النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
خصائص الأمة المحمدية: أنهم أوتوا الأنساب والإعراب، وذكر هذا القول منسوبًا
إلى أبي بكر محمد بن أحمد، وأنه مروي عن أبي علي الجياني، وكأن عمدته في نسبة
هذا القول إلى الإمام الجياني، هو كلام شيخه الشارح هذا، رحمهم الله جميعًا.
ثم رأيت أن سلفه هو الإمام الزركشي في ((النكت)) ٨٨:١ (١٢) وسمى كتاب
الجياني: ((شرف المحدثين))، لكن انظر مقدمة تحقيق ((تقييد المهمل)) ص ٨٧.
والذي رأيته أسند هذا القول، هو الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) ص
٤٠، عن شيخه محمد ابن عيسى البزار (ت٤٣٠)، عن صالح بن أحمد التميمي
الهَمَذاني (ت٣٨٤) قال: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد ... ، فذكره، وعلى هذا:
فطبقة أبي بكر طبقةُ رجالِ أواسطِ القرنِ الرابعِ، فما قبل الوسط بقليل، أما أن يكون
أبا علي الجيانيّ المتوفى سنة ٤٩٨، فلا يصح أبدًا.
ولم يخرِّج القسطلاني هذا القول لمّا نسبه في ((المواهب)) إلى أبي بكر محمد بن
أحمد، ولو نسبه إلى الخطيب، لَمَا ظن شارحه الزرقاني أنه هو أبا بكر ابن الخاضبة
المتوفى سنة ٤٨٩، وتابعه شيخنا في تعليقاته على ((الأجوبة الفاضلة)» ص ٢٥، ثم
وهَّمه في بحثه الممتع ((الإسناد من الدين)) ص ٢٦، واستظهر - على توقُّف - أن يكون
هو أبا بكر محمد بن أحمد بن أحمد بن راشد بن معدان الثقفي المتوفى سنة (٣٠٩).
لكن يُبْعده أنه يكون حينئذٍ بين الشيخ وتلميذه الراوي عنه في الوفاة خمسٌ وسبعون
سنة، وهذا زمن طويل - في العادة - بين الشيخ والراوي عنه.
لكن في طبقة شيوخ التميمي أكثر من رجل من المحدثين يُعرف كل منهم بأبي
بكر محمد بن أحمد، كما يظهر من كتب التراجم (الطبقات) المفهرسة، مثل:
(السير))، و((تاريخ الإسلام))، و((طبقات)) السبكي.
فمنهم: أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه النيسابوري، أرّخ وفاته في ((السير))،
٤١٩:١٥ سنة ٣٤٠.
وأبو بكر محمد بن أحمد الحداد، تلميذ النسائي، أرّخ وفاته في ((السير))
=

٥٨٢
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
[ب]
٤٤٥:١٥ سنة ٣٤٥. والله أعلم بالمراد.
أما معنى هذا القول: فالإسناد والأنساب: معلوم معناهما، وأما الإعراب: فقد
قال الزرقاني في الموضع السابق من ((شرح المواهب)»: الإعراب: ((أي: الإبانة،
والكلام الفصيح)).
قلت: ومنه قوله تعالى عن نساء أهل الجنة: ﴿عُرْبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٧]، عُرُبًا:
جمع عَرُوب، يقولون: العَرُوب: هي المرأة المتحيِّة إلى زوجها، وهذا لازم المعنى
اللغوي، فهي تُفصح وتُعرب عما في نفسها نحو زوجها.
والإعراب الذي هو من خصائص هذه الأمة: هو إفصاح المتكلم عما في نفسه
بحركات الإعراب، فحينما تقول: صافح زيد عمرًا، تكون أفصحت عن مرادك حين
جعلت زيدًاً فاعلاً للمصافحة، وعمرًاً مفعولاً مصافَحًا، وذلك بعلامة الرفع مع زيد،
وبعلامة النصب مع عمرو.
ولو قدّمت وأخرت دون تغيير في حركات الإعراب فقلت: صافح عمرًا زيد،
لما اختلف المعنى، ولو قدمت وأخرت، أو لم تقدم ولم تؤخر، لكنك غيَّرت في
علامات الإعراب، فقلت: صافح زيدًا عمرُو، لانعكس المعنى، بدليل تغيير حركات
الإعراب.
وهذا مثال سهلة عواقبه، لكن لو كان المثال في فعل يترتب عليه عواقب صعبة،
لظهر الأثر كبيرًا، كما لو مثَّلتَ بقصة الأعرابي الذي سمع قارئاً يقرأ قول الله تعالى
﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ [التوبة: ٣] فلحن فقرأ ورسوله، بكسر اللام،
وهي قصة مشهورة، صحَّتْ أو لم تصح، فهي دالة على عظم موقع الإعراب والبيان
عن المراد.
وهذا ليس في لغة غير لغة هذه الأمة، على كثرة الأمم، إنما هو من خصائص
اللغة العربية، التي هي لغة هذه الأمة المحمدّية، لغة الإسلام، ولغة كتاب الإسلام
(القرآن العظيم).

٥٨٣
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
وسنةٌ بالغة مؤكدة،
[ش]
مَنْ قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب.
ومن أدلة ذلك: ما رواه الحاكم وغيره عن مطرِ الوراق في قوله تعالى: ﴿أَوْ
أَثَرَقِ مِّنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] قال: إسناد الحديث(١).
(وسنة بالغة مؤكدة) قال ابن المبارك: الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال
من شاء ما شاء، أخرجه مسلم (٢).
وقال سفيان بن عيينة: حدَّث الزهري يوماً بحديث، فقلت: هاته بلا
[ب] -
(١) ((المدخل إلى الإكليل)) ص ٢٧ (١)، وأعلى منه عزوه إلى ((المحدث
الفاصل)) (٩٨)، وهو عند الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) ص ٣٩.
(٢) في مقدمة ((صحيحه)) ١٥:١، ولهذا القول زيادة، وأقدم من رأيته رواه مع
الزيادة هو الإمام الترمذي في أوائل كتاب ((العلل)) الصغير ٦: ٢٣٢، رواه من طريق
عبدان، عن ابن المبارك، وهو من طريق عبدان أيضًا في ((الكفاية)) ص ٣٩٣، ولفظه
عند الترمذي: ((الإسناد عندي من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فإذا قيل
له: مَنْ حدثك؟ بقي)). أي: بقي ساكت منقطعًا عن الكلام.
وقد كتب فضيلة شيخنا العلامة شيخ التحقيق عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله حول
كلمة (بقي) أزيد من عشرين صفحة في رسالته النفيسة ((الإسناد من الدين)) من ص
٥١ - ٧٤، يجد فيها القارئ العلم والتحقيق والذوق، والدأب على عمق البحث،
وتقديم الفائدة للقارئ حیث کانت، فجزاه الله خيراً.
وكان رضي الله عنه يؤكد على هذا المعنى، ومن قوله: ما أسنده إليه الخطيب في
((الكفاية)) ص ٣٩٢ قال: ((طلب الإسناد المتصل من الدين)).

٥٨٤
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
وطلبُ العلو فيه سنّة،
[ش]
إسناد، فقال الزهري: أَترقَى السطحَ بلا سلّم! (١).
وقال الثوري: الإسناد سلاح المؤمن(٢).
(وطلب العلو فيه سنَّة) قال أحمد بن حنبل: طلب الإسناد العالي سنة عمَّن
سلف، لأن أصحاب عبد الله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلَّمون من
عمرَ ويسمعون منه(٣).
وقال محمد بن أسلم الطّوسي: قربُ الإسناد قربٌ - أو قربة - إلى الله (٤).
(ت)
-
(١) ذكر هذا القول البيهقي في مقدمة كتابه ((شعب الإيمان)) على أن الشافعي
روى هذا عن ابن عيينة، وأنه ذكر إسناده في كتابه ((المدخل))، وهو فيه (٨٣١)، وقد
أخذ هذا المعنى من الزهري تلميذه ابن المبارك، رواه عنه الخطيب في ((الكفاية))
٣٩٣.
(٢) وتمامه: ((فإذا لم يكن معه سلاح، فبأيّ شيء يقاتل!)) رواه ابن حبان في
((المجروحين)) ٢٧:١، وتلميذه الحاكم في ((المدخل)) (٩)، والخطيب في ((شرف
أصحاب الحديث» ص٤٢.
(٣) ((الجامع)) للخطيب (١٢٠).
(٤) المصدر السابق (١١٨) بلفظ: ((قرب الإسناد قربة إلى الله عز وجل)) دون
شكّ.
أما محمد بن أسلم: فقال فيه الذهبي في ((السير)) ١٩٥:١٣: ((الإمام الحافظ
الرباني شيخ الإسلام))، وكان مولده في حدود سنة ١٨٠، ووفاته سنة ٢٤٢
رحمه الله.

٥٨٥
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
ولهذا استُحِبت الرحلة.
[ش]
(ولهذا استُحِبت الرحلة)(١) كما تقدم، قال الحاكم(٢): ويُحتج له بحديث
أنس، في الرجل الذي أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وقال: ((أتانا رسولك
فزعم)) كذا، الحديثَ، رواه مسلم.
قال(٣): ولو كان طلب العلو في الإسناد غيرَ مستحب لأنكر عليه سؤاله
لذلك، ولأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه.
قال(٤): وقد رحل في طلب الإسناد غير واحد من الصحابة، ثم ساق بسنده
حديث خروج أبي أيوب إلى عقبة بن عامر، يسأله عن حديثٍ سمعه من رسول
الله صلى الله عليه وسلم، لم يبقَ أحد ممن سمعه من رسول الله صلى الله عليه
وسلم غير عقبة، الحديث في سَتَر المؤمن.
[ب] -
(١) [قوله: الرُّحلة: بضم الراء وكسرها، قال في ((القاموس)) - رح لـ: ارتحل
القوم عن المكان انتقلوا، كترحّلوا، والاسم الرُّحلة، بالضم والكسر، أو بالكسر :
الارتحال، وبالضم: الوجه الذي يقصده، والسَّفْرة الواحدة. ورَحَل الرجل
- كـ : منع - انتقل.].
(٢) في ((المعرفة)) ص ١١٢ - ١١٣، والحديث الذي ذكره من طريق سليمان بن
المغيرة، عن ثابت، عن أنس، رواه مسلم في ٤١:١ (١٠)، وعلَّق البخاري هذا
الطريق عقب الحديث (٦٣) عنده، واسم هذا السائل ضِمام بن ثعلبة رضي الله عنه،
وسيأتي اسمه في كلام العلائي.
(٣) الحاكم في ((المعرفة)) ص ١١٣.
(٤) الحاكم ص ١١٥، وحديث خروج أبي أيوب عنده في ص ١١٧ (١٣).

٥٨٦
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
[ش]
وقال العلائي(١): في الاستدلال بما ذكروه نظر لا يخفى.
[ب] -
-
(١) ((بغية الملتمس)) ص ٤٣ - ٤٤، وينتهي كلامه عند أقسام العلوّ الخمسة،
وسبق العلائيَّ القاضي عياضٌ في ((شرح مسلم)) ٢٢٠:١، فإنه نقل كلام الحاكم هذا،
وتعقّبه، فانظره.
وأما رأي عياض في حال ضِمام رضي الله عنه لما جاء، هل جاء مسلمًا أوْ لا؟
فإن النووي نقل في ((شرحه)) ١٧١:١ عن عياض قوله: ((الظاهر أن هذا الرجل لم يأتِ
إلا بعد إسلامه، وإنما جاء مستثبتًا ومشافها النبيَّ صلى الله عليه وسلم))، واعتمده
السخاوي في ((فتح المغيث)) ٣٤٦:٣، فنسب هذا الوجه إلى عياض، في حين أن
لعياض ١: ٢٢٠ فما بعدها كلامًا قبله وبعده، يردّ هذا الجزم ويضعفه، وكأن
السخاوي رآه عند النووي فاعتمده، ولم يراجع شرح عياض. والله أعلم.
وقد نسب السخاوي أيضًا - الموضع المذكور - إلى البخاري أنه يرى وفادة
ضمام كانت وهو مسلم، فينظر هذا أين هو في كلام البخاري، اللهم إلا ما حاول
تبيينه القرطبي في ((المفهم)) ١ : ١٦٢.
والذي يبدو - والله أعلم - أن ها هنا مسألتين: العرض والقراءة، وكون القارئ*
المتحمِّل لما يقرؤه على الشيخ مسلمًا حين التحمّل.
أما المسألة الأولى: فنعم، بوّب عليها البخاري الباب السادس من كتاب العلم
١٤٨:١: ((باب القراءة والعرض على المحدِّث، واحتج به بعضهم في القراءة على
العالم بحديث ضمام بن ثعلبة ... ، قال: فهذه قراءة على النبي صلى الله عليه وسلم))،
ثم ساق حديث أنس في وفادة ضمام، وفي آخره: قال الرجل - أي: ضمام -: آمنتُ
بما جئتَ به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة.
=

٥٨٧
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
[ش]
أما حديث ضمام: فقد اختلف العلماء فيه، هل كان أسلم قبل مجيئه أو
لا؟ فإن قلنا: إنه لم يكن أسلم، كما اختاره أبو داود (١)، فلا ريب في أن هذا
ليس طلباً للعلو، بل كان شاكاً في قول الرسول الذي جاءه، فرحل إلى النبي
صلى الله عليه وسلم، حتى استثبتَ الأمر، وشاهد من أحواله ما حصل له العلم
القطعي بصدقه، ولهذا قال في كلامه: فزعم لنا أنك، إلى آخره، فإن الزعم إنما
أما المسألة الثانية: فقوله: ((آمنتُ بما جئتَ به)) بعدما سمع من رسول الله
صلى الله عليه وسلم شرائع الإسلام: مؤذِنٌ بدخوله الإسلام من جديد، ويؤيده
ويؤكده ويوضحه رواية ((المسند)) ٢٥٠:١، ٢٦٤، وفيها تلفظه بالشهادتين، ويَبعد
جدًّا جدًّا عن الإمام البخاري عدم استحضاره لتلك الرواية، والله أعلم.
فنسبةُ القول إلى البخاري أنه يرى كون ضمام مسلمًا حين وفادته: في محل النظر
الطويل، والله أعلم.
(١) إذْ روى حديثه في ((السنن)) في كتاب الصلاة، باب في المشرك يدخل
المسجد (٤٨٨)، واختصر القصة، ولم يذكر محل الشاهد، وهو في رواية ((المسند))
المشار إليها قبل أسطر ٢٥٠:١، ٢٦٤، بإسناد حسن قوي، وهو قوله رضي الله عنه
بعد ما عَرَض له رسول الله صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام وشرائعه: فإني أشهد
أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وسأُؤَدي هذه الفرائض، وأجتنب ما
نهيتَني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إنْ
يَصْدُق ذو العَقِيصتين يدخل الجنة)).
وبهذه الرواية استدل القرطبي في ((المفهم)) ١: ٢٦٢ على ترجيحه القول - كما
قال أبو داود - بأن ضمامًا كان غير مسلم أول ما وفَدَ.

٥٨٨
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
وهو أقسام أجلَّها : القربُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسنَاد
صحيح نظيف.
[ش]
يكون في مَظِنة الكذب.
وإن قلنا: كان أسلم، فلم يكن مجيئه أيضاً لطلب العلو في الإسناد، بل
ليرتقيَ من الظن إلى اليقين، لأن الرسول الذي أتاهم لم يُقِد خبره إلا الظن،
ولقاء النبي صلى الله عليه وسلم أفاد اليقين.
قال(١): وكذلك ما يُحتج به لهذا القول من رحلة جماعة من الصحابة
والتابعين في سماع أحاديثَ معينةٍ إلى البلاد، لا دليل فيه أيضاً، لجواز أن تكون
تلك الأحاديث لم تتصل إلى من رحل بسببها من جهة صحيحة، فكانت الرحلةُ
لتحصيلها، لا للعلوِّ فيها(٢).
قال: نعم، لا ريب في اتفاق أئمة الحديث قديماً وحديثاً على الرحلة إلى
مَن عنده الإسنادُ العالي.
(وهو) أي: العلوّ (أقسام) خمسة (أجلُّها : القربُ من رسول الله صلى الله
عليه وسلم) من حيثُ العددُ (بإسناد صحيح نظيف) بخلاف ما إذا كان مع
ضعفٍ، فلا التفاتَ إلى هذا العلو، لا سيما إن كان فيه بعض الكذابين
المتأخرين، ممن ادَّعى سماعاً من الصحابة، كأبي هُدْبة، ودینار، وخِراش،
(س)
(١) هو العلائي أيضاً، وكذلك ما بعده.
-
(٢) هذا ردّ بالاحتمال والتجويز، ولئن صحّ هذا في خبر أو خبرين، فأين سائر
الأخبار؟!، وينظر كلامه التالي.

٥٨٩
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
[ش]
ونُعيم بن سالم، ويعلى بن الأشدق، وأبي الدنيا الأشج(١)، قال الذهبي: متى
رأيتَ المحدِّث يفرح بعوالي هؤلاء فاعلمْ أنه عاميّ بعدُ(٢).
وأعلى ما يقع لنا ولأضرابنا في هذا الزمان، من الأحاديث الصحاح
المتصلة بالسماع، ما بيننا وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه اثنا عشر رجلاً،
وبالإجازة في الطريق أحدَ عشرَ، وذلك كثير، ويضعفٍ يسيرٍ غيرِ واهٍ عشَرة،
ولم يقع لنا بذلك إلا أحاديثُ قليلة جداً في ((معجم الطبراني الصغير))(٣).
أخبرني مسند الدنيا أبو عبد الله محمد بن مُقبل الحلبي إجازةً مكاتبةً
[ت)
-
(١) يُنظر من أجل هولاء المتَّهمين ((المصنوع)) للإمام علي القاري (٤٤٠ - ٤٤٤)
مع تعليقات شيخنا عليه، رحمهما الله. ونُعيم بين سالم: يقال فيه: يَغْثَم، وكذلك في ك.
(٢) مصدر الشارح هو ((شرح الألفية)) للعراقي ص ٣١٠، وقد عزا العراقي كلمة
الذهبي إلى ((ميزان الاعتدال))، وأقرب ما فيه إلى هذا القول هو كلمته التي في
((الميزان)) ترجمة أبي الدنيا الأشج (٥٢٢٣ مكرر).
(٣) [ثلاثة أحاديث: ذكر هنا منها حديثين، وذكر الثالث في ((الكواكب
الساريات النادرات من العُشَارات)) بسنده المذكور إلى الطبراني أيضاً - في ((الأوسط))
(٦١٠٦) -: حدثنا [محمد بن] أحمد بن يزيد القصاص، حدثنا دينار بن عبد الله
مولى أنس، حدثني أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طوبى
لمن رآني وآمن بي، ومن رأى من رآني، ومن رأى من رأى من رآني)). وقد أفرد
المصنف هذا الحديث بمؤلف سماه: ((الفيض الجاري في طرق الحديث العُشَاري)).
فلیراجع .].

٥٩٠
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
[ش]
منها، في رجب سنة (٨٦٩) (١)، عن محمد بن [أحمد بن] إبراهيم بن أبي
عُمر المقدسي، وهو آخر من حدَّث عنه بالإجازة، أخبرنا أبو الحسن علي
ابن أحمد ابن البخاري(٢)، وهو آخر من حدث عنه، عن أبي القاسم
[ب] -
(١) ترجم الشارح في معجمه ((المِنْجَم في المعجم)) ص ٢١٧ لابن مقبل (٧٧٩
- ٨٧١)، وقال: أجاز له باستدعاءِ الحافظِ برهان الدين الحلبي سنةَ ثمانين: ابنُ أبي
عمر المقدسي، وعدَّد أربعة وثمانين عالمًا غيره، فكملوا خمسة وثمانين، أما
السخاوي فقال:
[في ((الضوء اللامع)) - ١٠ : ٥٣ -: محمد بن مقبل الحلبي: ولد في سنة تسع
وسبعين وسبعمائة بحلب، ونشأ بها، وسمع على الشهاب ابن المرحِّل ((ثلاثيات مسند
عبدٍ)) و((موافقاته)) بسماعه لها على التقي عمر بن إبراهيم بن يحيى الزَّبيدي، أخبرنا بها
ابن اللّتي، وأجاز له في استدعاءِ البرهان الحلبي ستةٌ وثمانون نفساً، منهم: الصلاح
ابن أبي عمر، خاتمة أصحاب الفخر ابن البخاري، ولقيته بحلب فأخذت منه الكثير،
وعُمِّر بحيث تفرد عن أكثر شيوخه، واستمر منفرداً مدةً، حتى مات سنة سبعين،
ونزل الناس بموته درجة. انتهى باختصار.].
وتقدمت ترجمته وترجمة اللذين بعده ٢: ٢١٩، مبحث أصح الأسانيد.
(٢) [وأبو الحسن علي بن أحمد البخاري: هو الفخر علي بن أحمد بن
عبد الواحد المقدسي، الشهير بابن البخاري الحنبلي، إنما اشتهر أبوه بالبخاري
لأنه تفقه ببخارى مدة، كذا ترجمةُ والده. والله أعلم. وُلد الفخر في أوائل سنة
خمس وتسعين وخمس مئة، وتوفي يوم الأربعاء ثاني ربيع الآخر، سنة تسعين
وست مئة .].

٥٩١
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
[ش]
عبد الواحد بن القاسم الصيدلاني(١)، وهو آخر من حدث عنه، أخبرتْنا أم
إبراهيم بنت عبد الله (٢) وأبو الفضل الثقفي سماعاً عليهما قالا: أخبرنا أبو
بكر بن رِيْذَةَ (٣)، أخبرنا أبو القاسم الطبراني(٤)، حدثنا عبيدالله بن
(١) [الصَّيْدلاني: بفتح الصاد المهملة، وسكون التحتية، وبالدال المهملة،
والنون، هذه النسبة لمن يبيع الأدوية والعقاقير . - ((الأنساب)) ٣: ٥٧٣ -. ].
(٢) هي [الجُوْزْدَانِية: بضم الجيم، وسكون الواو والزاي، فدال مهملة، فألف،
فنون، نسبة إلى جُوْزْدان، قرية بباب أصبهان. ـ ((الأنساب)) ٢: ١١٧ -. ].
(٣) [رِيْذَة: بكسر الراء، وسكون التحتية، وفتح الذال المعجمة، فتاء تأنيث.
- ((السيرة الشامية)) ٥ : ٦٠٥ -٠].
وكذا كل ما سيأتي من الضبط وتفسير الغريب إلى ص ٥٩٧ عند ضبط (القيسي)،
فهو من ((السيرة الشامية)).
(٤) في ((الكبير)) ٥ (٥٣٠٣)، و((الأوسط)) (٤٦٣٠)، و((الصغير)) (٦٦١).
هذا، وقد قال الذهبي في ((الميزان)) (٣٢٦٧) في ترجمة الإمام الطبراني: ((إليه
المنتهى في كثرة الحديث وعلوّه، فإنه عاش مئة سنة، وسمع وهو ابن ثلاث عشرة
سنة، وبقي إلى سنة ستين وثلاث مئة، وبقي صاحبه ابن رِيذة إلى سنة أربعين وأربع
مئة، فكذلك العلوّ)).
وابن رِيذة: هو محمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني (٣٤٦ - ٤٤٠) رحمه الله،
كما في ((السير)) ١٧: ٥٩٥، وذكر أن فاطمة الجُوْزْدانية روت عنه وعاشت إلى سنة
٥٢٤، وروى عنها أسعد بن رَوْح، وعاش إلى سنة ٦٠٦، كذا قال، لكنه لما ترجمه
٤٩١:٢١ أرّخ وفاته سنة ٦٠٧، وقال: وانغلق بوفاته باب علوّ حديث الطبراني. وابن
رَوْح: هو أسعد بن سعيد بن محمود بن روح الأصبهاني.
=

٥٩٢
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
[ش]
رُماحس (١) سنة ٢٧٤، حدثنا أبو عمرو زِيَاد بن طارق، وكان قد أتت عليه
مئة وعشرون سنة (٢)، قال: سمعت أبا جَرْول زُهَير بن صُرَد الجُشَمي(٣) يقول:
لما أَسَرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ حنين: يومَ هوازن، وذهب يفرِّق
السبي والشاء، فأتيته فأنشأت أقول هذا الشعر:
[ب]
ويستفاد مما تقدم: أن ولادة الطبراني سنة ٢٦٠، وبدء سماعه سنة ٢٧٣، وأرّخ
سماعه لهذا الحديث من عبيد الله بن رُماحِس سنة ٢٧٤، فيكون هذا الحديث من
أوائل ما سمعه الطبراني.
(١) [رُمَاحِس: بضم الراء، وتخفيف الميم، وحاء وسين مهملتين، قال في
((النور)): الذي يظهر أنه غير منصرف، للعلمية والعُجمة، وليس - فيما يظهر - من
الأسماء العربية . - ٥ : ٦٠٥ -٠].
(٢) زاد أبو نعيم في ((المعرفة)) ١٢٢٢:٣ (٣٠٦٨): ((ورأيته على شجرة التين
يلتقط منه))، وضبطُ اسمه هكذا بالوجهين: زِيَاد، وزَيّاد، وهو بالتشديد أصح، قاله
الدارقطني في ((المؤتلف)) ١١٣٥:٣، وتُوبع. فالوجه الثاني صحيح.
(٣) [جَرْوَل: بفتح الجيم، وسكون الراء، وفتح الواو، وباللام . - ٥ : ٦٠٥ -.
زُهَيْر: بضم الزاي، وفتح الهاء، وسكون التحتية . - ٦٠٣:٥ - صُرَدٍ: بضم الصاد،
وفتح الراء، وبالدال، المهملات، وهو مصروف وليس معدولاً - ٦٠٣:٥ -، وفي
رواية الضياء: سُرَد، بضم المهملة، وفتح الراء الخفيفة. الجُشَمي: بضم الجيم،
وفتح الشين المعجمة . - ٥ : ٦٠٥ -].

٥٩٣
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
[ش]
فإنك(١) المرءُ نرجوه وننتظرُ
أُمننْ علينا رسولَ الله في كَرَم
مشَّنَتٌ شملُها في دهرها غِيَرَ (٢)
أُمننْ على بيضةٍ قد عاقها قَدَر
على قلوبهمُ الغَمّاءُ والغَمَرَ(٣)
أبقت لنا الدهرَ هَتّافاً على حَزَن
يا أرجحَ الناس حلماً حين يُخْتَبر (٤)
إن لم تَدارَكْهُمُ نَعْمَاءُ تنشرُها
إذْ فُوكَ تملؤُه من محضها الدِّرر(٥)
امننْ على نسوة قد كنتَ تَرْضَعُها
[ب]
(١) [أي: أنت الرجل الجامع للصفات المحمودة . - ٦٠٥:٥ -. ].
(٢) [البيضة هنا: الأهل والعشيرة والجماعة - ٥: ٦٠٥ -. والغِيَر: بكسر الغين
المعجمة: تغيير الحال، وانتقالها عن الصلاح إلى الفساد . - ٦٠٦:٥ _].
(٣) [هَتّافًا: بفتح الهاء، وبالفوقية، وبالفاء، أي: ذا هَتَف، أي: صوت.
شامي٠ - ٥ : ٦٠٦ -].
[والغماء: بفتح الغين المعجمة، وتشديد الميم، الحزن. والغَمَر: الشدائد،
جمع غَمرة، بفتح المعجمة.].
(٤) يُخْتَبر: [بالبناء للمفعول.].
(٥) ((تَرْضَعها)): [بفتح الفوقية.]. وهو الصواب، وفي مطبوعة السيرة الشامية
٦٠٦:٥: بضم الفوقية، أي: تُرضَغها، وهو تحريف.
[فُوُك: أي: فمك. المَحْض: بميم مفتوحة، فحاء مهملة ساكنة، فضاد معجمة
ساقطة: اللبن الخالص. الدِّرَر: بكسر الدال المهملة، وفتح الراء الأولى، جمع دَرَّة،
وهي كثرة اللبن وسيلانه.].
وهذا الشطر والشطر الأول من البيت التالي ساقطان من ك.

٥٩٤
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
[ش]
وإِذْ يَزِينك ما تأتي وما تَذَر
إذْ كنتَ طفلاً صغيراً كنت تُرْضَعها
واستبقِ منا، فإنا معشرٌ زُهُر (١)
لا تجعلَنّا كمن شالتْ نَعامته
وعندنا بعد هذا اليوم مدَّخر(٢)
إنا لنشكُر للنعماء إذْ كُفِرتْ
فأَلْبِس العفوَ مَن قد كنتَ تَرضَعه
من أمهاتك، إنّ العفو مشتهر (٣)
عند الهِياج إذا ما استُوقد الشَّرَرَ (٤)
يا خيرَ مَن مَرَحت کُمْتُ الجِیاد به
(١) [شالت نعامته: أيْ: هلكت، والنعامة: باطن القدم، وشالت: ارتفعت،
ومَن هلك ارتفعت رجلاه وتنكس رأسه، فظهرت نعامة قدمه. شامي . - أيضًا -. ].
زُهُر: [بضم الزاي والهاء . - أيضًا -. ].
(٢) النعماء: النعمة، ويريد بقوله هذا: إنا سنحفظ لك ــ يا رسول الله - هذه اليد
ونشكرها لك.
و(كُفِرت : بضم الكاف.].
(٣) [((فَأَلْبِس)): بفتح الهمزة، وكسر الموحدة - ٥: ٦٠٧ -. ].
(٤) [الجياد: الخيل.]. جمع جَوَاد، يقال للفرس، و: كُمْت: [جمع
كُمَيْت.]، وهو لون للخيل مفضَّل عندهم، وهو اللون الذي يقال له في عرفنا: البُنِّي.
و[مَرَحت: بفتح الميم، والراء والحاء المهملتين: نَشِطَت وخَفَّتْ . - ٥:
٦٠٧ -. وما بين المعقوفين منه.].
كناية عن إقدام فرسانها وراكبيها عند الحرب.
[الهِيَاج: بكسر الهاء، وتخفيف التحتية، وبالجيم: القتال. استُوقِد: بالبناء
للمفعول . - كذلك -].

٥٩٥
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
[ش]
هذي البريةَ إذْ تعفو وتنتصر (١)
إنا نؤمِّل عفواً منك تُلِسه
يوم القيامة إذ يُهدَى لك الظَّفَر(٢)
فاعفُ عفا الله عما أنتَ راهبه
قال: فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشعر قال: ((ما كان لي
ولبني عبد المطلب فهو لكم))، وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله،
وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله.
هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه(٣)، عشاريّ، أخرجه أبو سعيد ابن
[ب ] -
(١) [تُلْبِسه: بضم الفوقية، وسكون اللام، وكسر الموحدة . - أيضاً -. ].
((هذي البرية)) هكذا في النسخ، إلا ج، والمعنى على ما أثبتُّه: إشارة إلى هؤلاء
الأسرى، وكذلك جاءت الكلمة في ((المعجم الصغير)) (٦٦١)، و((الوسط)) (٤٦٣٠)
كلاهما للطبراني، و(المعرفة)) لأبي نعيم الحديث (٣٠٦٨)، و((الاستيعاب)) لابن
عبد البر ٥٢٠:٢، و(الأربعين البلدانية)) لابن عساكر (٣١)، و((لسان الميزان))
(٥٠١١).
وجاء في نسخة ج، و، ح: هادي البرية، وكذلك في ((معجم الطبراني الكبير))
(٥٣٠٣)، و((مجمع الزوائد)) ١٨٧:٦، و((السيرة الشامية)) ٥٧١:٥، على تقدير: يا
هادي البرية، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]،
وحينئذٍ يترجح في الكلمة التي قبلها أن تكون: نَلْبَسُه، أي: عفواً شاملاً يَعُمُّنا.
(٢) [راهبه: خائفه. يُهْدى: بالبناء للمفعول. الظَّفَر: الفوز .- كذلك -].
(٣) الحديث أعلّه ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٥٢٠:٢، وتبعه الذهبي في
((الميزان)) (٥٠٨٩) ترجمة عبيد الله بن رُماحس، فتعقبهما الحافظ في ((اللسان))
=

٥٩٦
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
[ش]
الأعرابي في ((معجمه))، عن ابن رُماحِس، وابنُ قانع عن عبيدالله بن علي
الخواص، عن ابن رُماحس (١).
[ب]
(٥٠١١)، وساق بعض أسانيد الخبر، وقال: ((الحديث حسن الإسناد، لأن راويَيْه
مستوران، ولم تَتَحقّق أهليتهما، ولم يُجرحا، ولحديثهما شاهد قوي))، فأفاد أنه
حسن الإسناد بالشاهد القوي، فهو حسن لغيره، لا: حسن غريب، كما يقوله
الشارح، وكلامه في ((الفتح)) ٣٣:٨ - ٣٤ (٤٣١٨)، أوضح في هذا المعنى، وانظر
(تغليق التعليق)) ٤٧٤:٣.
ثم قال الحافظ: ((وقد وقع لي الحديث المذكور عاليًا جدًا عُشاريّ الإسناد)»،
وساق سنده به، وكلَّه بالسماع والإخبار، وهو كذلك في ((الإمتاع بالأربعين المتباينة
السماع)» له ص ٥٦.
والشاهد القوي الذي أراده الحافظ، هو رواية ابن إسحاق للقصة عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده، وهو في ((سيرة)) ابن هشام ٤٨٩:٢، وفي ((المعجم
الكبير)) للطبراني (٥٣٠٤).
وقال في ((الإصابة)) ترجمة زهير بن صُرَد: ((وقع لي هذا الحديث وفيه الشعر،
عاليًا عُشَاري الإسناد، ذكرته في ((العشرة العشارية))، وأمليته من وجه آخر في
((الأربعين المتباينة)) - ص٥٦ -، وأعلّ ابن عبد البر إسناده بأمر غير قادح، قد أوضحته
في ((لسان الميزان)) في ترجمة زياد بن طارق)).
قلت: بل في ترجمة عبيد الله بن رُماحِس، كما تقدم، ومثله وأزيدُ منه كلامه
الذي في ((الفتح)) وأشرت إليه قبل أسطر.
(١) ((معجم شيوخ ابن الأعرابي)) ٩٤٩:٣ (٢٠١٩)، و((معجم الصحابة)) لابن
قانع (٢٣١).

٥٩٧
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
[ش]
وله شاهد من رواية ابن إسحاق في ((المغازي))، قال: حدثني عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده قال: لما كان يوم حنين - يوم هوازن -، فذكر
القصة، وسياقه أتمّ (١).
وقد أخرجه الضياء في ((المختارة))(٢) من حديث زهير، واستشهد له
بحديث عمرو بن شعيب، فهو عنده على شرط الحسن.
وأما الذهبيُّ فقال في ((الميزان)): عبيدالله بن رُمَاحِس القيسي (٣) الرملي، كان
معمَّراً، ما رأيت للمتقدمين فيه جرحاً، قال: ثم رأيت لحديثه هذا علَّة قادحة، قال
ابن عبد البر فيه: رواه عبيدالله، عن زياد بن طارق، عن زياد بن صُرَد بن زهير،
عن أبيه، عن جده زهير، فعَمَد عبيدالله إلى الإسناد فأسقط منه رجلين(٤).
(١) ينظر في ((سيرة ابن هشام)) ٤٨٩:٢، وليس عنده الشعر، وهذه الفقرة من
كلام الحافظ في جزئه ((الإمتاع)) ص ٥٨، وقوله ((وسياقه أتم): منه، ومن نسخة أ
فقط، ويتبيّن ذلك بمراجعة ((تغليق التعليق)) ٤٧٣:٣.
(٢) وهذا من كلام الحافظ في ((الإمتاع)» ص٥٨، ولم أره في المطبوع من
((المختارة))، لكن روى الحافظُ الشاهدَ في ((تغليق التعليق)) من طريق الضياء.
وقوله: ((فهو عنده على شرط الحسن)): لم يتبيِّن لي وجه هذا التفريع، لكن هكذا
قال الحافظ في ((الإمتاع)» ص ٥٨.
وانظر ما قدمته ٢: ٥٥٥ - ٥٥٦ تعليقًا عن ((المختارة))، المسألة ٦ من مسائل
الحديث الصحيح، وليس للحَسَن عند الضياء المقدسي شرط.
(٣) [القيسي: بقاف مفتوحة، فتحتية ساكنة. ــ ((السيرة الشامية)) ٥: ٦٠٥ -. ].
(٤) [تتمة عبارة ((الميزان)) - (٥٠٨٩) -: وما قَنع بذلك حتى صرح بأن زياد بن
طارق قال: حدثني زهير، هكذا هو في ((معجم)) الطبراني - الكبير ٥ (٥٣٠٣) -،
=

٥٩٨
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
[ش]
وبه إلى الطبراني(١): حدثنا جعفر بن حميد بن عبد الكريم بن فرّوخَ
الأنصاري الدمشقي، حدثني جدّي لأمي عمر بن أبان بن مفضل (٢) المدني قال:
أراني أنسُ بن مالك الوضوء: أخذ رَكْوةُ (٣) فوضعها على يساره، وصَبّ على
يده اليمنى فغسلها ثلاثاً، ثم أدار الركوة على يده اليمنى، فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً،
ومسح برأسه ثلاثاً، وأخذَ ماءً جديداً لصمَاخه، فقلتُ له: قد مسحتَ أذنيك؟
[ب]
-
وغيره، بإسقاط اثنين من سنده. انتهى.].
[وفي الإصابة - ترجمة زهير بن صُرْد -: أعلّ ابنُ عبد البر - ((الاستيعاب)) ٥ :
٥٢٠ - إسناده بأمر غير قادح، قد أوضحته في ((لسان الميزان)) - (٥٠١١) -. والله
المستعان.].
(١) في ((معجمه الصغير)) (٣٢٢)، و((الأوسط)) (٣٣٦٢)، وما بين المعقوفين
منهما ومن نسخة أ، والحديث في ترجمة جعفر بن حميد شيخ الطبراني في ((تاريخ))
ابن عساكر. وينظر ((مختصر ابن منظور)) له ٥٨:٦، وجعفر وجدُّه عمر: لا يعرفان،
فالحديث - كما يقال - ضعيف لجهالتهما، وعمرُ الذي ذكره ابن حبان في ((ثقاته))
١٥٣:٥، ١٧١:٧، رجل آخر غيره، لا كما في («مجمع الزوائد)) ٢٣٤:١.
(٢) ((بن مفضَّل)): من النسخ إلا ج، ففيها: مغفل، ولم أره هكذا في مصدر
آخر، إنما جاء كما أثبتُّه في معجميْ الطبراني، و((مجمع البحرين)) (٤١٦)، و((مجمع
الزوائد)» ٢٣٤:١، و((مختصر)) ابن عساكر، وسُمي ((معقل)) في ((الميزان)) (١٤٢٨)،
و((اللسان)) (١٨٣٧)، أول الترجمة وآخرها، ثم في (٥٥٧٧) منه.
(٣) ((الرَّكوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء، والجمع: رِكاء)) قاله ابن الأثير
٢٦١:٢.

٥٩٩
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
الثاني : القرب من إمام من أئمة الحديث وإِنْ كثُر .
[ش]
فقال: يا غلام إنهما من الرأس(١)، ليس هما من الوجه، ثم قال: يا غلامُ هل
رأيتَ - أو: فهمتَ - أو أعيدُ عليك؟ فقلت: قد كفاني [وقد فهمتُ]، قال:
هكذا رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ. هذا حديث غريب من هذا
الوجه.
قال الذهبي في ((الميزان))(٢): انفرد به الطبراني عن جعفر، وعمرُ بن أبان لا
یدری من هو، قال: والحديث ثمانيّ لنا على ضعفه.
(الثاني: القرب من إمام من أئمة الحديث) كالأعمش، وهُشَيم، وابن
جريج، والأوزاعي، ومالك، وشعبة، وغيرهم، مع الصحة أيضاً (وإنْ كثُر
-
(١) [قوله: إنهما من الرأس ... إلخ: أخذ بظاهر هذا الحديث مالك
وأحمد، وقال الشافعي - ((الأم)) ١ : ٢٧ -: هما عضوان مستقلان، ومَسْحهما سنةٌ
على حيالها، وليسا من الوجه ولا من الرأس، وتأوّل أصحابه الحديثَ على وجهين :
أحدهما : أنهما يُمسحان مع الرأس تبعاً له، والآخر: يُمسحان كما يمسح الرأس،
ولا يُغسلان كما يُغسل الوجه، وإضافتهما إلى الرأس تشبيه وتقريب، لا إضافةٌ
تحقيق، كحديث: ((مولى القوم منهم))، أي: في حكمهم في النصرة والموالاة، دون
النسب واستحقاق الإرث.].
(٢) في ترجمة جعفر بن حميد (١٤٢٨)، وقال في ترجمة عمر بن أبان
(٥٧٣٥): ((لا يعرف، وعنه شيخ الطبراني: جعفر بن حميد، فمن جعفر؟)).
وقوله ((ثماني لنا)): هكذا في النسخ، و((الميزان))، إلا نسخة أ، ز ففيهما: ثماني له،
أي: للذهبي، فالمعنى واحد، لكن علّق الشيخ ابن العجمي لتصحيح النص بقوله:
[عبارة ((الميزان)) - (١٤٢٨) -: والحديث ثمانيّ لنا.].

٦٠٠
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
بعده العدد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثالث : العلوّ بالنسبة إلى روايةِ أحدِ الكتبِ الخمسة أو غيرِها من
المعتمدة، وهو ما كثُر اعتناء المتأخرين به من الموافقة، والإبدال،
والمساواة، والمصافحة.
[ش]
بعده العدد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم).
(الثالث : العلوّ) المقيَّد (بالنسبة إلى روايةِ أحدِ الكتبِ الخمسة أو غيرِها
من) الكتب (المعتمدة) وسماه ابن دقيق العيد (١): علوّ التنزيل، وليس بعلوّ
مطلق، إذِ الراوي لو رَوَى الحديث من طريقِ كتابٍ منها، وقعَ أنزلَ مما لو رواه
من غيرِ طريقها، وقد يكون عالياً مطلقاً أيضاً. (وهو ما كثُر اعتناء المتأخرين به
من الموافقة، والإبدال، والمساواة، والمصافحة)(٢).
[ب] -
(١) في ((الاقتراح)) ص ٢٦٩.
(٢) رغبة في تيسير وضوح هذه الأقسام الأربعة في ذهن الطالب، أُعجِّل بتقريب
معانيها وتعاريفها بالمثال، فأقول معتمدًا على ((شرح النخبة)) من حيث الجملة:
أ - روى البخاري حديثًا عن قتيبة، عن مالك، وعدد رجاله سبعة، والبخاري هو
الثامن، فلو رواه الحافظ ابن حجر من طريق أبي العباس السرَّاج تلميذ البخاري، عن
قتيبة، عن مالك، فيكون السراج هو الثامن، ويكون ابن حجر كأنه التقى واتفق في
هذا الحديث مع البخاري، والعدد هو هو، فهذه موافقة.
ب - وإذا حصل اللقاء بين ابن حجر والبخاري في شيخ الشيخ - وهو مالك -
سُمِّي حينئذٍ: بدلاً، أي: تمّ اللقاء بينهما في شيخ الشيخ، بدلاً من أن يكون في
الشيخ.
ج - أما إذا روى البخاري حديثًا بإسناد سُبَاعي - فهو نازل بالنسبة لرجال
=