النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
أحدها: أن هذه الأمراض لا تُعدِي بطبعها، لكن الله تعالى جعل مخالطة
المريض بها، للصحيح، سبباً لإعدائه مرضَه، وقد يتخلّف ذلك عن سببه، كما
في غيره من الأسباب، وهذا المسلك هو الذي ذكره ابن الصلاح(١).
الثاني: أن نفي العدوى باقٍ على عمومه، والأمر بالفرار من باب سدٍّ
الذرائع، لئلا يتفق للذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى، ابتداءً لا
بالعدوى المنفية، فيظنَّ أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقدَ صحة العدوى، فيقع
في الحرج، فأمر بتجنبه حسماً للمادة، وهذا المسلك هو الذي اختاره شيخ
(٢)
الإسلام(٢).
الثالث: أن إثبات العدوى في الجُذام ونحوه، مخصوصٌ من عموم نفي
العدوى (٣)، فيكون معنى قوله: ((لا عدوى)) أي: إلا من الجذام ونحوه، فكأنه
[ومن الناس: من يعتقد حدوث الأسباب العادية وعدم تأثيرها فيما قارنها لا
بطبعها ولا بقوة جُعلت فيها، وأن الله تعالى جعلها أماراتٍ ودلائلَ على ما نشأ من
الحوادث، من غير ملازمة عقلية بينها وبين ما جُعلت دليلاً عليه، ولهذا صح أن يَخرِق
العادة فيها لمن يشاء، وفي أيّ وقت شاء، وهذا الاعتقاد هو الحق والقائلون به هم
المؤمنون وأهل السنة. انتهى.].
(١) ((المقدمة)) ص ٢٥٧.
(٢) في ((شرح النخبة)) ص ٧٣ - ٧٤.
(٣) كتب مقابله العلامة ابن العجمي رحمه الله كلامًا عامًا يتعلق بمسألة الخيار
في النكاح، فقال:
=

١٢٢
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
قال: لا يُعدِي شيء شيئاً إلا فيما تقدم تبييني له أنه يُعدي، قاله القاضي أبو بكر
الباقلاني.
الرابع: أن الأمر بالفرار رعايةٌ لخاطر المجذوم، لأنه إذا رأى الصحيح
تعظُم مصيبته وتزداد حسرته، ويؤيده حديث: ((لا تُدِيموا النظر إلى
المجذومين))، فإنه محمول على هذا المعنى(١).
وفيه مسالك أُخر.
[ب] -
[في باب الخيار في النكاح: أن الجُذَام والبرص يُعدِيان المُعاشِرِ والولد، أو
نسله، كثيراً، كما جزم به في ((الأم)) - ٥: ٨٥ - في موضع، وحكاه عن الأطباء
والمجربين في موضع آخر - بل الموضع نفسه -، قال البيهقي وغيره : ولا ينافيه خبر :
((لا عدوى)) لأنه نفي لاعتقادِ الجاهليةِ نسبةَ الفعل لغير الله تعالى، فوقوعه بفعله جلّ
وعلا، ومن ثَم صح خبر: ((فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد))، وأكلَ النبي صلى الله
عليه وسلم معه تارة، وتارة لم يصافحه، بياناً لسعة الأمر على الأمة من الفرار
والتوكل. انتهى م ر س [؟؟].].
وحديث الأكل معه تارة: رواه أبو داود (٣٩٢١)، والترمذي (١٨١٧) وأشار إلى
ضعفه، ورجّح الموقوف على ابن عمر، وهو عند ابن أبي شيبة (٢٥٠٥٤)، وحديث
عدم المصافحة: رواه مسلم ١٧٥٢:٤ (١٢٦) عن ابن أبي شيبة (٢٥٠٣٠). وينظر
((المصنَّف)) (٢٥٠٢١ - ٢٥٠٢٩)، (٢٥٠٣٠ - ٢٥٠٣٣).
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٥٠٣٢)، وأحمد ٢٩٩:١، ٢٣٣، وابن
ماجه (٣٥٤٣)، وضعفه الحافظ في ((الفتح)) ١٥٩:١٠ (٥٧٠٧)، لكن انظر ما علقته
على ((المصنف)) فلتحسينه مجال ووجاهة.

١٢٣
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
والثاني : لا يمكن بوجهٍ، فإنْ عِلِمنا أحدَهما ناسخاً قدمناه، وإلا
عمِلنا بالراجح، كالترجيح بصفاتِ الرواة، وكثرتِهم، في خمسين وجهاً.
[ش]
(و) القسم (الثاني: لا يمكن) الجمع بينهما (بوجهٍ، فإنْ علِمنا أحدَهما
ناسخاً) بطريقٍ مما سبق (قدمناه، وإلا عمِلنا بالراجح) منهما (كالترجيح بصفاتٍ
الرواة) أيْ: كونِ رواةِ أحدِهما أتقنَ وأحفظَ، أو نحوَ ذلك مما سيُذكَر،
(وكثرتِهم) في أحد الحديثين، (في خمسين وجهاً) من المرجِّحات، ذَكَرها
الحازمي في كتابه ((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ))(١)، وأوصلَها غيره إلى أكثر
من مئة، كما استوفى ذلك العراقي في ((نُكته))(٢).
[ب]
-
(١) من صفحة ١١ - ٢٣. وكأن سَلَفه بعض أئمة الأصول، كأبي إسحاق
الشيرازي في ((شرح اللمع)) ٢: ٦٥٧ - ٦٦٢، ذكر اثني عشر مرجِّحاً إسنادياً، ومثلها
للمتون، وكذلك أبو يعلى الفراء في ((العدَّة)) ١٠١٩:٣ - ١٠٥٣، ذكر أحد عشر
مرجحًا إسناديًّا، وواحدًا وعشرين مرجحاً متنيًّا، ومرجحات أخرى ذكر ستة منها،
فالجمیع ثمانية وثلاثون مرجحًا. والله أعلم.
(٢) ((التقييد والإيضاح)) ٨٤٦:٢ - ٨٥٢. وقد وضعتُ رقماً متسلسلاً قبل كل
وجه، ولو كان الشارح رحمه الله عدَّه ورقّمه، ووضعتُ بين معقوفين في آخر كل
وجه رقمه عند الحافظ العراقي، ليسهل على الباحث الرجوع إليه، فإن في عبارة
الشارح غموضًا أحيانًا، كما أن الوجوه التي أرقامها بين (١ - ٥٠)، يحسن الرجوع
فيها إلى عبارة الحازمي، فهي أوضح، ومع كثيرٍ منها أمثلة.
وتبيَّن أخيرًا أن عند الشارح زيادة قليلة على الوجوه التي عند العراقي، وهي
الوجوه التي ليس في آخرها رقم، كما أن عند العراقي وجوهًا زائدة على ما استفاده
الشارح منه، وأرقامها عنده: (٣٧، ٤٢، ٤٤، ٤٩، ٩٨، ١٠٥، ١٠٦).

١٢٤
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
وقد رأيتها منقسمةً إلى سبعة أقسام (١):
الأول: الترجيح بحال الراوي، وذلك بوجوه:
١ - أحدها: كثرة الرواة، كما ذكر المصنف، لأن احتمال الكذب والوهم
على الأكثر، أبعدُ من احتماله على الأقل [١].
٢ - ثانيها: قلة الوسائط، أي: علوّ الإسناد، حيثُ الرجالُ ثقاتٌ، لأن
احتمال الكذب والوهم فيه أقلّ [٥١].
٣ - ثالثها: فقه الراوي، سواء كان الحديث مروياً بالمعنى أم اللفظِ، لأن
الفقيه إذا سمع ما يَمتنع حمله على ظاهره، بحث عنه حتى يطّلع على ما يزول
به الإشكال، بخلاف العامي [٢٣](٢).
[ب]
(١) تبعًا للأصوليين، وانظرها في ((المنهاج)) للبيضاوي بشرحه ((الإبهاج))
٢٧٥١:٧ - ٢٨٢٩ وغيره.
(٢) ليس المراد العاميّ الأميّ الجهول، بل المراد العالم غير المتمكِّن، فقهيًّا
وعربيةً، الذي لا ينطبق عليه الوصف الذي في أول كلام الشارح: ثالثها: فقه الراوي.
ويلاحظ هنا أن الحازمي والعراقي والشارح - وغيرهم - تواردوا على جعل فقاهة
الراوي وجهاً من وجوه الترجيح، أما الحنفية فجعلوا للفقاهة أهمية أكبر من كونها
مرجِّحاً، وذلك بأنْ قسموا الرواة إلى: راو فقيه، وراو غير فقيه، وربطوا رواياتهم
بأصل من أصول التشريع ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو أصل القياس، فقالوا:
إن رواية الفقيه واجبٌ العمل بها، سواء وافقها القياس أم خالفها، إذ يبعد جدًّا أن
يغفل الفقيه ولا يدري أنه خالف بروايته هذه ذاك الأصل الثابت، أما غير الفقيه: فهو
عرضة لذلك فقالوا: إذا وافق القياسَ روايةُ غير الفقيه عملنا بها، وإن وافقها قياس،
=

١٢٥
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
٤ - رابعها: علمه بالنحو، لأن العالم به يتمكن من التحفّظ عن مواقع
الزلل، ما لا يتمكَّن منه غيرُه [٥٢].
٥ - خامسها: علمه باللغة [٥٣].
٦ - سادسها: حفظه، بخلاف من يعتمد على كتابه(١).
٧ - سابعها: أفضليته في أحد الثلاثة، بأن يكونا فقيهين، أو نَحْويين، أو
حافظين، وأحدُهما في ذلك أفضل من الآخر [٥٤].
٨ - ثامنها: زيادة ضبطه، أي: اعتناؤه بالحديث واهتمامه به [٢].
٩ - تاسعها: شهرته، لأن الشهرة تمنع الشخص من الكذب كما تمنعه من
ذلك التقوى [٦٤].
[ب]
وخالفها قياس آخر، عملنا بها أيضاً، وإن خالفت القياسَ من كل الوجوه تُرك العملُ
بها، فإنها آحاد، عارضت ذاك القطعي الثابت بالأصول الثلاثة. ينظر شرح العلاء
البخاري على أصول البزدوي ٣: ٣٧٩.
وقد قال ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ص٢٧٦: ((كثير من أهل الحديث استجازوا
الطعن على أبي حنيفة، لردِّ كثيراً من أخبار العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى
عرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذّ عن ذلك ردّه
وسماه شاذًا».
(١) هذا قول بعض الأصوليين، انظره في ((الإبهاج)) ٢٧٧٢:٧، لكن سيأتي بعد
قليل: الوجه العشرون في تعداد الشارح، وهو الوجه الرابع والعشرون في تعداد
الحازمي: ترجيح رواية من يرجع إلى كتاب مع حفظه لما يرويه، وقال: ((قال علي بن
المديني: قال لي سيدي أحمد بن حنبل رضي الله عنه: لا تحدِّئْنَّ إلا من كتاب)).

١٢٦
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
١٠ - ٢٠ - عاشرها إلى العشرين: كونه ورعاً [٥٦]. أو حسنَ الاعتقاد
[٥٥]، أي: غيرَ مبتدع. أو جليساً لأهل الحديث، أو غيرهم من العلماء، أو
أكثرَ مجالسةً لهم [٥٧، ٥٨]. أو ذَكَراً [٦٢]. أو حراً [٦٣]. أو مشهورَ النسب
[٦٥]. أو لا لَيْس في اسمه بحيثُ يشاركه فيه ضعيف، وصعُبَ التمييز بينهما
[٦٧]. أوْ له اسم واحد [٦٦]. ولذاك أكثرُ [٦٧]. أو لم يَختلط [٧٠]. أو له
كتاب يرجع إليه [٢٤].
٢١ - حادي عِشْريها: أن تثبت عدالته بالاختبار، بخلاف من تثبت
بالتزكيةِ، أو العملِ بروايته، أو الرواية عنه، إن قلنا بهما [٥٩].
٢٢ - ٢٧ - ثاني عِشْريها إلى سابع عشريها: أن يَعمل بخبره من زكّاه،
ومعارضُهُ لم يَعمل به من زكاه(١) [٦٠]. أو يُتفق على عدالته [٣]. أو يُذكر سبب
تعديله [٦١]. أو يكثر مزكَّوه [٦٨]. أو يكونوا علماء [٦٩]. أو كثيري الفحص
عن أحوال الناس.
٢٨ - ثامن عِشْريها: أن يكون صاحبَ القصة، كتقديم خبر أم سلمة زوج
النبي صلى الله عليه وسلم في الصوم لمن أصبح جنباً، على خبر الفضل بن
العباس في منعه(٢)، لأنها أعلم منه [٨].
(س)
-
(١) لفظ العراقي: ((الستون: كون المزكّي زكّاه وعمل بخبره، وزكى الآخر
وروى خبره)). أي: روى خبره روايةً فقط، ولم يعمل به، فذاك مقدّم بالعمل.
(٢) خبر أم سلمة، ومعها عائشة رضي الله عنهما في ذلك: رواه البخاري
(١٩٢٥، ١٩٢٦)، ومسلم ٧٧٩:٢ (٧٥)، وفي بعض طرقه عندهما ذكر السيد
=

١٢٧
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
٢٩ - تاسع عشريها: أن يباشر ما رواه [٧].
٣٠ - الثلاثون: تأخر إسلامه، وقيل: عكسه، لقوة أصالة المتقدم ومعرفته،
وقيل: إن تأخر موته إلى إسلام المتأخر لم يرجح بالتأخير، لاحتمال تأخر روايته
عنه، وإن تقدَّم أو عُلم أن أكثر رواياته متقدمةٌ على رواية المتأخر: رجح [٧١].
٣١ - ٤٠ - الحادي والثلاثون إلى الأربعين: كونه أحسنَ سياقاً واستقصاءً
لحديثه [٩]. أو أقرب مكاناً(١) [١٠]. أو أكثرَ ملازمة لشيخه [١١]. أو سمع من
مشايخ بلده [١٢]. أو مشافهاً مشاهداً لشيخه حال الأخذ [١٧]. أو لا يجيز
الرواية بالمعنى [٢٢]. أو الصحابي من أكابرهم [٧٢]. أو عليّ، وهو في
الأقضية [٥٠]، أو معاذ، وهو في الحلال والحرام، أو زيد، وهو في الفرائض.
أو الإسناد حجازي [١٤]. أو رواته من بلدٍ لا يرضون التدليس [١٥].
القسم الثاني : الترجيح بالتحمل، وذلك بوجوه:
٤١ - أحدها: الوقت، فيرجَّح من لم يتحمّل الحديث إلا بعد البلوغ، على
من كان بعضُ تحمله قبله، وبعضُهُ بعده، لاحتمال أن يكون هذا مما قبْله،
والمتحمَّل بعده أقوى، لتأهله للضبط. [٤].
[ب]
عائشة فقط، والحديث والقصة بطولها من رواية أبي هريرة، ثم ردّ الرواية إلى الفضل.
(١) لفظ الحازمي: أن يكون أحد الراويين أقربَ مكانًا من رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فحديثه أولى بالتقديم، لأنه يكون أمكن من استيفاء كلامه وأسمعَ له،
وهذا الوجه والقرب عبّر عنه الزركشي في ((البحر المحيط)» ١٥٥:٦ الوجه الحادي
عشر: بالقرب باعتبار الجسم، أما الوجه العاشر فعبّر بالأقرب بالمخالطة والمعايشة.

١٢٨
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
٤٢ - ٤٣ - ثانيها، وثالثها: أن يتحمل تحديثاً، والآخر عرضاً، أو عرضاً
والآخر كتابة، أو مناولة، أو وجادة [٥، ٦].
القسم الثالث : الترجيح بكيفية الرواية، وذلك بوجوه:
٤٤ - أحدها: تقديم المحكيّ بلفظه، على المحكيّ بمعناه. [٧٤].
والمشكوكِ فيه، على ما عُرف أنه مرويّ بالمعنى [؟].
٤٥ - ثانيها: ما ذُكر فيه سبب وروده، على ما لم يُذكر فيه، لدلالته على
اهتمام الراوي به، حيث عَرَف سببه(١) [٧٣].
٤٦ - ثالثها: أن لا ینکره راویه، ولا يترددَ فیه [٧٥].
٤٧ - ٥٣ - رابعها إلى عاشرها: أن تكون ألفاظه دالة على الاتصال، كـ:
حدثنا، وسمعت [١٦]. أو اتفق على رفعه [٢٠]. أو وصله [٢١]. أو لم يُختلف
في إسناده [١٨]. أو لم يَضطرب لفظه [١٩]. أو رُوي بالإسناد، وعُزي ذلك
لكتاب معروف [٩٩]. أو عُزِي، والآخرُ مشهور [١٠٠].
القسم الرابع : الترجيح بوقت الورود، وذلك بوجوه:
٥٤ _ ٥٥ - أحدها، وثانيها: تقديم المدني على المكي [٧٧]. والدال على
علو شأن المصطفى صلى الله عليه وسلم على الدال على الضعف كـ: ((بدأ
الإسلام غريباً)) ثم شهرته: فيكون الدال على العلوّ متأخراً [٧٦].
[ب]
(١) ومن هذا القبيل: ما نقله الحافظ في ((مقدمة الفتح)) ص ٣٦٣ عن الإمام
أحمد قوله: ((إذا كان في الحديث قصةٌ دلّ على أن راويه حفظه)).

١٢٩
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
٥٦ - ثالثها: ترجيح المتضمّن للتخفيف، لدلالته على التأخر، لأنه
صلى الله عليه وسلم كان يغلظ في أول أمره، زجراً عن عادات الجاهلية، ثم
مال للتخفيف، كذا قال صاحب ((الحاصل)) و((المنهاج))(١)، ورجح الآمدي،
وابن الحاجب(٢) وغيرهما عكسه، وهو تقديم المتضمن للتغليظ، وهو الحقّ،
لأنه صلى الله عليه وسلم جاء أولاً بالإسلام فقط، ثم شُرعت العبادات شيئاً
فشيئاً [٧٨].
٥٧ - رابعها: ترجيح ما تَحَمَّل بعد الإسلام، على ما تحمَّل قبله، أو شكّ،
لأنه أظهر تأخراً [٨١].
٥٨ - ٥٩ - خامسها، وسادسها: ترجيح غير المؤرَّخ، على المؤرخ بتاريخ
متقدم [٨١]. وترجيح المؤرخ بمقارب لوفاته صلى الله عليه وسلم، على غير
المؤرخ [٧٩]. قال الرازي(٣): والترجيح بهذه الستة - أي: إفادتها للرجحان -
غير قوية.
[ب]
-
(١) ((الحاصل)) الأرموي ٩٨٢:٢، و((التحصيل)) له ٢٦٩:٢ - ٢٧٠، و((المنهاج))
للبيضاوي بشرحه ((الإبهاج)) ٢٧٩٨:٧، وكأن الشارح ينقل من الشرح، وهو
((الإبهاج))، فإن كلمة ((وهو الحق) هي كلمة السبكي في الشرح.
(٢) ((الإحكام)) للآمدي ٣٥٧:٤، و((مختصر منتهى السول والأمل)) لابن
الحاجب ١٣٠٢:٢.
(٣) في ((المحصول)) ٤٢٨:٥.

١٣٠
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
القسم الخامس : الترجيح بلفظ الخبر، وذلك بوجوه:
٦٠ - ٩٤ - أحدها، إلى الخامس والثلاثين: ترجيح الخاص على العام.
[؟]. والعام الذي لم يخصَّص على المخصَّص، لضعف دلالته بعد التخصيص
على باقي أفراده [٣٨]. والمطلق على ما ورد على سبب .[٤٠]. والحقيقة على
المجاز. [٨٤]. والمجاز المشبِه للحقيقة على غيره. [٨٥]. و[الحقيقة] الشرعية
على غيرها (١). و[الحقيقة] العرفية على اللغوية. [٨٦]. والمستغني عن الإضمار
[٣٤]. وما يقلُّ فيه اللَّبس [٩٣]. وما اتفق على وضعه لمسماه [٩٤].
٩٥ - والمومئ للعلة [٨٩]. والمنطوق [٧٣]. ومفهوم الموافقة على
المخالفة [٩٧]. والمنصوص على حكمه مع تشبيهه بمحل آخر. [٩٥].
والمستفاد عمومُه من الشرط والجزاء على النكرة المنفية [١٠٢]. أو من الجمع
المعرَّف، على ((من)) و((ما)). [١٠٨]. أو من الكل، وذلك من الجنس المعرَّف
[١٠٩]. وما خِطابه تكليفيّ على الوضعيِّ. [١٠٣]. وما حكمه معقول المعنى.
[١٠٤]. وما قدَّم فيه ذكر العلة. [١٠٧]. أو دلَّ الاشتقاق على حكمه. [٤١].
والمقارن للتهديد. [٩١]. وما تهديده أشدّ. [٩٢].
٩٦ - والمؤكَّد بالتكرار. [٩٦]. والفصيح. [٨٢]. وما بلغة قريش. [٨٣].
وما دلّ على المعنى المراد بوجهين فأكثر. [٨٧]. أو بغير واسطة [٨٨]. وما ذُكر
(١) هذا الوجه جاء برقم (٨٦) من ((التقييد والإيضاح)) ص ٢٥٠ من طبعة
الأستاذ الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله، وليس في الطبعة الجديدة التي أعزو
إليها دائماً، ونقلُ الشارح له يدل على ثبوته في أصله من الكتاب، وصحة ذلك.

١٣١
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
معه معارضُه، كـ: ((كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)). [٩٠]. والنصّ
والقول(١). [٢٥]. وقولٌ قارنه الفعل. [٢٦]. أو تفسير الراوي. [٣٦]. وما قُرن
حكمه بصفةٍ، على ما قُرِن باسم. [٣٥]. وما فيه زيادة [٤٣].
القسم السادس : الترجيح بالحكم، وذلك بوجوه:
٩٧ - أحدها: تقديم الناقل عن البراءة الأصلية، على المقرِّر لها، وقيل:
عكسه. [؟].
٩٨ - ثانيها: تقديم الدال على التحريم، على الدال على الإباحة،
والوجوبِ. [٤٦].
٩٩ - ثالثها: تقديم الأحوط. [؟].
١٠٠ - رابعها: تقديم الدال على نفي الحدّ. [٤٨].
القسم السابع : الترجيح بأمر خارجي:
١٠١ - كتقديم ما وافق ظاهر القرآن [٢٧].
١٠٢ - أو سنة أخرى [٢٨].
١٠٣ - أو ما قبل الشرع [٤٧].
١٠٤ - أو القياس [٢٩].
١٠٥ - أو عمل الأمة [٣٢].
-
(١) لفظ الحازمي رحمه الله: ((أن يكون أحد الحديثين منسوبًا إلى النبي صلى الله
عليه وسلم نصًا وقولاً، والآخر يُنسب إليه استدلالاً واجتهادًا».

١٣٢
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
١٠٦ - أو الخلفاء الراشدين [٢١].
١٠٧ - أو معه مرسلٌ آخر، أو منقطعٌ [٣٠].
١٠٨ - أو لم يُشعر بنوعٍ قدحٍ في الصحابة [٣٩].
١٠٩ - أو له نظيرٌ متفَق على حكمه [٤٥].
١١٠ - أو اتفَقَ على إخراجه الشيخان. [١٠١](١).
فهذه أكثر من مئة مرجح، وثَمَّ مرجحاتٌ أُخَر لا تنحصر(٢)،
(١) هذا الرقم (١٠١) هو بحسب ما جاء في الطبعة التي أعزو إليها من ((التقييد
والإيضاح))، لكن لما نقص من مطبوعته الوجه ٨٦ الذي نبهت إليه تعليقاً ص ١٣٠،
وهو في مطبوعة الأستاذ العلامة الطباخ رحمه الله، جاء هذا الوجه هناك: الوجه الثاني
بعد المئة.
وكنت عَرَضت لكون ((مختلف الحديث)) سببًا رئيسيًّا من أسباب اختلاف الأئمة
المجتهدين، في البحث الذي سميته «أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة
الفقهاء))، وطبعته أول مرة عام ١٣٩٨، وذكرت فيه خُقوف بعض المتسرِّعين إلى
ترجيح كل ما يرجِّحون بكون الحديث في الصحيحين، على كل حديث آخر،
محتجين بأن ابن الصلاح رحمه الله قال في ((مقدمته)): أصح الأحاديث ما اتفق عليه
الشيخان !! ، مع أن الحافظ العراقي - وأمامه كلام ابن الصلاح - ذكر هذا المرجّح
أواخر المرجِّحات: الثاني بعد المئة، لا أول المرجِّحات، وينظر ص ١٥٠ من الطبعة
السادسة من ((أثر الحديث الشريف)).
(٢) أوصلها الشوكاني في ((إرشاد الفحول)) ص ٢٧٦ - ٢٨٤ إلى ١٦٠ مرجحًا،
وجعلها اثني عشر صنفًا، ولو وجدت هذه الفائدة عند غيره لما سمّتُه، وهي حقًا لا
=

١٣٣
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
ومَثَارها غلبة الظن(١).
فوائد :
الأولى: منع بعضهم الترجيح في الأدلة(٢)، قياساً على البينات، وقال: إذا
تعارضا لزم التخيير أو الوقف، وأُجيب: بأن مالكاً يرى ترجيح البينة على البينة،
ومَن لم يَرَ ذلك يقول: البينة مستندة إلى توقيفات تعبدية، ولهذا لا تقبل إلا
بلفظ الشهادة.
الثانية: إن لم يوجد مرجح لأحد الحديثين تُوُقف عن العمل به حتى
يظهر(٣).
تنحصر، فكلما عَرَض للإمام المجتهد نصَّان متعارضان يتلمّس وجهًا لإزالة هذا
التعارض بوجه مما ذُكر، فإن لم يجد فيها حلاً، اجتهد في حلِّ جديد مناسب، فالأمر
- كما يقول الفقهاء في بعض المناسبات -: موكول إلى رأي المبتلَى، وهو الذي
وصفتُه بـ ((الإمام المجتهد))، لا إلى العابثين بالفقه الإسلامي.
(١) نعم، هذا حالُ المرجحات الأخرى التي لا تنحصر، وهو حال كثير من
الوجوه المتقدمة، والخلافات المذهبية حاصلة في كثير مما ذُكر، بل قال إمام
الحرمين في ((البرهان)) (١١٦٧) أول الكتاب الخامس: كتاب الترجيح: ((الترجيح:
تغليب بعض الأمارات على بعض، في سبيل الظن))، فقال: ((الظن))، ولم يقل: ((غلبة
الظن)»، بل صرَّح أئمتهم أن الترجيح لا يدخل اليقينيات، وغلبة الظن كافية في هذا
الباب، والله أعلم.
(٢) ينظر ((البرهان)) (١١٦٩).
(٣) هذا قالوه حين التقسيم النظري الرباعي أمام كل متعارضين: جمعٌ بينهما،
=

١٣٤
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
الثالثة: التعارض بين الخبرين إنما هو لخلل في الإسناد بالنسبة إلى ظن
المجتهد، وأما في نفس الأمر فلا تعارض(١).
الرابعة: ما سلم من المعارضة فهو (محكم) وقد عَقَد له الحاكم في ((علوم
فنسخ، فترجيح، فتوقّف، أو: جمع، فترجيح، فنسخ، فتوقف. ونَقَل في ((فتح
المغيث)) ٤٧٥:٣ عن الحافظ استحسان التعبير بالتوقف، بدلاً مما شاع على ألسنة
بعضهم: التساقط، فهو ألطف لفظًا، وأدقّ معنى.
ثم، إن الأولى أن يقال: تُوقّف عن العمل بهما، لا: عن العمل به، لأن التوقف
يكون عن العمل بالحديثين، لا عن أحدهما، وإلا كان ترجيحاً بلا مرجح.
(١) بل لأمور في المتن أيضًا، وقد تقدم ما يتعلق بالإسناد، وبالمتن. وانظر
((البحر المحيط)) ١٤٩:٦، ثم ١٥٠ - ١٦٤، ١٦٥ - ١٧٩.
وأما قوله: لا تعارض في نفس الأمر: فهذا صحيح غاية الصحة، لأن السنة
وحيٌّ، والوحي لا يتعارض مع نفسه، ومن هنا قال ابن خزيمة كلمته التي قدّمها
الشارح، أول النوع ص ٤٩٨، وعلّقت عليه بأن هذا لسان حال كل إمام، ومن هنا
أيضًا استحسن الحافظ التعبير عن المتعارضين اللذين لم نجد لهما وجهًا وحلاً بـ:
التوقف عن العمل بهما، لا بالتساقط، فالذي أسقطناه لا نرجع إليه لعدم صلاحيته،
أما ما توقَّفنا عن العمل به، فنرجع إليه متى سوّغنا العمل به، بتوجيه وحلّ مناسب،
ومن أُغلق عليه فهم آية أو حديث، فُتح على غيره، وهذا كثير في كتب العلم، وقولُه
تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، بعد أن أُغلق الفهم على داود: أولُ مثال
على ذلك، وقد يوجد في المفضول مالا يوجد في الفاضل.

١٣٥
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
الحديث)) باباً، وعدَّه من الأنواع، وكذا شيخ الإسلام في ((النخبة))(١).
قال الحاكم: ومن أمثلته: حديث: ((إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين
يشبّهون بخلق الله))(٢).
وحديث: ((لا يقبل الله صلاة بغير طُهور، ولا صدقة من غُلول))(٣).
وَحديث: ((إذا وُضع العَشاء وأُقيمت الصلاة فابدؤوا بالصلاة))(٤).
وحديث: ((لا شِغار في الإسلام)»(٥).
[ب] -
(١) ((المعرفة)) للحاكم ص ٣٩٥: النوع الثلاثون، وسماه: معرفة الأخبار التي لا
معارض لها بوجه من الوجوه، ((وشرح النخبة)) ص ٧٣.
(٢) رواه الحاكم في ((المعرفة)) ص ٣٩٥ (٣٢٠)، ومسلم ١٦٦٧:٣ (٩١) من
طريق الزهري، عن القاسم بن محمد، عن عمته عائشة، وله رواية مطولة عنها عند
البخاري (٢١٠٥).
(٣) رواه الحاكم (٣٢٢)، ومسلم ٢٠٤:١ (٢٢٤)، من طريق سماك بن حرب،
عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر.
(٤) رواه الحاكم ص ٣٩٦ (٣٢١)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٢٤)،
وعنه مسلم ٣٩٢:١ (٦٤)، من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن أنس.
(٥) رواه الحاكم ص ٣٩٧ (٣٢٤) بهذا اللفظ من طريق ابن جريج، عن أبي
الزبير، عن جابر، ومن هذا الطريق رواه ابن أبي شيبة (١٧٧٩٧)، ومسلم ١٠٣٥:٢
(٦٢) بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار.
=

١٣٦
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
قال: وقد صنف فيه عثمان بن سعيد الدارمي كتاباً كبيراً(١).
والشغار: أن يزوِّج الرجل ابنته أو أخته من آخر، فيزوِّجه الآخر ابنته أو أخته،
دون مھر.
(١) الحاكم في ((المعرفة)) ص ٣٩٧، وقد قال عنه الكوثري في تعليقة له ص ٦٤
على كتابه ((الإمتاع بسيرة الإمامين الحسن بن زياد ومحمد بن شجاع)): هو ((من أنفع
الكتب))، قال ذلك وهو في معرض الردّ الشديد على هذا الدارمي.

١٣٧
النوع السابع والثلاثون : معرفة المزيد في متصل الأسانيد
النّوع السّائعُ والثّلاثون: مَعْرفة المزيد في متّصل الأسَانيد
[ش]
(النوع السابع والثلاثون: معرفة المَزِيد في متصل الأسانيد)(١)
(س)
-
(١) وقبل ذكر المثال، ينبغي أن أذكر التعريف، وشرحه، ثم المثال، وتطبيقه،
لعلمي أن المبتدئ والمتوسط من طلبة العلم ليس عندهم تصوّر واضح لهذا النوع.
أما تعريفه: فقد قال الحافظ ابن كثير في ((اختصار علوم الحديث)) ص ١٧٦: ((هو
أن يزيد راوٍ في الإسناد رجلاً لم يذكره غيره))، وتتمّتْه أن يزاد عليه كلمة واحدة،
فيقال: هو أن يزيد راوٍ في الإسناد المتصل رجلاً لم يذكره غيره، وهذه الزيادة لا بدّ
منها، أخذًا من العنوان: المزيد في متصل الأسانيد.
وحينئذٍ، فصورة هذا التعريف: أن يروي الحديثَ رجلان، الأول منهما: يرويه
بإسناد معروف بالاتصال بين حلقات إسناده، ويرويه ثانيهما بزيادة راوٍ بين حلقتين
منهما، وهذه الزيادة مألوفة غير مستنكرة.
وتقريب المثال: أن یکون السند الأول: حدثنا زید، حدثنا عمرو. والثاني: حدثنا
زيد، حدثنا أحمد، حدثنا عمرو، وللإمام الناظر فيهما أن ينظر في القرائن، فقد
يترجّح لديه الإسنادان، أو الإسناد الزائد، أو الناقص.
ورجحان الوجهين والإسنادين يكون على احتمال أن زيدًا سمع الحديث من
أحمد أولاً عن عمرو، ثم لقي زيد عمرًا وسمع منه الحديث بعلوّ ومباشرة.
ورجحان الإسناد الزائد يكون برجحان الانقطاع بين زيد وعمرو، وذلك في حال
رواية زيد للحديث بالعنعنة عن عمرو، وتصريحه بالسماع في حال روايته له عن
أحمد.
ورجحان الإسناد الناقص يكون في حال كون الزيادة في الإسناد وهمّاً وغلطًا،
=

١٣٨
النوع السابع والثلاثون : معرفة المزيد في متصل الأسانيد
[ب]
وترجيحِ الانقطاع.
فليست الزيادة مقبولة دائمًا، ولا مردودة دائمًا، وهذه النتيجة مستفادة من
الخلاصة التي أفادها ابن رجب في ((شرح العلل)) ٤٢٨:١ عن كتاب الخطيب ((تمييز
المزيد في متصل الأسانيد))، قال: ((إنه قسمه قسمين: أحدهما ما حُكم فيه بصحة ذكر
الزيادة في الإسناد وتركها، أي: إبقائها على حالها. والثاني: ما حُكم فيه بردّ الزيادة
وعدم قبولها)).
فقول العلامة علي القاري في ((شرح شرح النخبة)) ص ٤٧٨ في تعريفه: ((هو أن
يزيد الراوي في إسناد حديث رجلاً أو أكثر وهما منه وغلطًا)): في محل النظر، إذا لا
يلزم دائمًا أن تكون الزيادة غلطًا.
أما شرح المثال الذي ذكره ابن الصلاح - ومتابعوه -: ففي إسناده سبعة رجال،
وصوابه أن يكونوا خمسة من السبعة: ابن المبارك، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن
يزيد بن جابر، وبسر بن عبيد الله، وأبو إدريس، وواثلة، وأبو مَرثد، وبتتُّع طرقه
تبيّن أنهم خمسة، فذِكْر الثوري وَهَم ممن دون ابن المبارك، وذِكْر أبي إدريس وَهَم
من ابن المبارك نفسه.
وابن المبارك معروف بالرواية عن الثوري، وروايتُه عنه عند البخاري، ومعروف
بالرواية عن عبد الرحمن بن يزيد، وروايتُه عنه عند مسلم.
وكذلك الحال في بُسْر، يروي عن أبي إدريس، وروايته عنه عند الشیخین - بل
الجماعة -، وروايته عن واثلة عند مسلم، لكن كشف النقاد هذين الوهمين بتتبّع
الطرق، مع تصريح الرواة بالسماع والتحديث.
وكأن هذا المثال هو الذي جعل العلامة عليًا القاري يُدخل في تعريفه السابق أن
تكون الزيادة «وهماً وغلطًا».
هذا، وقد ذكر ابن الصلاح المثال الذي تراه، مثالاً على عدم صحة الزيادة.
أما المثال على صحة الزيادة، وأنه من المزيد حقًا في متصل الأسانيد: ما رواه
=

١٣٩
النوع السابع والثلاثون : معرفة المزيد في متصل الأسانيد
ومثاله : ما روى ابن المبارك قال : حدثنا سفيان، عن.
[ش]
(ومثاله(١): ما روى) عبد الله (ابن المبارك قال: حدثنا سفيان، عن
الترمذي (٩٤٠) عن إسحاق بن منصور، عن روح بن عبادة ومحمد بن عبد الله
الأنصاري، عن حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج
ابن عمرو الأنصاري، مرفوعًا: ((من كُسِرِ أو عَرِج فقد حلّ، وعليه حَجة أخرى))
وقال: حسن صحيح.
ثم رواه عن معمر - وعن معاوية بن سلام -، عن يحيى، عن عكرمة، عن
عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو، وقال: ((حجاج الصواف لم يذكر عبد الله بن
رافع، وحجاج ثقة حافظ عند أهل الحديث، وسمعت محمدًاً - الإمام البخاري -
يقول: رواية معمر ومعاوية بن سلام أصح))، وساق رواية معمر، والروايتان
صحيحتان، ورجح البخاري الرواية الزائدة، وكأن ذلك لمتابعة معاوية معمراً عليها،
وهو لا يقتضي ضعف الرواية الناقصة.
ويختلف هذا عن العلة غير القادحة: أن من لازم قولنا ((علة)): أن تُردَّ، ولا يؤثر
ذلك على صحة الحديث، أما اعتبارنا إياها زيادة متصلة، على رواية أخرى للحديث
متصلة أيضًا، فمن لازم ذلك قبول الوجهين، دون ردّ لأحدهما. والله أعلم.
(١) هذا الحديث بهذا الإسناد: لم أره في مصدر مطبوع، والله أعلم، وغالب
الظن أنه من كتاب الخطيب ((تمييز المزيد في متصل الأسانيد)).
أما زيادة أبي إدريس - من طريق ابن المبارك - فهي في ((صحيح مسلم)) ٦٦٨:٢
(٩٨)، ورواه أولاً (٩٧) عن علي بن حُجْر، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن
ابن يزيد، عن بُسْر، عن واثلة، عن أبي مرثد، دون ذكر أبي إدريس، ثم رواه من
طريق ابن المبارك، وفيه أبو إدريس، فجاء ذلك على وَفْق طريقته التي شرحتها في
مقدمتي لـ ((مصنّف)) ابن أبي شيبة ص ١٠٢ فما بعدها، و ((دراسات الكاشف)) ص
١٨٨ فما بعدها: أنه يقدِّم الإسناد السليم، ويؤخر المعلل، إذا كانت العلّة إسنادية،
=

١٤٠
النوع السابع والثلاثون : معرفة المزيد في متصل الأسانيد
عبد الرحمن بن يزيد، حدثني بُسْر بن عُبيدالله قال : سمعت أبا إدريس قال :
سمعت واثلة يقول: سمعت أبا مَرْتد يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: ((لا تَجلِسوا على القبور))، فذِكْر سفيانَ وأبي إدريسَ زيادةٌ ووَهْم.
فالوهم في سفيان: ممن دون ابن المبارك، لأن ثقاتٍ رووه عن ابن
المبارك، عن ابن يزيد، ومنهم من صرَّح فيه بالإخبار، .
[ش]
عبد الرحمن بن يزيد، حدثني بُسْر بن عُبيدالله) بضم الموحدة وبالمهملة، وأبوه
مصغر (قال: سمعت أبا إدريس) الخَوْلاني (قال: سمعت واثلة) ابن الأسقع
(يقول: سمعت أبا مَرْتد) الغَنَوي (يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: ((لا تَجلِسوا على القبور) ولا تصلّوا إليها))، (فذِكْر سفيانَ وأبي
إدريس) في هذا الإسناد (زيادةٌ ووَهْم) (١) .
(فالوهم في سفيان: ممن دون ابن المبارك، لأن ثقاتٍ رووه عن ابن
المبارك، عن ابن يزيد) نفسِهِ، منهم: ابن مهدي، وحسن بن الربيع، وهنّاد بن
السَّرِي (٢)، وغيرُهم (ومنهم من صرَّح فيه بالإخبار) بينهما.
[ب] -
وزدت عليها في ((مجموع رسائل في علم الحديث دراية)).
وممن رواه على الوجهين - كما فعل مسلم -: الترمذي (١٠٥٠، ١٠٥١) ونقل
كلام البخاري فيه، وفي ((علله الكبير)) ١: ٤١٩، والحاكم (٤٩٦٩، ٤٩٧٦)، ونصّ
على تفرد ابن المبارك بذكر أبي إدريس.
(١) هكذا جاءت عبارة ابن الصلاح ص٢٥٩، وهو عطف بيان لا مغايرة، يريد أن
الزيادة وهم، وقد جاءت العبارة هنا في بعض نسخ المتن والشرح: زيادةُ وَهْمٍ.
(٢) رواية ابن مهدي: عند البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٤٣٥:٢، ورواية حسن
ابن الربيع: عند مسلم (٩٨)، ورواية هنّاد: عند الترمذي (١٠٥٠).