النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
وعن أصحاب الأصول - أو بعضهم -: أنه مَن طالت مجالسته ...
[ش]
الرسالة والبعثة، فكان ذكر مَن عُرف اسمه ممن رآه حسناً، بخلاف الملائكة.
قال(١): وإذا نزل عيسى وحكم بشرعه، فهل يُطلق عليه اسم الصحبة، لأنه
ثبت أنه رآه في الأرض؟ الظاهر: نعم. انتهى.
(وعن أصحاب الأصول(٢) - أو بعضهم -: أنه مَن طالت مجالسته) له
على الصحيح)).
(١) ((التقييد والإيضاح)) ٨٧٤:٢ بالمعنى، وبتصرف شدید.
لكن قال الحافظ نفسه [في ((فتح الباري)) في باب التلبية - ٣: ٤١٥ (١٥٥٦) -
إذا انحدر من الوادي، عن ابن المنِّر ما نصه: لم يثبت أن عيسى منذ رفع نزل إلى
الأرض، وإنما ثبت أن الله سينزله عند أشراط الساعة. انتهى.].
(٢) عزا هذا القول إلى (طريق الأصوليين): ابن الصلاح ص ٢٦٣ - ٢٦٤، تبعًا
لأبي المظفَّر السمعاني، وزاد في النقل عنه الزركشيُّ في ((البحر المحيط)) ٣٠١:٤،
فذكر طريق أهل الحديث، وأنهم ((يتوسَّعون حتى يعدّون من رآه رؤيةً مّا من
الصحابة، وهذا لشرف منزلة النبي صلى الله عليه وسلم))، فدل على طريقة الجمع بين
مذهب الأصوليين، ومذهب المحدثين، فمذهب المحدثين إثبات الصحبة لمن حصل
له شرفُ أيِّ لقاءٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكنهم لا يَغفلون عن الفرق بين محمد
ابن أبي بكر الصديق - مثلاً -، وبين من زاد على ذلك بإدراكه عدةَ سنواتٍ من أول
عمره مع النبي صلى الله عليه وسلم، كالحسن والحسين، وابن الزبير وابن عباس،
وهم أحداث السنّ، أو صحب النبيَّ صلى الله عليه وسلم فترة قصيرة، أو لعدة
سنوات، لكنه كان مكتمل الرجولة، وما شابه هذه الصور والوقائع.
فإن الأئمة يقدرون لكلِّ ظرْفَه وحاله بموازين دقيقة، لا تختلط عليهم الفضيلةُ
والشرفُ، بالسنّ والصحبة والملازمة، ولا إرسالُ الصحابي بموصوله ومسموعه، وما
=

١٦٢
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
على طريق التَّبَع.
[ش]
(على طريق التَّبَع) له والأخذ عنه، بخلاف مَن وفد عليه وانصرف بلا مصاحبة
ولا متابعة.
قالوا: وذلك معنى الصحابي لغةً، ورُدَّ بإجماع أهل اللغة على أنه مشتقٌّ
من الصحبة، لا مِن قَدْر منها مخصوص، وذلك يطلق على كل من صحب
غيرَه، قليلاً كان أو كثيراً، يقال: صحبت فلاناً حولاً، وشهراً، ويوماً،
وساعة(١).
وقول المصنف ((أو بعضِهم)) من زيادته، لأن كثيراً منهم موافقون لما تقدم
نقله عن أهل الحديث، وصحّحه الآمدي وابن الحاجب(٢).
وعن بعض أهل الحديث، موافقةُ ما ذُكر عن أهل الأصول، لما رواه ابن
سعد بسند جيد في ((الطبقات))(٣) عن علي بن محمد، عن شعبة، عن موسى
السَّيْلاني قال: أتيت أنس بن مالك فقلت: أنتَ آخرُ مَن بقي مِن أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قد بقي قوم من الأعراب، فأما مِن
أصحابه فأنا آخر مَن بقي.
قال العراقي(٤): والجواب: أنه أراد إثباتَ صحبةٍ خاصةٍ ليست لأولئك.
إلى ذلك من الاعتبارات التي تتفاوت بها موازين الترجيح.
(١) ((الكفاية)) ص ٥١ من كلام طويل للإمام الباقلاني.
(٢) ((الإحكام)) للآمدي ٢: ١٣١، و((مختصر)) ابن الحاجب ٥٩٩:١ - ٦٠٠.
(٣) ((الطبقات الكبرى)) ٣٤٨:٥.
(٤) ((شرح الألفية)) ص ٣٤٥ - ٣٤٦.

١٦٣
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
وعن سعيد بن المسيَّب: أنه لا يُعدُّ صحابياً إلا من أقام مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين، فإن صح
عنه فضعيف، فإن مقتضاه أن لا يُعَدَّ جريرٌ البَجَلي وشبههُ صحابياً، ولا
خلاف أنهم صحابة.
[ش]
(وعن سعيد بن المسيَّب: أنه) كان (لا يعدُّ صحابياً إلا من أقام مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين)،
وَوَجهه: أن لصحبته صلى الله عليه وسلم شرفاً عظيماً، فلا تُنال إلا باجتماعٍ
طويل يظهر فيه الخُلُق المطبوع عليه الشخص، كالغزوِ المشتملِ على السفر
الذي هو قطعةٌ من العذاب، وَالسَّنَة المشتملة على الفصول الأربعة التي بها
يختلف المزاج.
(فإن صح) هذا القول (عنه فضعيف (١)، فإن مقتضاه أن لا يُعَدَّ جرير) بنُ
عبد الله (البَجَلي وشبههُ) ممن فَقَد ما اشترطه، كوائل بن حُجْر، (صحابياً، ولا
خلاف [في عدِّهم] أنهم صحابة)(٢).
قال العراقي(٣): ولا يصح هذا عن ابن المسيب، ففي الإسناد إليه محمد بن
عمر الواقدي، ضعيف في الحديث.
[ب]
(١) أي: غير معتمد، ولا يريد ضعيف السند، مع قوله: فإنْ صح.
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من ك، وعليها إشارة أنها من نسخة.
قلت: وبهذا التعليل ضعف ابن الصلاح ص ٢٦٤، والزركشي في ((البحر))
٣٠٢:٤ هذا النقل عن سعيد بن المسيَّب.
(٣) ((شرح الألفية)) ص ٣٤٦، و((النكت)) ٨٧٩:٢، والنقل عن سعيد بواسطة
الواقدي هو في ((الكفاية)) ص ٥٠.

١٦٤
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
قال: وقد اعتُرِض بأن جريراً أسلم في أول البعثة (١)، لِمَا روى الطبراني عنه
قال: لما بُعِث النبي صلى الله عليه وسلم أتيته لأبايعه، فقال: ((لأيّ شيء جئتَ
يا جرير؟»، قلت: جئتُ لأسلمَ على يديك، فدعاني إلى ((شهادة أن لا إله إلا
الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة))،
الحديث(٢).
قال: والجواب أن الحديث غير صحيح، فإنه من رواية الحصين بن عُمر
الأحمسي، وهو منكر الحديث(٣)، ولو ثبت فلا دليل فيه، لأنه لا يلزم الفورية
في جواب (لمّا))، بدليل ذِكْر الصلاة والزكاة، وفرضُهما متراخٍ عن البعثة.
والصواب ما ثبت عنه أنه قال: ما أسلمتُ إلا بعد نزول المائدة، رواه أبو
داود وغيره (٤).
(١) العراقي في ((النكت)) أيضًا ٨٨٠:٢.
[ب] -
(٢) المعجم ((الكبير)) ٢ (٢٢٨٢)، و((الأوسط)) (٥٢٦١).
(٣) هذا قول البخاري فيه، في ((تاريخه الكبير)) ٣(٣٨)، ووَقْعها منه أشدّ مما لو
قالها غيره، ونقل أبو حاتم في ((الجرح)) ٣ (٨٤٢) عن الإمام أحمد اتهامه له بالكذب.
(٤) أبو داود (١٥٥)، والترمذي (٩٤) لكن بطريقة مُؤذنة بضعفه: علَّقه وبصيغة
غير الجزم على شهر ابن حوشب، ثم وصله به، وابن خزيمة (١٨٧)، والحاكم
وصححه (٦٠٤)، وفي ((صحيح)) البخاري (٣٨٧)، ومسلم ٢٢٧:١ (٧٢)، وغيرهما
روايةُ جرير لحديث المسح على الخفين، وفيه أنه أسلم بعد نزول المائدة من كلام
إبراهيم النخعي، وانظر: ((مصنف)) ابن أبي شيبة (١٨٦٨).

١٦٥
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
وفي ((تاريخ البخاري الكبير))(١): أنه أسلم عام توفي النبي صلى الله عليه
وسلم، وكذا قال الواقدي، وابن حبان، والخطيب وغيرهم.
فائدة(٢)
في حدّ الصحابي قول رابع: أنه من طالت صحبته ورَوَى عنه، قاله
الجاحظ(٣).
[ب]
-
-
(١) ٢ (٢٢٢٥) من كلام إبراهيم النخعي. وقول ابن حبان: في ((الثقات)) ٥٤:٣،
والخطيب في ((تاريخه)) ٥٤٤:١، وقول الواقدي حكاه الحافظ في ((الإصابة)) وحدَّد
ثلاثتُهم أن ذلك كان في شهر رمضان من السنة العاشرة، ومع ذلك فقد استدل الحافظ
برواية جرير لحديث: ((إن أخاكم النجاشي قد مات)) استدل به على أن إسلام جرير
كان قبل السنة العاشرة، وزاد ابن جرير في ((تاريخه)) ١٩١:٢ آخر الصفحة: أن ذلك
كان في شهر رجب من السنة التاسعة.
وأما أن إسلامه كان قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين يومًا: فغلط
ظاهر، لحديث البخاري (١٢١)، ومسلم ٨١:١ (١١٨): أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال له يوم حجة الوداع: ((استنصتِ الناس)).
(٢) ملخصةٌ من ((شرح الألفية)) للعراقي ص ٣٤٦.
(٣) ذكر هذا القول الآمدي ١٣٠:٢، وابن الحاجب ٥٩٩:١، أشار إليه إشارة
خفيّة.
وسمّى الآمدي القائل: عمر بن يحيى، لكن نقله عنه العراقي: عمرو بن يحيى،
وقال: هذا وهم، إنما هو عمرو بن بحر أبو عثمان الجاحظ، ونقل أنه غير ثقة ولا
مأمون، أما الزركشي في ((البحر)) ٤: ٣٠٢ فنسبه إلى الجاحظ دون توقف.

١٦٦
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
وخامس: أنه من رآه بالغاً، حكاه الواقدي، وهو شاذّ، كما تقدم(١).
وسادس: أنه من أدرك زمنه صلى الله عليه وسلم وهو مسلم وإن لم يره،
قاله يحيى بن عثمان بن صالح المصري، وعَدَّ من ذلك: عبد الله بنَ مالك
الجَيْشاني أبا تميم، ولم يرحل إلى المدينة إلا في خلافة عمر باتفاق، وممن
حكى هذا القول القرافي في ((شرح التنقيح))(٢).
وكذا من حُكم بإسلامه تبعاً لأبويه، وعليه عمل ابن عبد البر وابن منده في
كتابيهما(٣).
[س)
(١) نقله عنه الخطيب في ((الكفاية)) ص ٥٠.
(٢) صفحة ٣٦٠.
(٣) الضمير في قوله: ((وعليه عمل ابن عبد البر ... )): يعود - بمقتضى السياق -
على قوله: ((وكذا من حكم بإسلامه تبعًا لأبويه))، وليس كذلك، فإن الشارح ينقل من
((شرح الألفية)) ص ٣٤٦ - ٣٤٧، والإشكال وارد على كلام العراقي هناك.
لكن انكشف الإيهامُ في تمام كلامه بعد ذكر عمل ابن عبد البر وابن منده، فقال:
((وقد بيّن ابن عبد البر في ترجمة الأحنف بن قيس أن ذلك شرطه))، واسم الإشارة في
قوله: ((أن ذلك شرطه)) يعود على أول الكلام: إن من أدرك زمنه صلى الله عليه وسلم
وإن لم يره، فهو صحابي، وهذا هو المتفق مع شرط ابن عبد البر الذي أفصح عنه في
آخر ترجمته للأحنف بن قيس، قال في ((الاستيعاب)) ١٤٥:١: ((ذكرنا الأحنف بن
قيس في كتابنا هذا على شرطنا: أن نذكر كل من كان مسلمًا على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم في حياته)).
وعلى هذا، فقول الشارح: ((وعليه عمل ابن عبد البر وابن منده)) متصل بقوله:
=

١٦٧
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
ثم تُعرف صحبته بالتواتر، أو الاستفاضةِ، أو قولٍ صحابي، ..
[ش].
وشرَطَ الماوردي في الصحابي أن يتخصَّص بالرسول، ويتخصَّص به
الرسول صلى الله عليه وسلم(١).
(ثم تعرف صحبته) إما (بالتواتر) كأبي بكر وعمر، وبقية العشرة، في خلق
منهم، (أو الاستفاضةِ) والشهرةِ القاصرة عن التواتر، كضِمَام بن ثعلبة،
وعُكّاشة بن مِحْصَن، (أو قولِ صحابي) عنه: إنه صحابي، كحُمَمة بن أبي
حُمَمة الدَّوْسي الذي مات بأصبهان مبطوناً، فشهد له أبو موسى الأشعري أنه
سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم حكَم له بالشهادة، ذكر ذلك أبو نعيم في
((تاريخ أصبهان»، ورَوَينا قصته في ((مسند)) الطيالسي، و((معجم)) الطبراني (٢).
[ب] -
((وممن حكى هذا القول القرافي))، وعليه ابن عبد البر وابن منده، وبه يستقيم الكلام.
أما قوله ((وكذا من حُكم بإسلامه ... )): فمذهب أُقحم ذكره بين جملتين
مترابطتين، أَخَلَّ بمعنى الجملة الثانية.
ويبقى هذا القول ((من حُكم بإسلامه تبعًا لأبويه)): غيرَ منسوب لقائل. والله أعلم.
(١) ((الحاوي الكبير)) ١٧: ١٧٣، وشَرَح هذا المعنى بقوله: ((اختصاصه بالرسول
يكون بأمرين: أحدهما: مكاثرته في حضره وسفره، والثاني: متابعته في الدين والدنيا.
واختصاص الرسول به يكون في أمرين: أحدهما أن يثق بسرائرهم، والثاني: أن يُفضي
بأوامره ونواهیہ إلیھم)».
(٢) ((تاريخ أصبهان)) ٧١:١، و((مسند الطيالسي)) (٥٠٧)، والحارث (١٠٣١)
من ((زوائده))، ورواية أبي نعيم في ((تاريخ أصبهان))، و((معرفة الصحابة)) ٢: ٩٠١.
ورواه أيضًا أحمد ٤٠٨:٤، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٣٤٤٩٩) - وفاتني
تخريجه -، وابن المبارك في ((الجهاد)) (١٤١)، كلهم من طريق أبي عوانة، عن داود
=

١٦٨
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
أو قولِه إذا كان عدلاً.
[ش]
وزاد شيخ الإسلام ابن حجر بعد هذا: أن يخبر آحاد التابعين بأنه صحابي،
بناءً على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح(١).
(أو قولِه) هو: أنا صحابي (إذا كان عدلاً) إذا أمكن ذلك(٢)، فإن ادّعاه بعد
مئة سنة من وفاته صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقبل، وإن ثبتتْ عدالته قبل
ذلك(٣)، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((أرأيتَكُم ليلتكم
[ب] -
ابن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن الحِميري، في قصة استشهاد حُمَمة
في فتح أصبهان، وأن أبا موسى شهد له بهذه الشهادة.
وغالب الظن أن حميدًا لم يدرك فتح أصبهان الذي كان سنة ٢٠ أو ٢١، كما قال
أبو نعيم في ((التاريخ)) ١٩:١، لكن روايته عن أبي موسى ممكنة جدًا، فهو يروي عن
أبي بكرةَ الثقفي المتوفى سنة ٥١، وكانت وفاة أبي موسى سنة ٥٠ أو بعدها، فهو مع
أبي بكرة، فعنعنته تحمل على الاتصال، وإن لم تذكر له رواية عن أبي موسى، فهو
غير مدلس، والله أعلم.
(١) مقدمة ((الإصابة)) ٨:١ الفصل الثاني، وأشار إشارة وجيزة إلى هذا الوجه،
وزاد معها قيدًا، فقال في ((شرح النخبة)) ص ١١٠: ((أو بعض الثقات التابعين))،
فاشترط في التابعي المخبِر شرطًا معهودًا معروفًا: هو كونه ثقة.
(٢) ذكره الحافظ أيضًا في المصدر السابق وقال: ((إذا كان ثابت العدالة
والمعاصرة))، وسيأتي بعد سطرين نقل شرط المعاصرة عن الأصوليين.
(٣) [نقل في ((حاوي الفتاوي)) - ٢ : ٩٨ - عن الحافظ ابن حجر وقد سئل عن
مُعَمَّر: لا يخلو طريق عن التوقف فيها حتى المعمر نفسه، فإن من يدعي هذه الرتبة،
يتوقف على ثبوت العدالة، وثبوتُ ذلك عقلاً: لا يفيد مع ورود الشرع بنفيه في
الأحاديث الصحيحة، بانخرام قرنه بعد مئة سنة من يوم مقالته المشهورة، فمن ادعى
=

١٦٩
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
هذه، فإنه على رأس مئة سنة لا يبقى أحدٌ ممن على ظهر الأرض)) (١)، يريد
[ب] -
الصحبة بعد ذلك لزم أن يكون مخالفاً لظاهر الخبر.
[وقال أيضاً - ٢: ٩٨ -: آخر الصحابة موتاً مطلقاً أبو الطُّفيل، ثبت ذلك في
((صحيح) مسلم، واتفق عليه العلماء، واحتج البخاري بحديث أنه صلى الله عليه
وسلم قال قبل موته بقليل: ((إن على رأس مئة سنة من تلك الليلة لا يبقى على وجه
الأرض ممن هو عليها أحد)) وأراد بذلك انخرام القرن، فمن ادعى الصحبة بعد أبي
الطفيل فهو كذاب، انتهى جواب الحافظ ابن حجر.].
(١) رواه من حديث ابن عمر: البخاري (١١٦، ٥٦٤، ٦٠١)، وشَرَحه الحافظ
في الموضع الثالث، ومسلم ١٩٦٥:٤ (٢١٧)، وجملة: ((يريد انخرام ذلك القرن)) من
كلام ابن عمر.
ورواه من حديث جابر: ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٨٧١٨)، وعنه مسلم
١٩٦٦:٤ (٢١٨) وما بعده، وفيه: أن ذلك كان قبل وفاته عليه الصلاة والسلام بشهر.
ورواه من حديث أبي سعيد الخدري: ابن أبي شيبة أيضًا (٣٨٧١٥)، وعنه
مسلم ١٩٦٧:٤ (٢١٩) وفيه: أن ذلك كان لما رجع من يوم تبوك، ورواه الطبراني
في ((الأوسط)) (٢٢١٠)، و((الصغير)) (٧٤) من وجه آخر: يحيى بن أبي زائدة، عن
داود، به.
ومع ذلك: فإني أُحسُّ من ذكر الإمام مسلم لرواية أبي سعيد بين روايات جابر
أنه يريد إعلال هذه الرواية، والله أعلم، ويُستأنس بذلك أيضًا: أنه ختم الروايات
برواية جابر، والله أعلم.
وفائدة عابرة أقولها: إنه بالجمع بين رواية جابر: كان ذلك قبل شهر، ورواية أبي
سعيد: كان بعد الرجوع من تبوك، إنه بالجمع بينهما يتأيد ذكر الإمام البخاري
=

١٧٠
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
انخرام ذلك القرن، قال ذلك سنة وفاته صلى الله عليه وسلم.
وشَرَط الأصوليون في قبوله: أن تعرف معاصرته له، وفي أصل المسألة
احتمالُ أنه لا يصدُق، لكونه متهماً بدعوى رتبةٍ يثبتها لنفسه، وبهذا جزم
الآمدي، ورجحه أبو الحَسَن ابن القطان(١).
فائدة :
قال الذهبي في ((الميزان)): رَتَنُ الهندي، وما أدراك ما رتن !! شيخ دجال
بلا ريب، ظهر بعد الستّ مئة، فادعى الصحبة، وهذا جريء على الله
ورسوله، وقد ألفت في أمره جزءاً(٢).
(ت)
.
لأحاديث غزوة تبوك بعد حجة الوداع، وليس كما قال الحافظ في ((الفتح)) ١١١:٨
(٤٤١٥): ((هو خطأ، وما أظن ذلك إلا من النساخ)). والله أعلم.
ورواه من حديث بريدة: البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٢ (١٨٣٩)، وابن أبي
شيبة في ((مسنده))، وأبو يعلى في ((مسنده الكبير))، كما في ((المطالب العالية))
(٤٣٨٩)، وكرره (٤٤٨٣)، وقال الحافظ عنه في الموضعین: إسناده حسن.
(١) ((الإحكام)) للآمدي ١٣٣:٢، وابن القطان: في ((بيان الوهم والإيهام))
١٤٠:٤ (١٥٨٣)، والمسألة في ((البحر المحيط)) للزركشي ٣٠٥:٤، وأكّد بأن ابن
القطان هو المحدِّث، احترازًا عن أبي الحُسَين ابن القطان، الأصولي الشافعي، الذي
يُكثر الزركشي من النقل عنه.
(٢) ((الميزان)) (٢٦٣٨)، واسم الجزء ((كسر وَتَن رَتَن))، وأطال الحافظ الكلام
على رَتَن في ((اللسان)) (٣١٣١)، و((الإصابة)) القسم الرابع، وقال أسطرًا قليلة في
((المجمع المؤسس)) ٥٥٢:٢، فيها: ((إنا - معشر أهل الحديث - نقطع بكذب من ادعى
=

١٧١
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
الثاني : الصحابة كلهم عدول، مَن لابسَ الفتنَ وغيرُهم، بإجماع
[ش]
(الثاني : الصحابة كلهم عدول(١)، من لابسَ الفتنَ وغيرُهم، بإجماع
[ب]
الصحبة بعد أبي الطفيل، متمسكين بالحديث الصحيح المتواتر - ((أرأيتكم ليلتكم
هذه ... ))، ذكره بالمعنى - فدخل في العموم رتن، فمن ادّعى أنه كان موجودًا إذ
ذاك، وعاش إلى بعد الستّ مئة قطعيًا يكفر به، ولا نبالي بمن لا يقطع بذلك)).
وفي هذا الكلام غرابة شديدة من وجهين، أولهما: قوله بتواتر الحديث، وهذا ما
لم يقل به أحد، ولا شيء يؤيده. ثانيهما: حكمه بكفر من ادّعى أنه كان موجودًا يوم
قال صلى الله عليه وسلم ذلك الحديث، وأنه استمرَّت به الحياة إلى ما بعد الست
مئة، لاسيما مع ما في الحديث من استثناءات ذكرها الحافظ نفسه في ((الفتح)) ٧٥:٢
(٦٠١)، وهذه الاستثناءات تُخرِج العامَّ عن قطعيته.
ولم يكرر الحافظ هذين القولين في ((الإصابة))، ولا في ((اللسان))، مع أنه کرر في
آخر الترجمة من ((الإصابة)) القول بصحة الحديث، وأنه في الصحيحين، فقط، لم يزد.
(١) (عدالة الصحابة): كلمتان، سأتناول كلاً منهما على حدة باختصار،
وزدتُ في الكلام عليهما في البحث المفرد الذي يجده القارئ الكريم ضمن
((مجموع رسائل في علم الحديث دراية))، إن شاء الله تعالى.
١ - الكلمة الأولى: العدالة: وأول ما ينبغي: هو تعريفُ العدالة المرادة هنا، لا
حكاية إطلاقاتها المتشعّبة، كما في ((ظفر الأماني)) ص ٥٤٠، وغيره، وكلَّ طالب علم
لا يخفى عليه أمران: لا يخفى عليه كثرة المسائل المختلف فيها، حتى كأنهم لم يتفقوا
على شيء، ويترتَّب على كثرة اختلافاتهم كثرةُ الأقوال في المسألة الواحدة.
كما لا يخفى على طالب العلم أيضاً: أن من أراد الشَّغَب والزَّغَل في البحث لجأ
إلى حكاية الاختلافات، أما من أراد الإنصاف فيه وطلبَ الحقَّ تمسَّك وثبت عند قول
السواد الأعظم وجمهور الأمة.
=

١٧٢
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
وقد عرَّف العلماء العدالة بعبارات شتى، لكنها لا تختلف جوهرياً في أنها: مَلَكة
تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة. والتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من
شرك أو فسق أو بدعة. قاله الحافظ في ((شرح النخبة)» ص٥٥.
ولم يتعرَّض للمروءة، لأن مردّها للعرف، فهي تختلف من إنسان إلى آخر، ومن
زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، وقال تلميذه السخاوي في ((فتح المغيث)) ٢:
١٦٠ عن التقوى والمروءة: هي ((في الجملة: رعاية مناهج الشرع وآدابه، والاهتداء
بالسلف، والاقتداء بهم: أمر واجب الرعاية».
ومما يتصل بتعريف العدالة، وهو بحاجة إلى بيان وتوضيح، هو ما نقله
الزركشي في ((البحر المحيط)» ٤: ٣٠٠ عن الأبياري، ونقله عن الزركشي الشيخ ابن
العجمي فقال:
[قال الأبياري: وليس المراد بعدالتهم ثبوتَ العصمة لهم واستحالة المعصية،
وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلّف بحثٍ عن أسباب العدالة، وطلب التزكية،
إلا من يثبت علیہ ارتكابُ قادح، ولم يثبت ذلك، والحمد لله، فنحن على استصحاب
ما كانوا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يثبت خلافه، ولا التفات
إلى ما يذكره أهل السِّيَر، فإنه لا يصح، وما صحّ: فله تأويل صحيح))].
ويتمسّك بعض المبتدعة بقول الأبياري ((ليس المراد بعدالتهم ثبوتَ العصمة
واستحالةَ المعصية)): فيقول: إن وقوع المعصية منهم ممكن غير مستحيل، يقول ذلك
لتقريب وقوع المعصية منهم، ثم إثباتها عليهم بما وقع منهم رضي الله عنهم، ولا
ينقل تمام كلام الأبياري الذي نفى فيه صحة ما يقدح العدالة فيهم.
والذي أفهمه من كلام الأبياري رحمه الله، بناء على ما هو مفهوم بشكل عام من
واقع علمائنا في هذه المسألة: أنه أراد التوطئة بهذه الجملة، ليدخل على الكلام الذي
بعدها، وهو قبول رواية أيّ واحد منهم، دون السؤال عن عدالته، وإلا فما أحد يقول
في حقّ أيّ إمام، أو أيّ عالم، أو أيّ راوٍ كان، اتفقوا على عدالته وضبطه وإمامته: إن
=

١٧٣
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ب]
هذا الاتفاق يُثبِت له العصمة ويُحيل عليه المعصية !.
هذا أمر، وأمر آخر، إن الأبياري - وغيره من علمائنا - يقول: لا يلزم من ثبوت
العدالة ثبوتُ العصمة، هذا صحيح مسلَّم، لكنه في حق كل فردٍ فردٍ من الصحابة،
فمن ثبتت صحبته ثبتت معها عدالته فقط دون عصمته، أما في حقهم جميعاً، فإنهم
حينما يجتمعون على أمر، فإن العصمة ثابتة لِمَا اجتمعوا عليه، هذا أمر مقرَّر ثابت
ولا أحب أن أدخل في جزئیاته.
وأمر ثالث: ينبغي تجلية ما يغلط فيه بعضهم، ويغالط فيه آخرون، هو: ما هي
العصمة، وأنقل هنا ما كتبته تعليقاً على ص ١٥ من البحث الذي طبعته بعنوان ((حجية
أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم))، قلت هناك:
((العصمة عصمتان: واجبة وجائزة، فالواجبة: هي للأنبياء والمرسلين والملائكة
الكرام عليهم الصلاة والسلام، والجائزة: هي الممكنة لكل عبد ما دام على احتمال
وقوع الخطأ والخطيئة منه، فلو قُدِّر أن الله تعالى تكرم على عبد بالسداد والطاعة في
أحواله كلها، في حياته كلها، لقلنا عنه: إنه معصوم عصمة جائزة ما دام على احتمال
الخطأ والخطيئة، وهذه هي العصمة التي نرى في كلام كثير من العلماء طلَبها من الله
عز وجل، من أقدمهم، أو أقدمهم - فيما علمتُ -: الإمام الشافعي في ((الرسالة))
ص١٠٣ (٣٠٧).
((وهذا هو معنى قول الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) ٩: ٢٢٩ (٥١٦٥):
((اختصاصُ مَن خُصَّ بالعصمة: بطريق الوجوب، لا بطريق الجواز، فلا مانع أن يُوجد
من لا يصدر منه معصية عمداً، وإن لم یکن ذلك واجباً له)). انتهى.
وبناء على هذا: فإنا لا نعتقد العصمة الواجبة إلا للأنبياء والمرسلين والملائكة
عليهم الصلاة والسلام، أما العصمة الجائزة: فهي جائزة ممكنة، وهي بمعنى السداد
والتوفيق من الله تعالى لعباده الصالحين، وهي لقول الجماعة والجمهرة أقرب إلى
العصمة الواجبة.
=

١٧٤
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ست]
وعند الحديث عن التقوى لا بدّ من ملاحظة أمور، منها أمران يهمّان بحثنا.
أولهما : أن من ارتكب محظوراً متفقاً على حرمته، فقد سقطت عدالته، فإذا
تاب، تاب الله عليه، ورجع إلى العدالة.
ثانيهما: أنه لا يحكم على أحد بسقوط عدالته إذا فعل أمراً مختلفاً فيه، إنما
یُقسّق في ارتكاب محظور متفق عليه.
هذه مقدمة لا بدّ منها قبل ذكر نقول العلماء التي حكوا فيها الإجماع على عدالة
الصحابة عامة دون استثناء، وهو القول الذي استقروا عليه، وما يُذكر من أقوالٍ على
خلاف هذا التوجّه فقد ذكرها المتقدمون المحققون، وذكروا أنها أقوالٌ لمبتدعة لا
تمثّل رأي أهل السنة ومعتقدهم، وما كان منها لبعض علماء السنة، فهو مردود
لمخالفته ما استقرَّ عليه مصطلحهم وأدلتهم، وسيأتي في كلام الشارح واحد منها، هو
کلام المازريِّ، مع جوابه.
٢ - الكلمة الثانية: الصحابة: وسيأتي في كلام الأئمة النقولُ في ثناء الله عز
وجل عليهم، لكني أقدِّم بين يديها قول ابن مسعود الذي رواه عنه الإمام أحمد في
((المسند)) ١: ٣٧٩ بسند حسن، قال رضي الله عنه: ((إن الله نظر في قلوب العباد،
فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه
برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب
العباد، فجعلهم وزراء نبيِّه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله
حسن، وما رأو سيئاً فهو عند الله سيء)).
ومن المعلوم المقرّر أن قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه يعتبر حديثاً
مرفوعاً حكماً، كأنه يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث من
ذلك المرفوع حكماً.
والمعنى المستفاد منه: أن الصحابة جيل من البشر اختاره الله تعالى اختياراً
لصحبة رسوله، فهم مختارَوْن مصطَفَوْن، اختياراً واصطفاء إلهياً ليكونوا أصحاباً
=

١٧٥
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ب]
لمحمد صلى الله عليه وسلم، وحاشا الله العليمَ الحكيمَ أن يختار له أناساً ماكرين
حاقدين، أوغاداً جشعين !!.
وبعد هذا أقول: أَطلق القولَ بعدالة الصحابة عامةً، جماعةٌ كبيرة من علمائنا،
وتتُّع ذلك من كلامهم يطول، وأطولُ منه: الردّ على ما يُثار حول ذلك من شبهات
تحتاج إلى: ١ - نقد وغربلة، ٢ - وإلى دراسة متأنية، ٣ - وإلى نَفْس طاهرة زكيّة تفسِّر
مواقفهم على وَفْق ما تُمليه هذه النفوس الطاهرة، وتكون هذه النفسُ الدارسةُ
لأحداثهم متّصفةً بصفتين أُخربين: ٤ - لم تكن ملوَّثة بيدع وضلالات شرقية ولا
غربية، ٥ - ولم تكن قد اتخذت موقفاً مسبقاً قبل هذه الدراسة بهذه الشروط.
وأبتدئ النقول بما جاء في ((المسوّدة)) لآل تيمية رحمهم الله ص٢٩٢: ((الذي
عليه سلف الأمة، وجمهور الخلف: أن الصحابة رضي الله عنهم عدول بتعديل الله
تعالی لهم)).
ثم بقول الإمام أبي جعفر الطحاوي في ((العقيدة الطحاوية)) التي ذكر فيها عقيدة
الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رضي الله عنهم، وما يعتقدون من أصول
الدين، ويدينون به لرب العالمين، قال: ((ونحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،
ولا نُفرط في حبّ أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير
الخير لا نذكرهم، ونرى حبَّهم ديناً وإيماناً وإحساناً، وبغضَهم كفراً وشقاقاً ونفاقاً
وطغياناً)).
وقال السرخسي في ((أصوله)) ١: ٣٣٨: ((فصل في أقسام الرواة الذين يكون
خبرهم حجة))، ويريد بقوله ((الرواة)): الصحابةَ، وجعلهم نوعين: معروفين بالفقه
والاجتهاد، ومعروفين بالعدالة وحسن الضبط، ثم ذكر نوعاً وصفهم بالمجهولين،
وقال: ((إنما نعني بهذا اللفظ من لم يشتهر بطول الصحبة، إنما عرف بما روى من
حديث أو حديثين))، وأطال رحمه الله الكلام في هذا الفصل بأكثر من ست صفحات،
ولم يعرض لأحد منهم رضي الله عنهم بما يخالف الحكم بالعدالة أبداً.
=

١٧٦
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ب]
ونقل ابن تيمية رحمه الله في آخر ((الصارم المسلول)) ص ٥٨٠ عن الإمام مالك
رضي الله عنه قال: ((إنما هؤلاء - الطاعنون في الصحابة - أقوام أرادوا القدح في النبي
عليه الصلاة والسلام، فلم يُمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه، حتى يقال: رجل
سَوْء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحین)).
وإذا كان الحكم في عامة الصحابة هكذا: فلهو من بابِ أولى في خاصتهم
وعِلْيتهم، ولهو من بابِ أولى وأحقّ في زوجاته أمهاتنا أمهات المؤمنين، رضي الله
تعالی عنهم وعنهنّ أجمعین.
وقرَّر هذا المعنى وقرَّبه بالمثال: الإمام النسائي رحمه الله تعالى، فقد نقل الحافظ
المزي في ترجمته من ((تهذيب الكمال)» ١: ٣٣٩ أن النسائي سئل عن ((معاوية بن أبي
سفیان صاحب رسول الله صلی الله علیه وسلم؟ فقال: إنما الإسلام کدارٍ لها بابٌ،
فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام، كمن نَقَر الباب، إنما
يريد دخول الدار. قال: فمن أراد معاوية، فإنما أراد الصحابة)).
وهذا كلام نفيس، وفيه دلالة على عظم إنصاف الإمام النسائي، فإنه هو هو
صاحب ((خصائص علي رضي الله عنه)).
وللإمام الخطيب في ((الكفاية)) كلام فيه طول، من ص٤٦ - ٤٩، أنقله بتمامه،
لنفاسته، كما قال الحافظ في مقدمة ((الإصابة)) أول الصفحة ١٠، إلا الأحاديث التي
يسندها، فإني أشير إليها إشارة، قال رحمه الله تعالى:
باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة، وأنه لا يُحتاج إلى سؤال عنهم
وإنما يجب فیمن دونهم
كلُّ حديث اتصل إسناده بين من رواه، وبين النبي صلى الله عليه وسلم، لم يلزم
العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم، سوى الصحابي
الذي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة
بتعديلِ الله لهم وإخبارِه عن طهارتهم، واختياره لهم في نصّ القرآن، فمن ذلك قولُه
=

١٧٧
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ب]
تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقولُه: ﴿وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول
عليكم شهيداً﴾ [البقرة: ١٤٣]، وهذا اللفظ وإن كان عاماً فالمراد به الخاص، وقيل:
هو وارد في الصحابة دون غيرهم.
وقولُه: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذْ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في
قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً﴾ [الفتح: ١٨].
وقولُه تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم
بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقوله: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومَن اتبعك مِن المؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٤].
وقوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون
فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوّؤًا
الدار والإيمان من قبلهم يحبّون مَن هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما
أوتوا ويُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خَصاصة ومَنْ يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم
المفلحون﴾ [الحشر: ٨ -٩].
في آياتٍ يكثُر إيرادها ويطول تعدادها.
وَوَصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة مثل ذلك، وأطنَب في
تعظيمهم، وأحسنَ الثناء عليهم.
فمن الأخبار المستفيضة عنه في هذا المعنى. [وذكر حديث ابن مسعود، وأبي
هريرة، وعمران بن حصين: ((خير أمتي قرني .. ))، ثم حديث أبي سعيد: ((لا تسبوا
أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحُد ذهباً ما أدرك مدّ أحدهم ولا
نَصِیفه)». وحديث ابن عباس، وعمر: ((إن أصحابي بمنزلة النجوم .. ))]. ثم قال:
((والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلّها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميعُ
ذلك يقتضي طهارةَ الصحابة، والقطعَ على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يَحتاج أحدٌ منهم
=

١٧٨
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
من يعتدُّ به.
[ش] _
من يعتدُّ به (١)) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]،
[ت)
مع تعديل الله تعالى لهم المطّلعِ على بواطنهم إلى تعديل أحدٍ من الخلق لهم، فهم
على هذه الصفة إلا أن يثبت على أحدهم ارتكابُ ما لا يَحتمل إلا قصد المعصية،
والخروجَ من باب التأويل، فيحكم بسقوط العدالة، وقد برَأهم الله من ذلك، ورفع
أقدارهم عنه.
على أنه لو لم يَرِد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبتِ
الحالُ التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المُهَج والأموال، وقتلٍ
الآباء والأولاد، والمناصحةِ في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطعَ على عدالتهم
والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدَّلِينَ والمزكّينَ الذين يجيئون من
بعدهم أبد الآبدين.
هذا مذهب كافة العلماء ومن يُعتد بقوله من الفقهاء.
وليس في أهل الدين، والمتحققين بالعلم مَن يصرف إليهم خبرَ ما لا يَحتمل
نوعاً من التأويل وضرباً من الاجتهاد، فهم بمثابة المخالفين من الفقهاء المجتهدين في
تأويل الأحكام، الإشكال الأمر والتباسه، ويجب أن يكونوا على الأصل الذي قدمناه
من حال العدالة والرضا، إذ لم يثبت ما يزيل ذلك عنهم.
ثم أسند إلى الإمام أبي زرعة الرازي قوله: ((إذا رأيتَ الرجل ينتقصُ أحداً من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله
عليه وسلم عندنا حقّ، والقرآنَ حقّ، وإنما أدى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتابَ
والسنةَ، والجرحُ بهم أولى، وهم زنادقة)). انتهى كلام الخطيب رحمه الله تعالى.
(١) [فائدة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ... ) الآية
=

١٧٩
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[الحجرات: ٦] قال السبكي - ذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٤: ١٥٥٣، ولم
أره عند السبكي -: ((لا خلاف بين أهل العلم بالقرآن أن الآية نزلت في الوليد بن
عقبة بن أبي معيط))، ونازع الإمامُ فخر الدين [الرازي] في ذلك - ٢٨: ١١٩ -، فإنْ
قصد بالمنازعة أن الآية غيرُ ناصّة ولا مشيرة إلى أن الوليد هو المراد بالفاسق فهي
جيدة، ويؤيدها : أنه يحتمل أن تكون الإشارة إلى المخبر الذي جاء إلى الوليد
وأخبره عن بني المصطلق أنهم يريدون قتاله، فقد رُوي ذلك، وأنه كان سببَ
رجوعه، فلعل الآية مشيرة إلى ذلك المخبر، ومن كان في مثل حاله فليس لنا أن
نحكم بفسق الوليد بمجرّد ذلك، وهو قد أسلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم،
وثبتت له درجة الصحبة برؤيته، وكان أخا عثمان لأمه، وأما ما صدر منه بالكوفة،
وجَلْد عثمان له على الشرب فقيل : إن البينة الذين شهدوا عليه كانوا متحاملین علیه،
وعثمان حكم بمقتضى البينة، ووكَلَ سرائرهم إلى الله. انتهى المقصود منه.].
سبق من العلامة ابن العجمي رحمه الله ٢: ١٨٩ أن تكلم عن هذه الآية الكريمة
من جهة (التثُبُّت)، وأشرتُ هناك أني سأتكلم عليها هنا من جهة الفسق.
وهاهنا أمور، أولها: سبب نزولها. ثانيها: معنى الفسق. ثالثها: تاريخ الوليد بن
عقبة.
أما سبب نزولها: فالروايات تقول - باختصار -: جاء بعد غزوة بني المصطلق
الحارث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه إلى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأعلن
إسلامه، وواعد النبيَّ صلى الله عليه وسلم على أن يُرسِل إليه رسولاً ساعياً جابياً
لصدقاته وصدقات قومه، وبعد فترة أرسل إليه عليه الصلاة والسلام الوليد بن عقبة
جابياً للصدقة، فلما شارف منازلهم رأى تجمُّعاً ففزع منه، إذ إن استقبال السُّعاة أمر
غير معهود، وخطر بباله أنهم خرجوا لقتاله، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم
وأخبره بما رأى وبما وقع في قلبه، إلى آخر الرواية، فأنزل الله عز وجل الآية.
وأشار ابن العجمي إلى هذا باختصار، كما أشار إلى توقف الفخر الرازي، وفي
=

١٨٠
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ب]
توقفه نظر، رحمه الله تعالى.
- وتنبيه عابر: إن تفسير سورة الحجرات - وسُوَرَ أخرى - ليس بقلم الإمام الفخر
الرازي، بل بقلم تلميذه، أو تلميذ تلميذه: قاضي القضاة أحمد بن خليل الخُوَيِّيّ
(٥٨٣ - ٦٣٧) رحمه الله، كما حققه المعلِّمي في بحث له ممتع ((حول تفسير الفخر
الرازي» ..
أما المؤيِّد الذي ذكره ابن العجمي فله وجاهته وحظُّه من النقل والرواية، وهو أن
مخبراً جاء إلى الوليد وأخبره أن بني المصطلق يريدون قتاله، ففي ((معاني القرآن
وإعرابه)) للزجّاج ٥: ٣٣ - ٣٤ أنه ((كان بينه وبين بينهم إِحْنة، أي عداوة، فلما اتصل
بهم خبره، وقد خرج نحوهم، قال بعضهم لبعض: قد علمتم ما بيننا وبين هذا
الرجل، فامنعوه صدقاتكم، فاتّصل به ذلك، فرجع .. )).
وجاء ذكر الإحنة بين الوليد وبني المصطلق في تفاسير أخرى عدّة، منها
((تأويلات أهل السنة)) للإمام أبي منصور الماتريدي ٩: ٣٢٦، و((بحر العلوم))
للسمرقندي ٣: ٣٢٥، و((الكشف والبيان)) للثعلبي ٩: ٧٧، و((الوسيط)) لتلميذه
الواحدي ٤: ١٥٢، وكل هؤلاء من المتقدمين، فضلاً عن تفاسير المتأخرين.
ولتمام هذا: ينظر حديث جابر عند الطبراني في ((الأوسط)) (٣٧٩٧)، وحديث
علقمة بن ناجية الخزاعي عند الطبراني في ((الكبير)) ١٨ (٤)، ولأم سلمة حديث
آخر، عند الطبراني في ((الكبير)) ينظر في («مجمع الزوائد))٧: ١١١، على ضعفها كلِّها.
وأما من هو هذا المخبر؟ فالظاهر أنه شيطان تصوّر بصورة إنسي، فقد وُصف
بأنه شيطان في رواية ابن جرير ٢٦: ١٢٣، وعنه ابن كثير، والبغوي في ((معالم
التنزيل)) ٧: ٣٣٩، وتفسير مكي بن أبي طالب ١١: ٦٩٩٤، وقاله ابن القيم في
((مدارج السالكين)) ١ : ٣٦٠.
وأقصد من هذا: الإشارةَ إلى تجمّع عدة ملابسات سوَّغت للوليد بن عقبة أن
يظن أن القوم جمعوا له ما لا يُحمد، وأزيد ذكر مسوِّغ آخر، لكني لم أره منقولاً،
=