النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث وهو من علوم الآخرة. (وهو من علوم الآخرة) المحضة، بخلاف غيره في الجملة(١)، قال أبو الحسن ابن شَبّويه(٢): من أراد علم القبر فعليه بالأثر، ومن أراد علم الخبز فعليه بالرأي. [ش] (١) هذا القيد ((في الجملة)) ضروري، والمعنى معه يحتمل وجهين: يحتمل أن علم الحديث هو في الجملة من علوم الآخرة، أما من حيث التفصيل فبعضُه دون بعض، والدَّخَل دَخَل على بعض أهله، كما دخل على بعض أهل العلوم الأخرى. أو: أن المعنى: أن علم الحديث من علوم الآخرة قولاً واحداً، أما غيره من العلوم فهي من حيث الجملة غير متمخِّضة للآخرة، بل بعضها دون بعض. ورحم الله الشارح ورضي عنه، فقد أنصف العلوم الأخرى، إذْ كلُّ متخصِّص بعلم يرى أنه أهم العلوم، ويريد من طلابه أن يتخصصوا بما مال هو إليه، ويزيد بعضهم على ذلك، فيقلل في نظر طلابه أهمية العلوم الأخرى، وقد نبَّه الإمام حجة الإسلام الغزالي رحمه الله إلى هذه العلّة في أخلاق بعض المدرسين، فقال في ((الإحياء)) ٥٧:١ تحت عنوان: وظائف المرشد المعلِّم: ((الوظيفة الخامسة: أن المتكفَّل - أي المدرس - ببعض العلوم ينبغي أن لا يقبِّح في نفس المتعلم العلوم التي وراءه، كمعلِّم اللغة، إذْ عادته تقبيح علم الفقه، ومعلم الفقه عادته تقبيح علم الحديث والتفسير ... ، ومعلم الكلام ينفّر عن الفقه ... ، فهذه أخلاق مذمومة للمعلمين)). والحق أن كل العلوم من علوم الآخرة إذا ابتُغي بها وجه الله وخدمة الإسلام والمسلمين، وهي كلّها من علوم الدنيا، إذا لم يُبْتغ بها وجه الله تعالى، ونسأل الله العافية. (٢) هو أبو الحسن أحمد بن محمد بن ثابت ابن شَبُّويه المروزي المتوفى سنة ٢٣٠ رحمه الله تعالى، وهو من شيوخ أبي داود، ومن رجال ((سننه)). وقوله المذكور أسنده إليه الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) ص ٧٥، ومراده بعلم الخبز: العلم الذي يُكسِبك العيش. وتحرفت كلمة الخبز في أ، ب، ك = ٥٠٢ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث من حُرمه حُرم خيراً عظيماً، ومن رُزقه نال فضلاً جسيماً. [ش] (من حُرمه حُرم خيراً عظيماً، ومن رُزقه نال فضلاً جسيماً)، ويكفيه أنه يدخل في دعوته صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها))(١). قال سفيان بن عيينة(٢)، ليس من أهل الحديث أحد إلا وفي وجهه نَضْرة، لهذا الحدیث. وقال: ((اللهم ارحم خلفائي))، قيل: ومن خلفاؤك؟ قال: ((الذين يأتون من بعدي يَروون أحاديثي وسنتي [ويعلُّمونها الناس]))، رواه الطبراني وغيره(٣). [ب] إلى: الخبر، بالراء المهملة (١) تقدم تخريجه ٢ : ١٩١ من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه. (٢) أسنده إليه الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) ص ١٩ بلفظ: ((ما من أحد يطلب الحديث إلا وفي ... ))، وفرقٌ بين من يقال فيه: يطلب الحديث، ومن يقال فیه: من أهل الحديث. (٣) ما بين المعقوفين من مصادر التخريج الثلاثة: ((المعجم الأوسط)) للطبراني (٥٨٤٦) عن ابن عباس، وبمثل إسناده عند الرامهرمزي أول ((المحدث الفاصل))، والخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) ص ٣٠، وأبي نعيم في ((أخبار أصبهان)) ٨١:١، والقاضي عياض في ((الإلماع)) ص ١٧، لكن عند هؤلاء الأربعة: عن ابن عباس، عن عليّ رضي الله عنهم. وفي إسنادهم جميعاً أحمد بن عيسى بن عبد الله العلوي، قال عنه الدارقطني في ((الضعفاء والمتروكين)) (٥٣): كذاب، إلا أبا نعيم، فانظر ما يأتي. وعند الخطيب متابع له: هو عبد السلام بن عبيد بن أبي فروة، اتهمه ابن حبان في ((المجروحين)) = ٥٠٣ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث [ب] ١٥٣:٢ بسرقة الحديث، وقال الدارقطني في ((العلل)) في (١٧١٩): ليس بشيء، فلا فائدة من متابعته. ولا يعكِّرِ حالُ الحديث على قول الشارح: ((كأن تلقيب المحدث ... ))، فقد ذكر ابن تيمية هذا الحديث في آخر المجلد الخامس من ((منهاج السنة)) شاهداً على صحة القول: فلان خليفة رسول الله، لكن علَّق صحَّته، كما ذكره في ((مجموع الفتاوى)) ١١٧:١٩ بصيغة التضعيف للاستدلال على أن العلماء والأمراء هم ولاة الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيه بناء حكم شرعي عليه، أو بناء فضيلة عمل ومكرمة. أما طرفه الأخير: ((يروون أحاديثي وسَّتي، ويعلمونها الناس))، فهذا شاهده من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا: ((إن هذا الدين بدأ غريبًا))، ثم قال: هم ((الذين يُحْيون سنتي من بعدي ويعلِّمونها الناس))، رواه الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) ص ٢٣، وابن عبد البر في ((الجامع)) (١٩٠٢)، والبيهقي في ((الزهد الكبير)) (٢٠٥)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٠٥٢، ١٠٥٣)، وفي إسنادهم جميعًا: إسحاق بن إبراهيم الحنّيني، وهو ضعيف، وشيخه كثير بن عبد الله المزني، فيه كلام شديد، إلا أن البخاري وتلميذيه: الترمذي وابن خزيمة - تبعًا له - كانوا يُحسنون الرأي فيه، ومعهم يعقوب بن سفيان، وإبراهيم ابن المنذر الحِزامي، وانظر لزامًا التعليق على ترجمته في ((الكاشف)) (٤٦٣٧)، فهذا الحدیث صالح للاستشهاد به. ومما يفيد ذكره أمران: أولهما: أن الطبراني قال بعد روايته: تفرد به أحمد بن عيسى، وقدَّمت أن الخطيب ذكر له متابعًا، وكأن هذا المتابع هو الذي سوّغ للمنذري أن يذكر الحديث في كتابه ((الترغيب)) ١١٠:١. ثانيهما: أن أبا نعيم روى هذا الحديث في ((أخبار أصبهان)) ٨١:١ تحت ترجمة أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وسُمي في = ٥٠٤ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث [ش] وكأنَّ تلقيب المحدِّث بأمير المؤمنين مأخوذٌ من هذا الحديث، وقد لُقِّب به جماعة، منهم: سفيان، وابن راهويه، والبخاري، وغيرهم(١). (ت) إسناده: أحمد بن عيسى، فقط، لم يسمِّ جدَّ، في حين أن راويه الذي كذبه الدارقطني هو: أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وجاء منسوبًا في رواية الطبراني والرامهرمزي والخطيب: أحمد بن عيسى بن عبد الله العلوي، فافترق عن المترجَم عند أبي نعيم. (١) عمل الشيخ العالم الصالح محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله تعالى رسالة منظومة سماها ((هدية المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث))، ثم كتب شيخنا رحمه الله جزءًا سماه ((أمراء المؤمنين في الحديث))، وزاد أبحاثًا وفوائد على كتابة الشيخ الشنقيطي، وأوصل عددهم إلى ثلاثين إمامًا، ثم زاد من النحويين: الإمام الفراء، وأبا حيان الأندلسي، ومن الفقهاء: أبا إسحاق الشيرازي. ثم ختم بحثه ببيان أن ما قيل: إن الحافظ، والحجة، والحاكم، ألقابٌ تُطلق على من يحفظ كذا مئة ألف حديث: هو قول لا يصح، ونبّه رحمه الله في هذا البحث إلى أن هذا اللقب - وغيره - لا يقبل إلا ممن هو أهل لمنح هذا اللقب. كما نبّه جزاه الله خيراً إلى أن هذا اللقب إنما هو من ألقاب الرواية الدالة على سعة الحفظ والاطلاع للسنة، أي: ليس من ألقاب الدراية وعلوّ المقام في الإتقان والتثُّت والوثاقة، فابن إسحاق: مذكور في أوائل من يُطلق عليه هذا اللقب، ومع ذلك فحاله معروفة من حيثُ العدالةُ والجرح. فحال مراتب الرواية، كمن يحمل الشهادات الدراسية في أيامنا: الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، والجامعية، والماجستير، والدكتوراة، فلا يلزم من وصفنا لرجل بأنه دكتور أن يكون ثقة ثبتًا حجَّةً متقنًا، فكثيراً ما يكون كافرًا، أو مسلمًا = ٥٠٥ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث فعلى صاحبه تصحيحُ النية، وتطهيرُ قلبه من أغراض الدنيا، واختلف في السنّ الذي يتصدَّى فيه لإسماعه، [ش] (فعلى صاحبه تصحيحُ النية) وإخلاصُها، (وتطهيرُ قلبه من أغراض الدنيا) وأدناسها، كحبّ الرياسة ونحوها، وليكنْ أكبرَ همّه نشرُ الحديث والتبليغُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأعمال بالنيات، وقد قال سفيان الثوري: قلت لحبيب بن أبي ثابت: حدّثنا، قال: حتى تجيء النية. وقيل لأبي الأحوص سلاَّم بن سُليم: حدّثنا، فقال: ليس لي نية، فقالوا له: إنك تُؤجر، فقال: يُمَنُّونِيَ الخيرَ الكثيرَ وليتَني نجوتُ كَفافاً لا عليَّ ولا لِيَا وقال حماد بن زيد: أستغفر الله! إن لذكْرِ الإسناد في القلب خُيلاء(١). (واختلف في السنّ(٢) الذي) يَحسُن أن (يتصدَّى فيه لإسماعه)، فقال ابن -[二] فاسقًا !! وهكذا نقول في: الراوي، المسند، المفيد، المحدث، الحافظ، أمير المؤمنین، فيهم الثقات العدول الأتقياء، وفيهم دون ذلك بقليل أو كثير. (١) الأخبار الثلاثة في ((الجامع)) للخطيب، وأرقامها حسب ترتيب ذكرها هنا: قول الثوري لحبيب (٦٩٨)، وقول أبي الأحوص (٦٩٤)، وقول حماد بن زيد (٧٧٣)، ولكن لفظه: قال أيوب العطار: سمعت بشر بن الحارث يقول: حدثنا حماد ابن زيد، ثم قال: أستغفر الله، إن لذكر الإسناد في القلب خيلاء. فهو قول بشر بن الحارث المعروف ببشر الحافي، إمام عصره في الزهد (١٥٢ - ٢٢٧) رحمه الله، حين أراد الرواية عن حماد بن زيد. (٢) كلمة (السنّ) هنا مؤنثة، لكن النووي - ومن قبله ابن الصلاح وعياض - = ٥٠٦ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث [ش] خلاّد(١): إذا بلغ الخمسين، لأنها انتهاء الكهولة، وفيها مُجتمَع الأشُدّ، قال: ولا ينكر عند الأربعين، لأنها حدّ الاستواء ومنتهى الكمال، وعندها ينتهي عزم الإنسان وقوّته، ویتوفّر عقله ویجود رأيه. وأنكر ذلك القاضي عياض وقال(٢): كم من السلف فمَن بعدهم مَن لم ينتهِ إلى هذا السن ونَشَر من الحديث والعلم ما لا يحصى، كعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وجلس مالك للناس ابنَ نیفٍ وعشرين، وقيل: ابنَ سبعَ عشْرة سنة، والناس متوافرون وشيوخُه أحياء: ربيعة، والزهري، ونافع، وابن المنكدر، وابن هُرْمُز، وغيرهم، وكذلك الشافعي، وأئمةٌ من المتقدمين والمتأخرين. وقد حدّث بُندار وهو ابن ثماني عشرة(٣)، وحدَّث البخاري وما في وجهه شعرة، وهلُمّ جرَّ (٤). [ب] ضمَّنوها معنى: العمر، فقال النووي: السنّ الذي، ولم يقل: السنّ التي، وسيأتي بعد قليل: من لم ينته إلى هذا السن، و: قبل السنّ المذكور. (١) الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (٢٨٧). (٢) «الإلماع)) ص ٢٠٠ - ٢٠٤ باختصار. (٣) [قوله ابن ثماني عشرة: قال المؤلف في ((الهَمْع)) ومتنه - ٣: ٢٥٧ -: وياء و (ثماني عشرة)» تُفتح على الأجود، لخفَّة الفتح على الياء، أو تسكَّن كسكونها في مَعْدِي كَرِبَ، أو تحذف، لأنها حرف زائد، وليست من سِنْخ الكلمة، وحذفُها بعد إبقاء كسرٍ قبلها دلالةٌ عليها، أو بعد فتح للتركيب. انتهى.]. (٤) ((الجامع)) للخطيب (٧٢٩، ٧٣١). وكتب العلامة ابن العجمي رحمه الله = ٥٠٧ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث [ش] وقال ابن الصلاح(١): ما قاله ابن خلاد محلُّه فيمن يؤخَذ عنه الحديث لمجرد الإسناد، من غير براعة في العلم، فإنه لا يُحتاج إليه لعلوّ إسناده إلا عند [ب] هنا ما نصه : [قال الجوهري -٢: ٦١١ -: تقول: كان ذاك عام كذا، وهلم جراً إلى اليوم. انتهى. قال في ((المصباح)) - ج ر ر -: مأخوذ من: أَجْرَرْتُ الدَّيْن إذا تركتَه باقياً على المديون. انتهى. قال ابن الأنباري - ((الزاهر)) ١: ٣٧١ -: انتصب ((جراً)) على المصدر، أو الحال، أو التمييز. قال في ((التقريب)): وكونه تمييزاً فيه نظر، وقد توقف ابن هشام في رسالة له في عربية هذه الكلمة. فلتراجع مع تعقب الداعي لبعض ما فيها .]. قوله: ((الداعي)): يعني نفسه، رحمه الله، فيستفاد منه تأريخ هذه الكلمة الدارجة على ألسنة العامة من الناس، يقول أحدهم في ختام رسالته لصديق له - مثلاً -: وکتبه الداعي فلان، أو: کتبه الداعي لکم بالخير فلان، يعني نفسه. كما يستفاد من هذا النص أن للشيخ ابن العجمي رحمه الله كتابًا على رسالة ابن هشام هذه. وينظر أول رسالة الإمام ابن عابدين ((الفوائد العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة)) المطبوعة آخر المجلد الثاني من مجموع رسائله، فقد أشار إلى كلام ابن هشام هذا. وسيأتي تعليق آخر للشيخ ابن العجمي على هذا التعبير (هلم جرًا)، انظره ٥: ٥٨٣. (١) ص ٢١٣، وكذلك القول الذي بعده. وقوله هذا قاله للتوفيق بين كلام الرامهرمزي وعیاض. ٥٠٨ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث السنّ والصحيح أنه متى احتيج إلى ما عنده جلس له في أيّ سنّ كان، وينبغي أن يُمسك عن التحديث إذا خشي التخليط بهرمٍ، أو خَرَف، أو عَمَى، ويختلف ذلك باختلاف الناس. [ش] المذكور، أما مَن عنده براعة فإنه يؤخذ عنه قبل السنّ المذكور. قال: (والصحيح أنه متى احتيج إلى ما عنده جلس له في أيّ سنّ كان). (وينبغي أن يُمسك عن التحديث إذا خشي التخليط بهرم أو خَرَف أو عَمَى، ويختلف ذلك باختلاف الناس) وضبطه ابن خلّد بالثمانين، قال(١): [ب] - - (١) ((المحدث الفاصل)) (٢٨٩)، ومثّل بأربعة حفاظ، كلهم من شيوخه: الحضرمي، وموسى، وعبدان، وأبي خليفة. فالحضرمي: هو المعروف بلقب: مطيّن، وهو أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي (٢٠٢ - ٢٩٧) رحمه الله. وأما موسى: فهو أبو عمران موسى بن سهل الجَوْني البصري البغدادي، قال في ((السير)) ٢٦١:١٤: ((الإمام المحدث الثقة الرحال، عُمِّر دهرًا، مات في رجب سنة سبع وثلاث مئة)). وأما عبدان: فهو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن موسى الأهوازي، الحافظ الحجة العلامة، قال الذهبي في ((السير)) ١٤: ١٧٢ عاش تسعين سنة وأشهرًا، وكانت وفاته سنة ست وثلاث مئة، فتكون ولادته نحو سنة ٢١٥، رحمه الله. وأما أبو خليفة: فهو الفضل بن الحُبَاب الجُمَحي، قال في ((السير)) ٧:١٤: ((الإمام العلامة المحدث شيخ الوقت، ولد سنة ست ومئتين، وعاش مئة عام سوى أشهر))، ولما ذكره الرامهرمزي قال: ((لم أر بفهم أبي خليفة وضبطه بأسًا مع سِنّه)). ٥٠٩ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث [ش] والتسبيح والذكر وتلاوة القرآن أولى به، فإنْ يكن ثابتَ العقل مجتمعَ الرأي فلا بأس. فقد حدَّث(١) بعدها أنس، وسهل بن سعد، وعبد الله بن أبي أوفى، في آخرین. ومن التابعين: شريح القاضي، ومجاهد، والشعبي(٢)، في آخرين. ومن أتباعهم: مالك، والليث، وابن عيينة، وقال مالك: إنما يخرف الكذابون(٣). وحدث بعد المئة من الصحابة (٤): حكيم بن حزام، ومن التابعين: شَريك [ب] - (١) الأئمة الآتي ذكرهم: من كلام القاضي عياض في ((الإلماع)) ص ٢٠٤، فما بعدها، وبعضهم من ابن الصلاح ص ٢١٥ - ٢١٦. (٢) كذا في النسخ، وكذا في مصدر الشارح: ((شرح الألفية)) للعراقي ص ٢٨٦، وغالب ظني أنه تحريف، صوابه: السَّبيعي، فهو المذكور في كلام عياض، والتمثيل به أولى، لتقدُّم سنّه، عُمِّر ستًا وتسعين سنة، أما الشعبي، ففي بلوغه الثمانين اختلاف، قيل عُمِّر ٧٩ سنة، وقيل: ٨٢. (٣) [خَرِف الرجلُ: من باب تعب، فَسَد عقله لكبره، فهو خرِفٌ.]. (٤) ذَكَر حكيمَ بن حزام: العراقيُّ في ((شرح الألفية)) ص ٢٨٦، وأما شريك: فذكره عياض والعراقي، لكن عياضًا قال: شريك بن عبد الله، ولم ينسبه نَخَعيًا أو نَمَريًا، وقال: توفي وقد نيَّف على المئة، أما العراقي: فنسبه نَمَريًا، وهو شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، وفيه: أن شريكًا هذا توفي بعد سنة ١٤٠، ولم يُذكر له تاريخ ولادة، فالله أعلم، أما شريك النخعي: فولد سنة ٩٥، وتوفي سنة ١٧٧، فيكون قد عُمِّر ٨٢ سنة، وهذا لا يحقّق مراد عياض أنه حدّث بعد بلوغه المئة. فالله أعلم. ٥١٠ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث فصل : الأَوْلى أن لا يحدِّث بحضرة مَن هو أولى منه، لسنِّه، أو علمه، أو غيره، وقيل : يكره أن يحدِّث في بلد فيها أولى منه، وينبغي له إذا طُلب منه ما يَعلمه عند أرجحَ منه أن يُرشِد إليه، فالدِّين النصيحة. [ش] النَّمَري، وممَنْ بعدهم: الحسن بن عرفة، وأبو القاسم البغوي، والقاضي أبو الطيب الطبري، والسِّلَفي(١) وغيرهم. (فصل : ) (الأَوْلى أن لا يحدِّث بحضرة مَن هو أولى منه، لسنِّه، أو علمه، أو غيره) كأنْ يكون أعلى سنداً، أو سماعه متصلاً وفي طريقه هو إجازة، ونحو ذلك، فقد كان إبراهيم النخعي لا يتكلّم بحضرة الشعبي بشيءٍ(٢). (وقيل) أبلغ من ذلك: (يكره أن يحدِّث في بلد فيها أولى منه)، فقد قال يحيى بن معين: إن من فعل ذلك فهو أحمق(٣). (وينبغي له إذا طُلب منه ما يَعلمه عند أرجحَ منه أن يُرشِد إليه، فالدِّين النصيحة). - [ب] (١) واضح أن التمثيل بالسِّلفي المتوفى سنة ٥٧٦، من زيادات العراقي على عیاض المتوفى سنة ٥٤٤. (٢) ((الجامع)) للخطيب (٧١٠)، وكانت ولادة إبراهيم النخعي نحو سنة ٤٦، وولادة الشعبي نحو سنة ٢٠. (٣) ((الجامع)) أيضًا (٧٠٧)، وقال يحيى أيضاً: ((إذا حدَّثتُ في بلدة فيها مثل أبي مسهر - عبد الأعلى بن مسهر - فينبغي للحيتي أن تحلق))، أسنده إليه ابن حبان في (الثقات)) ٨: ٤٠٨ ترجمة أبي مسهر. ٥١١ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث [ش] قال في ((الاقتراح))(١): ينبغي أن يكون هذا عند الاستواء، فيما عدا الصفةً المرجِّحةَ، أما مع التفاوت بأن يكون الأعلى إسناداً عامياً، والأنزلُ عارفًا ضابطًا (٢) : فقد يُتوقَّف في الإرشاد إليه، لأنه قد يكون في الرواية عنه ما يوجب خللاً. قلت: الصوابُ: إطلاقُ أن التحديث بحضرة الأَوْلى ليس بمكروه، ولا خلاف الأولى، فقد استنبط العلماء من حديث: إن ابني كان عَسِيفاً (٣)، الحديثَ، وقوله: سألت أهل العلم فأخبروني: أن الصحابة كانوا يفتون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي بلده(٤). وقد عقد محمد بن سعد في ((الطبقات)) باباً لذلك، وأخرج بأسانيدَ فيها الواقديُّ أن منهم: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلياً، وعبد الرحمن بن عوف، وأبيَّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت(٥). [ب] - (١) صفحة ٢٤٧. (٢) هكذا في نسخة و، و((الاقتراح))، وفي النسخ الأخرى: عارف ضابط. (٣) [العَسِيف: الأجير.]. (٤) رواه البخاري (٦٨٢٧)، والاستنباط الآتي مأخوذ من ((فتح الباري)) ١٤١:١٢. (٥) ((طبقات)) ابن سعد ٢٨٩:٢ فما بعدها. والفِقْرة بتمامها من الموضع المذكور من ((الفتح))، لكن قول الحافظ: ((بأسانيد فيها الواقدي)): الأَوْلى أن يقال: في كثير منها الواقدي. ٥١٢ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث ولا يمتنعُ من تحديثِ أحدٍ لكونه غيرَ صحيح النية، فإنه يُرجى صحتُها . [ش] وروى البيهقي في ((المدخل)) (١) بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال لسعيد ابن جبير: حدِّث، قال: أحدثُ وأنت شاهد! قال: أوَليس من نِعَم الله عليك أن تحدث وأنا شاهد، فإن أخطأتَ علَّمتُك !. تنبيه: إذا كان جماعة مشتركون في سماع، فالإسماع منهم فرض كفاية، ولو طُلب من أحدهم فامتنع لم يأثم، فإنِ انحصرَ فيه أثم. (ولا يمتنعُ من تحديثِ أحدٍ لكونه غيرَ صحيح النية، فإنه يُرجى) له (صحتُها) بعد ذلك، قال معمر، وحبيب بن أبي ثابت: طَلَبنا الحديث وما لنا فيه نية، ثم رَزَق الله النيةَ بعدُ(٢). وقال معمر: إن الرجل ليطلب العلم لغير الله، فيأبى عليه العلمُ حتى یکون لله(٣). وقال الثوري: ما كان في الناس أفضلُ مِن طلبة الحديث، فقيل: يطلبونه بغير نية! فقال: طلبهم إياه نية (٤). [ب] (١) برقم (١٧٠٩). (٢) كما في ((جامع)) الخطيب (٧٧٧)، وهو من كلام مجاهد في ((المحدث الفاصل)» (٣٩). (٣) المصدر السابق (٧٨٢)، وهو عند البيهقي في ((المدخل)) (١٥٩٩). (٤) ((المحدّث الفاصل)) (٤٠)، والخطيب (٧٧٨)، و((شرف أصحاب الحديث)) ص ١٢٧. ٥١٣ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث ولْيحرِص على نشره، مبتغياً جزيلَ أجره. [ش] (ولْيحرِص على نشره، مبتغياً جزيلَ أجره)، فقد كان في السلف مَن يتألَّف(١) الناس على حديثه، منهم عروة بن الزبير (٢). ومن الأحاديث الواردة في فضل نشر الحديث والعلم: حديثُ الصحيحين: ((بلِّغوا عني))، [و]: ((ليبلغ الشاهدُ الغائب))(٣). وحديثُ: ((مَن أدَّى إلى أمتي حديثاً واحداً يقيم به سنةً أو يردُّ به بدعة: فله الجنة)) رواه الحاكم في ((الأربعين)) (٤). وحديثُ البيهقي(٥) عن أبي ذر: أَمَرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا [ب] - (١) من النسخ، وعدِّلت في ك إلى: تألَفُ !. (٢) ((جامع)) الخطيب (٧٨٦). (٣) هذان حديثان، والواو زيادة مني، لضرورة جعلهما حديثين. وقد انفرد البخاري برواية الأول منهما: ((بلِّغوا عني ولو آية))، رواه في ((الصحيح)) (٣٤٦١)، من حديث ابن عَمرو، وليس كما قال الشارح: في الصحيحين. أما الثاني: فنعم، هو طرف من حديث أبي بكرة الثقفي، يوم خطبة حجة الوداع، قال صلى الله عليه وسلم في آخره: ((ألا ليبلغ الشاهدُ منكم الغائب))، رواه البخاري (٦٧)، ومسلم ١٣٠٥:٣ (٢٩، ٣٠). (٤) غير مطبوع، لكنه في ((الحلية)) ٤٤:١٠، وفي إسناده إسماعيل بن يحيى التيْمي، اتهمه عدد من الأئمة بالكذب، وليث: هو ابن أبي سُليم، اختلط جدًا. (٥) في كتابيه: ((الشعب)) (٦٩٨٩)، و((المدخل)) (١٤٥٨)، من طريق القاسم بن عوف الشيباني، عن رجل حدثه عن أبي ذرّ، ففي إسناده رجل مبهم. وعزوُهُ إلى البيهقي فيه قصور، فالحديث في ((المسند)) ١٦٥:٥، من طريق " القاسم بن عوف، عن رجلٍ غير مسمَّى، عن أبي ذر، بلفظ: أَمَرنا رسول الله صلى الله = ٥١٤ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث فصل : ويستحبُّ له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهّر، ويتطيّب، وَيَسرِّح لحيته، ويَجلِس متمكِناً بوقار. [ش] نُغلَب على أن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونعلُّم الناس السُّنَن. (فصل : ) (ويستحبُّ له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهّر) بغُسْل ووضوء (ويتطيّب) ويتبخّر، ويستاك، كما ذكره ابن السمعاني(١). (وَيَسرِّح لحيته ويَجلِس) في صدر مجلسه (متمكُّناً) في جلوسه (بوقار) وهيبة، وقد كان مالك يفعل ذلك، فقيل له؟ فقال: أحبُّ أن أعظُّم حديث رسول الله صلى الله عليه (ت) عليه وسلم أن لا يغلبونا على ثلاث: أن نأمر بالمعروف ... ، وذكره، فحالُ إسناده کإسناد البيهقي. ورواه أيضًا ممن يقدَّم في العزو على البيهقي: الدارمي في ((سننه))، لكن فيه: القاسم بن عوف، عن أبي ذر، هكذا في كلتا طبعتيه: طبعة زمرلي والعلمي (٥٤٣)، وطبعة ((فتح المنان)) شرح وتعليق السيد نبيل الغَمْري (٥٧٠)، وسنده مثلُ سند أحمد والبيهقي، إلا الرجل المبهم، وقد قال المزي في ترجمة القاسم: روى عن أبي ذر مرسلاً، فهذا يتفق مع رواية الدارمي، والله أعلم، ويفيد أنه ليس سَقَطًا مطبعيًا، أو من النسّاخ، فالحكم على الإسنادین واحد. وقول أبي ذر رضي الله عنه: ((أَمَرنا أن لا يغلبونا على ثلاث ... )): يريد بهم الأمراء. (١) الذي رأيته في ((أدب الإملاء)) (١٣٠) قوله: ((ولا يَمَسَّ أصله ولا يحدِّث إلا على طهارة)) فقط. ٥١٥ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث [ش] وسلم، ولا أحدِّث إلا على طهارة متمكّناً. وكان يكره أن يحدِّث في الطريق، أو وهو قائم، أسنده البيهقي(١). وأسند عن قتادة قال (٢): لقد كان يستحب أن لا تقرأ الأحاديث إلا على طهارة. وعن ضرار بن مرة قال: كانوا يكرهون أن يحدِّثُوا على غير طُهْر. وعن ابن المسيب: أنه سئل عن حديث وهو مضطجع في مرضه، فجلس وحدث به، فقيل له: وددتُ أنك لم تَتَعنَّ، فقال: كرهت أن أحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع(٣). وعن بشر بن الحارث: أن ابن المبارك سُئل عن حديث وهو يمشي، فقال: (س) (١) هذا الأثر عن الإمام مالك، حتى الأثر الأخير الذي عن مالك أيضًا، كلها من ((المدخل)) للبيهقي (١٧٦١ - ١٧٦٦) وما بعده. وهذا وحده عند الرامهر مزي أيضاً (٨٣٠). (٢) ((المحدث الفاصل)) (٨٣٣)، وكلمة ضرار الآتية عنده (٨٣٢)، وهما عند البيهقي في ((المدخل)) (١٧٦٤، ١٧٦٣). ومن المعلوم أن قتادة تابعي من صغار التابعين، فقوله: ((كان يستحب ... )): يدخل تحته طبقة شيوخه من كبار التابعين، ويدخل معهم الصحابة، رضي الله عنهم جميعًا. وكذلك يقال في قول ضرار بن مرة، وكانت وفاته بعد وفاة قتادة بنحو العشرين عامًا. (٣) ((الجامع)) للخطيب (٩٧٩ - ٩٨١)، والبيهقي في ((المدخل)) (١٧٦٢). ٥١٦ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث فإن رفع أحدٌ صوتَه زَبَره. [ش] ليس هذا من توقير العلم(١). وعن مالك قال: مجالس العلم تُحتضَر بالخشوع والسكينة والوقار. ويكره أن يقوم لأحد، فقد قيل(٢): إذا قام القارئ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحدٍ، فإنه يُكتب عليه خطيئة. (فإن رفع أحدٌ صوتَه) في المجلس (زَبَره) أي: انتهره وزَجَره، فقد كان مالك يفعل ذلك أيضاً، ويقول: قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ (١) ((الجامع)) أيضًا (٣٩٦)، والبيهقي في ((المدخل)) (١٧٦٥). (٢) كما في ((شرح الألفية)) للعراقي ص ٢٨٧، وسَمى هناك القائل، وهو أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله المروزي (٣٠١ - ٣٧١) رحمه الله، وهو راوي ((صحيح)) البخاري عن الفِرَبْري، عن البخاري رضي الله عنه. ومما يذكر في هذه المناسبة: ما حكاه السيد الكتاني في ((فهرس الفهارس)) ١: ٨٤ - من الطبعة الأولى طبعة المؤلف -، و١٢٣:١ من طبعة إحسان عباس - في ترجمة أحمد بن محمد بن الطاهر الأزدي المراكشي المتوفى سنة ١٢٨٧ بالمدينة المنورة رحمه الله تعالى، قال: ((إنه كان يقرأ ((صحيح)) البخاري [بضريح الشيخ الغزواني بمراكش، فدخل عليه سلطان الوقت، فجلس بحذائه، ولم يقطع الدرس]، فسعى به ساعٍ إلى الأمير وعظّم له القضية، فوجد في نفسه ما يجده الملوك لمثلها، فرأى السلطانُ المذكورُ المصطفى عليه السلام في منامه، وهو يقول: إن الرجل عظّم حديثي، فإنْ آذيتَه انتقمتُ له، فقام السلطان مفجوعًا لها، وأرسل للشيخ مستعطفًا له، شاكراً له أدبه مع السنة)). انتهى. وما بين المعقوفين زدتُه من الطبعة الأولى، وسقط من الثانية، وجزى الله هذا السلطان وأمثاله خير الجزاء. ٥١٧ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث ويُقبِلَ على الحاضرين كلِّهم، ويفتتحَ مجلسه ويَخْتِمه بتحميدِ الله تعالى، والصلاة على النبي صلى الله . [ش] أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ [الحجرات: ٢] فمن رفع صوته عند حديثه، فكأنما رفع صوته فوق صوته(١). (ويُقبِلَ على الحاضرين كلِّهم) فقد قال حبيب بن أبي ثابت: إن من السنة إذا حدَّث الرجلُ القومَ أن يُقِل عليهم جميعاً (٢). (ويفتتحَ مجلسه ويَختِمه بتحميد الله تعالى، والصلاة على النبي صلى الله (١) كما في ((جامع)) الخطيب (٩٦٨). وسبقه إلى هذا الأدب: شيخه أيوب السختياني، ومعه فيه قرينه حماد بن زيد. انظر ((الجامع)) للخطيب (٣٣٥، ٣٣٧). ومن الواضح من عنوان هذا الفصل أن زجر من يرفع صوته في مجلس الحديث: أدب من الآداب، ومستحب، لكن زاد السخاوي في ((فتح المغيث)) ٢٢٢:٣ قوله: (لقائل أن يحتج لوجوب خفض الصوت عند المقطوع بصحته)) يريد: إذا كانت القراءة في الصحيحين مثلاً، فإنه يجب خفض الصوت. والله أعلم. ومما ينبغي ذكره: أن رفع الصوت أمر نسبي، يختلف من إنسان إلى آخر، ومن سائل قريب من الشيخ المسئول، إلى سائل بعيد، فله أن يرفع صوته ليُسمع الشيخ وهو بعيد عنه، وما كل حاضرٍ لمجلس علم كأبي بكر وعمر، لا يحدِّئان النبي صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السِّرار، ولا كلهم كالذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: ((لا تُزْرِموه». (٢) حبيب بن أبي ثابت، تابعي توفي سنة ١١٩ رحمه الله، وهذا لفظه عند الخطيب في ((الجامع)) (٦٦٤)، ولفظه في ((الأدب المفرد)) (١٣٠٤): كانوا يحُبُّون ... ، وهذه ألفاظ يقال فيها ما قلته ص ٥١٥ في قول قتادة: كان يستحب ... . ٥١٨ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث عليه وسلم، ودعاءٍ يليق بالحال، بعد قراءة قارئٍ حسنِ الصوت شيئاً من القرآن العظيم، ولا يسردُ الحديث سَرْداً يمنعُ فهمَ بعضِهِ . [ش] عليه وسلم، ودعاءٍ يليق بالحال، بعد قراءة قارئٍ حسنٍ الصوت شيئاً من القرآن العظيم)، فقد رَوَى الحاكم في ((المستدرك))، عن أبي سعيد قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا تذاكروا العلمَ وقرؤوا سورة(١). (ولا يسردُ الحديث سَرْداً) عجِلاً (يمنعُ فهمَ بعضِهِ)، كما رُوي عن مالك: أنه كان لا يستعجل، ويقول: أُحبُّ أن أتفهَّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم(٢). وأورد البيهقي(٣) في ذلك حديث البخاري عن عروة قال: جلس أبو هريرة إلى جَنْب حُجْرة عائشة وهي تصلي، فجعل يحدث، فلما قضتْ صلاتها قالت: ألا تعجبُ إلى هذا وحديثهِ؟! إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يحدِّث [ب] (١) ((المستدرك)) (٣٢٢) ولفظه: ((كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلسوا كان حديثهم - يعني - الفقه، إلا أن يقرأ رجل سورة، أو يأمر رجلاً بقراءة سورة))، وصححه على شرط مسلم، أما اللفظ الذي ذكره الشارح، فقد عزاه الزركشي ١٢٤٩:٣ إلى أبي نعيم الأصبهاني في ((رياضة المتعلمين)) عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وأبو نضرة من الثقات المكثرين عن أبي سعيد. وهو عند الخطيب في ((الجامع)) (١٢٢٩) من قول أبي نَضْرة، وحينئذٍ تقدر رواية الحاكم على: كان حديثهم الفقه، بعد أن يقرأ رجل سورة. والله أعلم. (٢) ((المدخل)) للبيهقي (١٧٦١). (٣) ((المدخل)) (١٦٦٩)، وهو في ((صحيح)) البخاري (٣٥٦٧)، و((صحيح)) مسلم ٢٢٩٨:٤ (٧١). ٥١٩ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث فصل : يستحبُّ للمحدِّث العارف عقدُ مجلسٍ لإملاء الحديث، فإنه أعلى .. [ش] حديثاً لو عدّه العادُّ أحصاه. وفي لفظٍ عند مسلم(١): إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكُن يسردُ الحدیثَ كَسَرْدكم. وفي لفظٍ عند البيهقي عقيبه(٢): إنما كان حديثُه فَصْلاً تفهمه القلوب. (فصل) : (يستحبُّ للمحدِّث العارف عقدُ مجلسٍ لإملاء الحديث(٣)، فإنه أعلى [س) (١) ٤: ١٩٤٠ (١٦٠)، وعلّقه البخاري بصيغة الجزم (٣٥٦٨)، ووصله الحافظ في ((الفتح)) و((تغليق التعليق)) ٥٠:٣. وقال الحافظ في ((الفتح)) ٥٧٩:٦: ((اعتذر عن أبي هريرة بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكّن من المهل عند إرادة التحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد أن أقتصر فتتزاحم القوافي على فِيَّ)). (٢) ((المدخل)) أيضاً (١٩٧١)، لكن رواه من طريق أبي يعلى، وهو في ((مسنده)) (٤٣٩٣)، فالعزو إلى ((مسند)) أبي يعلى أولى، على أن هذا المعنى وبلفظ قريب منه: رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٦٨١)، وأحمد ١٣٨:٦، ٢٥٧، وأبو داود (٤٨٠٦)، والترمذي (٣٦٣٩)، والنسائي (١٠٢٤٦)، وينظر التعليق على ((المصنَّف))، كما ينظر ((تغليق التعليق)) ٥٠:٣. (٣) [قال النحاس في ((صناعة الكُتّاب)) - ص١٤٥ -: يقال: أمليت الكتاب إملاء، وأمللته إملالاً، جاء القرآن بهما جميعاً. قال تعالى: ﴿فليُمْلِل﴾ [البقرة: ٢٨٢] فهذا من: أملَّ، وقال تعالى: ﴿فهي تُمْلَى عليه﴾ [الفرقان: ٥] فهذا من: = ٥٢٠ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث مراتبِ الرواية، ويتخذُ مستملياً محصِّلاً متيقُّظاً يبلِّغ عنه إذا كثرُ الجمع، على عادة الحفاظ. [ش] مراتبِ الرواية) والسماعِ، وفيه أحسنُ وجوه التحمل وأقواها، روى ابن عدي والبيهقي في ((المدخل)) من طريقه(١): حدثنا عبد الصمد بن عبد الله ومحمد بن بشر الدمشقيان، قالا: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا أبو الخطاب معروفٌ الخياط قال: رأيت واثلةَ بنَ الأسقع رضي الله عنه يُمْلي على الناس الأحاديثَ وهم يكتبونها بین یدیه. (ويتخذُ مستملياً محصِّلاً متيقِّظاً يبلِّغ عنه إذا كثرُ الجمع، على عادة الحفاظ) في ذلك، كما رُوي عن مالك، وشعبة، ووكيع، وخلائق(٢). وقد روى أبو داود، والنسائي(٣) من حديث رافع بن عمرو قال: رأيت [ب] أملى، فيجوز أن تكون اللغتان بمعنى واحد، ويجوز أصل أمليت: أمللت، فاستثقلوا الجمع بين حرفين على لفظ واحد، فأبدلوا من أحدهما ياء، كما قالوا: تَظَنَّيْتُ، وكأنه من قولهم: أملى الله له، أي: أطال الله عمره، فمعنى أمليت الكتاب على فلان: أطلت قراءتي عليه. زركشي - ((النكت)) ٣: ١٢٤٦ (٤٣٠) -. ]. (١) ((الكامل)) ٣٥٤:٧ ترجمة معروف الخياط، و((المدخل)) (١٨٢٥)، ومن طريق ابن عدي أيضًا: السمعاني في ((أدب الإملاء)) (٣٤)، ومعروفٌ الخياط ضعيف. (٢) سمَّى الخطيبُ في ((الجامع)) (١١٦٩) - ومنه أخذ السمعاني في ((أدب الإملاء والاستملاء)) ١٥٠:١ - شعبةَ ووكيعًا وغيرهما، ثم روى أخبارهم، لكنه لم يذكر مالكًا، ومصدر الشارح هو ((شرح الألفية)) للعراقي ص ٢٨٨. وكذلك كان أئمة اللغة العربية، ينظر ((المزهر)) للإمام الشارح رحمه الله ٢: ٣١٣. (٣) رافع بن عمرو: هو أبو جبير الغفاري البصري رضي الله عنه، والحديث عند =