٢) في ك: ثلاث مئة، تحريف. وهو في ((تهذيب الكمال)) ٣٧٧:٣٤، نقلاً عن
الإمام البخاري، أما ابن عساكر فأسند هذا القول ٣١١:٦٧ إلى أبي أحمد الحاكم،
كأنه: في كتابه ((الأسامي والكنى)).
(٣) (٤٢٠)، ومن طريقه ابن عساكر ٣٤١:٦٧.
(٤) ((الطبقات)) ٢٥٧:٥.
(٥) ((صحيح)) البخاري (١١٩) ومواطن أخرى.

١٩٠
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
ثم ابن عمر،
[ش]
كثيراً أنساه! قال: ((أُبسُطْ رداءك)) فبسطتُه، فغرف بيديه ثم قال: ((ضُمَّه))، فما
نسيتُ شيئاً بعدُ.
وفي ((المستدرك))(١): عن زيد بن ثابت قال: كنت أنا وأبو هريرة وآخرُ عند
النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أُدْعُوا))، فدعوتُ أنا وصاحبي، وأَمَّن النبي
صلى الله عليه وسلم، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك مثلَ ما سألك
صاحباي، وأسألك علماً لا يُنسى، فأمَّن النبي صلى الله عليه وسلم له، فقلنا:
ونحن يا رسول الله كذلك، فقال: ((سبقكما الغلام الدَّوْسي)) (٢).
(ثم) عبد الله (بن عمر) (٣) رَوَى ألفيْ حديث وستَّ مئة وثلاثين حديثاً(٤).
-
[ب] -
(١) (٦١٥٨) وقال: صحيح الإسناد، وخالفه الذهبي فضعفه بحماد بن شعيب،
وكأنه ممن اتفق على ضعفه، بل فيه جرح شديد، لكن في اقتصار الشارح على عزوه إلى
((المستدرك)) قصور، فهو في النسائي (٥٨٧٠)، بسند جيد، كما قاله الحافظ في ترجمة
أبي هريرة من ((الإصابة)) من طريق الفضل بن العلاء، وهو متابع لحماد بن شعيب.
(٢) من قوله ((وكان ابن عمر .. )) إلى هنا زيادة من النسخ على ك.
(٣) الأرقام الآتية في عدد مرويات هؤلاء السبعة رضي الله عنهم هي كذلك في
جزء ابن جزم، ((وتلقيح فهوم أهل الأثر)) لابن الجوزي.
وأنّه هنا إلى ما نَبَّهت إليه في الكلام على عدد مرويات أبي هريرة: أن هذه
الأرقام جامعة للمكررات، والصحاح والضعاف، وفيها ما لم ينفرد به الصحابي
المذكور.
(٤) [قوله: رَوَى ألفي حديث، كذا ذكره النووي في ((شرح)) البخاري
- ٢: ٤٤٢ -، لكنه ذكر في ((تهذيبه)) - ١: ٢٧٩ - ألف حديث، وتبعه ابن حجر
=

١٩١
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
وابنُ عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعائشة.
[ش] .
(وابنُ عباس) روى ألفاً وست مئة وستين حديثاً(١).
(وجابر بن عبد الله) روى ألفاً وخمس مئة وأربعين حديثاً.
(وأنس بن مالك) روى ألفين ومئتين وستة وثمانين حديثاً.
(وعائشة) أم المؤمنين روت ألفين ومئتين وعشرة.
وليس في الصحابة من يزيد حديثُه على ألفٍ غيرُ هؤلاء إلا أبا سعيد
الخدري، فإنه روى ألفاً ومئة وسبعين حديثاً.
فائدة:
السبب في قلة ما رُوي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه مع تقدُّمه
وسَبْقه وملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم: أنه تقدمت وفاته قبل انتشارِ
الحديث واعتناء الناس بسماعه وتحصيله وحفظه، ذكره المصنف في ((تهذيبه))،
قال: وجملة ما رُوي له مئة حديث واثنان وأربعون حديثاً(٢).
[ت)
-
الهيتمي في ((شرح الأربعين)) - أول شرح الحديث الثالث -. ].
قلت: الصواب: أنه روى / ٢٦٣٠ / حديثاً، هكذا جاء عند ابن حزم في كتابه
((أسماء الصحابة والرواة))، ذكره مع أصحاب الألوف: أبي هريرة، وابن عمر، وأبي
موسى، وعائشة، ثم ذكر أصحاب الألف الواحدة، وكذلك جاء العدد عند ابن
الجوزي في ((تلقيح فهوم أهل الأثر)) ص ٣٦٣.
(١) [اتفق الشيخان على خمسة وسبعين - كذا، والصواب: وتسعين -، وانفرد
البخاري بمئة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين. عط.].
(٢) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١٨٢:٢. وهذا العدد هو الذي جاء في جزء ابن
=

١٩٢
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
وأكثرهم فُتْیا تُروی : ابن عباس.
وعن مسروق قال: انتهى علم الصحابة إلى ستة: عمر، وعلي،
وأُبيّ، وزيد، وأبي الدرداء، وابن مسعود، ثم انتهى علم الستة إلى:
علي، وعبد الله.
[ش]
(وأكثرهم فُتْیا تُروی) عنه: (ابن عباس) قاله أحمد بن حنبل.
(وعن مسروق) أنه (قال: انتهى علم الصحابة إلى ستة: عمر، وعلي،
وأُبيّ) بن كعب، (وزيد) بن ثابت، (وأبي الدرداء، وابن مسعود، ثم انتهى علم
الستة إلى: علي، وعبد الله) بن مسعود(١).
ورَوَى الشعبي عنه نحوه أيضاً، إلا أنه ذكر أبا موسى الأشعري بدل أبي
الدرداء(٢).
وقد استُشكِل بأن أبا موسى وزيد بن ثابت تأخرتْ وفاتهما عن ابن مسعود
[ب] -
حزم، وهو العدد الذي أخرج أحاديثه الإمام أبو بكر أحمد بن علي الأموي المروزي
(٢٠٢ - ٢٩٢) رحمه الله في كتابه: مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه: (١٤٢)
حديثاً، بالمكررات، والصحاح والضعاف، وزاد محققه عليه حديثًا واحدًا، وانظر
ترجمة الصديق من ((تاريخ الخلفاء)) للشارح رحمه الله ص ١٧٥ - ١٨٨.
وبالنظر في تخريج أحاديث هذا ((المسند)) يتبيّن كثرة الاستدراك على ما نقلته فيما
سبق عن الإمام وكيع في ص ٤٢٦ - مبحث: أصح الأسانيد -: أنه لا يصح عن أبي
بکر، عن النبي صلی الله عليه وسلم ولا حدیث واحد.
(١) ((المدخل)) للبيهقي (١٢٢٥).
(٢) ((المدخل)) أيضًا (١٢٢٧).

١٩٣
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
وعليّ، فكيف انتهى علم الستة إلى ابن مسعود وعلي؟.
قال العراقي(١): وقد يجاب بأن المراد ضَمّا علمهم إلى علمهما، وإن
تأخرت وفاة مَن ذُكر.
وقال الشعبي(٢): كان العلم يؤخذ عن ستة من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وكان عمر، وعبد الله، وزيد، يشبه بعضهم بعضاً، وكان يقتبس
بعضهم من بعض، وكان عليّ، والأشعري، وأُبيّ، يشبه علم بعضهم بعضاً،
و کان یقتبس بعضهم من بعض.
وقال ابن حزم(٣): أكثر الصحابة فتوى مطلقاً سبعة: عمر، وعليّ، وابن
مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة.
قال: یمکن أن یجمع من فُتیا کل واحد من هؤلاء مجلد ضخم.
قال: ويليهم عشرون: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن
أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان،
وجابر، وأبو سعيد، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن
(١) الإشكال وجوابه في ((شرح الألفية)) ص ٣٥٢.
(٢) ((المدخل)) أيضًا (١٢٢٨).
(٣) قوله هذا وما يليه: من كتابه ((الإحكام)) ٨٩:٥ - ٩٠، وعنه ابن القيم في
((إعلام الموقعين)) ١٢:١، وليس في جزئه اللطيف المطبوع مع كتابه ((جوامع السيرة))
هذه التقديرات المهمة: مجلد ضخم من فتاوى كل واحد من السبعة، وجزء صغير
لکل واحد من الآخرین.

١٩٤
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
ومن الصحابة : العبادلةُ، وهم ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير،
وابن عمرو بن العاص، ولیس ابن مسعود منهم،
[ش]
حصين، وأبو بكرةَ، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة،
قال: يمكن أن يجمع من فُتيا كل واحد منهم جزء صغير.
قال: وفي الصحابة نحوٌ من مئة وعشرين نفساً مقلُّون في الفتيا جداً، لا
يُروى عن الواحد منهم إلا المسألةُ والمسألتان، والثلاث، كأبيّ بن كعب، وأبي
الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد، وسَرَد الباقين.
(ومن الصحابة: العبادلة، وهم) أربعة: عبد الله (بن عمر) بن الخطاب،
(و) عبد الله (بن عباس، و) عبد الله (بن الزبير، و) عبد الله (بن عمرو بن
العاص، وليس ابن مسعود منهم) قاله أحمد بن حنبل، قال البيهقي: لأنه تقدم
موته، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اجتمعوا على شيء قيل:
هذا قول العبادلة.
وقيل: هم ثلاثة، بإسقاط ابن الزبير، وعليه اقتصر الجوهري في
((الصحاح))(١)، وأما ما حكاه المصنف في ((تهذيبه)) عنه: أنه ذكر ابن مسعود،
[ب] -
(١) [الذي رأيته في نسخة معتمدة من ((الصحاح)) مقابلة على خط الجوهري:
أنه أسقط في: ع ب د - ٢ : ٥٠٥ - ابنَ الزبير، وأتى بابن العاص، وفي الهاء من
باب الألف اللينة - ٦ : ٢٥٦٠ - ذَكَر ابن الزبير وأسقط ابن العاص، وعبارته في
ع ب د: والعبادلة : عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن
العاصي، وفي الهاء من الألف اللينة : العبادلة: هم عبد الله بن عباس، وعبد الله
ابن عمر، وعبد الله بن الزبير. انتهى. فجعل العبادلة في المحلّين ثلاثة لا أربعة،
=

١٩٥
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
وأسقط ابن العاص فوَهَم (١).
نعم، وقع للرافعي في الدِّيّات، وللزمخشري في ((المفصَّل))(٢)، أن
العبادلة: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وغُلطا في ذلك من حيثُ
(٣)
الاصطلاح (٣).
[ب] -
وتناقض كلامه في ابن الزبير، وابن العاص، ولم يذكر ابن مسعود أصلاً في
المحلَّين، ولعل نسخ ((الصحاح)) مختلفة هنا، فإن صاحب ((القاموس)) قال في
(ع ب د): العبادلة : ابن عباس، وابن عُمر، وابن عمرو بن العاص، وليس منهم
ابن مسعود. وغلط الجوهري. انتهى.
[وأنشد بعضهم:
إن العبادلة الأخيار أربعةٌ مناهجُ العلم في الإسلام للناس
ابن الزبير، مع ابن العاص، وابن أبي حفص الخليفة، والحبرِ ابن عباس
وقد يُضاف ابن مسعود لهم بدلاً عن ابن عَمرٍو لوهم أو لإلباس
وهذا الشعر نسبه التاج السبكي إلى محمد بن عبد المحسن الأَرْمَنْتي من الطبقة
السابعة.] - ((الطبقات)) ٩: ١٦٦ -.
(١) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٢٦٧:١ ترجمة ابن الزبير.
(٢) ((فتح العزيز)) ١٠: ٣٢٨، و((المفصَّل)) ص ٢٩.
(٣) أقول: إن كان مجرد اصطلاح، وليس وراءه مغزى فقهي: فليكن، ولا
مشاحّة في الاصطلاح، أما إن كان وراءه مغزى فقهي، كأن يُراد تأييد الحكم الفقهي
بأنه قول هؤلاء الفقهاء الأركان الأربعة من الصحابة: فلا، ولا عبرة بتقدم الوفاة
وتأخرها، إنما العبرة بأن قائل هذا الحكم من أركان الصحابة الفقهاء رضي الله عنهم
جميعًا، وإذا كان ابن مسعود الذي توفّي مبكرًا - بالنسبة لابن الزبير -، يُمكن أن
=

١٩٦
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
وكذا سائر من يسمَّى عبد الله، وهم نحو مئتين وعشرين. قال أبو
زرعة الرازي : قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مئة ألفٍ وأربعةً
عشرَ ألفاً من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه.
[ش]
(وكذا سائر من يسمى عبد الله) من الصحابة لا يطلق عليهم العبادلة (وهم
نحو مئتين وعشرين) نفساً، كذا قال ابن الصلاح(١)، أخذاً من ((الاستيعاب))(٢)،
وزاد علیه ابن فَتْحون جماعة يبلغون بهم نحو ثلاث مئة رجل.
(قال أبو زرعة الرازي) في جواب من قال له: أليس يقال: حديث النبي
صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث؟: ومن قال ذا، قلقل الله أنيابه؟! هذا
قول الزنادقة، ومن يُحصي حديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! (قُبض
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مئة ألفٍ وأربعةَ عشرَ ألفاً من الصحابة ممن
روى عنه وسمع منه) فقيل له: هؤلاء أين كانوا؟ وأين سمعوا؟ قال: أهل
[ب] -
يُجمع من فتاويه مجلد ضخم، وابن الزبير الذي توفي بعده بأربعين سنة، ومع ذلك
فمن الممكن أن يجمع له جزء صغير !! هذا، مع ملاحظة فارق الفَقَاهة بين الطرفين،
فأيُّ اعتبار حينئذٍ لتقدم الوفاة وتأخرها !.
(١) ((المقدمة)) ص ٢٦٦، وتبعه المصنف النووي هنا، وفي ((الإرشاد)) ص
١٩٧، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ٢٦٧:١.
(٢) ((الاستيعاب)) من رقم ١٤٦٨ - ١٦٩٥، فعددهم مائتان وسبعة وعشرون
صحابيًا، ولم أُدخل فيهم رقم (١٦٩٦)، أما العبادلة الذين في ((الإصابة)): القسم
الأول - حسب ترقيم المطبعة -: من رقم (٤٥١٩ - ٥٠٦٢) = ٥٤٣، يضاف إليهم
(٣٠) من القسم الثاني من رقم (٦١٦١ - ٦١٩١)، فالمجموع (٥٧٣) صحابيًا
رضي الله عنهم جميعًا.

١٩٧
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
المدينة، وأهل مكة، ومن بينهما، والأعراب، ومن شهد معه حجة الوداع، كل
رآه وسمع منه بعرفة.
قال العراقي(١): وهذا القول عن أبي زرعة لم أقف له على إسناد، ولا هو
في كتب التواريخ المشهورة، وإنما ذكره أبو موسى المديني في ((ذيله)) بغير
إسناد.
قلت: أخرجه الخطیب بإسناده قال(٢): حدثني أبو القاسم الأزهري، حدثنا
عبيدالله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري، حدثنا أبو بكر عبد العزيز بن
جعفر، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلاّل، حدثنا محمد بن أحمد بن
جامع الرازي، سمعت أبا زرعة وقال له رجل: أليس يقال، فذكره بلفظه.
قال العراقي (٣): وقريب منه ما أسنده المديني عنه قال: توفي النبي صلى الله
عليه وسلم ومن رآه وسمع منه زيادة على مئة ألف إنسان من رجل وامرأة،
وهذا لا تحديد فيه، وكيف يمكن الاطلاع على تَحْرِير ذلك مع تفرُّق الصحابة
في البلدان والبوادي والقرى.
وقد روى البخاري في ((صحيحه)) (٤): أن كعب بن مالك قال في قصة
-
[ب]
(١) ((التقييد والإيضاح)) ٩٠٣:٢. والمراد بـ ((الذيل)) لأبي موسى المديني: كتابه
الذي ذيَّل به على كتاب ((معرفة الصحابة)) لابن منده.
(٢) ((الجامع)) (١٩٦٥).
(٣) ((التقييد والإيضاح)) أيضًا، وكذا القول التالي. والمديني: هو أبو موسى.
(٤) ((الجامع الصحيح)) (٤٤١٨)، وذكر الحافظ في ((شرحه)) أن عددهم كان
زيادة على الثلاثين ألفًا، وأشار إشارة إلى ما رواه الخطيب في ((الجامع)) (١٩٦٤) من
=

١٩٨
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
واختُلِف في عدد طبقاتهم، وجَعَلهم الحاكم اثنتيْ عشْرةَ طبقةً.
[ش]
تخلَّفه عن تبوك: وأصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم
کتاب حافظ، يعني الدیوان.
قال العراقي(١): وَرَوى الساجي في ((المناقب))(٢) بسند جيد عن الشافعي
قال: قبض [الله رسوله] صلى الله عليه وسلم والمسلمون ستون ألفاً: ثلاثون ألفاً
بالمدينة، وثلاثون ألفاً في قبائل العرب، وغير ذلك.
قال(٣): ومع هذا فجميع من صنف في الصحابة لم يبلغ مجموع ما في
تصانيفهم عشرة آلاف، مع كونهم يذكرون مَن توفي في حياته صلى الله عليه
وسلم، ومن عاصره أو أدركه صغيراً.
(واختلف في عدد طبقاتهم) باعتبار السَّبْق إلى الإسلام، أو الهجرة، أو
شهود المشاهد الفاضلة، فجعلهم ابن سعد خمس طبقات.
(وجعلهم الحاكم اثنتيْ عشْرةَ طبقةً)(٤) الأُولى: قوم أسلموا بمكة، كالخلفاء
[ب].
قول أبي زرعة: ((شهد معه تبوك سبعون ألفًا))، لكنه سها رحمه الله في العدد فقال:
أربعين ألفًا. انظر ((فتح المغيث)) ٥١:٤.
(١) ((التقييد والإيضاح)) أيضًا ٩٠٤:٢، وما بين المعقوفين من ك، ومنه، وفي
النسخ الأخرى: قُبض رسول الله. وفي المطبوعة التي أعزو إليها سَقَط، وجاء النص
على الصواب في طبعة العلامة الأستاذ الطباخ رحمه الله، ص٢٦٤، وأيضًا هو على
الصواب في مقدمة الحافظ الذهبي لكتابه ((تجريد أسماء الصحابة)).
(٢) أي: ((مناقب الإمام الشافعي)).
(٣) المصدر السابق.
(٤) ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٥٨ - ١٦٣.

١٩٩
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
الثالث : أفضلهم على الإطلاق: أبو بكر، ثم عمر رضي الله عنهما
بإجماع أهل السنة،
[ش]
الأربعة. الثانية: أصحاب دار الندوة(١). الثالثة: مهاجرة الحبشة. الرابعة:
أصحاب العقبة الأولى.
الخامسة: أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار. السادسة: أول
المهاجرين الذين وصلوا إليه بقُباء قبل أن يدخل المدينة. السابعة: أهل بدر.
الثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية.
التاسعة: أهل بيعة الرضوان. العاشرة: من هاجر بين الحديبية وفتح مكة،
كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص. الحادية عشرة: مُسلمة الفتح. الثانية
عشرة: صبيان وأطفال رأوه يوم الفتح، وفي حجة الوداع وغيرهما.
(الثالث: أفضلهم على الإطلاق: أبو بكر، ثم عمر رضي الله عنهما
بإجماع أهل السنة).
وممن حكى الإجماع على ذلك أبو العباس القرطبي (٢)، قال: ولا مبالاة
بأقوال أهل التشيع ولا أهل البدع، وكذلك حكى الشافعيُّ إجماع الصحابة
والتابعين على ذلك، رواه عنه البيهقي في ((الاعتقاد))(٣).
(١) [قوله أصحاب دار الندوة: قال السخاوي في ((شرح الألفية)) - ٤: ٥٤ -:
التي خرج النبي صلى الله عليه وسلم إليها بعد أن أظهر عمر بن الخطاب إسلامه،
فبايعوه حينئذ فيها. انتهى.].
(٢) ((المفهم)) ٢٣٨:٦.
(٣) صفحة ٢٤٤.

٢٠٠
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
وحكى المازري عن الخطابية: تفضيل عمر، وعن الشيعة: تفضيل علي،
وعن الراوندية: تفضيل العباس(١)، وعن بعضهم: الإمساك عن التفضيل(٢).
-
(١) ذكر الإمام أبو الحسن الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) ٩٦:١ (الراوندية)
وأنهم يقولون بأن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على إمامة العباس بن عبد المطلب
من بعده، ونصّ العباس على إمامة ابنه عبد الله من بعده، إلى أن وصلت الإمامة إلى
أبي جعفر المنصور.
وحکی ابن جرير في «تاريخه)» ٣٩٥:٤ في حوادث سنة ١٤١ - وعنه ابن كثير في
((تاريخه)» ٣٣٦:١٣ - أن هؤلاء جاؤوا إلى قصر المنصور وصاروا يقولون: هذا قصر
ربنا، فأنزل بهم المنصور بأسه، بإقدام معن بن زائدة في ذلك اليوم. والخبر في
«أنساب الأشراف» ١٧٢٩:٤ قبل ابن جرير.
فهذا هو أصل قول الراوندية بتفضيل العباس.
والراوندية: نسبة إلى بليدة قرب قاشان وأصبهان، قاله ياقوت ٢٢:٣، وكأن هذه
النسبة جاءتهم من صِلَتهم العَقَدية بأبي مسلم الخراساني. قال البلاذري وابن جرير
وابن كثير: إن الراوندية كانوا على رأي أبي مسلم الخراساني، كانوا يقولون بتناسخ
الأرواح.
وأقصد من هذا التنبيه إلى أمر آخر، هو أن هذه (الراوندية) ليست فرقة تابعة
للراوندي أحمد بن يحيى الملحد الزنديق الذي مات سنة ٢٩٨، وله ترجمة في
((السير)) ٥٩:١٤، وغيره، فكلاهما يتفقان في الزندقة، والنسبة، لكن الرجل متأخر
عن تلك الفرقة.
(٢) ((المعلم بفوائد مسلم)) ١٣٧:٣.