النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث وأما إعادةُ بعضٍ الإسنادَ آخرَ الكتاب فلا يرفع هذا الخلاف. [ش] فأشكل على قوم ذِكْره ((نحن الآخرون السابقون)) في هذا الباب(١)، وليس مراده إلا ما ذكرناه، وتارة يقتصر على الحديث الذي يريده، وكأنه أراد بيان أن كلاً من الأمرين جائز(٢). (وأما إعادةُ بعضٍ) من المحدثين (الإسنادَ آخرَ الكتاب) أو الجزءِ (فلا يرفع هذا الخلاف) الذي يمنع إفرادَ كلِّ حديث بذلك الإسناد عند روايتها، لكونه لا [ب] في (صحيفة همام))، وحديث ((لا يبولن)) هو الحديث الرابع والسبعون منها ص ٣١٣، وواضح من سياق الشارح رحمه الله لإسناد البخاري أنه ليس من طريق همام عن أبي هريرة، نعم، قال الحافظ في شرح هذا الحديث ١ : ٣٤٦ آخر الصفحة: ((الظاهر أن نسخة أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، كنسخة معمر، عن همام، عنه، ولهذا قلّ حديث يوجد في هذه إلا وهو في الأخرى)). (١) يعرِّض الشارح بابن التين ومن وافقه وتابعه، ينظر ((فتح الباري)) ١: ٣٤٦. (٢) مثال ذلك: أن عروة البارقي رضي الله عنه روى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارًا يشتري له به شاةً، فاشترى له ... ، وأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((الخير معقود بنواصي الخيل))، فروى البخاري هذين الحديثين معًا (٣٦٤٢، ٣٦٤٣) في كتاب المناقب، والحديث الأول هو المناسب له، لأن فيه إجابة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالبركة في صفقة يمينه، ولا مناسبة للثاني، فهذا مثال على الحال الأولى. وروى البخاري في كتاب الجهاد (٢٨٥٠، ٢٨٥٢) الحديث الثاني: حديث الخيل، وحده، دون شراء الشاة، لصلاحيته لمناسبة الجهاد. وقد أشار الحافظ في ((الفتح)) ٣٤٦:١ إلى هذا، وقال: ((وأمثلة ذلك في كتابه کثیرة)». ٤٨٢ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث إلا أنه يفيد الاحتياط، وإجازة بالغة من أعلى أنواعها. الحادي عشر: إذا قدَّم المتنَ كـ: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا، أو المتنَ وآخِرَ الإسناد كـ: روى نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا، ثم يقول: أخبرنا به فلان، عن فلان، حتى يتصل صحَّ، وكان متصلاً، فلو أراد مَن سمعه هكذا تقديم جميع الإسناد فجوَّزه بعضهم، وينبغي أن يكون فيه خلاف، كتقديم بعضِ المتن على .. [ش] يقع متصلاً بواحد منها، (إلا أنه يفيد الاحتياط و) يتضمن (إجازة بالغة من أعلى أنواعها)، قلت: ويفيد سماعَه لمن لم يسمعه أولاً. (الحادي عشر: إذا قدَّم) الراوي (المتنَ) على الإسناد (كـ: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا) ثم يذكُر الإسناد بعده، (أو المتنَ وآخِرَ الإسناد) من أعلى(كـ: روى نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا، ثم يقول: أخبرنا به فلان، عن فلان حتى يتصل) بما قدَّمه: (صحَّ، وكان متصلاً، فلو أراد مَن سمعه هكذا تقديم جميع الإسناد) بأنْ يبدأ به أولاً، ثم يذكُر المتن (فجوَّزه بعضهم) أي: أهلِ الحديث من المتقدمين، قال المصنف في ((الإرشاد)): وهو الصحيح(١). قال ابن الصلاح(٢): (وينبغي أن يكون فيه خلاف، كتقديم بعضِ المتن على (١) عَرَض الإمام النووي لهذه المسألة في صفحة ١٦٣ من ((الإرشاد)): الفرع الخامس عشر، وليس في مطبوعته التي أرجع إليها هذا التصحيح. (٢) صفحة ٢٠٦. ٤٨٣ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث بعضٍ بناءَ على الرواية بالمعنى. [ش] بعضٍ) (١) أي: كالخلاف فيه، فإن الخطيب حكى فيه المنعَ، (بناءً على) منع (الرواية بالمعنى)، والجوازَ على جوازها (٢). قال البُلقيني(٣): وهذا التخريج ممنوع، والفرق: أن تقديم بعض الألفاظ على بعض يؤدِّي إلى الإخلال بالمقصود في العطف وعود الضمير، ونحوٍ ذلك، بخلاف تقديم السند كلُّه أو بعضِهِ، فلذلك جاز فيه ولم يتخرج على الخلاف. انتھی. قلت: والمسألة المبنيُّ عليها أشار إليها المصنّف كابن الصلاح، ولم يُفرداها بالكلام عليها، وقد عقد الرامهرمزي لذلك باباً، فحكى عن الحسن، (س). (١) [في ((صحيح البخاري)) - (١٧٥٣) -: في باب الدعاء عند الجَمْرتين: أخبرنا يونس، عن الزهري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رمى الجمرة التي تلي مسجد مِنى يرميها بسبع حصيات .. الحديث، قال الزهري: سمعت سالم بن عبد الله يحدث مثل هذا عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى. فهذا من تقديم المتن على بعض السند. قال الحافظ ابن حجر - ((فتح الباري)) ٣: ٥٨٤ (١٧٥٣) -: ولا خلاف بين أهل الحديث أن الإسناد بمثل هذا السياق موصول، وأغرب الكِرماني - ٨: ٢٠٩ -... إلخ.]. (٢) في ((الكفاية)) ص ٢١٣ - ٢١٤. (٣) في ((محاسن الاصطلاح)) ص ٤١٢. وأرى - والله أعلم - أن التفرقة التي ذكرها البلقيني إنما هي تفرقة (فقيه) يهتم بالمتون، ويحذَر تصرف الرواة في تقديمهم وتأخيرهم لبعض الكلمات، وأما تسوية الخطيب بين التصرف بالمتون والأسانيد، فهي تسوية (محدِّث وله مشاركة بالفقه) يرى الاهتمام بالأمرين معًا على السواء. ٤٨٤ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [ش] والشعبي، وعَبيدة، وإبراهيم، وأبي نَضْرة، الجوازَ إذا لم يغيِّر المعنى(١). [ب] (١) ((المحدث الفاصل)) (٧٠٨): عن الحسن، (٧٠٩، ٧١٠): عن إبراهيم، (٧١١) عن أبي نضرة. ولا بدّ من وقفة عند الفقرة (٧٠٩) ففيها: (( .. عن أشعث، عن الحسن والشعبي وعبيدة، عن إبراهيم قال .. ))، والحسن والشعبي هما أعلى طبقة من إبراهيم النخعي، وإن كان النخعي توفي قبلهما، لكنهما أسبق منه ولادة ولُقِيا، ولم تذكر لهما رواية عنه. أما عبيدة: فالظاهر أنه عُبَيدة بن معتِّب الضبي، فإنه معروف بالرواية عن إبراهيم، وليس هو عَبيدة السلماني، فإنه أعلى طبقة من المذكورين، فإنه مخضرم، أسلم وصلّى قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين. وعلى كلِّ: فالحسن قوله مذكور تحت الفقرة (٧٠٨)، وأما الشعبي وعُبيدة فراويان حسب المطبوع من ((المحدث الفاصل)) لهذا القول عن النخعي، لا قائلان. وكذلك: فإن اعتبار الشعبي راوٍ لا يصح هنا في غالب الظن، وسيأتي قريباً ص ٥١٠ أن النخعي لم يكن يتكلم بحضرة الشعبي. فالاتهام متوجّه نحو صحة المطبوع في ((المحدث الفاصل)). وحاصل ذلك: أن هاهنا أمرين: أولهما: حكاية الشارح هذا المذهب عن الشعبي وعبيدة، وعزوه ذلك إلى ((المحدث الفاصل)»، والذي فيه أنهما راويان للقول عن إبراهيم، لا أنهما قائلان به. ثانيهما: أن الرواية في ((المحدث الفاصل)) فيها: الحسن والشعبي وعبيدة، يروون هذا القول عن النخعي، وفي هذا السند وقفة كبيرة، فالحسن والشعبي أعلى طبقة من النخعي، ولم تذكر لهما رواية عنه - كما لم تذكر رواية لهما عنه -، وأما عبيدة: فيحمل على أنه: ابن معتِّب الضبي، بضم العين من: عُبيدة. = ٤٨٥ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [ش] قال المصنف: وينبغي القطع به إذا لم يكن للمقدَّم ارتباط بالمؤخََّ(١). فائدة: قال شيخ الإسلام(٢): تقديم الحديث على السند يقع لابن خزيمة إذا كان [ب] - ولا يصح أن يقال: إن صواب الرواية: أشعث، عن الحسن والشعبي وعبيدة وإبراهيم، فيكون إبراهيم معطوف على الثلاثة قبله، لأن النص المطبوع يقول: ((عن إبراهیم قال))، لا: عن إبراهيم قالوا. ثم إني ترجَّيت أن يكون الشارح ناقلاً لهذه الفائدة عن كتابي العراقي، أو ((النكت الوفية))، أو الزركشي، أو مغلطاي، فلم أر شيئاً، لكني رأيت السخاوي في ((شرح التقريب والتيسير)) ص ٣٦٦ عَرَض لهذه الفائدة بلفظ مماثل للفظ الشارح، إلا أنه لم يذكر ((عبيدة)) فقط، ومعلوم أن كلاً منهما ذكر في مقدمة شرحه أنه لم يُسبق إلى شرح على متن ((التقريب))، وبالتالي: فإن كلاً منهما لم يقف على شرح صاحبه، فمعنى هذا أن مصدرهما واحد، ولكن من هو؟ الله أعلم. (١) في ((شرح صحيح مسلم)) ٣٧:١. (٢) كما في ((النكت الوفية)) ٢٥٥:٢ - ٢٥٨، وقول ابن خزيمة المذكور هو في ((صحیحه) عقب حديث (٤٤٥). روى في ((كتاب التوحيد)) ٦٢٢:٢ (٣٦٤) فما بعدها حديث: ((لكل نبي دعوة يدعو بها ... )) من طرق كثيرة، عن أبي هريرة وغيره، ثم قال (٣٨٢): روى زكريا بن أبي زائدة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، فذكره، وأعقبه بقوله: ((حدثنا أبو موسى قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا زكريا)). ثم قال (٣٨٣): ((وروى هشام ابن حسان، عن الحسن، عن جابر))، فذكره وقال عقبه: ((حدثناه إسماعيل بن بشر بن = ٤٨٦ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [ب] منصور السَّلِيمي قال: حدثنا عبد الأعلى، عن هشام)). ثم قال ابن خزيمة: ((إنما قلت في هذا الخبر: روى هشام، عن الحسن، لأن بعض علمائنا كان ينكر أن يكون الحسن سمع من جابر)). فهذا تلميح بشرطه المتقدم وتطبيق له، لكني أردت بنقل هذا النص من ((كتاب التوحيد)) لألفت النظر إلى أن قول الحافظ ابن حجر: يبتدئ بتعليق السند من الرجل الذي فيه مقال: ليس مطردًا، ففي الأول قال: زكريا بن أبي زائدة، ولا شيء فيه، إنما الضعف في عطية العوفي: يخطئ كثيراً ويدلس، وقال في الثاني: هشام بن حسان، عن الحسن، عن جابر، وما أشار إلى شيء في ذات هشام، ولا في روايته عن الحسن، إنما أعلَّه بما قيل في عدم سماع الحسن من جابر. وقد عَرَضتُ لهذا الاصطلاح لابن خزيمة في مقدمتي لـ ((مصنف)) ابن أبي شيبة ص ١٢٢، ونقلته إلى ((دراسات الكاشف)) ص ٢٠٧، وذكرت هناك أنه اصطلاح لعدد من الأئمة الآخرين، ثم زدته شرحاً وأمثلة وألحقته مع ((مجموع رسائل في علم الحديث دراية)). وأزيد هنا فأقول: كانت النظرة السابقة إلى كتاب ابن خزيمة أنه كلَّه صحيح، وأن العزو إليه مؤذن بصحة الحديث، إلا ما كان من العلامة المحقق الشيخ عبد العزيز الفنجابي رحمه الله تعالى صاحب التعليقات النفيسة على ((نصب الراية))، فإنه كتب تعليقة طويلة ٣١٤:١ كشف فيها عن مجمل حال الكتاب. ثم طبع الكتاب، وازدادت الصورة وضوحًا عنه، وتبيّن أن له هذا الاصطلاح يشير به إلى ضعف الحديث المذكور، وأن له ثلاث عبارات أخرى، وهي قوله: إنّ صح الخبر، وفي القلب منه - هكذا دون الإتيان بالمبتدأ المؤخر، وقد يذكره -، وفيه فلان لا أعرفه بعدالة ولا جرح. فهذه ثلاث عبارات له للدلالة على توقفه في صحة الخبر، وقد يقع خطأ مطبعي في العبارة الأولى: إن صح الخبر، فتأتي بلفظ: صح الخبر، فينقلب الأمر تمامًا، كما حصل في تخريج حديث سلمان رضي الله عنه، في مطبوعة ((الترغيب)) للمنذري = ٤٨٧ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث ولو روى حديثاً بإسنادٍ، ثم أتبعه إسناداً قال في آخره: مثلَه، فأراد السامع روايةَ المتنِ بالإسناد الثاني، فالأظهر منعه، وهو قول شعبة، وأجازه الثوري، وابن معين إذا كان متحفّظاً مميزاً بين الألفاظ، وكان جماعة من العلماء إذا روى أحدهم مثل هذا ذكر الإسناد ثم قال : مثلَ حديثٍ قبلَه متنُه كذا، واختار الخطيب هذا، وأما إذا قالَ ((نحوه)): فأجازه الثوري، ومنعه شعبة، ... [ش] في السند مَن فيه مقال فيبتدئ به، ثم بعد الفراغ يذكر السند، قال: وقد صرح ابن خزيمة بأن من رواه على غير ذلك الوجه لا يكون في حلّ منه، فحينئذ ينبغي أن يمنع هذا، ولو جوّزنا الرواية بالمعنى. (ولو روى حديثاً بإسنادٍ) له (ثم أتبعه إسناداً) آخر وحذف متنه، إحالةً على المتن الأول و(قال في آخره: مثله، فأراد السامع) لذلك منه (روايةَ المتنِ) الأولِ (بالإسناد الثاني) فقط: (فالأظهر منعه، وهو قول شعبة، وأجازه) سفيان (الثوري وابن معين إذا كان) الراوي (متحفِّظاً) ضابطاً (مميزاً بين الألفاظ)، ومَنَعاه إن لم يكن كذلك(١). (وكان جماعة من العلماء إذا روى أحدهم مثل هذا ذكر الإسناد ثم قال : مثلَ حديثٍ قبلَه متنُه كذا، واختار الخطيب هذا(٢)، وأما إذا قالَ ((نحوه)): فأجازه الثوري) أيضاً كـ: مثلَه، (ومنعه شعبة) وقال: هو شك، بل هو أولى من [ب] ٩٤:٢ - ٩٥ (١٣)، فصحِّحْه، كما يُصحَّح فيه: أبو الشيخ ابن حبان، إلى: أبو الشيخ ابن حَیَّان. (١) ((الكفاية)) ص ٢١٢ - ٢١٣. (٢) المصدر السابق. ٤٨٨ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث وابن معين. قال الخطيب : فرقُ ابن معين بين ((مثله)) و((نحوه)) يصحّ على منع الرواية بالمعنى، فأما على جوازها فلا فرق، قال الحاكم: يَلزم الحديثيَّ من الإتقان أن يفرِّق بين: مثله، ونحوه، فلا يحِلّ له أن يقول ((مثله)) إلا إذا اتفقا في اللفظ، ويحلّ ((نحوه)) إذا كان بمعناه. [ش] المنع في: ((مثله)) (وابن معين) أيضاً وإن جوَّزه في: ((مثله)). (قال الخطيب(١): فرقُ ابن معين بين ((مثله)) و((نحوه)) يصحّ على منع الرواية بالمعنى، فأما على جوازها فلا فرق). (قال الحاكم) (٢): إن مما (يَلزم الحديثيَّ من) الضبط و(الإتقان أن يفرِّق بين: مثله، ونحوه، فلا يحِلُّ له أن يقول ((مثله)) إلا إذا) عَلم أنهما (اتفقا في اللفظ، ويحلُّ) أن يقول ((نحوه)) إذا كان بمعناه)(٣). [ب] - (١) المصدر السابق أيضًا. (٢) في ((الرسالة البغدادية))، كما قاله الزَّبيدي في ((شرح القاموس)) ٣٠: ٣٨٠. (٣) في ((سؤالات مسعود السِّجْزي للحاكم)) (١٢٣، ٣٢٢). ولما روى مسلم ٧١٥:٢ (٩١) حديث ((سبعة يُظلَّهم الله في ظله)) من طريق عبيد الله بن عمر العمري، عن خُبَيب بن عبد الرحمن، ثم رواه من طريق مالك، عن خبيب، قال مسلم: ((بمثل حديث عبيد الله))، علَّق الحافظ في ((الفتح)) ١٤٦:٢ بقوله: ((الذي يظهر أن مسلمًا لا يقصد لفظ ((المثل)) على: المساوي في جميع اللفظ والترتيب، بل هو في المعظم إذا تساويا في المعنى)). وكأن نسبة هذا إلى الإمام مسلم تفتقر إلى تتبّع أكثر، والله أعلم. ٤٨٩ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث الثاني عشر : إذا ذَكَر الإسنادَ وبعضَ المتن، ثم قال: وذكر الحديثَ، فأراد السامع روايته بكماله، فهو أولى بالمنع من: مثلَه ونحوَه، فمنعه الأستاذ أبو إسحاق، وأجازه الإسماعيلي إذا عَرَف المحدثُ والسامعُ ذلك الحديث، والاحتياطُ أن يقتصرَ على [ش] (الثاني عشر: إذا ذَكَر الإسنادَ وبعضَ المتن، ثم قال: وذكر الحديثَ)، ولم يتمَّه، أو قال: بطوله، أو ((الحديث) وأضمر: وذَكَر، (فأراد السامع روايته) عنه (بكماله، فهو أولى بالمنع من) مسألة: (مثلَه ونحوَه) السابقةِ، لأنه إذا مُنع هناك، مع أنه قد ساق فيها جميع المتن قبل ذلك بإسناد آخر، فلأَنْ يُمنع هنا، ولم يَسُقُ إلا بعضَ الحديث: من بابِ أولى، وبذلك جزم قوم. (فمنعه الأستاذ (١) أبو إسحاق) الإسفرايني(٢)، (وأجازه الإسماعيلي(٣) إذا عَرَف المحدثُ والسامعُ ذلك الحديث). قال(٤): (والاحتياطُ أن يقتصرَ على (س) (١) [الأستاذ: كلمة أعجمية، ومعناها: الماهر بالشيء، وإنما قيل أعجمية لأن السين والذال المعجمة لا يجتمعان في كلمة عربية، وهمزته مضمومة. مصباح - س ت ذ -. ]. (٢) حكى هذا عنه السبكي في ((الطبقات)) ٢٥٩:٤، جوابًا له عن أسئلة الحافظ ابن عَلِيّك، واختاره السبكي أيضًا مخالفًا لشيخه الذهبي، وتعرّض لهذه المسألة قبلُ ٢٨٨:٢ في ترجمة الإمام داود الظاهري. (٣) أسند إليه قوله هذا: الخطيب في ((الكفاية)) ص ٣١١. (٤) أي: ابن الصلاح في ((المقدمة)) ص ٢٠٩، وسبقه إلى هذا الاحتياط: الإسماعيلي المذكور، فلفظه: ((البيان أولى))، وأسنده الخطيب ص ٣١٠ إلى أبي علي الزُّجَاجي الطبري، ولفظه: ((أجزأ))، أي: يجوز للسامع رواية الحديث بطوله عن = ٤٩٠ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث المذكور ثم يقولَ: قال: وذَكَر الحديثَ، وهو كذا، ويسوقَه بكماله، وإذا جوِّز إطلاقه فالتحقيق أنه بطريق الإجازة القوية فيما لم يَذكره الشيخ، ولا يفتقر إلى إفراده بالإجازة. الثالث عشر : قال الشيخ : الظاهر أنه لا يجوز تغيير : قال النبي صلى الله عليه وسلم، إلى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عكسه، وإن جازت الرواية بالمعنی. [ش] المذكور ثم يقول: قال: وذَكَر الحديثَ، وهو كذا) أو: وتمامه كذا، (ويسوقَه بكماله)، وفصَّل ابن كثير فقال(١): إن كان سمع الحديثَ المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو غيره: جاز، وإلا فلا. (وإِذا جوِّز إطلاقه فالتحقيق أنه بطريق الإجازة القوية) الأكيدة من جهات عديدة (فيما لم يَذكره الشيخ)، فجاز لهذا - مع كون أوله سماعاً - إدراجُ الباقي عليه (ولا يفتقر إلى إفراده بالإجازة). (الثالث عشر: قال الشيخ) ابن الصلاح (٢): (الظاهر أنه لا يجوز تغيير : قال النبي صلى الله عليه وسلم، إلى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عكسُهُ، وإن جازت الرواية بالمعنى)، وكان أحمد إذا كان في الكتاب: عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال المحدث: رسول الله، ضَرَب وكتب: [ب] - الشيخ، وهو مشعر بأن البيان أولى، وأسند الخطيب بعده عن أبي العباس الوليد بن بكر الأندلسي، ولفظه: ((وينبغي في مثل هذا أن يقول: وذكر الحديثَ .. )). (١) ((اختصار علوم الحديث)) ص ١٤٩. (٢) ((المقدمة)) ص ٢١٠، وفيه التعليل الآتي. ٤٩١ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث لاختلافه . [ش] رسول الله (١)، وعلَّل ابن الصلاح ذلك (لاختلافه) أي: اختلاف(٢) معنى ((النبي)) و ((الرسول))، لأن الرسول: مَن أُوحِي إليه للتبليغ، والنّبي: من أُوحي إليه للعمل فقط(٣). [س) (١) ((الکفایة)) ص ٢٤٤. (٢) في ك: لاختلاف. (٣) وعلى هذا: فالأحاديث التي فيها تشريع للأمة ينبغي أن تصدَّر بـ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لم يكن فيها تشريع، تصدَّر بـ: قال النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك كبعض الأحاديث التي فيها إخبار عمَّا كان وعما سيكون، وبعض الأحاديث التي يقول فيها الشراح: الأمر فيها للإرشاد، فهو صلى الله عليه وسلم يقولها لنا بصفته نبيًّا منبَّئًا بالغيب، لا بصفته رسولاً. وأضرب على ذلك مثلاً: حديث أبي هريرة: ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسْه، ثم لينزعْه، فإن في إحدى جناحيه داءً، والأخرى شفاء))، رواه البخاري في موضعين، هذا لفظ أولهما (٣٣٢٠)، وشَرَحه الحافظ في الموضع الثاني (٥٧٨٢) فقال ١٠: ٢٥٠: هذا ((أمر للإرشاد، لمقابلة الداء بالدواء)) أي: لا للوجوب، فهو صلى الله عليه وسلم عَلِم من باب النبوة أن في أحد الجناحين داءً، وفي الآخر شفاء، فأمرنا بغمس الذبابة كلها بصفته نبيًّا لا رسولاً، إرشادًا منه لنا لسلامتنا من هذا الداء، صلوات الله وسلاماته عليه، قال العيني رحمه الله في ((شرح سنن أبي داود)) ١ : ١٢٠ ((إن أمر الندب لثواب الآخرة))، و((أمر الإرشاد لمنافع الدنيا غير مشتمل على ثواب الآخرة)). أقول هذا مع علمي أنه لا يمكن تطبيق هذه التفرقة على الأحاديث الواردة بهذا التوجّه: وهو أن كل حديث شريف عن أمر كان أو سيكون - مثلاً - مصدَّر بـ: قال النبي، وأن كل حديث تشريعي مصدّر بـ: قال الرسول، صلى الله عليه وسلم، لدخول الرواية بالمعنى على الرواة، ولتعذّر ادّعاء هذا الفهم وهذه التفرقة على = ٤٩٢ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث والصواب - والله أعلم - جوازه، لأنه لا يَختلِف به هنا معنى، وهذا مذهب أحمدَ بن حنبل، وحمادٍ بن سلمة، والخطيبِ. [ش] قال المصنف: (والصواب - والله أعلم - جوازه، لأنه) وإن اختلف معناه في الأصل (لا يَختلِف به هنا معنى)، إذِ المقصودُ نسبةُ القول لقائله، وذلك حاصل بكلّ من الوصفين(١). (وهذا مذهب أحمدَ بن حنبل) لمّا سأله ابنه صالح عنه، فقال: أرجو أن لا يكون به بأس(٢)، وما تقدم عنه محمولٌ على استحباب اتباع اللفظ دون اللزوم، (وحمادِ بن سِلمة، والخطيبِ(٣)). وبعضهم استدل للمنع بحديث البراء بن عازب في الدعاء عند النوم، وفيه: و ((نبيِّك الذي أرسلت))، فأعاده على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ورسولِك الذي أرسلتَ، فقال: ((لا، ونبيِّك الذي أرسلت)) (٤). قال العراقي(٥): ولا دليل فيه، لأن ألفاظ الأذكار توقيفية، وربما كان في اللفظ سرّ لا يحصُل بغيره، ولعله أراد أن يجمع بين اللفظين في موضع واحد، قال: والصواب ما قاله النووي، وكذا قال البلقيني(٦). [ب] - الصحابة رضي الله عنهم، أي: هل يرتضون هذه التفرقة أو لا؟. الله أعلم. (١) هذا التعليل ((إذ المقصود .. )) ليس في ك. (٢) ((الكفاية)) أيضًا، وما بعده: فهو من كلام الخطيب بالمعنى. (٣) المصدر السابق. (٤) تقدم تخريجه ص٤٢٥. (٥) في ((شرح الألفية)) ص ٢٧٨، وينظر ما تقدم تعليقًا ص ٤٢٦. (٦) فى ((محاسن الاصطلاح)) ص ٤١٦. ٤٩٣ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث الرابع عشر : إذا كان في سماعه بعضُ الوهْن فعليه بيانُه حالَ الرواية، ومنه : إذا حدثه مِن حفظه في المذاكرة فليقل : [ش] وقال البدر ابن جماعة: لو قيل يجوز تغيير ((النبي)) إلى ((الرسول))، ولا يجوز عكسه: لما بَعُد، لأن في ((الرسول)) معنىَ زائداً على ((النبي))(١). (الرابع عشر: إذا كان في سماعه بعضُ الوهْنِ) أي: الضعفِ (فعليه بيانُه حالَ الرواية) فإن في إغفاله نوعاً من التدليس، وذلك كأنْ يَسمعَ من غير أصل، أو يحدِّث(٢) هو أو الشيخُ وقتَ القراءة، أو حصل نوم أو نَسْخ، أو سمع بقراءة مصحِّف أو لحّان، أو كان التسميعُ بخطٌ مَن فيه نظر. (ومنه: إذا حدثه مِن حفظه في المذاكرة) لتساهلهم فيها(٣) (فليقل(٤): - [ب] (١) ((المنهل الروي)) ص ١٠٤. (٢) كذا في النسخ: أو يحدِّث، وأظن صوابه: أو يتحدَّث، بمعنى: يتكلم كلامًا لا يكون معه إصغاء للتحمل. والله أعلم. ثم وجدتها كما صوَّبت عند العراقي في ((شرح الألفية)) ص ٢٧٩. (٣) سبب التساهل - أو قل: التسامح - في أحاديث المذاكرة: أن كلاً من المتذاكِرَين غيرُ متأهِّب للرواية، ولا مستحضر لما سيرويه أو سيُسأل عنه، أو لما سيعرِض له في المجلس، فهو مجلسٌ كمجالس (الأمسية)، أو لقاءِ دعوةٍ وحفلٍ، ومن عادتهم رحمهم الله أن لا يجلسوا بغير إفادة واستفادة، فيتذاكرون العلم، فلا يكون ضبط ودقّة كما ينبغي، ولو لألفاظِ الأداء والتحمل، وينظر ما تقدم ٢ : ٤٣٤. (٤) هكذا عبَّر الإمام النووي هنا بصيغة الأمر: فليقل، وعبارته في ((الإرشاد)) ص ١٦٥، ومِن قبله ابن الصلاح ص ٢١٠: فعليه البيان، أما عبارة الخطيب في ((الجامع)) = ٤٩٤ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث حدثنا في المذاكرة، كما فعله الأئمة، ومنع جماعةٌ منهم الحملَ عنهم حال المذاكرة. وإذا كان الحديث عن ثقة ومجروح، أو ثقتين، فالأولى أن يذكرهما، فإن اقتصر على ثقة فيهما لم يَحرُم. [ش] حدثنا في المذاكرة) ونحوَه (كما فعله الأئمة، ومنع جماعةٌ منهم) كابن مهديّ، وابن المبارك، وأبي زرعة (١) (الحملَ عنهم حال المذاكرة) لتساهلهم فيها، ولأن الحفظ خوّان، وامتنع جماعة من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم لذلك، منهم أحمد بن حنبل (٢). (وإذا كان الحديث عن) رجلين أحدُهما (ثقة، و) الآخر (مجروح)، كحديثٍ لأنس مثلاً، يرويه عنه ثابتٌ البُناني، وأبان بن أبي عيَّاش، (أو) عن (ثقتين، فالأولى أن يذكرهما) لجوازٍ أن يكون فيه شيء لأحدهما لم يذكره الآخر، وحُمل لفظُ أحدهما على الآخر، (فإن اقتصر على ثقة فيهما لم يَحرُم) لأن الظاهر اتفاق الروايتين، وما ذُكر من الاحتمال نادر بعيد، ومحذورُ الإسقاط في الثاني، أقلُّ من الأول. [ب] - (١١١٨): فينبغي له. والأصل في هذه الكلمة أنها تفيد الاحتياط، وبهذا صرَّح في آخر الباب فقال (١١٢٣): أَستحبُّ أن يقول: حدثَناه في المذاكرة. (١) ((الجامع)) للخطيب (١١١٩ - ١١٢٢). (٢) ينظر ((الجامع)) للخطيب (١٠٣٧ - ١٠٤١)، و((أدب الإملاء)) (١٢٥ - ١٢٧)، و((تاريخ)) ابن عساكر ٢٨٠:٥. ٤٩٥ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [ش] قال الخطيب(١): وكان مسلم بن الحجاج في مثل هذا ربما أسقط المجروح، ويذكر الثقة، ثم يقول: وآخر، كناية عن المجروح(٢)، قال: وهذا - [ب] - (١) في ((الكفاية)) ص ٣٧٨، وكذا القول الثاني. (٢) لكني لم أر في ((صحيح)) مسلم ما يصلح شاهدًا لهذه المسألة، ليقال: إن مسلمًا أسقط المجروح وذكر الثقة، إنما الذي رأيته فيه هذه المواضع الخمسة: - ٣٤٥:١ (٢٠٠): (( ... ابن عيينة، حدثنا أبانٌ وغيره)). - ١٠٣٤:٢ (٥٦): (( ... ابن وهب، عن الليث وغيره)). - ١٠٢٦:٢ (٦٨): (( ... ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس وغيره)). - ١٧٤٣:٤ (١٠٢): (( ... ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وغيره)). - ١٨٦١:٤ (قبل ١٨): (( ... صالح - ابن كيسان - قال: قال الأعرج وغيره)). ولا يصح أن نقول: إن هذا الإبهام صنيع مسلم أبدًا، لأنه من طبقة عالية على طبقته، فابن عيينة، وابن وهب، وابن شهاب، وابن كيسان، هم من الطبقة الثانية والثالثة من رجال إسناده، فلا يتصور منه أن يتصرف في أسانيدهم. والله أعلم. وانظر الفرع الثامن المتقدم ص ٤٧٢، فإذا كان لا يجوز له أن يزيد في نسب شيخ شيخه، أو صفته، فكيف يتصرف مسلم مثل هذا التصرف؟ !. ثم رأيت في ((النكت الوفية)) ٢٧٨:٢ قوله: ((ووقع للبخاري: عن مالك وابن فلان، ومثل ذلك للنسائي کثیر)). أما حديث البخاري (٢٥٥٩) فرواه من طريق ابن وهب، عن مالك وابن فلان، فهذا من صنيع ابن وهب، ومثله في النسائي ((الصغرى)) ١٤٨:١ (٢٧٦): ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، وذكر آخر، عن أبي الأسود. فقوله: ((وقع للبخاري)): أي: وقع في ((صحيح)) البخاري، وهكذا يقال في قوله: ((ومثل ذلك للنسائي))، أي: وقع مثله للنسائي في ((سننه))، وهكذا يقال في تأويل = ٤٩٦ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث وإذا سَمع بعضَ حديثٍ من شيخ، وبعضه من آخر، فروى جُملته عنهما مبيّناً أن بعضه عن أحدهما، وبعضه عن الآخَر : جاز، ثم يصير كل جزء منه كأنه رواه عن أحدهما مبهماً، فلا يحتجُّ بشيء منه إن كان فيهما مجروح، ويجب ذكرهما جميعاً، مبيّناً أن عن أحدهما بعضه، وعن الآخر بعضه. [ش] القول لا فائدة فيه. وقال البلقيني(١): بل له فائدة تكثير الطرق. (وإذا سَمع بعضَ حديثٍ من شيخ، وبعضه) الآخر (من) شيخ (آخر، فروى جُملته عنهما مبيِّناً أن بعضه عن أحدهما، وبعضه عن الآخر) غير مميِّز لما سمعه من كل شيخ عن الآخر : (جاز (٢)، ثم يصير كل جزء منه كأنه رواه عن أحدهما مبهماً، فلا يحتجُ بشيء منه إن كان فيهما مجروح). لأنه ما من جزء منه إلا ويجوز أن يكون عن ذلك المجروح (ويجب ذكرهما) حينئذ (جميعاً، مبيِّناً أن عن أحدهما بعضه، وعن الآخر بعضه)، ولا يجوز ذكرهما ساكتاً عن ذلك، ولا إسقاطُ أحدهما (س) عبارة الخطيب عن مسلم: ربما أسقط المجروح، وذَكر الثقة، أي: فيما يرويه في كتابه بإسناده، وغيرُه هو الذي يُبهِم، لا أنه هو، والله أعلم. (١) في ((محاسن الاصطلاح)) ص ٤١٧، وأتى الشارح بالمهمّ من كلامه، وهو بتمامه: ((فائدته: الإعلام بأنه رواه عن رجلين، وأن المذكور لم ينفرد، وفيه إعلام بتبّع الطرق)). (٢) أي: جاز هذا الإدراج، لكن النتيجة - كما سيقول -: لا يحتج بشيء منه إن كان فيهما مجروح. ٤٩٧ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [ش] مجروحاً كان أو ثقة. ومن أمثلة ذلك حديث الإفك في ((الصحيح))(١) من رواية الزهري، حيث قال: حدثني عروة، وسعيد بن المسيَّب، وعلقمة بن وقاص، وعُبيدالله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، قال: وكلَّ قد حدثني طائفةً من حديثها، ودخل حديث بعضهم في بعض، وأنا أوعى لحديثِ بعضِهم من بعض، فذكر الحدیث. قال العراقي(٢): ((وقد اعتُرِض بأن البخاري أسقط بعض شيوخه في مثل هذه الصورة، واقتصر على واحد، فقال في كتاب الرِّقاق من ((صحيحه))(٣): حدثني أبو نعيم بنصفٍ من هذا الحديث، حدثنا عمرو بن دينار، حدثنا مجاهد: أن أبا هريرة كان يقول: اللهِ الذي لا إله إلا هو، إنْ كنتُ لأعتمدُ بكبِدي - [ب] (١) أي: ((صحيح البخاري))، وقد رواه البخاري في ثمانية عشر موضعًا من ((صحيحه)) أولها (٢٥٩٣)، وهذه الصيغة التي نقلها الشارح - بواسطة العراقي في ((شرح الألفية)) ص ٢٨٠ -، ولفظه (٢٦٦١) بعد ما ذكر شيوخه الأربعة: ((قال الزهري: وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم أوعى من بعض، وأثبتُ له اقتصاصًا، وقد وَعَيْت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعضُ حديثهم يصدِّق بعضًا))، وليس فيها كلها قوله: ((دخل حديث بعضهم في بعض)). (٢) في ((التقييد والإيضاح)) ٧٢٩:١. (٣) (٦٤٥٢) ولفظه: ((حدثني أبو نعيم بنحوٍ من نصف هذا الحديث))، واعتمد في ((الفتح)) ٢٨٣:١١ كلام شيخه العراقي المذكور، وانظر: ((النكت الوفية)) ٢٨٢:٢ - ٢٨٨. ٤٩٨ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [ش] على الأرض من الجوع، الحديثَ. قال: والجواب: أن الممتنع إنما هو إسقاطُ بعضهم، وإيرادُ كلِّ الحديث عن بعضهم، لأنه حينئذ يكون قد حدث عن المذكور ببعض ما لم يسمعه منه، فأما إذا بيَّن أنه لم يسمع منه إلا بعضَ الحديث، كما فعل البخاري هنا، فليس بممتنع. وقد بين البخاري في كتاب الاستئذان(١) البعضَ الذي سمعه من أبي نعيم فقال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عُمر. [وَ] حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا عمر بن ذرّ، أخبرنا مجاهد، عن أبي هريرة قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد لبناً في قَدَح، فقال: ((أبا هِرّ الحقْ أهل الصُّفّة فادعهُم إليَّ)، قال: فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا، فأذِن لهم (٢) فدخلوا. انتھی فهذا هو بعض حديث أبي نعيم الذي ذكره في الرِّفَاق، وأما بقيةُ الحديث فيحتمل أن البخاري أخذه من كتاب أبي نعيم وِجادةً، أو إجازة، أو سمعه من شيخ آخرَ غيرِ أبي نعيم، إما محمد بن مقاتل أو غيره، ولم يبين ذلك، بل [س) (١) في ((الصحيح)) (٦٢٤٦). (٢) كلام العراقي ٧٣٠:١، مع أن الكلام التالي كلَّه متصل به!، وما بين المعقوفين منه، ومن ((الصحيح))، وعند العراقي: (ح، و). وكذلك تحرف في نسخ الشرح: عمر بن ذرّ إلی عمرو بن دينار !!. وعمر: هو ابن ذرّ، وتحرف في نسخ التدریب ۔ بعد کلیمات - إلى: ابن دينار. ٤٩٩ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [ش] اقتصر على اتصال بعض الحديث من غير بيان، ولكنْ ما من قطعة منه إلا وهي محتملة لأنها غيرُ متصلة بالسماع، إلا القطعة التي صرح في الاستئذان باتصالها(١). [ب] - (١) على حاشية ك: ((الحمد لله. ثم بلغ قراءة عليَّ، كتبه مؤلفه لطف الله به. آمین)». ٥٠٠ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث النّع السّائعُ والعشرون: مَعْرفة آداب المحدث علم الحدیث شریف یناسب مکارم الأخلاق ومحاسِن الشِّیم، [ش] (النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدِّث) (علم الحديث شريف)، وكيف لا وهو الوُصْلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والباحثُ عن تصحيح أقواله وأفعاله والذب (١) عن أن يُنسب إليه ما لم يقله، وقد قيل(٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلّ أُنَاسِ بِإِمَِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]: ليس لأهل الحديث منقبةٌ أشرفُ من ذلك، لأنه لا إمامَ لهم غيرُه صلى الله عليه وسلم، ولأن سائر العلوم الشرعية محتاجة إليه، أما الفقه: فواضح(٣)، وأما التفسير: فلأنّ أولى ما فُسِّر به كلام الله تعالى ما ثبت عن نبيه صلی الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. وهو علم (يناسب مكارم الأخلاق ومحاسِنِ الشِّيم) وينافر ضدَّ ذلك. [ب] - (١) التقدير: والباحث عن طُرُق الذَّبِّ عن أن ينسب إليه ما لم يقله. (٢) نَسَبه ابن كثير في تفسر الآية المذكورة إلى ((بعض السلف)). (٣) قال الإمام ابن الصلاح في مقدمةِ ((مقدمته)): ((لا سيما الفقهُ الذي هو إنسانُ عیونها)). وإنسان العين: هو البؤبؤ الذي تكون به الرؤية.