النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
النوع السابع والثلاثون : معرفة المزيد في متصل الأسانيد
وفي أبي إدريس : من ابن المبارك، لأن ثقاتٍ رووه عن ابن يزيد، فلم
يذكروا أبا إدريس، ومنهم من صرَّح بسماع بُسْر من واثلة.
[ش]
(و) الوهم (في أبي إدريس: من ابن المبارك، لأن ثقاتٍ رووه عن ابن
يزيد) عن بُسر، عن واثلة (فلم يذكروا أبا إدريس) منهم: عليُّ بن حُجْر،
والوليد بن مسلم، وعيسى بن يونس(١)، وغيرهم (ومنهم من صرَّح بسماع بُسْر
من واثلة).
وقد حكم الأئمة على ابن المبارك بالوهم في ذلك، كالبخاري وغيره(٢).
وقال أبو حاتم الرازي (٣): وكثيراً ما يحدِّث بُسْر، عن أبي إدريس، فغلط
ابن المبارك وظنَّ أن هذا مما رَوَى بسر، عن أبي إدريس، عن واثلة، وقد سمع
[ب] -
(١) هكذا جاء لفظ الشارح في النسخ، وصوابه - كما في مصدره: ((شرح
الألفية)) ص ٣٤١ -: علي بن حجر، عن الوليد بن مسلم، هكذا رواه مسلم والترمذي
في الموضعين السابقين، وكذلك النسائي (٨٣٦) رواه الأئمة الثلاثة بإسناد واحد:
علي بن حجر، عن الوليد، عن عبد الرحمن بن زيد، به.
وأما طريق عيسى بن يونس: فعند أبي داود (٣٢٢١)، رواه عن إبراهيم بن
موسى، عن عيسى بن يونس.
وعلى هذا: فالذين لم يذكروا أبا إدريس رجلان: عليّ بن حجر، وعيسى بن
یونس.
(٢) نقل كلامه الترمذي في ((السنن)) (١٠٥١)، وفي ((العلل)) ١: ٤١٩ - ٤٢٠
من ((ترتيبه))، وكذلك قال الدارقطني في ((علله)) ٧: ٤٣ (١١٩٩).
(٣) تكلم أبو حاتم على هذا الحديث في ثلاثة مواضع من ((علل الحديث)) لابنه
(٢١٣، ١٠٢٩، ١٠٩٢)، وكلامه المذكور هنا هو في الموضع الأول.

١٤٢
النوع السابع والثلاثون : معرفة المزيد في متصل الأسانيد
وصنّف الخطيب في هذا كتاباً في كثيرٍ منه نظرٌ، لأن الخالي عن الزائد
إنّ كان بحرف ((عن)) فينبغي أن يُجعل منقطعاً، وإن صرح فيه بسماع أو
إخبار احتُمِل أن يكون سمعه من رجل، عنه، ثم سمعه منه إلا أن توجد
قرينة تدلّ على الوهم، ويمكن أن يقال الظاهر ممن له هذا أن يَذكر
السماعَيْن، فإذا لم يذكرهما حُمل على الزيادة.
[ش]
هذا بُسْر من واثلة نفسه.
ثم الحديث على الوجهين عند مسلم، والترمذي.
(وصنف الخطيب في هذا) النوع (كتاباً) سماه ((تمييز المزيد في متصل
الأسانيد)) (في كثيرٍ منه نظرٌ، لأن) الإسناد (الخالي عن) الراوي (الزائد إنْ كان
بحرف ((عن))) ونحوِها مما لا يقتضي الاتصال: (فينبغي أن يُجعل منقطعاً) ويُعَلَّ
بالإسناد الذي ذُكِر فيه الراوي الزائد، لأن الزيادة من الثقة مقبولة.
(وإن صرح فيه بسماع أو إخبار) أو تحديثٍ (احتُمِل أن يكون سمعه من
رجل، عنه، ثم سمعه منه)، اللهم (إلا أن توجد قرينة تدلّ على الوهم)، كما
ذكر أبو حاتم في المثال السابق.
(ويمكن أن يقال) أيضاً: (الظاهر ممن) وقع (له هذا أن يَذكر السماعَيْن،
فإذا لم يذكرهما حُمل على الزيادة) المذكورة.

١٤٣
النوع الثامن والثلاثون : المراسيل الخفيُّ إرسالها
النّوع الثّامِنُ والثّلاثون: المراسيل الخفيّ إِرْسَالِهَا
هو فنّ مهمّ عظيم الفائدة، يُدرَك بالاتساع في الرواية .
[ش]
(النوع الثامن والثلاثون : المراسيل الخفيُّ إرسالُها)
أي: انقطاعُها (١) (هو فنّ مهمّ عظيم الفائدة، يُدرَك بالاتساع في الرواية
(١) فسّر الشارح الإرسال هنا بالانقطاع، إبعادًا لذهن القارئ عن أن يذهب إلى
الحديث المرسل: مرسل التابعي أو الصحابي، وهذا التقييد يتمشى مع اصطلاح
المتقدمين، إذْ يسمون كل ما لم يتصل منقطعًا، وهذا الإرسال الخفيّ لون من ألوان
الانقطاع.
وعلى هذا، فمن الممكن القول حينئذٍ في معنى هذا النوع: إنه المنقطعات الخفيّ
انقطاعها. وسيأتي بعد كلمات أن الإرسال ظاهر، وخفيّ.
وللإمام ابن الصلاح في مقدمته الشهيرة مصادر أساسية، أهمها: ((معرفة علوم
الحديث)) للحاكم، و((الكفاية)) للخطيب، ولم يتعرض هذان الإمامان في كتابيهما لهذا
النوع من أنواع علوم الحديث، بهذه التسمية: المرسل الخفيّ إرسالُه، مع أن ابن
الصلاح قال في مطلع حديثه عن هذا النوع ص ٢٦١: ((للخطيب الحافظ فيه ((كتاب
التفصيل لمبهم المراسيل))، والمعهود أنه يتكلم عنه كلام العارف بمضمونه، وعلى
هذا فنقول: إن هذا النوع من علوم الحديث معروف عند من كان قبل ابن الصلاح.
وكأن الخطيب رحمه الله أشار إلى هذا الكتاب، وكتابه الآخر الذي ذكره في
النوع السابق، بقوله في ((الكفاية)) ص ٣٥٧: ((التدليس على ضربين، قد أفردنا في
ذكر كل واحد منهما بشرحه وبيانه كتابًا))، فهما: ((تمييز المزيد في متصل الأسانيد))،
و((التفصيل لمبهم المراسيل)).
=

١٤٤
النوع الثامن والثلاثون : المراسيل الخفيُّ إرسالها
وجمْع الطرق، مع المعرفة التامة، وللخطيب فيه كتاب.
[ش]
وجمْع الطرق) للأحاديث، (مع المعرفة التامة، وللخطيب فيه كتاب) سماه
((التفصيل لمبهم المراسيل)).
(س)
والضربان اللذان تكلم عليهما الخطيب من التدليس، أولهما يتعلق بتدليس
الإسناد، والثاني تكلم علیه ص ٣٦٥، وهو تدليس الشيوخ.
أما الأول فقال: «تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلّسه عنه، بروايته
إياه على وجه يوهم أنه سمعه منه)). وتقريب هذا بالمثال أن نقول هو: رواية زيد عن
عمرو حديثًا لم يسمعه منه، موهمًا أنه سمعه منه. وهذه الصورة تحتمل ثلاثة
احتمالات، أولها: زيد عاصر عمرًا، ولم يلقه، ومن باب أولى أنه لم يسمع منه.
وثانيهما: أنهما تعاصرا والتقيا، ولم يكن بينهما سماع. وثالثها: تعاصرا والتقيا وسمع
زيد من عمرو عشرة أحاديث مثلاً، لكنه روى عددًا أكثر من العشرة، يوهم السماع
منه لما زاد على العشرة. وستأتي هذه الصور الثلاثة في كلام الشارح.
فالصورة الأولى - المعاصرة مع عدم اللقاء -: حَصَرها ابن حجر في ((شرح
النخبة)) ص ٨٢، فيما سماه بـ ((المرسل الخفيّ))، أما ابن الصلاح فجعله في هذه
الصورة، والصورة الثانية: حصول المعاصرة واللقاء، لكن دون سماع، فقال
رحمه الله في مطلع هذا النوع بعدما ذكر كتاب الخطيب: ((المذكور في هذا الباب: منه
ما عُرف فيه الإرسال بمعرفة عدم السماع من الراوي فيه)) - أي: مع ثبوت اللقاء -،
((أو عدم اللقاء)): أي: مع ثبوت المعاصرة، وهاتان الجملتان التفسيريتان مني ستأتيان
في كلام الشارح في شرح ((الخفي)).
والذي أظنه - وبعض الظنّ إثم، لا كلَّه -: أن هاتين الصورتين استخلصهما ابن
الصلاح من كتاب الخطيب، والله أعلم، وبه حصل شيء من التداخل بين هاتين
الصورتين اللتين ذكرهما ابن الصلاح في تعريف التدليس، أول النوع الثالث عشر.

١٤٥
النوع الثامن والثلاثون : المراسيل الخفيُّ إرسالها
وهو: ما عُرِف إرساله لعدم اللقاء، أو السماع.
[ش]
وأصل الإرسال، ظاهر: كرواية الرجل عمن لم يُعاصره، كرواية القاسم بن
محمد، عن ابن مسعود. ومالك، عن ابن المسيَّب.
وخفيّ: وهو المذكور هنا.
(وهو : ما عُرِف إرساله لعدم اللقاء) لمن رَوَى عنه مع المعاصرة، (أو)
لعدم (السماع) مع ثبوت اللقاء، أو لعدمٍ سماع ذلك الخبر بعينه مع سماع
غيره.
ويُعرف ما ذُكر: إما بنصّ بعض الأئمة عليه، أو بوجه صحيح، كإخباره
عن نفسه بذلك، في بعض طرق الحديث، ونحو ذلك.
كحديثٍ رواه ابن ماجه(١) من رواية عمر بن عبد العزيز، عن عقبة بن
عامر، مرفوعاً: ((رحم الله حارسَ الحرس))، فإن عمر لم يلقَ عقبةَ، كما قال
المِزي في ((الأطراف))(٢).
(١) ((السنن)) (٢٧٦٩)، والدارمي (٢٤٠١) وقال: عمر بن عبد العزيز لم يلق
عقبة بن عامر، وسعيد بن منصور (٢٤١٦)، وأبو يعلى (١٧٥٠)، وهو الحديث
الأول في ((مسند عمر بن عبد العزيز)) للباغندي، وخرَّجته وتكلمت عليه هناك.
وحكايةُ الشارح أن المزي هو الذي نصَّ على عدم لقاء عمر بين عبد العزيز بعقبة
ابن عامر: متابعةٌ منه للعراقي في ((شرح الألفية)) ص ٣٤٠، في حين أن الإمام الدارمي
هو الذي قال ذلك أولاً عقب روايته الحديث، کما قدَّمتُه.
(٢) ((تحفة الأشراف)) (قبل ٩٩٤٥). ثم إن الشارح متابع للعراقي في ((شرح
الألفية)) رحمهما الله تعالى في هذه الأحكام وأمثلتها.
=

١٤٦
النوع الثامن والثلاثون : المراسيل الخفيُّ إرسالها
ومنه : ما يُحكم بإرساله، لمجيئه من وجه آخر بزيادة شخصٍ.
[ش]
وكأحاديث أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود، فقد روى الترمذي: أن
عمرو بن مرة قال لأبي عبيدةً: هل تذكُر من عبد الله شيئاً؟ قال: لا(١).
(ومنه: ما يُحكم بإرساله لمجيئه من وجه آخر بزيادة شخصٍ) بينهما،
كحديث رواه عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن
يُثيع، عن حذيفة مرفوعاً: ((إنْ ولَّيتموها أبا بكر فقويّ أمين))، فهو منقطع في
موضعين، لأنه رُوي عن عبد الرزاق قال: حدثني النعمان بن أبي شيبة، عن
-
(ت)
وقد ذكر العراقي هذا المثال على الصورة الأولى لخفيّ الإرسال: عدم اللقاء مع
المعاصرة، ويشكل عليه: أنه لا معاصرة بين عمر بن عبد العزيز وعقبة بن عامر رضي
الله عنهما، فقد كانت وفاة عقبة سنة ٥٨، وولادة عمر سنة ٦٠، فلا معاصرة بينهما.
وأتمم التنبيه فأقول: جزم المزي في ((التحفة)) - الموضع المتقدم -، وفي ترجمة
عقبة من ((تهذيب الكمال)) ٢٠٤:٢٠ بأن عمر لم يلق عقبة، أما في ترجمة عمر من
((تهذيب الكمال)» ٤٣٤:٢١ فقال: ((يقال: مرسل))، وجزمه هو الصواب، وقدَّمتُ أن
مصدره في هذا القول، هو قول الإمام الدارمي في ((سننه)) عقب روايته للحديث
المذكور، فلا محيد عنه.
(١) ((السنن)) (١٧). وقد اشتهر هذا القول عن أبي عبيدة - واسمه عامر -، لكن
ذهب البخاري، وأبو داود، والدارقطني، والحاكم، وآخرون إلى سماع أبي عبيدة
من أبيه - من حيث الجملة -، لذلك أوّلَ السراج البلقيني كلمته التي نقلها عنه
الترمذي بحملها على نفي شيء خاص، كما في حواشيه على ((الأم)) للشافعي
٢١٢:١، وتنظر الشواهد على ذلك في الحاشية الطويلة التي كتبتها على ترجمة أبي
عبيدة في ((الكاشف)) (٢٥٣٩)، وعندي زيادات عليها بقدرها.

١٤٧
النوع الثامن والثلاثون : المراسيل الخفيُّ إرسالها
وهذا القسم مع النوع السابق يُعترَض بكل منهما على الآخر، وقد
يُجاب بنحو ما تقدم.
[ش]
الثوري، ورُوي أيضاً عن الثوري، عن شَريك، عن أبي إسحاق(١).
(وهذا القسم مع النوع السابق) وهو المزيد في متصل الأسانيد (يُعترَض
بكلِّ منهما على الآخر) لأنه ربما كان الحكم للزائد، وربما كان للناقص،
والزائد وهَّم، وهو يشتبه على كثير من أهل الحديث، ولا يدركه إلا النقاد،
(وقد يُجاب بنحو ما تقدم).
[ب] -
(١) هذه ثلاثة وجوه لرواية هذا الحديث، وثلاثتها عند الحاكم في ((المعرفة))
(٥٣ - ٥٥) بالترتيب الذي هنا.
والوجه الثاني منها رواه في ((المستدرك)) (٤٦٨٥) وصححه على شرطهما، وهو
أولى طرقه، وإن لم يكن كما قال: على شرطهما، وله طرق عنده (٤٤٣٥).
وروي من طرق أخرى عن حذيفة، وعن عليّ، وسلمان، رضي الله عنهم، ينظر
لها ((المستدرك)» (٤٤٣٤)، و((المسند)) ١٠٩:١، و((تاريخ بغداد)) ٤٨٤:٤ - ٤٨٥،
٣١٦:١٢، و((العلل)) للدار قطني ٣ (٣٦٨)، ورجَّح كونه مرسلاً عن زيد بن یُثَيْع.
ثم، إن اللفظ الذي جاء في الشرح أشار إليه ابن الصلاح هنا إشارة، وأحال على
ما تقدم في النوع العاشر: الحديث المنقطع، وذكر لفظه هناك - كما جاء في ((المعرفة))
للحاكم (٥٣) -: ((إنْ ولَّيْتُموها أبا بكر فقويّ أمين))، في حين أن لفظه ـــ كما هو في
((المستدرك)) (٤٦٨٥)، وغيره -: ((إنْ وليتموها أبا بكر فزاهد في الدنيا، راغب في
الآخرة، وفي جسمه ضعف، وإنْ وليتموها عمر فقويّ أمين، لا يخاف في الله لومة
لائم، وإن وليتموها عليًا فَهَادِ مهتدٍ، يُقيمكم على صراط مستقيم)).

١٤٨
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
النّع التاسِع والثّلاثون: مَعْرفَة الصَّحَابَة رَضِالهُ عَنْهم
هذا علم كبير عظيم الفائدة، وبه يُعرف المتصل من المرسل، وفيه
كتب كثيرة.
[ش]
(النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم)
(هذا علم كبير) جليل (عظيم الفائدة، وبه يُعرف المتصل من المرسل،
وفيه كتب كثيرة) مؤلّفة، ككتابِ الصحابة لابن حبان، وهو مختصر في
مجلد(١)، وكتابٍ أبي عبد الله ابن منده، وهو كبير جليل(٢)، وذيَّل عليه أبو
[ب] -
(١) هو المجلد الثالث من كتابه ((الثقات))، يضاف إليه خمس صفحات من آخر
المجلد الثاني، ذَكَر فيها العشرة المبشرين رضي الله عنهم، أما المجلد الأول والثاني
منه، فأفردهما للسيرة النبوية، والمغازي، والخلفاء الأربعة، ومن بعدهم إلى خليفةِ
عصره وحياته.
لكن المهم ذكره، أن ابن حبان ذكر من الصحابة مَن له رواية فقط، قال في
مقدمة الجزء الثالث: ((إنا ذاكرون أسماء الصحابة، ونقصد منهم من رُوي عنه
الأخبار))، وهذا على خلاف كل من ألّف في معرفة الصحابة.
وقد بلغ عدد الصحابة في جزئه (١٦٠٢)، فزاد على كتاب ابن حزم ((أسماء
الرواة))، وعلى ابن الجوزي في ((تلقيح فهوم أهل الأثر))، وغيرهما، فإنهم لم يبلغوا
(١٢٠٠)، وهذا مع قول الحاكم في ((المدخل إلى الإكليل)) ص ٨١: ((رَوَى عنه
صلى الله عليه وسلم من أصحابه أربعة آلاف رجل وامرأة)).
(٢) طبع منه قطعة في مجلدين: فيهما ترجمة ٦٧٢ صحابي وصحابية، لكن
=

١٤٩
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
ومن أحسنها وأكثرها فوائدَ: ((الاستيعاب)) لابن عبد البر، لولا ما شانه
[ش].
موسى المَديني (١)، وكتابِ أبي نعيم الأصبهاني(٢)، وكتابِ العسكري(٣).
(ومن أحسنها وأكثرها فوائدَ: ((الاستيعاب)) لابن عبد البر(٤)، لولا ما شانه
-
[ب]
المهم منه محفوظ مضمَّن في ((أُسد الغابة)) كما سيأتي، ورمز له ابن الأثير بحرف (د).
(١) لم يطبع، لكنه مضمَّن محفوظ في («أسد الغابة» ورمزه فيه (س).
(٢) طبع كاملاً، وهو مضمَّن أيضًا في ((أسد الغابة))، ورمز له بحرف (ع).
(٣) العسكري: هو الإمام أبو أحمد العسكري، المتوفى سنة ٣٨٢، صاحب
((تصحيفات المحدثين))، و((شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف)) اللذين تقدم
ذکرهما قريبًا أول النوع ٣٥ ص١٠١.
وقد ذكر أبو أحمد رحمه الله کتابه هذا في كتابه «تصحیفات المحدثين)) ٤٢٩:٢
وأفاد أن له مزية على من قبله ومن بعده، فأولئك - على ما هو معهود - رتبوا
تراجمهم على حروف المعجم، أما أبو أحمد فقال: ((عبد الرحمن بن خبّاب السُّلمي،
وقد أخرجتُه ــ أي: ذكرتُه ـ في كتاب القبائل، فيمن روى عن النبي صلى الله عليه
وسلم من بني سُليم))، ولما ذكر السخاوي في ((الإعلان بالتوبيخ)) جملة وفيرة من
المؤلفات في معرفة الصحابة، قال ص ٥٤٢: ((ولأبي أحمد العسكري فيه كتاب رتّبه
على القبائل)).
(٤) كتاب ((الاستيعاب)) من أقدم الكتب التي طبعت في معرفة الصحابة، طبع
مع ((الإصابة)) عدة مرات، ثم أُفرد بالطبع، وهو رابع الكتب التي اشتمل عليها («أسد
الغابة» ورمزه عنده (ب).
وقد ذكره السخاوي في ((الإعلان بالتوبيخ)) ص ٥٤١، وقال: ((ذيَّل عليه
جماعة، كأبي إسحاق ابن الأَمين، وأبي بكر ابن فتحون، وهما متعاصران، وثانيهما
أحسنُهما)). قلت: طبع الأول منهما.

١٥٠
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
بذكْر ما شَجَر بين الصحابة وحكايته عن الأخباريين.
وقد جمع ابن الأثير الجَزَري في الصحابة كتاباً حسناً جَمَع فيه كتباً
كثيرة وضبط وحقق أشياء حسنة، وقد اختصرته بحمد الله.
[ش]
بذكْر ما شَجَر بين الصحابة وحكايتِه عن الأخباريين) والغالبُ عليهم الإكثار
والتخليط فيما يروونه، وذيَّل عليه ابن فَتْحون.
قال المصنف زيادةً على ابن الصلاح: (وقد جمع) أبو الحسن علي بن
محمد (ابن الأثير الجَزَري في الصحابة كتاباً حسناً) سماه ((أُسْد الغابة)) (جَمَع
فيه كتباً كثيرة) وهي كتاب ابن منده، وأبي موسى، وأبي نعيم، وابن عبد البر،
وزاد من غيرها أسماء (وضَبَط وحقّق أشياء حسنة)، على ما فيه من التكرار
بحسب الاختلاف في الاسم أو الكنية.
قال المصنف: (وقد اختصرته بحمد الله)، ولم يَشتهر هذا المختصر، وقد
اختصره الذهبي أيضاً في كتاب لطيف، سماه ((التجريد))(١).
[ب] -
(١) طُبع في حيدر آباد بالهند قديمًا، في مجلدين، ثم صُوِرٌّ، ورُقُّم المجلد
الأول منه ترقيمًا متسلسلاً، فبلغ الرقم الأخير منه (٤٦٧٦)، وبلغ ترقيم المجلد الثاني
منه (٤١٩٠)، فمجموعها (٨٨٦٦).
وقال في مقدمته بعدما ذكر الكتب الأربعة التي تقدمت، والكتب التي استمدّ
منها زياداتِه عليها: ((والاسم منه مُخَضَّر - أي: مكتوب باللون الأخضر -، ومن حُمِّر
اسمه فهو تابعيّ، وخبره مرسل، ومن ضُبِّب عليه بحمرة، فهو غلط)).
ويترتّب على هذا الكلام أمران: أولهما: أن هذه الفوائد عُدمت من الكتاب
المطبوع. ثانيهما: أن هذه المزايا هي التي كانت مفتاحَ عملٍ ابن حجر في تقسيم كتابه
=

١٥١
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
ولشيخ الإسلام في ذلك: ((الإصابة في تمييز الصحابة))، كتاب حافل، وقد
اختصرته، ولله الحمد(١).
[ب]
((الإصابة)) إلى أربعة أقسام، فجعلتْه الكتاب الرائد في بابه.
واستفادةٌ أخرى أخذها الحافظ أيضًا من الذهبي - رحمهما الله تعالى وسائر
علماء المسلمين -: هي جعله تراجم ((تقريب التهذيب)) على اثنتي عشرة طبقة، كأنه
أخذه من كتاب الذهبي ((المجرَّد من تهذيب الكمال)) الذي جعل فيه طبقات رجاله
على عشر طبقات، فنقّحها الحافظ إلى اثنتي عشرة، والله أعلم. ولا بدّ من استفادة
المتأخر من المتقدم، مع بقاء تميُّز شخصية الإمام الحافظ ابن حجر، تنقيحه لما
یستفیده من غيره.
(١) سماه ((عين الإصابة))، ولم يطبع بعد.
[فائدة: قال الحافظ ابن حجر في ديباجة ((الإصابة)) - ١: ٣ -: قال الرازي أبو
زرعة : توفي النبي صلى الله عليه وسلم ومن رآه وسمع منه زيادة على مئة ألف إنسان
من رجل وامرأة، کلهم قد روى عنه سماعاً أو رؤية.
[قال ابن فتحون في ((ذيل الاستيعاب)) بعد أن ذكر ذلك: أجاب أبو زرعة بهذا
سؤال من سأله عن الرّواة خاصةً، فكيف بغيرهم؟ ومع هذا فجميعُ من في
((الاستيعاب)) ثلاثة آلاف وخمس مئة [بل: ٤٢٢٥]، وذكر أنه استدرك عليه قريباً مما
ذكره، وقرأت بخط الحافظ الذهبي: لعل الجميع ثمانية آلاف، إن لم يزيدوا لم
ينقصوا، ثم رأيت بخطه: أن جميع من في ((أُسد الغابة)) سبعة آلاف وخمس مئة
وأربعة وخمسون نفساً [بل: ٧٧٠٢].
[ومما يؤيّد قول أبي زرعة: ما ثبت في الصحيحين عن كعب بن مالك في قصة
تبوك : والناسُ کثیر لا يُحصیھم دیوان.
=

١٥٢
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
فائدة:
قول المصنف: ((الأخباريين)): جمع أخباري، عدَّ ابن هشام(١) من لحن
العلماء وقال: الصواب الخَبَري، أي: لأن النَّسب إلى الجمع يردُّ إلى الواحد،
[ب] -
[وثبت عن الثّوري، فيما أخرجه الخطيب بسنده الصحيح - ((تاريخ بغداد)) ٥ :
٥٠ - قال: من قدّم علياً على عثمان فقد أَزرى على اثنيْ عشر ألفًا مات رسول اللَّه
صلّى اللَّه عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، قال النووي: وذلك بعد النبي صلّى اللَّه عليه
وسلم باثني عشر عاماً، بعد أن مات في خلافة أبي بكر في الردّة والفتوح الكثيرُ ممن
لم تُضبط أسماؤهم، ثم مات في خلافة عمر في الفتوح، وفي طاعون عَمَواس وغير
ذلك مَن لا يحصى كثرة، وسبب خفاء أسمائهم أن أكثرهم أعراب، وأكثرهم حضروا
حجّة الوداع.].
هكذا قال الحافظ عن سند الخطيب: صحيح، وتبعه تلميذه السخاوي في ((فتح
المغيث)) ٥٢:٤، لكن في سند الخطيب سفيان بن وكيع، وهو ضعيف. نعم، روى
الخطيب في ((تاريخه)) ٦٣٩:٣ في ترجمة محمد بن عبيد الطنافسي أن رجلاً قال عنده:
أبو بكر، وعمر، وعلي، وعثمان، فقال له محمد بن عبيد: ويلك! من لم يقل: أبو
بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ: فقد أزرى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم. وإسناده حسن، لكن لم يحدِّد عددًا لهم.
(١) هو ابن هشام اللخمي: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن هشام اللَّخْمي
الأندلسي المتوفى سنة ٥٧٧، في كتابه ((تقويم اللسان)) ص ٥٠٩ قال: ((يقولون للذي
يروي الأخبار: خُبَريّ، والصواب: خَبَري، بفتحها - أي: بفتح الخاء -، وإِن نَسَبَتَ
إلى الأخبار قلت: الأخباري)».

١٥٣
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
فروع :
أحدها : اختُلِف في حدّ الصحابي، فالمعروف عند المحدثين : أنه
کل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[ش]
كما تقرَّر في علم التصريف، تقول في الفرائض: فَرَضي، ونُكتتُهُ(١): أن المراد
النسبة إلى هذا النوع، وخصوصيةُ الجمع ملغاة، مع أنها مؤدية إلى الثقل.
قال(٢): ومن اللحن أيضاً قولهم: لا يؤخذ العلم من صُحُفي، بضمتين،
والصواب بفتحتين، ردًّاً إلى: صحيفة، ثم فُعِل بها ما فُعل بـ: حنيفة.
(فروع :)
(أحدها : اختلف في حدّ الصحابي، فالمعروف عند المحدثين : أنه كل
مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم)، كذا قال ابن الصلاح(٣)، ونَقَله عن
(١) أي: المعنى الدقيق لمنع النسبة إلى الجمع، لكن انظر كلام ابن هشام
اللخمي التالي.
(٢) صفحة ٣١٨، وعلَّل حكمه فقال: ((لأنهم لا يرون النسب إلا إلى واحد
الجُموع، كما يقال في النسب إلى الفرائض: فَرَضي، اللهم إلا أن يجعل الجمع اسمًا
علمًا للمنسوب إليه، فينسب حينئذٍ إلى صيغته، كقولهم في النسب إلى هوازن:
هوازني، وإلى حي كلاب: كلابي))، لكنه أفاد أول كلامه أن ((الصواب عند النحويين
البصرييين)) هو النسبة إلى واحد الجموع.
(٣) في ((المقدمة)) ص ٢٦٣. ولفظ البخاري أول كتاب فضائل الصحابة من
((صحيحه)): ((من صحب النبيّ أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه)). ومن أجل
الاعتراضات الآتية قال العراقي في ((شرح الألفية)) ص ٣٤٣: ((العبارة السالمة من
الاعتراض أن يقال: الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا، ثم مات
=

١٥٤
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
البخاري وغيره.
وأُورد عليه: إن كان فاعلَ الرؤية الرائي: الأعمى، کابن أم مكتوم ونحوه،
فهو صحابي بلا خلاف، ولا رؤية له، ومن رآه كافراً ثم أسلم بعد موته كرسولِ
قيصَرَ (١)، فلا صحبة له، ومن رآه بعد موته صلى الله عليه وسلم قبل الدفن،
وقد وقع ذلك لأبي ذُؤَيب خُويلد بن خالد الهُذَلي، فإنه لا صحبة له(٢).
(ت)
على الإسلام))، ثم ذكر محترزاته.
وزاد عليه تلميذه الحافظ في ((شرح النخبة)) ص ١٠٩ حرف ((به)) بعد كلمة
((مسلمًا))، وزاد زيادة أخرى، فكان تعريفه: ((هو: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم
مؤمنًاً به، ومات على الإسلام، ولو تخلَّلتْ رِدّة على الأصح))، فجاء تعريفه - بهذه
الزيادة الأخيرة - قاصراً على مذهبه، غير شامل للمذاهب الأخرى، وسيأتي هذا في
الإيراد التالي.
(١) [قوله: كرسول قيصر، ويقال: رسول هِرَقْل، قدم على النبي صلى الله عليه
وسلم في تبوك، وأخرج أحمدُ حديثه في ((مسنده)) - ٣: ٤٤١ - مع كونه إنما رأى النبي
صلى الله عليه وسلم في حال كفره، لأنه سمعه حين رؤيته له، وأنه نظر إلى خاتم النبوة،
والحديث طويل، وذكره ابن حجر في: ((تعجيل المنفعة)) - (١٤٧١) -، فيمن جُهل اسمه
وعرف نسبه فقال : التنوخي رسول هرقل، روى عنه سعيد بن أبي راشد انتهى.
[وهو بفتح الفوقية، وضم النون المخففة، وسكون الواو، وبالخاء المعجمة :
نسبة إلى تَنوخ، قبائل أقامتْ بالبحرين. قال الجوهري - ١ : ٤٣٤ (ن وخ) -: ولا
تشدّد النون. انتهى]. وتقدم ٣: ١٣٣.
(٢) لذلك ترجمه الحافظ في الكنى من ((الإصابة)) في القسم الثالث:
المخضرمين.

١٥٥
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
وإن كان فاعلَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، دخل فيه جميع الأمة،
فإنه كُشف له عنهم ليلة الإسراء وغيرها، ورآهم(١).
وأُورد عليه أيضاً: مَن صحبه ثم ارتد، كابن خَطَل ونحوه، فالأَوْلى أن
يقال: من لقي النبيَّ صلى الله عليه وسلم مسلماً ومات على إسلامه، أما من
ارتدّ بعده ثم أسلم ومات مسلماً، فقال العراقي (٢): في دخوله فيهم نظر، فقد
نص الشافعي وأبو حنيفة على أن الردة محبطة للعمل(٣)، قال: والظاهر أنها
[ب]
(١) هذا خبر يحتاج إلى ثبوت، والله أعلم به، ومع فرض ثبوته، فهل هذا
(الكشف) يُلحِقِ صاحبه بعالم التكليف، فتثبتُ له الصحبة؟ قال العراقي في ((التقييد
والإيضاح)) ٢: ٨٧٠: ((لا يُطلق اسم الصحبة على من رآه من الملائكة والنبيين في
السموات ليلة الإسراء)»، ثم شرح ذلك في حق الملائكة والأنبياء.
(٢) في ((التقييد والإيضاح)) ٢: ٨٥٨، و((شرح الألفية)) ص ٣٤٣.
(٣) قال العراقي في ((شرح الألفية)) ص ٣٤٣: ((إن الردة محبطة للعمل عند أبي
حنيفة، ونصّ عليه الشافعي في ((الأم)) - ١: ٧٠ -، وإن كان الرافعي - ((فتح العزيز)) ٧: ٥ -
قد حكى عنه أنها إنما تحبط بشرط اتصالها بالموت، وحينئذٍ فالظاهر أنها محبطة للصحبة
المتقدمة، كقرة بن هبيرة، وكالأشعث بن قيس ... ))، إلى آخر كلامه المذكور هنا.
قلت: والمعروف عن الشافعية ما حكاه الرافعي، أخذًا من قوله تعالى: ﴿فَيَمُتْ
وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧].
ثم إن تحرير نقطة الخلاف بين الحنفية والشافعية - والله أعلم - إنما هو في أمر
فنّيّ (اصطلاحي)، هو: هل أحاديثه التي يرويها، وكان قد تحملها أيام صحبته،
مسنَدة، أو مرسلة، وكونها مرسلةً لا يضرها، فهي كرواية التنوحي رسول هرقل الذي
=

١٥٦
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
مُحبِطة للصحبة السابقة(١)، كقرّة بن هبيرة (٢)، والأشعث بن قيس، أما من رجع
إلى الإسلام في حياته، كعبد الله بن أبي سَرْح فلا مانع من دخوله في الصحبة.
وجزم شيخ الإسلام(٣) في هذا .
[ب] -
أشار إليه الشارح قبل أسطر، حديثُه مرسل، لكنه في حكم المسند.
أما من حيث عودُ شرف الصحبة له وفضلُها: فلا، والله أعلم.
(١) [هذا هو الأوجه دليلاً، وذهب بعض الحفاظ إلى أن الأصح أن اسم الصحبة
باقٍ للراجع للإسلام، سواء رجع إليه في حياته عليه السلام أم بعده، وسواء لقيه ثانياً
أم لا، ويدل على رجحانه قصة الأشعث بن قيس، فإنه كان ممن ارتد، وأُتي به إلى
الصديق أسيراً، فعاد إلى الإسلام، فقبل منه ذلك وزوَّجه أخته، ولم يتخلَّف أحد عن
ذكره في الصحابة. انتهى. مير بادشاه - ((تيسير التحرير)) ٣: ٦٦ -، و((شرح النخبة))
- ص١٠٩ ۔۔].
وليس الخلاف في كون حديثه مسندًاً أو مرسلاً، إنما الخلاف في عَوْد شرف
الصحبة له.
(٢) تحرف في النسخ إلا وإلى: ميسرة.
(٣) في ((شرح النخبة)) ص ١٠٩، ولذلك ترجم لقرَّة والأشعث في القسم الأول
من حرف كلٌّ منهما، وهو لمن يُجزم بصحبته، وحجة الحافظ: أن أصحاب المسانيد
رووا أحاديث هؤلاء، فهذا يدل على اعتبارهم إياهم صحابةً ثبتت صحبتهم.
وللطرف الآخر أن يقول: إن هذا لا يلزم منه عودُ شرف الصحبة، بل غايته أنه
يفيد الاتصال، ولا نزاع فيه. والله أعلم.
وأما إن المصنفين في معرفة الصحابة لم يتخلّفوا عن ذكرهم مع الصحابة: فأيُّ
=

١٥٧
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
والذي قبله ببقاء اسم الصحبة له (١).
قال(٢): وهل يشترط لقّه في حال النبوة، أو أعمُّ من ذلك، حتى يدخل من
رآه قبلها، ومات على الحنيفية، كزيد بن عمرو بن نُفيل، وقد عدَّه ابن منده في
الصحابة(٣)، وكذا لو رآه قبلها ثم أدرك البعثة وأسلمَ ولم يَرَه.
قال العراقي(٤): ولم أر من تعرَّض لذلك، قال: ويدل على اعتبار الرؤية
غرابة في ذلك، فهم أولى بالذّكر بينهم من (المخضرمين) الذين ذكرهم ابن عبد البر
في ((الاستيعاب)): حضروا العصر النبوي، ولم يُقدَّر لهم لقاؤه صلى الله عليه وسلم.
(١) يلاحظ أن (اسم الصحبة) شيء، وشرف الصحبة وفضلها شيء آخر، وهو
الذي عليه مدار البحث في هذه المسألة.
(٢) العراقي في ((شرح الألفية)) ص ٣٤٤، و((التقييد والإيضاح)) ٨٦٩:٢، وقال
الحافظ نحوه في ترجمة زيد بن عمرو بن نُفيل من ((الإصابة)): القسم الأول، وقال:
تأتي ترجمته في القسم الرابع، لكنه لم يتكلم عليه بشيء في القسم الرابع، بل قال:
تقدم في القسم الأول.
(٣) ينظر هذا التعبير؟ فلو قاله فيما يُعزى إلى ((الإصابة)) لصحّ، على أنه ليس في
القسم المطبوع منه شيء، وهو في ((أسد الغابة)) ٢٩٥:٢، و((المعرفة)) لأبي نعيم
١١٣٣:٣، وللبغوي ٤٥٣:٢، وقال: توفي قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم،
وقد آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال العلامة ابن العجمي رحمه الله:
[تنبيه: ليس ورقةُ مثلَ زيد المذكور، بل هو صحابي قطعاً، كما سيأتي
- ص٢٢١ - بالهامش عن البِرماوي. فاحفظه.].
(٤) في ((شرح الألفية)) ص ٣٤٤، وكذلك النقل الثاني والثالث.

١٥٨
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
بعد النبوة ذِكْرهم في الصحابة ولدَه إبراهيم، دون من مات قبلها، كالقاسم(١).
قال: وهل يشترط في الرائي التمييزُ، حتى لا يدخل منْ رآه وهو لا يعقل،
والأطفالُ الذين حنَّكهم ولم يَرَوْه بعد التمييز، أو لا يشترط؟، لم يذكروه أيضاً،
إلا أن العلائي قال في ((المراسيل)) (٢): عبد الله بن الحارث بن نوفل حنكه النبي
صلى الله عليه وسلم ودعا له، ولا صحبةً له، بل ولا رؤية أيضاً، وكذا قال في
عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري: حنكه ودعا له، ولا تُعرف له رؤية بل هو
تابعي.
وقال في ((النكت))(٣): ظاهر كلام الأئمة: ابن معين، وأبي زرعة، وأبي
حاتم، وأبي داود، وغيرهم اشتراطه، فإنهم لم يُثبتوا الصحبة لأطفالِ حنَّكهم
النبي صلى الله عليه وسلم، أو مسح وجوههم، أو تَفَل في أفواههم،
كمحمد بن حاطب، وعبد الرحمن بن عثمان التيمي، وعُبيدالله بن معمر،
ونحوهم.
[ب] -
(١) كأن عمدته قولُ أبي نعيم ٢٣٥٤:٤: ((ذكره بعض المتأخرين - يريد: ابن
منده -، ولا أعلم أحداً من متقدِّمينا ذكر القاسم في الصحابة ... ، وهو إنما يُذكر في
أولاده لا في أصحابه، وأكثر الناس على أن موته كان قبل الدعوة)).
(٢) الترجمة (٣٤٤) من ((جامع التحصيل))، وزاد: ((وحديثه مرسل قطعًا))، ثم
ترجمة عبد الله بن أبي طلحة (٣٧٣) وقال: وحديثه مرسل))، لكن ترجمهما الحافظ
في القسم الثاني من ((الإصابة)).
(٣) ((التقييد والإيضاح)) ٨٥٩:٢ - ٨٦٠.

١٥٩
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
قال(١): ولا يشترط البلوغ على الصحيح، وإلا لخرج مَن أُجمع على عدِّ
في الصحابة، كالحسن، والحسين، وابن الزبير، ونحوهم.
قال(٢): والظاهر اشتراط رؤيته في عالم الشهادة، فلا يطلق اسم الصحبة
على من رآه من الملائكة والنبيين.
قال: وقد استَشكل ابنُ الأثير ذكِرَ مؤمني الجنّ في الصحابة دون من رآه
من الملائكة، وهم أولى بالذِّكر من هؤلاء(٣).
[ب]
(١) المصدر السابق ٨٦٩:٢.
(٢) المصدر المذكور ٨٧٠:٢ - ٨٧٤.
(٣) ينظر ((أسد الغابة)) ترجمة عمرو الجني ٢٠٩:٤، وترجمة زوبعة الجني
٢٦٧:٢.
[في ((خير الكلام)) لشيخنا - صاحب ((السيرة الحلبية)) -: أن من اجتمع به مؤمناً به
من الجنّ صحابيٌّ، ومن اجتمع به ليلةَ الإسراء ببيت المقدس من الملائكة صحابي،
بناء على أن وجود الملائكة في الأرض متعارف، وأن عيسى عليه السلام صحابي،
لأن اجتماعه به في بيت المقدس متعارف، وأن بقية الأنبياء ممن اجتمع به في بيت
المقدس، ومن اجتمع به من الملائكة غیر صحابة. انتهى.
[ثم رأيت في ((حاشية الغَزي على شرح ألفية العراقي)) - ق ١٥٦ / ب -: وهل
يشترط الرؤية في عالم الشهادة؟ قال الشارح - ((التقييد والإيضاح)) ٢: ٨٧٠ - وغيره:
الظاهر نعم، حتى لا يطلق اسم الصحبة على من رآه من الملائكة والنبيين في
السماوات ليلة الإسراء، قال: والظاهر أن من رآه من الأنبياء في الأرض وهو حيّ له
حكم الصحبة، كالخضر وإلياس، إن فُرِض على القول بحياتهما، وكذا عيسى، إن
=

١٦٠
النوع التاسع والثلاثون : معرفة الصحابة رضي الله عنهم
[ش]
قال: وليس كما زَعَم(١)، لأن الجنّ من جملة المكلَّفين الذين شملتْهم
كان قد رآه في الأرض.].
(١) [عبارة السخاوي في ((شرح الألفية)) - ٤: ١٢ - ١٥ -: وكذا يدخل فيهم
- أي: في الصحابة - من رآه وآمن به من الجن، لأنه بُعث إليهم قطعاً، وهم مكلفون،
ولا التفات لإنكار ابن الأثير، فإنه لم يستند فيه إلى حجة، وجزم البلقيني - ((المحاسن))
ص٤٨٦ - بعدم دخول من رآه ليلة الإسراء من الأنبياء والملائكة ممن لم يبرز إلى عالم
الدنيا، وبهذا القيد دخل فيهم عيسى ابن مريم، ولذا ذكره الذهبي في ((التجريد))
-٤٣٢:١ -، وتبعه شيخنا - [يعني ابن حجر في ((الإصابة)): القسم الأول] -، ووجَّهه
باختصاصه عن غيره من الأنبياء، بكونه رُفع على أحد القولين حياً، وبكونه ينزل إلى
الأرض فيقتل الدجال، ويحكم بشريعة محمد صلى الله عليهما وسلم. فبهذه الثلاث
يدخل في تعريف الصحابة، وجعلَ بعضهم دخول الملائكة فيهم مبنياً على أنه كان
مبعوثاً إليهم، وهي حجة التقي السبكي، قال الحافظ ابن حجر - ((الإصابة)) ١: ٨ -:
وفي صحة بناء دخولهم في الصحابة على هذا الأصل نظر لا يخفى، وما قاله ظاهر،
لكن خالفه في ((الفتح)) - ٤:٧ - حيث مشى على البناء المشار إليه. انتهى.
باختصار.].
لكن لفظه في ((الفتح)) يؤيد النظر، قال: ((وأما الملائكة فيتوقّف عدُّهم فيهم
على ثبوت بعثته إليهم، فإن فيه خلافًا بين الأصوليين)). واشتهر بين المتأخرين أن
بعثته صلى الله عليه وسلم إلى الملائكة بعثةُ تشريف، وأن بعثته إلى الجن بعثة
تکلیف.
وقوله عن عيسى عليه الصلاة والسلام ((رُفع على أحد القولين حيًّا)): فيه:
إشارة إلى قول ضعيف من غير حاجة إليه! وقد قال الحافظ نفسه في ((الفتح)) ٦:
٣٧٥ في شرح الباب ٥ من كتاب ((الأنبياء)): ((إن عيسى أيضاً قد رفع، وهو حيّ
=