النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث ويبدأ بالسماع من أرجح شيوخ بلده إسناداً وعلماً وشهرة وديناً وغيرِه، فإذا فرغ من مهماتهم فليرحل على عادة الحفاظ المبرِّزين. [ش] وقال الشافعي(١): لا يَطلب هذا العلم مَن يطلبه بالتملل، وغنى النفس، فيفلح، ولكنْ من طلبه بذلَّة النفس، وضيق العيش، وخدمة العلم، أفلح. (ويبدأ بالسماع من أرجح شيوخ بلده إسناداً وعلماً وشهرة وديناً وغيرِهِ) إلى أن يفرغ منهم، ويبدأ بأفرادهم، فمن تفرد بشيء أخذه عنه أولاً، (فإذا فرغ من مهماتهم) وسماع عواليهم (فليرحلْ) إلى سائر البلدان (على عادة الحفاظ المبرِّزين) ولا يرحل قبل ذلك. قال الخطيب(٢): فإن المقصود بالرحلة أمران، أحدهما: تحصيل علوّ الإسناد وقِدمَ السماع، والثاني: لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة منهم، فإذا كان الأمران موجودين في بلده، ومعدومين في غيره، فلا فائدة في الرحلة، أو موجودين في كل منهما فليحَصِّل حديث بلده ثم يرحل. قال: وإذا عزم على الرحلة فلا يترك أحداً في بلده من الرواة إلا ويكتب [ب] (١) رواه الرامهرمزي (٨٤)، ومن طريقه عياض في ((الإلماع)) ص ٥٢، والبيهقي في ((المدخل)) (١٥٩٣)، وابن عبد البر في ((جامعه)) (٦٠٢). وقوله: ((بالتملل)): هكذا في النسخ، وهكذا في مصدر الشارح: ((شرح الألفية)) ص ٢٩٦، وعند الرامهرمزي وعياض: من يطلبه بالتملك، وعند البيهقي: بالملك، وعند ابن عبد البر: بالمال. و((غنى النفس)): في و: عزّ النفس، ويؤيدها: ((بذلّة النفس)). ومعنى: ((التملل)) هنا في هذا السياق: المَلَل وعدم النشاط، فالألفاظ الثلاثة سائغة محتملة، وانظر: ((النكت الوفية)) ٣٥٢:٢. (٢) ((الجامع)) (١٧٣٨، ١٧٤١). ٥٤٢ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث [ش] عنه ما تيسر من الأحاديث، وإن قلَّتْ، فقد قال بعضهم: ضيِّع ورقة ولا تضيِّعَنَّ شيخاً(١). قلت(٢): ليس المراد تكثير الشيوخ بالصيت العاطل، وإنما المراد تحصيل الفائدة عند من كانت. والأصل في الرحلة: ما رواه البيهقي في ((المدخل))، والخطيب في (الجامع))(٣) عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن جابر بن عبد الله قال: بلغني - (١) المصدر السابق (١٧٤٣)، ولفظه: سمعت بعض أصحابنا يقول: ضيِّع ورقة ... . (٢) هذه المقولة من نسخة د، و، ومعنى كلمة ((العاطل)): الخالي من الفائدة. (٣) ((المدخل)) (٦٤٣)، وهو في ((الجامع)) (١٧٤٨). واقتصار الشارح على عزوه إلى هذين المصدرين فيه إبعاد شديد، فهو في ((المسند)) ٤٩٥:٣، و((الأدب المفرد)) (٩٧٠)، وغيرهما كثير، وأشار إلى قصة الرحلة منه: البخاري في أول ((صحيحه)) تحت الباب ١٩: الخروج في طلب العلم، بصيغة الجزم، قال: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس. أما في كتاب التوحيد: فأشار إليه بصيغة غير الجزم تحت الباب ٣٢ فقال: ويذكر عن جابر، عن عبد الله بن أنيس - مرفوعًا - قال: ((يَحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد، كما يسمعه من قَرُب)). ووجه ذلك: أنه أشار إليه بصيغة الجزم في سياق فضيلة الرحلة في طلب العلم، ومرّضه في سياق إثبات الصوت لله تعالى، كما قال الحافظ في ((الفتح)) ١٧٤:١، من = ٥٤٣ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث [ش] حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمعه، فابتعتُ بعيراً فشددتُ عليه رحلي، وسِرتُ شهراً، حتى قدمت الشام، فأتيت عبد الله بن أُنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فأتاه فقال: جابر بن عبد الله؟ فأتاني فقال لي، فقلت: نعم، فرجع فأخبره، فقام يطأ ثوبه حتى لقيني، فاعتنقني واعتنقتُه، فقلت: حديثٌ بلغني عنك سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القِصاص، لم أسمعه، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يَحشُرُ الله العباد - أو قال: الناس - عُراةً غُرْلاَ بُهْماً))، قلنا: ما بُهْماً؟ قال: (ليس معهم شيء، ثم يناديهم رُّبهم بصوتٍ يسمعه مَنْ بَعُدَ، كما يسمعه من قَرُب: أنا الملك، أنا الديّان، لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحدٍ من أهل النار عنده مَظْلِمة حتى أُقِصَّه منه، حتى اللطمة))، قلنا: كيف وإنما نأتي الله عُراة غُرْلاً بُهماً؟ قال ((بالحسنات والسيئات)). واستدل البيهقي(١) أيضاً برحلة موسى إلى الخَضِر، وقصتُه في الصحيح. [ب] - أجل أن في إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه كلام، فلا يعتمد عليه في باب العقائد، وإن صرّح الحافظ بتحسين الحدیث. لكن عزا الحافظ الحديث في هذا الموضع، والموضع الثاني ١٣ :٤٥٧ إلى أبي يعلى، ولم أره في المطبوع، ولا ذكره الحافظ في ((المطالب العالية))، ولا البوصيري في ((إتحاف الخيرة))، والله أعلم. (١) في ((المدخل)) (٤٧٦). وبهذه القصة افتتح الخطيب كتابه ((الرحلة)). = ٥٤٤ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث [ش] ورَوى أيضاً (١) من طريق عياش بن عباس، عن واهب بن عبد الله المَعافِري قال: قدم رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار على مَسْلَمة ابن مُخَلَّد، فألفاه نائماً، فقال: أيقظوه، قالوا: بل تنزل حتى يستيقظ، قال: لست فاعلاً، فأيقَظوا مَسلمة له، فرحّب به وقال: انزِل، قال: لا، حتى ترسل إلى عقبة بن عامر لحاجةٍ لي إليه، فأرسل إلى عقبة فأتاه، فقال: هل سمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من وجد مسلماً على عورة فستره، فكأنما أحيا موؤودة مِن قبرها»؟ فقال عقبة: قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. (ت) وقول الشارح ((في الصحيح)) أي: في الحديث الصحيح، لا يريد: ((صحيح)) البخاري فقط، فهو في الصحيحين: البخاري (١٢٢)، ومسلم ٤: ١٨٤٧ (١٧٠) من حديث ابن عباس، عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنهم. (١) في ((المدخل)) (٤٨٠)، والخبر رواه أيضاً يعقوب بن سفيان في ((المعرفة)) ٥١٠:٢، ومن طريقه الخطيب في ((تالي تلخيص المتشابه)) (٩)، ولم يسمِّ الصحابيَّ الراحل، وهو أبو أيوب الأنصاري، كما جاء في رواية أحمد ١٥٣:٤، ١٥٩. وبه جزم ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله في ((مجلسه)) الذي أفرده لهذا الحديث، وهو مطبوع ضمن مجموع فيه عدّة رسائل له، من ص ٢٠٣ - ٣٣٧، قال ذلك ص ٢١٨، اعتمادًا على رواية الإمام أحمد. قلت: أما رواية الطبراني في ((الأوسط)) (٨١٣٣): فهي مشابهة لرواية أحمد، وفيها رحلة جابر بن عبد الله إلى مسلمة بن مُخَلَّد، ولا ذكر فيها لعقبة بن عامر، لذلك كان احتمال أن يكون الراحل في الخبر الذي ساقه الشارح: احتمالاً ضعيفًا، لعدم ذكر عقبةَ فيه. والله أعلم. ٥٤٥ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث ولا يحملنَّه الشَّرَه على التساهل في التحمل، فيخلّ بشيء من شروطه. [ش] وسأل عبد الله بن أحمد أباه عمن طلب العلم: تَرَى له أن يلزم رجلاً عنده علم، فيكتبَ عنه، أو ترى له أن يرحل إلى المواضع التي فيها العلم، فيسمعَ منهم؟ قال: يرحلُ يكتبُ عن الكوفيين، والبصريين، وأهل المدينة، ومكة، يُشَامُّ الناس يسمعه منهم(١). وقال ابن معين: ((أربعة لا تُؤْنِس منهم رشداً)، وذكر منهم: ((رجلاً يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث))(٢). وقال إبراهيم بن أدهم: إن الله يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث(٣). (ولا يحملنَّه الشَّرَه) والحرص (على التساهل في التحمل، فيخلِّ بشيء من شروطه) السابقة، فإن شهوة السماع لا تنتهي، ونَهْمة الطلب لا تنقضي، والعلم [ب] (١) الخبر في ((الرحلة)) للخطيب (١٢). وفعل ((يُشامُ)): مفاعلة، من: شامٌ يُشَامِ، أي: يتعرّف على علماء العالم الإسلامي، وما عندهم من علوم وآداب، ليجمع ما عندهم إلى ما عند علماء بلده، فيكون بالرِّحلة، كالنَّحلة، تجمع من أزاهير الحدائق المختلفة ورياحينها كلَّ طيِّب، ثم تقدمه للناس عسلاً شهيًّا، وعلمًا نافعًا، فيه شفاء للناس. (٢) من ((الجامع)) للخطيب (١٧٤٧)، و((الرحلة)) له (١٤)، والمذكور هو آخر الأربعة، وأول الكلام: ((حارس الدرب، ومنادي القاضي، وابن المحدِّث، ورجل يكتب في بلده ... ))، وهي كليات قد تنخرم، خاصة الثالث والرابع. (٣) أسنده إليه الخطيب في ((الرحلة)) (١٥)، و((شرف أصحاب الحديث)) ص٥٩. ٥٤٦ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث وينبغي أن يستعمل ما يسمعه من أحاديث العبادات والآداب فذلك زکاة الحدیث، وسبب حفظه. [ش] كالبحار التي يتعذَّر كيلُها، والمعادنِ التي لا ينقطع نَيلها(١). أخرج المروزي في ((كتاب العلم))(٢)، قال: حدثنا ابن شعيب بن الحَبْحاب، حدثني عمّي صالح بن عبد الكبير، حدثني عمّ أبو بكر بن شعيب، عن قتادة قال: قلت لشعيب بن الحبْحاب: نزل عليك أبو العالية الرِّياحي، فأقللتَ عنه الحديث! فقال شعيب: السماع من الرجال أرزاق. (وينبغي أن يستعمل ما يسمعه من أحاديث العبادات والآداب) وفضائل الأعمال (فذلك زكاة الحديث، وسبب حفظه) فقد قال بشرٌ الحافي: يا أصحاب الحديث: أدُّوا زكاة هذا الحديث، اِعمَلوا من كل مئتيْ حديث بخمسة أحاديث(٣). (١) هذا من كلام الخطيب في ((الجامع)) (١٨٠٣). (٢) المروزي: هو الإمام الحافظ الثقة، أبو بكر أحمد بن علي المروزي (٢٠٢ - ٢٩٢) رحمه الله، صاحب ((مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه))، ولم يطبع غيره من تراثه، وشيخه: هو عبد القدوس بن محمد بن عبد الكبير بن شعيب بن الحَبْحاب، كما جاء في رواية ابن عدي للخبر في ((الكامل)) ٣٩:٤، ومنها صوّتُ كلمة (عليك) من قول قتادة لشعيب: نزل عليك، مع اتفاق النسخ على: نزل عليَّ. ويبدو أن قول قتادة هذا لشعيب كالمنكر عليه، يقول له: إنك أقللتَ الرواية عن أبي العالية، أما أنا فأكثرت عنه، فرواية قتادة عن أبي العالية في الكتب الستة، ورواية شعيب عنه في ((مراسيل)) أبي داود فقط، حسب رموز المزي. (٣) الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) ص ١١٧، و((الجامع)) (١٨٤)، = ٥٤٧ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث [ش] وقال عمرو بن قيس المُلاَئي: إذا بلغك شيء من الخَيْرِ فاعملْ به ولو مرةً، تكن من أهله(١). وقال وكيع: إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به (٢). وقال إبراهيم بن إسماعيل بن مجمّع: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به(٣). وقال أحمد بن حنبل: ما كتبت حديثاً إلا وقد عملت به، حتى مرّ بي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، وأعطى أبا طيبة ديناراً، فاحتجمتُ وأعطيت ٢(٤) لحجام دينارا . [ب] ورواه قبله (١٨٣) وفي آخره: إذا سمعتم الحديث، فما كان في ذلك من عمل أو صلاة أو تسبيح، استعملتموه. وبشر الحافي هذا: هو الذي وصفه الذهبي في ((السير)) ٤٦٩:١٠: بالإمام العالم المحدث الزاهد الرباني القدوة شيخ الإسلام (١٥٢ - ٢٢٧) رحمه الله تعالى، ونقل عن الدارقطني قوله فيه: زاهد جبل ثقة، ليس يروي إلا حديثًا صحيحًا. (١) ((الجامع)) أيضًا (١٨٥)، و((الخير)) هكذا في ب، د، و، ز، ط، و((الجامع))، وفي النسخ الأخرى: الخَبَر. (٢) ((جامع)) ابن عبد البر (١٢٨٦، ١٩٧٩). (٣) ((جامع)) الخطيب (١٨٥٢)، و((اقتضاء العلم العمل)) ص ٢١١، رواه وكيع، عن إبراهيم هذا. (٤) هذا القول في ((الجامع)) للخطيب أيضًا (١٨٧)، ومن طريقه ابن الجوزي في (مناقب أحمد)) ص ١٧٦ . = ٥٤٨ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث فصل : وينبغي أن يعظِّم شيخه ومن يَسمعُ منه، فذلك من إجلال العلم، وأسباب الانتفاع. [ش] (فصل: وينبغي) للطالب (أن يعظُّم شيخه ومن يَسمع منه، فذلك من إجلال العلم وأسباب الانتفاع) به، وقد قال المغيرة: كنا نهابُ إبراهيم كما نهاب الأمير(١). [ب] لكن الطرف المرفوع منه، وهو احتجامه صلى الله عليه وسلم، دون تسميته، وإعطاؤه دينارًا للحجام، رواه الطبراني في ((الكبير)) ١١ (١١٩٣٤)، و((الأوسط)) (٧٨٣٤) عن عكرمة، عن ابن عباس، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) ٣٩٥:١ ترجمة حبيب بن الزبير، ورواه أبو داود مرسلاً (١٨٤) من طريق حبيب بن الزبير، عن عكرمة. ورواه البخاري في مواضع أولها (٢١٠٢)، ومسلم ١٢٠٤:٣ (٦٢) عن أنس، وعندهما: اسم الحجام: أبو طيبة، وأن أجْره صاع أو صاعان من تمر، وأمر صلى الله عليه وسلم أهله أن يخففوا عنه من خراجه. ثم روياه عن ابن عباس: البخاري في مواضع أولها (١٨٣٥)، ومسلم (٦٥) من حديث ابن عباس، وليس فيه تسمية ولا مقدار. هذا، وكُتب على حاشية ب: ((قال شيخنا - ؟ -: وقد قرأ الإمام أحمد حتى وصل لكتاب العتق، ثم سكت عن القراءة عاماً، ثم قرأ، فسئل عن ذلك، فاعتذر بأنه لم یکن یملك ثمن رقبة، حتی ملکه وعتقها». (١) إبراهيم: هو النخعي، والمغيرة: هو ابن مِقْسَم الضّبي، أحد الثقات. وقوله المذكور: رواه الدارمي في ((سننه)) (٤٠٨)، وهو في تاريخ ابن معين رواية الدوري ١٦:٢ (٢٥٦٥). ٥٤٩ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث [ش] وقال البخاري: ما رأيت أحداً أوقرَ للمحدثين من يحيى بن معين (١). وفي الحديث: ((تواضعوا لمن تَعَلّمون منه))، رواه البيهقي مرفوعاً من حديث أبي هريرة وضعفه، وقال: الصحيح وقفه على عمر(٢). (١) ((الجامع)) للخطيب (٢٩٤). (٢) هذا طرف من الحديث، وهو - كما أشار البيهقي - روي مرفوعًا، وموقوفًا. فالمرفوع: روي من حديث عمر، وابنه عبد الله، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري. فحديث عمر: رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٣٤٢:٦ من طريق عبد المنعم بن بشير، وهو متروك متهم. وحديث ابنه عبد الله: رواه عياض في ((الإلماع)) ص ٤٧، وفي إسناده محمد بن عبد الملك الأنصاري، اتهمه أحمد وأبو حاتم بالوضع والكذب، كما في ((الجرح والتعديل)) ٨(١٥). وحديث أبي هريرة: رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٦١٨٤)، والخطيب في ((الجامع)) (٨١٨)، و((آداب الفقيه والمتفقه)) (٨٩٨)، وفي إسناده عباد بن كثير، وهو متروك، وعلَّقه عليه البيهقي في ((المدخل)) بعد (١٧٠٤). وحديث أبي سعيد: رواه ابن عبد البر في ((الجامع)) (٨٠٣) وفيه عبد المنعم بن بشير أيضًا. أما الموقوف: فرواه وكيع في ((الزهد)) (٢٧٥)، وعنه أحمد في ((الزهد)) أيضًا (١٤٩)، وابن عبد البر في ((الجامع)) (٨٩٣)، والبيهقي في ((المدخل)) (١٦١٩، ١٧٠٤)، والخطيب في ((الجامع)) (٤٢) من عدة وجوه مختلفة إلى عمر، ثم علقه ابن = ٥٥٠ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث [ش] وأورد(١) في الباب حديث عبادة بن الصامت مرفوعاً: ((ليس منا من لم - [ب] عبد البر (٩٤١،. ٩٤٢) دون إسناد على عليّ ومعاذ رضي الله عنهم جميعًا. والطرق الموقوفة على عمر كلها لا تسلم من انقطاع راويه عنه، ومع ذلك فقد صحح البيهقي وقفه على عمر في الموضع الثاني من ((المدخل))، كما نقله الشارح عنه، وهذا كالمسلّم به، لكن معنى تصحيح وقفه: ترجيحه على الرواية المرفوعة، لا تلك الصحة الاصطلاحية. ولو لم يكن له من الشواهد إلا أحاديث فضيلة التواضع لكفى لتصحيحه. وفي بعض رواياته زيادة: ((وتواضعوا لمن تُعلِّمونه))، وهذا خُلُق معروف عند الأئمة، ومن طرائف أقوالهم، ما جاء في ترجمة أبي عبد الرحمن عبد الله بن السريّ الإستَراباذي المتوفى سنة ٣٢٥ رحمه الله، عند الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) ٥٠٩:٧، أنه حدَّث مرة بقول شعبة: ((من كتبتُ عنه حديثًا، فأنا له عبد))، فقال: وأنا أقول: من کتب عني حديثًا فأنا له عبد. (١) أي: البيهقي، وذلك في ((المدخل)) (١٧٣٦)، عن شيخه الحاكم، وهو في (المستدرك)) (٤٢١) وفيه: الزيادي، وهو في ((المسند)) ٣٢٣:٥، والطحاوي في ((شرح المشكل)) (١٣٢٨)، من طريق ابن وهب، عن مالك بن الخير الزِّيادي، عن أبي قَبِيل المعافري، عن عبادة، ووثق الحاكم مالكًا الزيادي، وذكره ابن حبان في ((الثقات) ٧: ٤٦٠، وأبو قَبِيل: اسمه حيي بن هانئء، حديثه حسن، لكن لم يُنَصَّ على سماعه من عبادة، لذلك قال الحاكم: وأبو قبيل تابعي كبير، فكأن الحاكم على مذهب مسلم في إثبات الاتصال مع إمكان اللقاء. ثم، إنه اشتهر زيادة في آخر الحديث: ((ويعرف لعالمنا حقَّه)) ولم أرها مسندةً إلا عند الرافعي في ((تاريخ قزوين)) ١٧٦:٤ من طريق ابن وهب، به. ٥٥١ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث ويعتقدَ جلالةَ شیخه ورجحانَه، [ش] يُجِلَّ كبيرنا، ويرحمْ صغيرنا، ويعرفْ لعالمنا))، رواه أحمد وغيره. وأَسندَ عن ابن عباس(١) قال: وجدتُ عامةَ علم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذا الحيّ من الأنصار، فإنْ كنتُ لآتي بابَ أحدِهم فأَقيلَ ببابه، ولو شئتُ أن يُؤذَن لي عليه لأُذِن لي، لقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولکن کنت أبتغي بذلك طِیبَ نفسه. وأسند (٢) عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: ما دَقَقْت على محدّث بابه قطَّ، لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرَاً لَّهُمْ﴾ [الحجرات: ٥]. (ويعتقدَ جلالةَ شيخه ورجحانَه) على غيره، فقد روى الخليلي في ((الإرشاد))(٣) عن أبي يوسف القاضي قال: سمعت السلف يقولون: من لا يعرِف [ت) (١) البيهقي في ((المدخل)) (١٧٤٤) من طريق يعقوب بن سفيان، وهو في ((المعرفة والتاريخ)) له ٥٤٠:١، وهو في ((العلم)) لأبي خيثمة (١٣٣) بمثل إسناد يعقوب، ورواه الخطيب في ((الجامع)) (٢٢٠) من طريقهما، وفي ((آداب الفقيه والمتفقه)) (١٠٠١) من طريق آخر، وعلقه ابن عبد البر في ((الجامع)) (٥٩٢). (٢) البيهقي في ((المدخل)) (١٧٤٦) لكن بسند غير متصل، وهو عند الخطيب في ((الجامع)) (٢١٨) متصل. (٣) (٢٦٥)، ولفظه من أوله يفيد المراد أكثر، قال: ((قال يحيى بن معين: حدثنا أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم، وكان يقول في دُبُر صلاته: اللهم اغفر لي ولوالديّ، ولأبي حنيفة، وكان يقول: سمعت السلف ... ))، فكان يدعو لأستاذه الخاص أبي حنيفة مع والديه عقب كل صلاة، فهذا من قيامه بحقِّ الشيخ عليه، وهو = ٥٥٢ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث ويتحرّى رضاه، ولا يطوِّلَ عليه بحيثُ يُضْجره، وَلْيستشِرْه في أموره وما يَشتغلُ فيه، وكيفيةِ اشتغاله. [ش] لأستاذه لا يفلح. (ويتحرّى رضاه) ويحذَر سخطه (ولا يطوِّل عليه بحيثُ يُضْجره)، بل يقنع بما يحدثه به. فإن الإضجار يغيِّر الأفهام، ويفسد الأخلاق، ويُحيل الطباع، وقد كان إسماعيل بن أبي خالد من أحسن الناس خُلُقاً، فلم يزالوا به حتى ساء خُلُقُه(١). وروِّينا عن ابن سيرين أنه سأله رجلٌ عن حديث، وقد أراد أن يقوم، فقال: ساءك ما سرَّك مني من خُلُق(٢) إنك إنْ كلَّفْتَني ما لم أُطِق قال ابن الصلاح(٣): ويُخْشَى على فاعل ذلك أن يحرم الانتفاع. قال: وروينا عن الزهري أنه قال: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب. (وَلْيستشِرْه في أموره) التي تَعرِض له (و) في (ما يَشتغلُ فيه، وكيفية اشتغاله) وعلى الشيخ نُصْحه في ذلك. (س) من تمام مراد الأئمة في هذا الفصل. (١) الفِقْرة، والخبر، من ((الجامع)) للخطيب (٤١٣). (٢) في ((الجامع)) أيضًا (٤٠٤)، وانظر الذي بعده. (٣) ((المقدمة)) ص ٢٢٤، و((الجامع)) للخطيب (١٤٢٤)، والسمعاني في ((أدب الإملاء)) (١٩٦)، كلاهما من طريق الإمام أبي بكر بن أبي داود، ثم روى الخطيب عقبه عن ابن عيينة وبشر بن منصور السُّلَمي مثله. ٥٥٣ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث وينبغي له إذا ظَفِر بسماع أن يُرشد إليه غيره، فإن كتمانه لؤْمٌ يقع فيه جهلةُ الطلبة، فيُخافُ على كاتمه عدمُ الانتفاع، فإن من بركة الحديث إفادته، وبنَشْره يَنْمَى . [ش] (وينبغي له) أي: للطالب (إذا ظَفِرٍ بسماعٍ) لشيخ (أن يرشد إليه غيره) من الطلبة، (فإن كتمانه) عنهم (لؤمٌ يقع فيه جهلةُ الطلبة، فيُخافُ على كاتمه عدم الانتفاع، فإن من بركة الحديث إفادتَه) كما قال مالك(١). (وبنَشْرِه يَنْمَى)(٢)، وقال ابن معين(٣): من بَخِل بالحديث وكَتَم على الناس سماعَهم لم يفلح، وكذا قال إسحاق بن راهويه (٤). وقال ابن المبارك(٥): من بخل بالعلم ابتُلِي بثلاث: إما أن يموت فيذهبَ علمه، أو يَنسى، أو يتبع السلطان. وروى الخطيب في ذلك بسنده عن ابن عباس رفعه (٦): ((إخواني تَنَاصحوا [ب] - (١) رواه عنه البيهقي في ((المدخل)) (١٦٦٥)، ولفظه: من بركة الحديث إفادة بعضهم بعضًا، وانظر ((الجامع)) للخطيب (١٤٩٢ - ١٤٩٤). (٢) ((يَنْمَى)): من ج، د، و، ز، ح، ط، وفي غيرها: ((يُمْنُ))، واخترت إثباتها لأن الجملة ((وبنَشره ينمى)) من زيادات المصنف النووي على ابن الصلاح، وقد جاءت في ((إرشاد طلاب الحقائق)) ص ١٧٢ كذلك: ونشره يَنْمَى. (٣) ((الجامع)) للخطيب (٤٧٨) بلفظ: وكَسَر على الناس، والمعنى قريب، والشارح ينقل من ((شرح الألفية)) ص ٢٩٩، وفيه كما هنا. (٤) ((المدخل)) للبيهقي (١٦٦٢). (٥) المصدر السابق (١٦٦٣)، و((الجامع)) للخطيب (٧٢٧). (٦) الخطيب في ((الجامع)) (١٤٩٠، ١٤٩١)، وفي ((تاريخه)) ٣٧٧:٧، ٤٢٥، = ٥٥٤ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث [ش] في العلم، ولا يكتم بعضكم بعضاً، فإن خيانة الرجل في علمه أشدُّ من خيانته في ماله)». (ت) . وفي ((المعجم الكبير)) للطبراني ١١ (١١٧٠١)، وفي إسنادهم عبد القدوس بن حبيب الكَلاعي، وهو متروك متّهم، وكنيته: أبو سعيد، وذكر في الإسناد الثاني لـ ((الجامع)): أبو سعد، وصوابه: أبو سعيد، واقرأ مع إسناد الطبراني الحوار الذي رواه الخطيب في (تاريخه)) ٧٠:٤، وفيه رجوع مطيَّن إلى أنه: أبو سعيد، لا أبو سعد. فتسمية المنذري له في ((الترغيب)) ١٢٣:١، والسيوطي في ((اللآلئ)) ٢٠٧:١ بأبي سعد البقال سعيد بن المرزبان: غيرُ سديد، فالكلاعي متهم بالكذب، والبقال: ضعيف، حتى إن المنذري صدّر الحديث بـ ((عن))، وهي عنده رمز للحديث الصحیح، والحسن، وما یقاربهما، وليس كذلك هنا. نعم، للحديث إسناد آخر عند أبي نعيم في ((الحلية)) ٢٠:٩، وفي إسناده الحسن ابن زياد، والظاهر أنه اللؤلؤي، ويحيى بن سعيد العطار، وهو ضعيف منكر الحديث، والضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس، وهو منقطع بينهما. وأما الحسن اللؤلؤي: فليس حاله كما اشتهر في كتب الرجال، وبعد أن نقل فيه ابن حجر في («اللسان» (٢٢٧٨) ما عند الذهبي، وزاد فيه كل بلية، ختمها بقوله: ((ومع ذلك كلُّه، فأخرج له أبو عوانة في ((مستخرجه))، والحاكم في ((مستدركه))، وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة))، فترك مُتَنفَّسًا ومجالاً للناظر والباحث. وينظر ما كتبته عنه في مقدمة ((مصنف)) ابن أبي شيبة ٦٤:١، ونقلته إلى (دراسات الكاشف)) ص ١٤٨. وأقول أيضًا: نقل الشارح في ((اللآلئ))، عن الدارقطني قوله: ((تفرَّد بالحديث عبد القدوس بن حبيب الكلاعي))، لكن يُستدرك عليه بإسناد أبي نعيم في ((الحلية))، والله أعلم. ٥٥٥ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث وليحذرْ كلَّ الحذر من أن يمنعه الحياء والكِبْر من السعي التامّ في التحصيل، وأخذِ العلم ممن دونه في نَسَب، أو سنّ، أو غيره. [ش] قال الخطيب(١): ولا يَحْرُم الكتم عمن(٢) ليس بأهل، أو لا يقبل الصوابَ إذا أُرشد إليه، أو نحو ذلك، وعلى ذلك يحمل ما نقل عن الأئمة من الكتم. وقد قال الخليل لأبي عبيدة(٣): لا تردّنَّ على مُعجَب خطأ، فيستفيدَ منك علماً ويُتَّخِذَك به عدوّاً. (وليحذرْ كلَّ الحذر من أن يمنعه الحياء والكِبْر من السعي التامّ في التحصيل، وأخذِ العلم ممن دونه في نَسَب، أو سنّ، أو غيره) فقد ذكر البخاري (٤) عن مجاهد قال: لا ينالُ العلم مستحيي ولا مستكِبر. [ب] (١) هذا سبْق ذهن من الشارح رحمه الله، فهو ينقل - كالعادة - من ((شرح الألفية)) للعراقي، والموضوع فيه ص ٢٩٩، وبعد أن ذكر العراقي الحديث المرفوع عن ابن عباس قال: ((وهذا يدل على أن ما رُوي ... ما يخالف ذلك محمول على كتمه عمّن لم يَرَوْه أهلاً، أو على من لم يقبل الصواب إذا أُرشد إليه، أو نحو ذلك، وقد قال الخطيب: من أدّه لجهله فَرْط التِّيه والإعجاب، إلى المحاماة عن الخطأ والمماراة في الصواب، فهو بذلك الوصف مذموم مأثوم، ومحتجِزُ الفائدةِ عنه غير مؤنَّب ولا مَلُوم))، ثم ذكر كلمة الخليل بن أحمد. هذا كله من العراقي، وهو صريح في أن القول الذي نسبه الشارح إلى الخطيب إنما هو للعراقي. قلت: وكلام الخطيب في ((الجامع)) (١٥٠٩) وأسند عقبه كلمة الخليل بن أحمد. (٢) من النسخ، ومع ذلك فقد عدِّلت في ك إلى: على من !. (٣) ((الجامع)) للخطيب (١٥٠٩)، وأبو عبيدة: هو مَعْمر بن المثنى. (٤) علّقه البخاري عليه تحت الباب ٥٠ من كتاب العلم، وهو موصول عند أبي نعيم في ((الحلية)) ٢٨٧:٣. = ٥٥٦ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث [ش] وقال عمر بن الخطاب(١): من رقّ وجهه رقّ علمه. وقالت عائشة(٢): نعم النساءُ نساءُ الأنصار، لم يكنْ يمنعُهنّ الحياءُ أن يتفقهنَّ في الدین. وقال وكيع: لا ينبُل الرجل من أصحاب الحديث حتى يكتب عمن هو فوقَه، وعمن هو مثلُه، وعمن هو دونَه(٣). وكان ابن المبارك يكتب عمن هو دونه، فقيل له، فقال: لعل الكلمة التي كما رواه أبو نعيم ٢: ٢٢٠ من قول أبي العالية، وفيه انقطاع. (١) رواه عن عمر: البيهقي في ((المدخل)) (١٤٩٢)، ورواه قبلُ - من طريق الفَسَوي ١١٣:٣ - عن ابن عمر (١٤٩١)، وقبلُ عن الثوري (١٤٩٠). [وتفسيره: قول بعضهم: من رقّ وجهه عند السؤال، رقّ علمه عند الرجال، ومنه قول علي رضي الله عنه: قُرِنت الهيبة بالخَيبة، والحياء بالحرمان. زركشي - ((النكت)) ٣: ١٢٦٦ (٤٤٩) -. ]. (٢) علَّقه البخاري عليها رضي الله عنها تحت الباب ٥٠ من كتاب العلم، وهو موصول عند مسلم ٢٦١:١ (٦١)، آخر حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية. (٣) رواه الخطيب في ((الجامع)) من وجهين (١٧١٣، ١٧١٤) بلفظ: ((لا يكون الرجل عالمًا حتى يكتب ... ))، ورواه الخطيب في ((تاريخه)) ٢٢٩:٦، عن ابن المبارك من قوله: ((لا يكون الرجل من أصحاب الحديث حتى يكتب ... ))، ومثله في ((الجامع)) (١٧٢٠) عن ابن عيينة، ونقل الحافظ في ((هدي الساري)) ص ٤٧٩ عن البخاري قوله: ((لا يكون المحدث كاملاً حتى يكتب ... ))، فهؤلاء أربعة من كبار أئمة العلم والحديث تواردوا على هذا المعنى. ٥٥٧ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث وليصبرْ على جَفَاء شيخه، وليعتنِ بالمهم، ولا يضيِّع وقته في الاستكثار من الشيوخ لمجرَّد اسم الكثرة. [ش] فيها نَجَاتي لم تقع لي(١). وروى البيهقي (٢) عن الأصمعي قال: من لم يحتملْ ذلَّ التعليم ساعةً، بقيَ في ذلّ الجهل أبداً. وروى أيضاً(٣) عن عمر قال: لا تتعلمٍ العلم لثلاث، ولا تتركْه لثلاث، لا تتعلمْ لتُماريَ به، ولا تُرائي به، ولا تُباهي به، ولا تتركْه حياءً من طلبه، ولا زَهادةً فيه، ولا رضاً بجهالة. (وليصبرْ على جَفَاء شيخه، وليعتنِ بالمهم، ولا يضيِّع وقته في الاستكثار من الشيوخ لمجرَّد اسم الكثرة) وصِيتها، فإن ذلك شيء لا طائل تحته، قال ابن الصلاح: وليس من ذلك قول أبي حاتم: إذا كتبتَ فقمِّشْ، وإذا حدثتَ ففتِّش (٤). [ب] - (١) هكذا في النسخ - إلا: د، و-، و((شرح الألفية)) ص ٣٠٠، و((الجامع)) للخطيب (١٧٢٦) من قول أبي حاتم الرازي، وفي نسخة د، و: كان ابن المبارك كثير الكتابة، فقيل له، فقال، فأفادنا رضي الله عنه أن العلم للعمل، وبعده النجاة إن شاء الله. (٢) هكذا في ((المدخل)) (١٤٨٧)، والطبعة القديمة لـ((الجامع)) لابن عبد البر ١: ٩٩، والمعنى واضح، وفي النسخ: ذلّ التعليم، إلا هـ ففيها: العلم، وهو كذلك في ((الجامع)) لابن عبد البر (٦٠٦): التعليم، ويحتاج إلى تأويل، وأولى منهما ما أثبته. (٣) المصدر السابق (٤١٤)، وهو في ((سنن الدارمي)) (٣٧٧) من كلام لقمان الحکیم. (٤) ((المقدمة)) ص ٢٢٥. وقول أبي حاتم رواه عنه الخطيب في ((الجامع)) = ٥٥٨ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث [ش] قال العراقي(١): كأنه أراد: اكتب الفائدة ممن سمعتها، ولا تؤخر حتى تنظر: هل هو أهلٌ للأخذ عنه أم لا؟ فربما فات ذلك بموته، أو سفره، أو غير ذلك، فإذا كان وقتُ الرواية أو العمل ففتشْ حينئذ، ويحتمل أنه أراد استيعابَ الكتاب، وتَرْك انتخابه، أو استيعابَ ما عند الشيخ وقت التحمل، ويكونُ النظر فيه حال الرواية. قال(٢): وقد يكون قصدُ المحدث تكثيرَ طُرُق الحديث وجمعَ أطرافه، (١٧٢٩)، والرافعي في ((تاريخ قزوين)) ٧٠:٢، لكن رواه الخطيب في ((تاريخه)) ٣٤٤:١، وابن عساكر ١٤:٦٥ من وجه آخر عن ابن معين، ولا يبعد توارد الأئمة علی کلمة کهذه. (١) في ((شرح الألفية)) ص ٣٠٠. (٢) المصدر السابق، ولم أر كلمة أبي حاتم في مصدر أقدم من ((شرح الألفية)). وقد روى الخطيب في ((الجامع)) (١٦٩٨) عن ابن معين قوله: ((أكتبُ الحديث خمسين مرة، فإن له آفات كثيرة)»، هكذا أُقدِّر صواب الكلمة الأولى: أكتبُ، لا: أُكْتبْ، بدليل ما جاء في ((السير)) ٨٤:١١ عنه: ((ولو لم نكتب الحديث خمسين مرة، ما عرفناه)). ثم روى الخطيب بعده عنه أيضًا قوله: ((ولو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه)). وأكثر ما وقفت عليه في هذا الباب: ما جاء في ترجمة إبراهيم بن سعيد الجوهري (ت٢٤٧) أو بعدها، أحدٍ شيوخ الإمام مسلم رحمهما الله تعالى، ففي ((تاريخ بغداد)) ٦١٩:٦: ((أن رجلاً سأله عن حديث لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، = ٥٥٩ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث وليكتبْ وليسمعْ ما يقع له من كتاب أو جزء بكماله، ولا ينتخب، فإن احتاج إليه. [ش] فيكثُر بذلك شيوخه ولا بأس به، فقد قال أبو حاتم: لو لم نكتب الحديث من ستينَ وجهاً ما عَقَلْناه. (وليكتبْ وليسمعْ ما يقع له من كتاب أو جزء بكماله ولا ينتخب) فربما احتاج بعد ذلك إلى رواية شيء منه لم يكن فيما انتخبه، فيندم، وقد قال ابن المبارك (١): ما انتخبت على عالم قط إلا ندمت، وقال: ما جاء من مُنْتَقٍ خير قطُّ. وقال ابن معين(٢): صاحب الانتخاب يندم، وصاحب النُّسخ لا يندم. (فإن احتاج إليه) أي: إلى الانتخاب لكونِ الشيخ مكثراً، وفي الرواية [ب] فقال لجاريته: أخرجي إليَّ الجزء الثالث والعشرين من ((مسند أبي بكر))، فقال له السائل: لا يصح لأبي بكر خمسون حديثًا، من أين: ثلاثة وعشرين جزءاً؟! فقال له: ((كل حديث لم يكن عندي من مئة وجه، فأنا فیه یتیم)) !!. (١) الكلمة الأولى في ((الجامع)) للخطيب (١٥١٢)، والثانية فيه (١٦٢٢). (٢) المصدر السابق (١٦٢٣)، وأثبتُّ ما في النسخ، و((شرح الألفية)) ص ٣٠١، و(«فتح المغيث)) ٣١٤:٣، وينبغي أن تضبط الكلمة الثانية هكذا: النُّسَخ، يعني: أن الذي ينتخب من مرويات الشيخ يندم في يوم ما، أما الذي يكتب النُّسَخَ على وجهها وتمامها فلا يندم. وجاءت هذه الكلمة في ((الجامع)): وصاحب المَشْج لا يندم، والمعنى هنا بعيد، إذِ المَشْج هو الخلط، ولا مناسبة له هنا، لاسيما مع ملاحظة عنوان الباب الذي بوّب به الخطيب هنا، والآثار التي قبل هذا وبعده. ٥٦٠ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث تولاه بنفسه، فإن قَصُر عنه استعان بحافظٍ . فصل : ولا ينبغي أن يقتصر على سماعه و گتْبه دون معرفته وفهمه، .. . [ش] - عسراً، أو كون الطالب غريباً لا يمكنه طول الإقامة: (تولاه بنفسه) وانتخب عواليه، وما تكرر من رواياته، وما لا يجده عند غيره. (فإن قَصُر عنه) لقلّة معرفته (استعان) عليه (بحافظٍ). قال ابن الصلاح(١): ويُعلِّم في الأصل على أول إسناد الأحاديث المنتخبة بخطّ عريض أحمر، أو بصادٍ ممدودة، أو بطاء ممدودة، أو نحو ذلك. وفائدته(٢): لأجل المعارضة، أو لاحتمال ذهاب الفرع، فيرجع إليه. (فصل : ولا ينبغي) للطالب (أن يقتصر) من الحديث (على سماعه وكَتْبه دون معرفته وفهمه)، فيكون قد أتعب نفسه من غير أن يظفر بطائل، ولا حصولٍ في عداد أهل الحديث، وقد قال أبو عاصم النبيل(٣): الرياسةُ في الحديث بلا درايةٍ رياسةٌ نَذْلة. (س) (١) صفحة ٢٢٥ - ٢٢٦ باختصار شديد، وقد ذكر هناك كلّ علامة من هذه، والإمامَ الذي کان يصطلح عليها. (٢) هذه الفائدة من ((شرح الألفية)) ص ٣٠٢. (٣) كما في ((المحدث الفاصل)) (١٦١)، ومن طريقه الخطيب في ((الجامع)) (١٥٩٩). و(نَذْلة)): [بالذال المعجمة، أي: خسيسة.].