النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحَّف
هو فنّ جليل إنما يحققه الحُذّاق، والدارقطني منهم، وله فيه تصنيف
مفيد .
[ش]
(هو فنّ جليل) مهمّ (إنما يحققه الحُذّاق) من الحفاظ، (والدار قطني
منهم، وله فيه تصنيف مفيد)، وكذلك أبو أحمد العسكري(١)، وعن أحمد أنه
قال: ومن يَعْرَى من الخطأ والتصحيف؟!(٢).
[ب]
وفي هذا الخبر والذي قبله فائدة جديدة زائدة على أضرار التصحيف، هي التنبيه إلى
أمر آخر يقع للذي يتلقى العلم عن الصحف، هو الزلل الفاحش في الفهم، وفي التحقق
من أحكامه العلمية، بحيث إن الذهبي مع ثنائه البالغ على ابن القطان - كما نقلته عنه - قال
فيه هذه الكلمة اللاذعة: ((فاتتك نكتة)) ثم علّل ذلك بقوله: ((إنك صَحَفي، ما جالست
أصحاب الحديث!))، فليعتبر من فيه عقل، وليحذر ممن شيَّخَتْه الصحفُ، وصدَّرتْه
المجالس، وجعلتْه (متمجهدًا) على من هم أئمة الاجتهاد حقًا وحقيقة !!.
(١) أما كتاب الدارقطني: فيعرف بنقول متناثرة عنه، وسيذكره الشارح أيضاً في
النوع الستين صفحة ٥٣٦.
وأما أبو أحمد العسكري: فله كتابان: ((شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف))،
لِمَا وقع فيه الأدباء ونحوهم، و((تصحيفات المحدثين)) لما وقع فيه أهل الحديث،
وكلاهما مطبوع.
وعرَّف ابن العجمي بهذين الإمامين فقال:
[الدار قطني: الحافظ أبو الحسن علي بن عمر البغدادي، ولد في ذي القعدة سنة
ست وثلاث مئة، وتوفي سنة خمس وثمانين وثلاث مئة.].
و[أبو أحمد العسكري: اسمه الحسن بن عبد الله، صاحب التصانيف الحسنة،
توفي سنة ٣٨٢ .].
(٢) كما في ((ثقات)) ابن شاهين (١٥٨٦)، ومن طريقه الخطيب في ((تاريخه))
٢١٠:١٦ - ٢١١، وفي ((الجامع)) للخطيب (١١٣٥)، عن الدوري، عن ابن معين
=

١٠٢
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحَّف
ويكون تصحيفَ لفظٍ وبصرٍ في الإسناد، والمتن. فمن الإسناد :
العوّام بن مُراجِم، بالراء والجيم، صحّفه ابن معين فقاله بالزاي والحاء.
[ش]
(ويكون تصحيفَ لفظٍ)(١) ويقابله: تصحيف المعنى، (وبصرٍ) ومقابله:
تصحيف السمع، ويكون (في الإسناد، والمتن).
(فمن) التصحيف في (الإسناد : العوّام بن مُراجِم، بالراء والجيم، صحّفه
ابن معين فقاله): مزاحم (بالزاي والحاء)(٢).
وعتبة بن النُّدّر، بالنون المضمومة، والمهملة المشددة المفتوحة، صحفه
ابن جرير الطبري بالموحدة والمعجمة(٣).
٦٥٨:٢: من قال: إني لا أخطئ في الحديث: فهو كذاب.
(١) سيذكر أقسام التصحيف، وهي ستة، أسردها على حسب ذكر الشارح لها:
١ - تصحيف اللفظ. ٢ - تصحيف المعنى. ٣ - تصحيف البصر. ٤ - تصحيف السمع.
٥ - تصحيف الإسناد. ٦ - تصحيف المتن. وأمثلتها تأتي من الشارح رحمه الله،
والأصلُ من ابن الصلاح ص ٢٥٢، وكتابا الإمام العسكري فيهما غَناء كبير من
الأمثلة، وفيهما (المضحكات المبكيات).
(٢) الخبر حكاه الإمام أحمد في ((العلل)) (٣٥٦٤)، ونقله عنه الدارقطني في
(العلل)) ٣(٢٨٧)، وعلى هذا، فينظر - أو يصحح - ما في ((تاريخ الدوري)) عن ابن
معين ٤٦٠:٢، و((الجرح والتعديل)) ٧(١١٦)، و((تصحيفات المحدثين)) ١١٢٩:٣،
فإنهم نقلوا عن ابن معين ذكره على الصواب: العوام بن مراجم.
(٣) حكاه عنه الدار قطني في ((المؤتلف)) ١: ١٨٢. ومن أمثلة ذلك أيضًا:
[فائدة: قال أبو أحمد العسكري في كتاب ((التصحيف)) - ((شرح ما يقع فيه
التصحيف)) ص٣١٠ -: زعم بعض المصحِّفين أن الإنسان إذا صحّف في مثل
=

١٠٣
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحَّف
ومن الثاني : حديث زيد بن ثابت : أن النبي صلى الله عليه وسلم
احتجر في المسجد، أي : اتخذَ حُجْرة من حصيرٍ أو نحوِهِ، يصلِّي فيها،
صحفه ابن لَهِيعة فقال : احتجم.
[ش]
(ومن الثاني :) أي: التصحيف في المتن (حديث زيد بن ثابت(١) : أن
النبي صلى الله عليه وسلم احتجر في المسجد) وهو بالراء (أي: اتخذَ حُجْرة
من حصيرٍ أو نحوِهِ، يصلِّي فيها (٢)، صحفه ابن لَهِيعة) بفتح اللام وكسر الهاء
(فقال : احتجم) بالميم (٣).
-
[ب]
رِياح ورَبَاح لم يكن ملوماً، وليس كما قال، وهل اللوم والعيب إلا على
تصحيف الأسماء، وليس يُعرف في أسماء العرب في الجاهلية رَبَاح بیاء تحتها
نقطة إلا في أسماء عبيدِهم، إلا في اسم رجلين: أحدهما رَبَاحُ بن المغترِف
بغين معجمة، وآخَر، وأما قول الأعشى :
کحلفة من أبي رِباح
فهو بياء تحتها نقطتان.].
والحَلْفة: المرة الواحدة من الحَلِفِ والقَسَم، وضبطُ الحاء بالكسر في المصدر
المنقول منه خطأ.
(١) رواه البخاري في مواضع، أولها (٧٣١)، ومسلم ١: ٥٤٠ (٢١٣، ٢١٤).
(٢) هكذا في نسخ المتن، وفي أكثر نسخ الشرح: عليها.
(٣) وبيَّن الإمام مسلم في ((التمييز)) ص ٩٠، الحديث السادس، سبب الوهم:
أن موسى بن عقبة كتب به إلى ابن لهيعة، فتحمَّله ابن لهيعة من الكتاب، لا من
سماع، ورواه هكذا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم في المسجد، فقيل
لابن لهيعة: مسجدٌ في بيته؟ قال: مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم !! ، قال الإمام
مسلم: وهذه روایة فاسدة من كل وجه، وبیّن ذلك مفصّلاً، رحمه الله.

١٠٤
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحَّف
وحديثُ: ((من صام رمضان وأتبعه سِتاً من شوال)) صحّفه الصولي
فقال : شيئاً، بالمعجمة.
[ش]
(وحديثُ: ((من صام رمضان وأَتبعه ستاً من شوال)))(١) بالسين المهملة
والتاء الفوقية لفظَ العدد، (صحّفه الصولي فقال: شيئاً، بالمعجمة) والتحتية(٢).
وحديث أبي ذر (٣): ((تُعين صانعاً)) بالمهملة والنون، صحّقه هشام بن عروة
[ب]
(١) رواه مسلم ٨٢٢:٢ (٢٠٤) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.
(٢) الصولي: هو أبو بكر محمد بن يحيى الصولي المتوفى سنة ٣٣٥، وهو من
رجالات الأدب والشعر، وفنونه، وله مشاركة حديثية، أخذ عن أبي داود
السجستاني، وأخذ عنه الدار قطني.
والخبر رواه الخطيب في كتابيه: ((الجامع)) (٦٣٥)، عن الدارقطني ولفظه: أملى
أبو بكر الصوليّ، وفي ((التاريخ)) ٤: ٦٨٠ من رواية محمد بن العباس الخزاز، قال:
حضرتُ الصوليّ، ثم أتبعها بالرواية عن الدارقطني قال: يُذكر أن الصولي، فذكر
الخبر، فالله أعلم.
(٣) طرف من حديث رواه البخاري (٢٥٨١)، ومسلم ٨٩:١ (١٣٦) من طريق
هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مراوح، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله: أيُّ
الأعمال أفضل؟ قال( الإيمان بالله، والجهاد في سبيله))، ثم قال أبو ذر بعد سؤال ثان:
فإن لم أفعل؟ قال: ((تُعين ضائعاً، أو تصنع لأَخْرَقَ)). هذا لفظ البخاري: ضائعًا،
بالضاد المعجمة، ولفظ مسلم: صانعًا، بالصاد المهملة.
وقد اتفقت الرواة عن البخاري على ذلك، كما اتفقت الرواة عن مسلم على أنه
بالصاد أيضًا، ينظر ((المشارق)) لعياض ٤٧:١، وشرحه على مسلم ٣٤٩:١، و((فتح
الباري)) ١٤٩:٥.
ومعنى ((تصنع لأخرق)): تصنع لمن لا صنعة له. ووُجِّهتْ رواية ((الضائع)) على
=

١٠٥
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحَّف
[ش]
بالمعجمة والتحتية.
وحديث معاوية(١): لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يُشَقّقون
الخُطَب، بالمعجمة، صحقه وكيع بفتح المهملة، وكذا صحّقه ابن شاهين
أيضاً، فقال بعض الملاّحين - وقد سمعه -: فكيف يا قومُ والحاجةُ ماسّة؟ !.
وحديث(٢): ((أو شاة تَيْعَر))، بالياء التحتية، صحّقه أبو موسى محمد بن
(س)
معنى: ذي الضَّياع من فقر أو عيال، وهو قريب من معنى: الأخرق، وانظر ((النهاية))
١٠٧:٣ - ١٠٨، فدعوى التصحيف غير متعيِّنة.
(١) رواه أحمد ٩٨:٤ بهذا اللفظ، فهو موقوف لفظًا وصياغة، مرفوع حكمًا،
فذكرُ الشارح رحمه الله له في ((الجامع الصغير)) (٧٢٦٤)، و((كنز العمال)) (٧٩١٦)
بلفظ: لعن الله: فيه نظر، إذْ جعله مرفوعًا لفظًا وحكمًا، ولم ينبِّه إلى هذا شارحه، ولا
صاحب ((المداوي))، ولا صاحب ((ضعيف الجامع الصغير وزياداته)).
أما تصحیف ابن شاهين: فلم أره عند أقدم من ابن الصلاح، ذکرہ ص ٢٥٥
بصيغة: ((وقرأت بخطِّ مصنِّفٍ)) فذكر الخبر.
(٢) طرف من حديث رواه البخاري في مواضع متعددة من حديث أبي حميد
الساعدي، ويعرف بحديث ابن اللَّتْبية، وهذه اللفظة جاءت في مواضع، أولها
(٢٥٩٧)، ومسلم ١٤٦٣:٣ (٢٦)، وكلمة ((شاة)): موقعها الإعرابيُّ في رواية
البخاري: النصب ((شأةً))، وفي رواية مسلم: الرفع ((شاة))، فلذا لم أضبطها فوق،
والْيُعَار: صوتها، والفعل منه: يَعَرَ بَيْعَرَ، بفتح العين في الماضي، وفتحها وكسرها في
المضارع.
وتصحيف أبي موسى العَنَزي: رواه الخطيب في ((الجامع)) (٦٣٤)، وهو الآتي
بعد صفحة مثالاً على تصحيف المعنى.

١٠٦
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحَّف
ویکون تصحیف سمع،
[ش]
المثنى، بالنون.
وصحف بعضهم(١) حديث: ((زُرْ غِبّاً تَزْدَدْ حُبّا))، فقال: زَرْعُنا تَردَّد حِنّاء،
ثم فسّره بأن قوماً كانوا لا يؤدّون زكاة زروعهم، فصارت كلَّها حِناء(٢).
(ويكون تصحيفَ سمعٍ) بأن يكون الاسم واللقب، أو الاسم واسم الأب،
على وزن اسم آخر، ولقبه، أو اسم آخر واسم أبيه، والحروفُ مختلفة شكلاً
(١) الحديث رواه من حديث حبيب بن مسلمة الفِهْري: الحاكم (٥٤٧٧)
وسكت عنه، والطبراني في ((الأوسط)) (٣٠٥٢)، وعندهما: محمد بن مخلد
الرُّعيني، عن سليمان بن أبي كريمة، وهما ضعيفان. ورواه جماعة من الصحابة غير
حبيب الفهري، بلغ عددهم عشرة، فهو على شرط الإمام الشارح في المتواتر، ويُنظر
كلام المنذري في ((الترغيب)) ٣٦٥:٣ - ٣٦٧، وقال: له أسانيدُ حسانٌ عند الطبراني
وغيره، مع قول الحافظ في ((الفتح)) ٤٩٨:١٠ شرح الباب ٦٤ من كتاب الأدب: ((ورد
من طرق أكثرها غرائب، لا يخلو واحد منها من مقال))، ولا تعارض، فكون الطريق
فيها مقال: لا يلزم منه الضعف، ولا أقل من تحسين الحديث بطرقه، والله أعلم.
وأما المصحِّف وخبره: فهو محمد بن علي بن عمر المذكِّر، وخبره رواه الحاكم
في ((المعرفة)) (٣٨٦)، وقد قال المزي عنه في (تهذيب الكمال)) ٣٠٤:١ في ترجمة
أحمد بن الخليل البغدادي: ((أحد الضعفاء الكذابين المعروفين بسرقة الحديث))،
وأرَّخ الذهبي وفاته في ((الميزان)) (٧٥٠٧) سنة ٣٣٧، لذلك قال عنه: من قدماء شيوخ
الحاكم، وقد كانت ولادة الحاكم سنة ٣٢١.
(٢) وهذا يؤكّد ما أكرره فأقول: مع كل تحريفٍ تسويغٌ لمعناه، وقد يختلف
الأمر من تسویغ بعید إلى تسويغ قريب.

١٠٧
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحَّف
كحديثٍ عن عاصم الأحول، رواه بعضهم فقال: واصل الأحدب.
ويكون في المعنى، كقول محمد بن المثنى: نحن قوم لنا شَرَف،
[ش]
ونَقْطاً، فيشتبه ذلك على السمع (كحديثٍ عن عاصم الأحول، رواه بعضهم
فقال: واصل الأحدب) أو عكسه، وحديث عن خالد بن علقمة، رواه شعبة
فقال: مالك بن عُرْفُطَةٍ (١).
(ويكون) التصحيف (في المعنى، كقول) أبي موسى (محمد بن المثنى)
العَنَزي (٢) الملقب بالزَّمِن، أحدٍ شيوخ الأئمة الستة: (نحن قوم لنا شَرَف،
(ت)
(١) ((المعرفة)) للحاكم (٣٨٨)، واشتهر هذا التصحيف خاصة عن شعبة، كما
اشتهر عنه التصحيف في أسماء الرجال عامة.
لكني أقول: إنه مهما كان التصحيف فاحش المعنى، فإنه في حال اشتباه الرسم
يكون محتملاً، أما مثل هذا الرسم: خالد بن علقمة، فيبعد تصحيفه إلى: مالك بن
عُرْفطة، وينظر ما كتبه الأستاذ أحمد محمد شاكر رحمه الله في التعليق على الحديث
(٤٩) من (سنن)) الترمذي، فهو قوي من وجوه:
من جهة تباين رسم الاسمين، لو كان التصحيف من كتاب، ومن جهة أنه
شيخه، فكيف يخطئ في معرفة اسمه إلى اسمٍ نكرةٍ موهوم.
ومن جهة أن ابن الصلاح ذكر هذا مثالاً على تصحيف السمع - وتبعه مَن
بعده-، في حين أن شعبة يرويه مباشرة من لسان شيخه، ولم يسمع الحديث بواسطة
بينهما، ليخطئء سمعه، فيسمعَ الواسطةَ يقول: حدثنا مالك بن عرفطة، مصحَّفًا
محرَّفًا عن: خالد بن علقمة.
(٢) العَنَزي: نسبة إلى جدّ له اسمه: عَنَزة، وهذه الكلمة برسمها وضبطها تشتبه
بالحربة الصغيرة التي طولها بين العصا والرمح، كانت تُحمل بين يدي النبي صلى الله
علیه وسلم حتى إذا أراد الصلاة نُصِبت بین یدیه سُثْرةً له، كما جاء هذا في حديث ابن
=

١٠٨
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحَّف
نحن من عَنَزة، صلَّى إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[ش]
نحن من عَنَزة، صلى إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم) يريد: أن النبي
-
[ب]
عمر عند البخاري (٤٩٤)، ومسلم ٣٥٩:١ (٢٤٥).
وقوله: (نحن قوم لنا شرف)): رواه الخطيب في ((الجامع)) (٦٣٤).
لكن لا بدّ من التنبيه إلى أن أبا موسى كان من الثقات الأثبات المتيقظين، ومن
شروط الحديث الصحيح أن يكون راويه عدلاً، ومن شروط العدل أن يكون متيقظاً
غير مغفَّل، فكيف بمن يوصف بالثقة الثبْت الحجة؟! فمثل هذا لا يُتُصوّر أن تصل به
الغفلة إلى أن يقول هذا القول جادًّاً به، إنما هوكما قال الحافظ الذهبي في ((السير))
١٢: ١٢٥: ((يُروى أن أبا موسى مزح مرة فقال: نحن قوم لنا شرف .. )). فأفادنا
رحمه الله أن له وقفة في صحة الخبر فقال: يُروى، وكأن ذلك لأن القصة غير مسندة،
فقد رواها الخطيب كما قدّمت هكذا: ((أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الواحد قال:
أخبرنا أبو الحسن الدارقطني: أن أبا موسى .. ))، فعلّقها الدارقطني ولم يُسندها،
ووفاته سنة ٢٥٢، ووفاة الدارقطني سنة ٣٨٥، فلا أقل من ثلاث وسائط.
وأفادنا أن هذا القول كان منه على سبيل المزاح، أما غير الذهبي فقد جاء في
((سؤالات السُّلمي للدار قطني)) (٣١٧) قول الإمام عمرو بن علي الفلآّس: ((أبو موسى
فیه سلامة))، وذكر له هذا القول كالاستدلال على سلامة صدره.
قلت: قول الفلاس مقدَّم على قول الذهبي، لقِدَمه، بل لكونه قريناً لأبي
موسى، لكن قول الذهبي أولى لاتفاقه مع ما هو مطلوب من طالب الحديث، فكيف
بالإمام فيه! وقد قال أبو داود مثل هذا القول في قرين أبي موسى ونِدِّه: محمد بن
بشار، فأوّلوا قوله فيه، فينبغي أن تؤوّل كلمة الفلاس كذلك.
وأيضاً: كأن في الإمام الفلاس شدّة وعَنَتَاً - والله أعلم - فإنه تعنَّت في محمد بن
بشار أيضاً فكذبه فيما يرويه عن يحيى القطان !! فما التُّقِت إلى قوله فيه. والله أعلم.

١٠٩
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحَّف
[ش]
صلى الله عليه وسلم صلى إلى عَنَزة، فتوهّم أنه صلى إلى قبيلتهم، وإنما العَنَزة
هنا الحَرْبة تُنصب بین یدیه.
وأعجب من ذلك: ما ذكره الحاكم(١) عن أعرابي أنه زعم أنه صلى الله عليه
وسلم صلى إلى شاة، صحَّفها: عَنْزَة، بسكون النون، ثم رواه بالمعنى على
وهمه، فأخطأ من وجهين.
ومن ذلك: أن بعضَهم (٢) سمع حديث النهي عن التحليق يوم الجمعة قبل
الصلاة، قال: ما حلقت رأسي قبل الصلاة منذ أربعين سنة، فَهِم منه تحليقَ
الرأس، وإنما المرادُ تحليق الناس حِلَقاً.
قال ابن الصلاح(٣): وكثير من التصحيف المنقول عن الأكابر الجِلّة، لهم
[ب] -
(١) ((المعرفة)) (٣٨٧). وقوله: ((صحَّفها: عَنْزة)): يريد تصحيف المعنى، فَهِم من
العَنْزة الحيوانَ من المعز، فغيَّر اللفظ إلى: شاة، بناء على تجويزه الرواية بالمعنى!،
فازدوج عليه الخطأ، ونحوه ما حصل للشارح رحمه الله، وذكرته تعليقاً أواخر نوع
الحديث المعلّل: الجنس السابع ٤: ٣٧٩.
(٢) جرى هذا للإمام الخطابي مع أحد شيوخه (من الصالحين)، ثم نبّهه إلى أن
صواب الرواية: نَهَى عن الحِلَق، لا: عن الحَلْق، فقال له: فرَّجتَ عني، انظر: ((معالم
السنن)) ٢٤٧:١.
(٣) ((المقدمة)) ص ٢٥٦، وقوله هذا رحمه الله تعالى، درسٌ في الأدب مع
الأئمة، وحسن الظنّ بهم، جزاه الله خيراً.
ومن فاحش الغلط والتصحيف: ما حكاه العسكري في مقدمة كتابيه: ((تصحيفات
المحدثين)) ١٤:١، و((شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف)) ص ٢١ عن بعض
=

١١٠
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحَّف
[ش]
فيه أعذار لم ينقلها ناقلوه.
تنبيه :
قسم شيخ الإسلام(١) هذا النوع إلى قسمين، أحدهما: ما غُيِّر فيه النَّقْط:
فهو المصحَّف، والآخر: ما غيِّر فيه الشكْل مع بقاء الحروف: فهو المحرَّف.
فائدة:
أورد الدار قطني في كتاب ((التصحيف)) كلَّ تصحيف وقع للعلماء، حتى في
-
(ت)
المغفلين، أنه روى حديثًا قدسيًا، فيه: ((عن رسول الله صلى الله صلى الله عليه
وسلم، عن جبريل، عن الله، عن رجل، قال الراوي للخبر: فنظرت فقلت: من هذا
الذي يصلح أن يكون شيخًا لله!، فإذا هو صحَّفه، وإذا هو: عن الله عزّ وجلّ)).
قلت: وعكس هذا، ما حصل لبعض المعاصرين وهو يحقق جزءًا حديثيًا، فيه:
عن رجل، فقرأه: عزّ وجلّ، واستنكر أن يكون اللفظ هكذا، فخطأه، وهو صواب !.
(١) في ((شرح النخبة)) ص ٩٤، وحاصل كلامه: أن تغيير القارئ، أو الكاتب
من: حَيَّان إلى حبَّان، أو عكسه: تصحيف، وتغييره: حَبَّان إلى حِبَّان، أو عكسه:
تحریف.
وقد يجتمعان في نص واحد، كما حصل في: ((زُرْ غِبًّا تَزْدَدَ حُبًّا)).
وهل سُبق الحافظُ رحمه الله بهذه التفرقة؟ نَسَب بعض الباحثين إلى الإمام
العسكري هذه التفرقة، أخذًا - والله أعلم - من تسميته كتابه الذي أفرده في تصحيفات
الأدباء وأمثالهم: ((شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف))، وأصلُ العطف يقتضي
المغايرة، لكن بعد نظرة سريعة في كتابيه، هذا، وكتابه الآخر ((تصحيفات المحدثين))
يظهر أن لا فرق عنده بين الكلمتين. والله أعلم.

١١١
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحَّف
[ش]
القرآن، من ذلك: ما رواه أن عثمان بن أبي شيبة قرأ على أصحابه في التفسير:
جعل السفينة في رَحْل أخيه، فقيل له: إنما هو ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ [يوسف:
٧٠]، فقال: أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم !! (١).
قال: وقَرأ عليهم في التفسير: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبٍ اُلْفِيلِ﴾ [الفيل:
١]، قالها: أل م. يعني: كأول البقرة(٢).
[ب]
(١) رواه العسكري في مقدمة ((تصحيفات المحدثين)) ٢٦:١، ومن طريقه:
الخطيب في ((الجامع)) (٦٤٧)، ورواه العسكري أيضًا من طريق آخر في كتابه الآخر
((شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف)) ص ١٢، وللخبر إسناد ثالث عند الدار قطني
في كتابه ((التصحيف وأخبار المصحِّفين))، نقله عنه الخطيب في ((الجامع)) (٦٤٧).
(٢) على حاشية ك: ((الحمد لله. بلغ قراءة عليَّ. كتبه مؤلفه عفا الله عنه. آمين)).
ثم، إن هذا الخبر رواه الدارقطني في كتابه ((التصحيف))، ونقله عنه المزي في
((تهذيب الكمال)) ٤٨٦:١٩ في ترجمة عثمان بن أبي شيبة نفسه.
وأقول: عَرَض الخطيب في ((الجامع)) (٦١٢ - ٦٤٩) إلى جملة من أخبار
المصحِّفين في الأسانيد، ثم في المتون، ثم في القرآن الكريم، وصدَّر هذه المجموعة
الأخيرة بقوله (٦٤٤): ((لم يُحْك عن أحد من المحدثين من التصحيف في القرآن أكثرُ
مما حُكي عن عثمان بن أبي شيبة))، وذكر له عدَّة أخبار.
وعثمان هذا: شيخ الإمامين البخاري ومسلم، روى الأول عنه في ((صحيحه))
(٥٣) حديثاً، وروى الثاني عنه (١٣٥)، كما في ((تهذيب التهذيب))، لكن عند
مغلطاي - وهو مصدر ابن حجر - (١٣٠)، وعلى كل: فإن هذا العدد الكثير يدلّ على
روايتهما عنه أصولاً واحتجاجاً.
وترجمه الذهبي في ((الميزان)) (٥٢٤٠)، و((السير)) ١٥١:١١، وقال عنه في الأول:
=

١١٢
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحَّف
أحد أئمة الحديث الأعلام، وقال عنه في الثاني: الإمام الحافظ الكبير المفسِّر، ثم قال: ((لا
ريب أنه كان حافظاً متقناً))، وقال في ((تاريخ الإسلام)) ٥: ٨٨٣: ((كان من كبار الحفاظ)).
وهذا أول مؤشِّر ومؤثّر على صحة هذه الأخبار المنكرة، إذْ كيف يوصف بأحد
الأئمة الأعلام، وبالحافظ الكبير، وبالحافظ المتقن، ومن كبار الحفاظ: ثم إنه لا
يحفظ القرآن الكريم !! بل إنه لا يعرف قراءة قصار السور نظراً، فيقرأ الكلمة الأولى
من سورة الفيل، بالحروف المقطعة، كما يقرأ أول سورة البقرة وآل عمران !! وهذا
کافٍ لردّ کل ما روي، وبأي إسناد كان.
وذَكَر له الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ١٦٢:١٣ بين مصنفاته ((تفسيرًا)) للقرآن
الكريم، لذلك وصفه الذهبي في ((السير)) بالمفسِّر، كما تقدم.
وهذا ثاني مؤشِّر ومؤثّر على صحة هذه الأخبار المنكرة إذ كيف يقدم مثله في
علمه ودينه على الكلام في كتاب الله، وتفسيره، وهو لا يعرف قراءة كلماته
وتَهَجِيها، لا يعرف قراءة: أَلَمْ، فيقرؤها: أل م !!.
وقد حاول الذهبي تبرئته بثلاث كلمات، قالها في ((الميزان))، و((السير))، فقال
في الأول: ((لعله سبق لسان، وإلا فقطعًا كان يحفظ سورة الفيل، وهذا ((تفسيره))،
وقد حمله الناس عنه))، ثم قال: ((كأنه كان صاحب دعابة، ولعله تاب وأناب)). وقال
في الثاني: ((إِما سبق لسان، أو انبساط محرَّم)).
قلت: جزى الله خيراً الحافظ الذهبي على محاولته، لكن لم يأتِ بمقنع، بل لعله
زاد الطين بِلَّة!، والله تعالى يقول في سورة الطارق، في حقٍّ كتابه المعظّم: ﴿إِنَُّ لَقَوْلٌ
فَصْلٌ ﴿ وَمَا هُوَ بِالْخَلِ ﴾، فكيف نقول عن إمام من أئمة المسلمين: كأنه كان صاحبَ
دُعابة، يَتَهازَل ولو في آية واحدة من كتاب الله!، ثم إنه لا يجزم بتوبته من هذه
الكبيرة: لعله تاب وأناب، وأيضًا يقول: سبق لسان، أو انبساط محرَّم، وهذا خارم
لعدالته وديانته !! ، وجاءت عبارته في ((التذكرة)) ٤٤٢:٢، خشنة أكثر: كان مزّاحًاً
حتى فيما يتصحَّف من القرآن !!.
=

١١٣
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحَّف
[ش]
-
وما دام الذهبي رحمه الله يجزم بتأليف عثمان بن أبي شيبة لتفسير القرآن الكريم، وأن
الناس حملوه عنه، فما هو موقفنا حينئذٍ من أمرين اثنين: أولهما: كيف أقدم هذا الإمام على
تفسير القرآن الكريم وهو غير حافظ له، بل غير مصحح لتلاوته نظرًا !! ، والشروط الكثيرة
لمن يُقدم على كتابة تفسير: معروفة، والذي يُقدم على الكلام في مسألة واحدة في أيّ باب
من أبواب الدين، مقدِمٌ على مخالفة شرعية، فكيف بتفسيرٍ كامل للكتاب الكريم؟ !.
ثانيهما: ماذا كان موقف علماء عصره منه، ونحن على يقين مما كان عليه أئمة
الحديث وعلماء الجرح والتعديل، لا يتركون أحدًا يُفْلَت من ألسنتهم إذا صدرت منه
أيّ بادرة أو هفوة !! ، وإن هؤلاء الذين نقلوا عنه هذه المنكرات، على أنهم سمعوها
منه، کیف لم يُنقل عنهم كلمة في تجریحه وتجريح تفسيره !!.
يضاف إلى هذا المؤشر الثاني على صحة هذه المنكرات: البيئة العلمية الزمنية التي
كان يعيشها هذا الإمام، فالقرآن الكريم كان هِجِّيراهم، تلاوة وتعبدًا وتعلّمًا وتعليمًا،
صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، وهذا معروف مشهور من تراجم السلف عامة.
وأخيراً: إن تلك البيئة العلمية الأُسَّرية التي كان يعيش فيها، مما يؤكد حفظه
لكتاب الله تعالى في صباه، فكيف لا يعرف تهجية كلماته !!.
والذي أقوله جازمًا به، وهو الصواب لا غير إن شاء الله تعالى - تبركًا، لا
تعليقًا -: إن أسانيد بعض هذه الأخبار لا يصح، ففي نَقَلتها من هو متهم، وبعضها
الآخر الذي صح سنده: إما أنه مردود، لنكارته أمام هذه القطعيات التي ذكرتها، وإما
أنه كان منه في أول عمره وأمره، أما بعد ذلك فلا، ولن.
وأكرِّر القول في حقّ النقلة المباشرين لهذه الأخبار المنكرة: لو علموا منه تجرؤه على
تفسير القرآن، وهو بهذا الضعف الشديد في قراءة كلماته، لكان المتحتِّم عليهم أن يُنقل
عنهم كلمات جارحة لعلمه وديانته، أكثر مما حكَوْا من أخطائه وجهالاته. والله أعلم.

١١٤
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
النّوع السّادسُ والثّلاثون: مَعْرفة مُختلف الحَدِيثِ وَحُكُهُ
هذا فنّ من أهم الأنواع، ويَضطر إلى معرفته جميعُ العلماء من
الطوائف، وهو: أن يأتي حديثان متضادّان في المعنى ظاهراً فيوفُّقَ بينهما،
أو يرجِّحَ أحدَهما.
[ش]
(النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث(١)، وحكمه)
(هذا فنّ من أهم الأنواع، ويَضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف،
وهو: أن يأتي حديثان متضادّان في المعنى ظاهراً فيوفقُ بينهما، أو يرجِّحُ
أحدَهما) فيعملُ به دون الآخر(٢).
[ب] -
(١) [قال السخاوي - ٣: ٤٧٠ -: أي: اختلافُ مدلولِه ظاهراً. انتهى. وقال
شيخنا الأُجْهوري : مختلف الحديث، بكسر اللام. انتهى. وهو من إضافة الصفة إلى
الموصوف.].
وتقدم ٣: ٢٨٣ التعريف بشيخه الأجهوري، وأن له حاشية على ((شرح النخبة)).
(٢) إذنْ، مختلف الحديث: موضوعٌ صلتُه بالأحاديث الشريفة فقط، حديثان
فأكثر، ظاهرهما - أو: ظاهرها - التعارض في أحكامهما، أو: في أحكامها.
ومهمة العالم الإمام: التخلّص من هذا الاختلاف، ويمكن أن يسمى هذا
(المختلف) مشكلاً، فيعدُّ ويُدرج مع ما يسمونه: مشكل الحديث، و(المشكل) أعمّ
من المختلف، فالمختلف قاصر على اختلاف حديث مع حديث أو أكثر، أما
(المشکل) فقد یکون بین حدیثین أو أكثر، وقد یکون بین حدیث وأيّ مصدر أو دليل
تشريعي آخر: آية كريمة، إجماع، قياس، أو أصل شرعي، أو دليل نقلي قاطع،
=

١١٥
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
وإنما يكمُّل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون
الغوّاصون على المعاني. وصنَّف فيه الإمام الشافعي رحمه الله ولم يَقصِد
رحمه الله استيفاءه بل ذكر جملة منه .
[ش]
(وإنما يكمُّل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون
الغوّاصون على المعاني) الدقيقة.
(وصنَّف فيه الإمام الشافعي رحمه الله)(١) وهو أولُ منْ تكلم فيه، (ولم
يَقصِد (٢) رحمه الله استيفاءه) ولا إفراده بالتصنيف، (بل ذكر جملة منه) في
[ب]
فالمشكل: أعمُّ في صُوَرَه، والمختلف: أخصُّ.
(١) كتابه ((اختلاف الحديث)) الملحق بآخر كتابه ((الأم)) ٤٧٥:٨ - ٥٦٨، ثم طبع
مفردًا، نشرته مؤسسة الكتب الثقافية سنة ١٤٠٥، ثم أعاد تحقيقه مع كتاب ((الأم))
الدکتور رفعت فوزي عبد المطلب جزاه الله خيراً.
وقوله: ((هو أول من تكلم فيه)): قاله غير الشارح مِن قبله ومِن بعده، وهو
كقولهم عن أولية الإمام في التأليف في علم الأصول، مع أن (اختلاف الحديث)
بمعنى: الوقوف عند حديثين مختلفين ظاهرًا، ومحاولة الجمع بينهما، والترجيح، أمر
نُقِل في عدة مواقف عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، ثم كان في عهد التابعين أكثر
وأزيد، ثم، وثم.
فقولهم: هو أول من تكلم فيه: يُحمل على معنى: أول من كتب فيه، بل التعبير
الأدق أن نقول: هو أول من وصل إلينا کتابه فيه.
أما قوله: «لم يقصد استیفاءه)): فصحیح، وقد تكلم - حسب فهرس أبوابه - في
نحو ثمانين بابًا، وفي بعض أبوابه تأصيلٌ لمذهبه في الجمع بين الأحاديث المختلفة.
(٢) [قَصَدتُ الشيء، وإليه، قصداً: من باب ضرب، طلبتُه بعينه. ((مصباح))
=

١١٦
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
ينِّه بها على طريقه.
ثم صنّف فيه ابن قتيبة، فأتى بأشياءَ حسنةٍ وأشياءَ غيرٍ حسنة، لكونِ
غيرِها أقوى وأولى، وتركَ معظمَ المختَلِف.
[ش]
كتاب ((الأم)) (ينّبِّه بها على طريقه) أي: الجمع في ذلك.
(ثم صنّف فيه ابن قتيبة، فأتى) فيه (بأشياءَ حسنةٍ وأشياءَ غيرِ حسنة) قصُر
فيها باعه(١) (لكون غيرِها أقوى وأولى) منها، (وترك معظم المختلف)، ثم
صنف في ذلك ابن جرير، والطحاوي كتابه ((مشكل الآثار))(٢)، وكان ابن خزيمة
- ق ص د -. ].
(١) تقدم قبل أسطر قوله: إنما يكمل له الأئمة الجامعون لثلاثة علوم هي أركان
الاجتهاد: الحديث والفقه والأصول، وابن قتيبة رحمه الله ۔ علی فضلہ - ليس من هذه
البابة.
(٢) الشارح ينقل من ((شرح الألفية)) ص ٣٣٦.
وكتاب ابن قتيبة طبع مرارًا، واسمه ((تأويل مختلف الحديث))، وکتاب ابن جرير
طبع الموجود منه مرتين باسم ((تهذيب الآثار))، قيل فيه: تفرّد في بابه بلا مشارك،
وكتاب الطحاوي طبع قطعة منه قديمًا في الهند، ثم طبع كاملاً بهذا الاسم، وقد أفاد
القرشي في ((الجواهر المضية)) ٢٧٦:١ أن هذا الكتاب هو آخر مؤلفات الطحاوي،
وأن ((شرح معاني الآثار)) هو أولها.
وأقول: إن الأولى بذكره في هذا الباب هو كتابه ((شرح معاني الآثار)) واسمه الكامل
كما سماه مؤلفه الإمام الطحاوي ضمن كتابه المذكور ٣١٩:٣ حين عَرَض لمسألة بيع
أرض مكة وإجارتها، وأحال على ما سيأتي عنده هناك ٤٨:٤ - ٥١: ((شرح معاني الآثار
المختلفة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحكام)).
=

١١٧
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
ومَن جَمَع ما ذكرنا لا يُشكل عليه إلا النادر في الأحيان.
[ش]
من أحسن الناس كلاماً فيه، حتى قال: لا أعرفُ حديثين متضادّيْنٍ، فمنْ كان
عنده فليأتني به لأؤلِّف بينهما(١).
(ومَن جَمَع ما ذكرنا) من الحديث والفقه والأصول والغوص على المعاني
الدقيقة (لا يُشْكل عليه) من ذلك (إلا النادر في الأحيان).
فهذا الكتاب ألصق بهذا النوع الذي نحن فيه: مختلف الحديث، من كتابه
((مشكل الآثار))، فكلمة ((مختلف)) تدلّ على أن ثمة مخالفًا، ولا تحمل معنى أن فيه
إشكالاً، أما كلمة ((مشكل)) فتحمل فيها معنى الإشكال والتوقف، وينبغي البحث عن
حلّ للإشكال، من داخل الحديث، أو من خارجه، فـ ((المشكل)) غير ((المختلف)).
ومن المؤلفات في هذا الباب: ما سمَّه الذهبي في ((السير)) ١٨: ١٩٤ في ترجمة
ابن حزم: ((الآثار التي ظاهرها التعارض، ونفي التناقض عنها))، قال الذهبي: ((يكون
في عشرة آلاف ورقة، لكنه لم يتمه)).
(١) ((الكفاية)) ص ٤٣ - ٤٤.
وهذا لسان حال كل إمام تمكّن في جملة من العلوم الشرعية الأصلية: الحديث
والفقه وأصوله واللغة العربية، وليس قاصراً على الإمام ابن خزيمة وخاصًا به، وقد
سبقه إلى نحو هذا: الإمام الشافعي، فقال في ((الرسالة)) (٥٨٧ - ٥٩٠): ((لن نجد عنه
- صلى الله عليه وسلم - شيئًا مختلفًا، فكشفناه إلا وجدنا له وجهًا يحتمل به ألاّ يكون
مختلفًا ... ، ولم نجد عنه حديثين مختلفين إلا ولهما مخرج، أو على أحدهما دلالة
ما وصفتُ، إما بموافقة كتابٍ، أو غيره من سنته، أو بعض الدلائل))، وانظر أول
كلامه رحمه الله من الفقرة (٥٧٠).
وانظر تمام الكلام على الفائدة الثالثة من الفوائد الأربعة الآتية آخر هذا النوع
ص١٣٤.

١١٨
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
والمختلفُ قسمان، أحدهما: يمكن الجمع بينهما، فيتعيَّنُ ويجبُ
العمل بهما .
[ش]
(والمختلف قسمان، أحدهما: يمكن الجمع بينهما) بوجه صحيح
(فيتعيَّن) ولا يُصار إلى التعارض، ولا النسخ (ويجبُ العمل بهما).
ومن أمثلة ذلك في أحاديث الأحكام: حديث: ((إذا بلغ الماء قُلَّتين لم
يَحمل الخبث))(١).
وحديث: ((خَلَق الله الماء طَهوراً لا ينجِّسه إلا ما غيَّر طعمَه أو لونه أو
ريحه))(٢)، فإن الأول ظاهره طهارة القلَّتين، تغير أم لا، والثاني: ظاهرُه طهارةُ
غير المتغيِّر، سواء كان قلتين أم أقلّ، فخُصَّ عموم كلٌّ منهما بالآخر.
[ب] -
(١) رواه أبو داود (٦٤ - ٦٦)، والترمذي (٦٧) وسكت عنه، والنسائي (٥٠)،
وابن ماجه (٥١٧ - ٥١٨)، وابن خزيمة (٥٢)، وابن حبان (١٢٤٩ - ١٢٥٣)،
والحاكم (٤٥٨ - ٤٦٣)، والدارقطني (١ - ٢٩)، وهو عند ابن أبي شيبة في
(المصنف)) (١٥٣٣، ١٣٣٤)، وانظر لزامًا الآثار التي بعده، فإنها تلقي الضوء عليه.
وينظر تخريجُه في كتب الفقه الاستدلالي، وتجاذبُ الأنظار في تقويته وتضعيفه،
ولا بدّ من التثُّت ومراجعة الأصول للسلامة، ومن المهم منها: ((الإمام)) للإمام ابن
دقيق العيد ١٩٩:١ - ٢١٩، و((شرح الإلمام)) له ١٧٩:١ - ١٩٢، وتجدُ تلخيص
كلامه الذي في ((الإمام)): في ((نصب الراية)) ١٠٥:١ - ١١٢، و((البدر المنير)) ٨٧:٢،
و((التلخيص الحبير)) ١٦:١.
(٢) رواه ابن ماجه (٥٢١) بهذا الاستثناء من حديث أبي أمامة، والدارقطني
(٤٥ - ٥٠)، والطبراني ٨(٧٥٠٣)، والبيهقي ٢٥٩:١، وفي إسناده عندهم رِشْدِين
ابن سعد، اتفقوا على تضعيفه.

١١٩
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
وفي غيرها (١): حديث: ((لا يُورِدُ مُمْرِض على مُصِحَ)(٢)، و((فِرَّ من المجذوم
فِرارَك من الأسد)»، مع حديث: ((لا عدوى ولا طِيَرة))(٣)، وكلّها صحيحة(٤)، وقد
[ب]
(١) [أي: غير أحاديث الأحكام.].
(٢) [قال النووي - ١٤: ٢١٧ -: يورِد: بكسر الراء، والممرِض والمصحّ،
بكسر الراء والصاد، ومفعول ((يورد)) محذوف، أي: لا يورِد إبلَه المِراض، قال
العلماء : الممرِض: صاحبُ الإبل المِراض، والمصح: صاحب الإبل الصحاح،
فمعناه: صاحبُ الإبل المِراض لا يوردُ إبلَه على صاحب الصحاح. والحديث رواه
الشيخان عن أبي هريرة].
البخاري (٥٧٧١، ٥٧٧٤)، ومسلم ١٧٤٣:٤ (١٠٤).
(٣) [قوله: لا عدوى: فيه شاهد لحذف خبر ((لا)) نحو: لا ضَيْرَ، وأكثرُ ما
يحذف عند الحجازيين مع ((إلا))، نحو: لا إله إلا الله. انتهى. ويجوز في ((لا
عدوى، ولا طِيَرة)) الأوجه الخمسة المقررة في نحوٍ: لا حول ولا قوة. قال في
(المغني)) - ص٣١٤ -: يجوز إلغاء ((لا)) إذا تكررت نحو: لا حول ولا قوة إلا بالله،
ولك فتح الاسمين، ورفعهما، والمغايرة بينهما، يعني: رفع الأول، وفتح الثاني،
وعكسه، أي: وفتح الأول ورفع الثاني، وهو أضعفها، كما في ((الأوضح)) - ((أوضح
المسالك)) ١ : ٢٨٢ -٠].
(٤) حديث: ((لا يُورِدُ مُمْرِض على مُصِحّ)): تقدم تخريجه في كلام ابن
العجمي.
وأما حديث: ((فِرّ من المجذوم كما تفِرُّ من الأسد)): فهو في البخاري أيضًا معلَّقًا
على شيخه عفان الصفّار (٥٧٠٧)، في حديث واحد مع حديث ((لا عدوى)) من
حديث أبي هريرة.
=

١٢٠
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
[ش]
سلك الناس في الجمع مسالك(١):
[ب] -
وحديث: ((لا عدوى)): رواه البخاري في مواضع، أولها (٥٧٠٧) وهنا أطرافه،
ومسلم ١٧٤٢:٤ (١٠١) وما بعده، من حديث أبي هريرة.
ورواه البخاري (٢٠٩٩) مقتصراً على لفظ: ((لا عدوى))، و(٥٧٥٣، ٥٧٧٢)
بلفظ: ((لا عدوى ولا طيرة))، ومثله عند مسلم ١٧٤٧:٤ (١١٦).
ورواه مسلم ١٧٤٣:٤ (١٠٣) من حديث السائب بن يزيد بلفظ: ((لا عدوى،
ولا صفر، وهامة))، ثم (١١١، ١١٢) من حديث أنس بلفظ: ((لا عدوى ولا طيرة)).
(١) ينظر في ((الفتح)) ١٥٩:١٠ وما بعدها، وقال الشيخ ابن العجمي رحمه الله:
[فمن اعتقد أن شيئاً يُعدي شيئاً بطبعه فهو كافرٌ اتفاقاً، كما ذكره عياض، أو
بقوة خاصة أودعها الله فيه : ففي كفره خلاف.
[وعن ((شرح مقدمات السنوسي)): لاشك أن اعتقاد الناس في هذه الأسباب
العادية على أربعة أوجه :
[منهم: من يعتقد ◌ِدَمها واستقلالها بالتأثير من طباعها، أي حقائقها، في غير
جَعْل من الله تعالى، وهذا مذهب كثير من الفلاسفة والطبائعیین، وقد حکی ابن دهاق
[؟؟]، وغيره الإجماع على كفرهم.
[ومن الناس: من يعتقد حدوثها وتأثيرها فيما قارنها، لكن ليس من طباعها،
وإنما هو بخَلْق الله فيها قوةٌ مؤثرة، ولو نزعها منها لم تؤثر، فهؤلاء مبتدعة ضُلال
فسّاق، وفي کفرهم خلاف.
[ومن الناس: من يعتقد حدوثها وعدم تأثيرها فيما قارنها، لا بطباعها ولا بقوة
جُعلت فيها لكنه يعتقد ملازمتها لما قارنها، وأنه لا يصح فيها التخلف، وهذا الاعتقاد
يؤول بصاحبه إلى الكفر، لأنه يستلزم إنكار المعجزات ونحوها.
=