النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [ش] وقال الماوردي(١): إن نسي اللفظ جاز، لأنه تحمَّل اللفظ والمعنى، وعَجَز عن أداء أحدهما فيلزمه أداء الآخر، لا سيما أن تركه قد يكون كتماً للأحكام، فإن لم ينسَه لم يجز أن يورده بغيره، لأن في كلامه صلى الله عليه وسلم من الفصاحة ما ليس في غيره. وقيل: عكسه، وهو الجواز لمن يحفظ اللفظ، ليتمكّن من التصرف فيه (٢)، دون من نسیه. وقال الخطيب(٣): يجوز بإزاءِ مرادفٍ. وقيل: إن كان موجَبه علماً جاز، لأن المعوَّل على معناه، ولا تجب مراعاة اللفظ، وإن كان عملاً: لم يجز. (١) في ((الحاوي الكبير)) ٩٧:١٦، بتصرف، لكن ليس هذا رأيَ الماوردي في المسألة عامة من حيث هي، إنما هو رأيه في صورة من صور متعددة ذكرها، ابتداء من ص ٩٥ - ٩٨، فتنظر هناك، نعم، نَسَب السخاوي ١٢٦:٣ إليه وإلى الروياني أنهما يقولان بقول ابن العربي: تجوز الرواية بالمعنى للصحابي دون غيره، والذي في ((الحاوي)) ٩٧:١٦، و((أدب القاضي)) له ١ (٨٩٣) شيء واحد، هو: ((الذي أراه: إن كان يحفظ اللفظ، لم يجز أن يرويه بغير ألفاظه، ... ، وإن لم يحفظ اللفظ، جاز أن يورد معناه بغير لفظه ... )) وهذا ما أراده الشارح. (٢) لو قال: لتمكُّنه من التصرف فيه. (٣) في ((الكفاية)) ص ١٩٨ من قوله: ((وقال قوم من أهل العلم: الواجب على المحدث ... ))، ونقلتُ شيئاً من تتمته فيما تقدم ص٤٢٥. ٤٤٢ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [ش] وقال القاضي عياض(١): ينبغي سدّ باب الرواية بالمعنى، لئلا يتسلَّط من لا يُحسِن ممن يَظن أنه يُحسن، كما وقع للرواة كثيراً قديماً وحديثاً، وعلى الجواز (٢): الأَولى إيراد الحديث بلفظه دون التصرف فيه. ولا شك في اشتراط: أن لا يكون مما تُعبِّد بلفظه، وقد صرح به هنا الزركشي(٣)، وإليه يرشد كلام العراقي الآتي في إبدال الرسول [ب] - (١) في ((إكمال المُعْلِم)) ٩٤:١ - ٩٥ بتصرف، لكنه رحمه الله قال في صدر كلامه: ((اختلف المحدثون والفقهاء والأصوليون في اختصارِ الحديث، والتحديثِ به على المعنى، وفي الحديث يُفْصَل منه دون كماله ... )) فهما مسألتان: تجزئة الحديث واختصاره، ورواية الحديث بالمعنى، وقوله: ((بسدِّ الباب)) جاء في آخر بحثه، فهو محتمل لأن يكون رأيه في المسألتين، أو لإحداهما: الرواية بالمعنى، أو تجزئة الحديث؟ مع أنه أقرب إلى مسألة تجزئة الحديث وتفريقه على الأبواب، لا للرواية بالمعنى. ثم إن الشارح نقل عنه: ((ينبغي سدّ الباب))، ولفظ عياض: ((يجب سدّ الباب)). (٢) قد يستفاد هذا من كلام للقاضي عياض في ((الإلماع)) ص ١٨٠ من قوله: ((وأما من بعدهم - بعد الصحابة -: فالمحافظة أولى على الألفاظ المبلَّغة إليهم ... )). (٣) [هذا مأخوذ من كلام الزركشي في ((البحر)) - ٤ : ٣٥٧ - فقد ذكر فيه: أن المتعبّد بلفظه كألفاظ التشهد، فلا بدّ من نقله باللفظ قطعاً، ولا يجوز نقله بالمعنى بالاتفاق، وكذا المتشابه كأحاديث الصفات، لا يجوز نقلها بالمعنى بإجماع، وكذلك المشكل والمشترَك لا ينقله أحدٌ بالمعنى لتعذر نقله بلفظ آخر، وكذا المجمَل، وكذا ما يكون من جوامع الكلم، كقوله ((الخراج بالضمان))، و((العجماء جُبَار))، قال: والأصح عندنا أنه لا يجوز، لاختصاصه صلى الله عليه وسلم بهذا النظم، وكأن هذا = ٤٤٣ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [ب] النوع هو المراد بقوله: ((فأدّاها كما سمعها)). انتهى ملخصاً من ((البحر)). ولا يخفى أن مجموع ذلك كثير يعسُر استيعابه لا نادر، وحينئذ قد يشكل قول المصنف في ((اقتراحه)): وأما كلامه صلى الله عليه وسلم فيستدلَّ منه بما ثبت أنه قاله على اللفظ المروي، وذلك نادر جداً، إنما يوجد في الأحاديث القصار على قلة أيضاً. انتهى، فليتأمَّل. بل رأيت في شرح ألفية البرماوي - تقدم -: أن الذي من جوامع الكلم لا ينحصر. انتهى. وأقول لكنه بالنظر إلى غيره قليل، فلا إشكال.]. ((المصنف)): هو الشارح الإمام السيوطي. و((الاقتراح)) هو كتابه المشهور في أصول النحو، وينظر منه ٤٤٦:١ بشرحه لابن الطيب الفاسي، المسمى ((فيض نشر الانشراح))، وأفاض في مناقشة رأي الشارح حتى ص ٥٢٥، وسَبَق الشارحَ: أبو الحسن علي بن محمد ابن الضائع الكُتَامي الأندلسي المتوفى سنة ٦٨٠، وبعده: أبو حيان الأندلسي المتوفى سنة ٧٤٥، إذْ نَفَيا صحة الاستدلال بالحديث الشريف في النحو، أما الشارح فقال ما تراه. وأفرد هذه المسألة بالكتابة من المعاصرين: شيخ شيوخنا العلامة الأصولي الشيخ محمد الخَضِرِ الحسين، شيخ الجامع الأزهر (ت١٣٧٧) رحمه الله، وجاءت كتابته بالنسبة لمن بعده وجيزة، ثم الدكتورة خديجة الحديثي من بغداد، في مجلد. ثم أفردها بالكتابة أخوان كريمان حفظهما الله تعالى: الدكتور محمود فجال، وكتابه ((الحديث النبوي في النحو العربي))، في مجلد، مع صفحات يسيرة كتبها في شرحه ((الإصباح في شرح الاقتراح)) ص ٧٤ - ٨٩، ثم الدكتور فخر الدين قَبَاوة في كتابه ((تاريخ الاحتجاج النحوي بالحديث الشريف)) في مجلد أيضًا، وهو - كما قال في عنوانه - بحثٌ وثائقي للتأصيل. وقد نَصَرا - زادهما الله خيراً - القول بصحة الاحتجاج بالحديث الشريف نحويًّا، بشدّة، وردّا على ابن الضائع، وأبي حيان، والسيوطيِّ، نفيهم أو حَذَرهم من الاحتجاج به. = ٤٤٤ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث وهذا في غير المصنفات، ولا يجوز تغييرُ تصنيفٍ وإن كان بمعناه. [ش] بالنبي، وعكسه(١). وعندي: أنه يشترط أن لا يكون من جوامع الكلم(٢). (وهذا) الخلاف إنما يجري (في غير المصنفات، ولا يجوز تغييرٌ) شيء من (تصنيف) وإبدالُه بلفظ آخر (وإن كان بمعناه) قطعاً، لأن الرواية بالمعنى رَخَّص فيها مَن رخّص، لِمَا كان عليهم في ضبط الألفاظ من الحرج، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه الكُتب، ولأنه إنْ ملك تغيير اللفظ فليس - (ت) وأهم شبهة لمن نَفَى: هي أن الحديث رُوي بالمعنى، وأقول عن هذه الشبهة: هذا هو الشرط الرابع للقول بجواز الرواية بالمعنى، وهو في ((البحر المحيط)) ٤ : ٣٥٧، وليس قولاً مستقلاً، وهذه الأقوال التي حكاها الشارح - وغيرها - هي هناك ٤ : ٣٥٦ - ٣٦١. وأما اختلاف الروايات الواقع في بعض ما هو متعبَّد به - كاختلاف روايات التشهد والصلوات الإبراهيمية، مثلاً -: فهذا يحمل على اختلاف الراوي الصحابي المتحمِّل للحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، فتعدُّد الوقائع أمر وارد هنا جداً، ولا يسوغ للتابعي فمن بعده أن يرويها بالمعنى بحجة جواز ذلك. ودليل القائلين بهذا الاشتراط - والله أعلم - حديث البراء بن عازب: ((وبنبيِّك الذي أرسلت))، المتقدم تعليقاً ص ٤٢٥. (١) ينظر الفرع الثالث عشر الآتي ص ٤٩٠. (٢) هذا هو الشرط السادس للقول بجواز الرواية بالمعنى، وهو في ((البحر المحيط)) ٣٥٧:٤، وليس قولاً مستقلاً. ٤٤٥ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [ش] يملك تغييرَ تصنيفٍ غيرِه (١). (س). (١) [تعقبه ابن دقيق العيد - ((الاقتراح)) ص ٢٣٥ - في ذلك بأنه ضعيف، قال: وأقلُّ ما فيه أنه يقتضي تجويز هذا فيما ينقل من المصنفات في أجزائنا وتخاريجنا، فإنه ليس فيه تغيير المصنف، قال: وليس هذا جارياً على الاصطلاح، فإن الاصطلاح على أن لا تُغيَّر الألفاظ بعد الانتهاء إلى الكتب المصنفة، سواء رَوَيناها فيها، أو نقلناها منها. انتهى. قال بعض شيوخنا : ولقائل أن يقول : لا نسلِّم أنه يقتضي جواز التغيير فيما نقلناه إلى تخاريجنا، بل لا يجوز نقله عن ذلك الكتاب إلا بلفظه دون معناه، سواء في مصنفاتنا وغيرها. انتهى. بِرماوي - في ((شرح ألفيته)) ١: ٩٥/أ -. ]. هذا، ومع ما أفاده الإمام الشارح رحمه الله وأطال به في الحديث عن هذا الفرع الرابع - الرواية بالمعنى -: فإن لعلماء الأصول صولات ومباحثات أخرى، جزاهم الله خيراً، وسألخص نقاطاً أُراها مهمة في البحث، وأتكلم عنها باختصار، وأرجئ البيان أكثر مما هنا، إلى المسائل المفردة التي طبعتها بعنوان: ((مجموع رسائل في علم الحدیث دراية))، إن شاء الله تعالى. وأقول هنا: ١ - إن مسألة الرواية بالمعنى محصور بحثها في قسم خاص من السنة النبوية، هو: الأحاديث القولية، أما الفعلية، والتقريرية، والشمائل ونحوها: فلا تدخل معنا في البحث، وهذا يستوعب عدداً كبيراً من السنة النبوية. ٢ - إن أول من يتوجّه إليه البحث معه: هم الصحابة رضي الله عنهم، وهم أصحاب الفطانة واليقظة والنباهة، وهذا الصنف من الناس لا يُخشى منهم ما يخشى من العامة والدهماء. = ٤٤٦ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [ب] ٣ - والمعهود من أنفسنا نحن، أننا أشدُّ حفظاً لأحوال من تكون لنا به صلة علمية، أو روحية، أو مرجعية، عملية وظيفية، وهؤلاء رضي الله عنهم اكتملت فيهم هذه النوازع والبواعث للحفظ: الخَلقية، والعلمية، والروحية، والمرجعية. ٤ - إلى جانب ذلك: الهدي النبوي الكريم في تلقينه صلى الله عليه وسلم لهم العلم، فما كان يسرد الحديث كسردنا، وكان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً. ٥ - وقد بدأت كتابة السنة كتابة خاصة في العهد النبوي، فقد كتب علي رضي الله عنه، وأذن صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بالكتابة، وقال: ((اكتبوا لأبي شاه)). ٦ - وما ننتقل من عهد كبار التابعين إلا ونرى تدوين السنة تدويناً عاماً قد بدأ انتشاره، فقد كتب أبو شجرة كثير بن مرة الحضرمي، وكانت وفاته بين ٨٠ - ٩٠ للهجرة، وكتب الشعبي المتوفى سنة ١٠٥، وكتب أبو العالية الرياحي، وعروة بن الزبير، وهما معاصران للشعبي، وتوقّیا قبله بقليل. وروى يعقوب بن سفيان ١ : ٤٧٧ - ٤٧٨ عن مالك قال: مات أبو قلابة - عبد الله ابن زيد الرقاشي المتوفى سنة ١٠٤ - فبلغني أنه ترك حِمل بغل كتباً. ثم روى في ص٤٧٩ عن معمر بن راشد قال: أُخرجتْ دفاتر الزهري على الدواب. وكانت وفاته سنة ١٢٤. وهكذا انتشر التدوين انتشاراً كبيراً ومبكِّراً، ومع ذلك، فلا بدّ من ذكر شبهة مع جوابها. لقائل أن يقول: إنه مهما كانت اليقظة والنباهة في فطرة الإنسان، فإنه لا بدّ له من كبوة في فهمه أو حفظه، وما إلى ذلك من كلام يطوِّله المشتبِه المغرِض، ويقصِّره المحبّ المواتي، وأقول في جوابه: ١ - لا بدّ أن نعيش بروح تتلاءم مع رجال ذلك العصر، روح التقوى الله، ومراقبته سبحانه، وملاحظة ذلك في سلوكهم وحياتهم، وأنهم عارفون مدركون = ٤٤٧ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [ب] لخطورة عملهم، وهو أنهم ينقلون للأجيال من بعدهم دين الله وشريعته، فهم مؤتَمَنون، وفي المصادر الأصول أخبار كثيرة لمن يتتبعها، وتتعيَّن قراءتها، لتتضح السيرة الحقيقية عنهم. وأحيل إحالة موجزة إلى الأخبار الاثنين والعشرين (٢٢) التي في مقدمة ((سنن)) الدارمي (٢٦٦ - ٢٨٧). ٢ - وأمانتهم هذه تحملهم على أن يكونوا في دقة متناهية تتناسب مع ثقل المسئولية، وقد نُقل إلينا من أخبارهم العجب العجاب، وقد ذكرت جملة منها في كتابي ((معالم إرشادية)) ص١٨٩ - ١٩١، ومنها: ما رواه الخطيب في ((الكفاية)) ص٦٩ عن خلف بن سالم المخرِّمي الذي حلاَّه الذهبي في ((السير)) ١١: ١٤٨ بالإمام الحافظ المجوِّد، قال خلف: «سمعت سفیان بن عيينة یقول: نا عمرو بن دینار، یرید: حدثنا عمرو بن دينار، فإذا قيل - لخلف -: قل: حدثنا عمرو، قال: لا أقول، لأني لم أسمع من قوله (حدثنا) ثلاثة أحرف، لكثرة الزحام، وهي: ح د ث)) !! فانظر إلى هذه الأمانة المتناهية في الرواية والنقل، مع أن ابن عيينة من القائلين بالرواية بالمعنى !. ٣ - ومن المعلوم: أن من أهم عوامل حفظ العلم استذكاره ومدارسته، وقد كان هذا الخُلُق العلمي قائماً في حياتهم اليومية، وتُنظر الأخبار في ذلك فيما كتبته في ((المعالم)) أيضاً ص ٢٦٣ - ٢٦٩، فقد أشرت إلى جملة منها، وذكرت أسماءهم، وتبيّن أنه شأن من كان عليهم (مدار الإسناد والرواية)، وهم من الصحابة: سيدنا علي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، ومن طبقة كبار التابعين: علقمة، والنخعي، وابن شهاب، وابن أبي ليلى، وغيرهم. ومن غرائب أخبارهم: أن إسماعيل بن رجاء الزُبيدي ۔ أحد الثقات - كان يأتي صبيان الكُتَّاب، فيعرض عليهم حديثه كي لا ينسى. رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٦٦٦٠). وفي ((الجامع)) للخطيب (١٨٨٧، ١٨٨٨) عن ابن شهاب الزهري: أنه كان = ٤٤٨ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث وينبغي للراوي بالمعنى أن يقول عقيبه: أو كما قال، أو : نحوَه، أو : [ش] (وينبغي للراوي بالمعنى أن يقول عقيبه: أو كما قال، أو : نحوَه، أو : (س) يحدِّث جاريته بما سمعه من عروة بن الزبير، فتقول له الجارية: ما لي ولهذا الحديث؟! فيقول: قد علمت أنك لا تنتفعين به، ولكن سمعته الآن، فأردت أن أستذكره. وكان يجمع الأعاريب فيحدِّثهم، يريد: الحفظ. وهكذا شأن سيد الرواة والحفاظ من الصحابة رضي الله عنهم: أبو هريرة، فإنه كان لا يكتب، لكن كان دائم المذاكرة لمحفوظاته، كما روى ذلك عنه الدارمي (٢٦٤)، والخطيب في ((الجامع)) (١٨٦٩) أنه قال: ((جزَّأتُ الليل ثلاثة أجزاء: ثُلُثاً أصلِّي، وثلثاً أنام، وتُلُثاً أذکر فیه حديث رسول الله صلی الله علیه وسلم)). وكان على هذا السَّنن - كما روى عنهم الخطيب عقبه -: عمرو بن دينار، وسفيان الثوري، فهؤلاء الثلاثة: أبو هريرة، وعمرو، وسفيان، كلّ واحد منهم عليه ءِ مدار الإسناد في طبقته، وقد كانوا يفعلون ذلك. ٤ - والسياج الأخير والحصن الواقي هو ما كان عليه الأئمة المحدثون من اليقظة التامة للنظر والنقد لكل رواية، ولكل راوٍ، فما كان يُفْلَت منهم رواية واحدة، لأي راو واحد، وأقرب الأمثلة: أن الإمام مالكاً - وجلالتُه عندهم وعند غيرهم معروفة - فإنه لم يَخْلُ من تتبّعهم له واستدراكهم عليه لما سمى شيخه: عُمر بن عثمان، وخالفه غيره وقالوا: عمرو بن عثمان، فهذا البحث والتتبع، والموازنة، والمقارنة بين الروايات، وهذه الدراسات والمباحثات المعنوية، التي يقوم بها طائفتان عظيمتان: المحدثون من جانب، والفقهاء والأصوليون على مختلف مذاهبهم من جانب، هي الحصن الحصين للإسلام عامة، وللسنة النبوية خاصة، ومعاذ الله أن يُفْلت منهم شيء. وأحيل القارئ الكريم إلى ما كتبته في الجزء المفرد المطبوع باسم ((مجموع رسائل في علم الحديث دراية)). ٤٤٩ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث شِبْهه، أو ما أشبه هذا من الألفاظ. [ش] شِبْهه، أو ما أشبه هذا من الألفاظ)، وقد كان قوم من الصحابة يفعلون ذلك، وهم أعلم الناس بمعاني الكلام، خوفاً من الزلل، لمعرفتهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر(١). روى ابن ماجه، وأحمد، والحاكم(٢) عن ابن مسعود أنه قال يوماً: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاغرورقت عيناه وانتفختْ أوداجه، ثم قال: أو مثله، أو نحوه(٣)، أو شبيهًا به. [ب] - (١) نعم، وستأتي حكاية ذلك عن ثلاثة منهم، وهذا لا يدل على أكثر مِن تحفّظهم واحتياطهم. وقد جعل السرخسي هذا الصنيع منهم دليلاً على جواز الرواية بالمعنى من حيث الجملة، وقد نقلتُ كلامه قريباً ص ٤٣٦، فينظر. ومن وجهة أخرى، فإنه لا يجوز الاسترواح إلى هذا القول: ((أو كما قال)) ونحوه، من بعض الصحابة رضي الله عنهم، فنتساهلَ ونستروحَ ونقول قولهم، معتقدين براءة ذمتنا، في حين لا نفعل فعلهم، وهو حذرهم الشديد من التصرف، وخوف الغلط عليه، عليه الصلاة والسلام، بل الواجب علينا التثُبُّت والمراجعة والبحث، ولاحظْ حال ابن مسعود ووصفَ الراوي له: اغرورقتْ عيناه وانتفخت أوداجه، رضي الله عنه !. (٢) ابن ماجه (٢٣)، وأحمد ٤٥٢:١، والحاكم (٣٧٨)، وهو في ((مصنف)) ابن أبي شيبة (٢٦٧٤٦)، وينظر تخريجه هناك. (٣) [فائدة: قال البرماوي في ((شرح العمدة)) في حديث عثمان: ((نحو وَضوئي)) ما نصه: معنى ((نحو)): مثل، وهو أحد معانيها المشهورة، إلا أن بينهما فرقاً من = ٤٥٠ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث وإذا اشتبهتْ على القارىء لفظةٌ فحسنٌ أن يقول بعد قراءتها على الشك : [ش] وفي ((مسند)) الدارمي، و((الكفاية)) للخطيب(١) عن أبي الدرداء: أنه كان إذا حدَّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أو نحوَه، أو شبهَه. وروى ابن ماجه، وأحمد (٢) عن أنس بن مالك: أنه كان إذا حدَّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففَرَغ قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (وإذا اشتبهتْ على القارىء لفظةٌ فحسنٌ أن يقول بعد قراءتها على الشك : حيثُ إن ((مثل)) تقتضي المساواة من كل وجه إلا الوجه الذي به الامتياز بين الحقيقتين، بحيث يخرجان عن الوحدة، بخلاف ((نحو)) فإنها لا تقتضي ذلك، كذا قرره الشيخ تقي الدين هنا - ((إحكام الأحكام)) ١: ٨٥ -، وقرره النووي - ((شرح مسلم)) ٣ : ١٠٨ - وغيرهما، وإن الشيخ تقي الدين خالف ذلك في باب الأذان ــ ((الإحكام)) أيضًا ١ : ٢٠٩ - في قوله عليه الصلاة والسلام: ((فقولوا مثل ما يقول)) إذْ قال: إن فيه دلالة على أن لفظة ((مثل)) لا تقتضي المساواة من كل وجه، والمشهور إنما هو الأول، ولهذا فرق المحدثون، مسلمٌ في ((صحيحه)) وغيرُهُ، بينهما، فقالوا فيما كان مثلَ الحديث سنداً ومتناً من كل وجه: مثل، وفيما قاربه: نحو. انتهى، والله أعلم.]. وتقدم النقل عن الحاكم في ((الرسالة البغدادية)) تأكيد تفرقته على هذا النحو بين: مثل، ونحو. (١) ((سنن)) الدارمي (٢٦٨، ٢٦٩) ورجالهما ثقات، و((الكفاية)) ص ٢٠٥ وسنده متصل. (٢) ابن ماجه (٢٤)، وأحمد ٥٠:٣، ٢٢٠، ٢٣٥، وهو في ((مصنف)) ابن أبي شيبة (٢٦٧٤٧)، وسنده صحيح. ٤٥١ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث أو كما قال، لتضمُّنه إجازةً وإذناً في صوابها إذا بان. الخامس : اختلف في رواية بعضِ الحديثِ الواحدِ دون بعض، فمنعه بعضهم مطلقاً، بناءً على منع الرواية بالمعنى، ومنعه بعضهم مع تجويزها بالمعنى، إذا لم يكن رواه هو أو غيرُه بتمامه قبل هذا، وجوَّزه بعضهم مطلقاً، والصحيح التفصيل، وجوازُه من العارف إذا . [ش] أو كما قال، لتضمُّنْه إجازةً) من الشيخ (وإذناً في) روايةِ (صوابِها) عنه (إذا بان). قال ابن الصلاح(١): ثم لا يشترط إفراد ذلك في الإجازة، كما تقدم قريباً. (الخامس : اختلف) العلماء (في رواية بعضِ الحديثِ الواحدِ دون بعض) وهو المسمى: باختصار الحديث(٢) (فمنعه بعضهم مطلقاً، بناءً على منع الرواية بالمعنی، ومنعه بعضهم مع تجویزها بالمعنی إذا لم یکن رواه هو أو غيرُه بتمامه قبل هذا)، وإن رواه هو مرة أخرى، أو غيرُه على التمام: جاز. (وجوَّزه بعضهم مطلقاً)، قيل: وينبغي تقييده بما إذا لم يكن المحذوف متعلقاً بالمأتيّ به، تعلقاً يُخِل بالمعنى حذفه، كالاستثناء والشرط والغاية ونحو ذلك، والأمرُ كذلك، فقد حكى الصفيّ الهندي(٣) الاتفاق على المنع حينئذ. ـيـ (والصحيح التفصيل) وهو المنع من غيرِ العالم، (وجوازُه من العارف إذا [ب] - (١) ((المقدمة)) ص ١٩٢. (٢) ينظر هذا الفصل وما فيه في ((الكفاية)) ص ١٨٩ وما بعدها، وتقدم ص ٤٤٢ كلام عياض في ((إكمال المعلم)). (٣) ((نهاية الوصول)) ٧: ٢٩٧٥ - ٢٩٧٦. ٤٥٢ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث كان ما تَرَكه غيرَ متعلِّق بما رواه، بحيثُ لا يختلُّ البيان، ولا تختلفُ الدلالة بتركه، وسواء جوّزناها بالمعنى أم لا، رواه قبلُ تامّاً أم لا، هذا إن ارتفعت منزلته عن التهمة، فأما من رواه تامّاً، فخاف إن رواه ثانياً ناقصاً أن يثَّهم بزيادةٍ أولاً، أو نسيانٍ لغفلة، وقلة ضبط ثانياً، فلا يجوزله النقصان ثانياً ولا ابتداءً إن تعيَّن عليه. [ش] كان ما تَركه) متميزاً عما نقله (غيرَ متعلِّق بما رواه، بحيثُ لا يختلُّ البيان ولا تختلفُ الدلالة) فيما نقله (بتركه، و) على هذا يجوز ذلك (سواء جوّزناها بالمعنى أم لا) وسواء (رواه قبلُ تاماً أم لا) لأن ذلك بمنزلة خبرين منفصلين. وقد روى البيهقي في ((المدخل))(١) عن ابن المبارك قال: علَّمَنا سفيانُ اختصار الحدیث. (هذا إن ارتفعت منزلته عن التهُّمة، فأما من رواه) مرةً (تامّاً، فخاف إن رواه ثانياً ناقصاً أن يثَّهم بزيادةٍ) فيما رواه (أولاً، أو نسيانٍ لغفلة وقلة ضبط) فيما رواه (ثانياً، فلا يجوز له النقصان ثانياً ولا ابتداءً إن تعيَّن عليه) أداء تمامه، لئلا يخرج بذلك باقیه عن حیِّز الاحتجاج به. قال سُليم(٢): فإن رواه أولاً ناقصاً، ثم أراد روايته تاماً، وكان ممن يتهم بالزيادة: كان ذلك عذراً له في تركها وكتمانها. - [ب] (١) (٥١٨)، وهو في ((الجعديات)) (١٨٢٣)، و((المحدث الفاصل)) (٧١٦)، وأسند الخطيب في ((الكفاية)) ص ١٩٣ هذا القول نفسه إلى عبد العزيز بن أبان، وهو متروك متهم، وخاصة في سفيان الثوري، له ترجمة في ((الجرح)) ٥ (١٧٦٧)، وإسناد الأئمة الثلاثة الأُوَل أنظف من إسناد الخطيب بكثير. (٢) هو الإمام أبو الفتح سُلَيم بن أيوب الرازي رحمه الله، وتقدمت ترجمته ص ٨٢. ٤٥٣ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث وأما تقطيع المصنف الحديثَ في الأبواب فهو إلى الجواز أقربُ. قال الشيخ : ولا يخلو من كراهة، وما أظنه يوافق عليه. [ش] (وأما تقطيع المصنف الحديثَ) الواحدَ (في الأبواب) بحسب الاحتجاج به في المسائل، كل مسألة على حِدة (فهو إلى الجواز أقربُ) ومن المنع أبعدُ. (قال الشيخ) ابن الصلاح(١): (ولا يخلو من كراهة)(٢)، وعن أحمد: ينبغي أن لا يفعل، حكاه عنه الخلاّل. قال المصنف: (وما أظنه يوافق عليه) فقد فعله الأئمة: مالك، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم. تنبيه: قال البُلقيني(٣): يجوز حذف زيادةٍ مشكوك فيها بلا خلاف، وكان [ب] (١) صفحة ١٩٤، والشارح ينقل عن العراقي في ((شرح الألفية)) ص٢٦٤، ومصدر العراقي في النقل عن الخلال عن أحمد هو: ((الكفاية)) ص ١٩٤. (٢) قال في ((النكت الوفية)) ٢: ٢٢٣: ((ليس المراد الكراهة الاصطلاحية، المراد أن سَوْقه تاماً أحسن وأولى)). (٣) ((محاسن الاصطلاح)) ص ٣٩٩. وأقول عن هذه (الزيادة المشكوك فيها): إنْ كان الشك ناشئاً عن ترددٍ في حفظ الراوي لها، أو: عن تردده في رفعها ووقفها، فهو - على كل حال - شك من الراوي. وهناك صورة أخرى: هي حذفُ الإمام الراوي لكلمةٍ، أو لزيادة في روايته، وبعبارة أخرى: إعراضُ الإمام عن سياق الحديث بتمامه، واقتصارُه على طرف منه، ويكون هذا الإعراض والاقتصار إعلالاً لما حذفه، إما إعلالاً فقهياً معنوياً، أو إعلالاً حديثياً، وقد زدت هذه المسألة توضيحاً وأمثلة، فتنظر ((مجموع رسائل في علم الحديث دراية)). ومن أمثلة الإعلال الفقهي: = ٤٥٤ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث روى مالك في ((الموطأ)) ٢: ٨٥٥ (٥، ٦) حديث المرأتين الهُذَليتين مسنداً ومرسلاً، وهو هو في البخاري (٥٧٥٩، ٥٧٦٠) لكن اختصر مالك في روايته الزيادة التي عند البخاري (٥٧٥٨). قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٦: ٤٧٨: هذا ((حديث اختصره مالك، فذكر منه دية الجنين التي عليها الأمر المجتمع عليه عنده، وترك قصة المرأة إذا ضُربتْ فألقتْ الجنين، لأن فيه من رواية ابن شهاب إثباتَ شبه العمد، وإلزام العاقلة الدية، وهذا شيء لا يقول به مالك، لأنه وَجَد الفتوى والعمل بالمدينة على خلافه، فكره أن يذكر في ((موطئه)) بمثل هذا الإسناد الصحيح ما لا يقول به)). وجاء هذا التنبيه باختصار من الإمام ابن عبد البر في كتابه الآخر ((الأجوبة عن المسائل المستغربة)) ص ٢٣٢. ومنه أيضاً: ما رواه مالك في ((الموطأ)) ١: ٢٩٢ (١٥): ((عن يحيى بن سعيد: أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل امرأة عمر بن الخطاب كانت تقبِّل رأس عمر ابن الخطاب وهو صائم، فلا ينهاها))، مع أن الحديث بتمامه سنداً ومتناً كما جاء عند عبد الرزاق (٥١٢): ((عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر: أن عاتكة بنت زيد قبَّتْ عمر بن الخطاب وهو صائم فلم ينهها. قال: وهو يريد الصلاة، ثم مضى فصلّى، ولم يتوضأ)». وقد ذكر ابن عبد البر في ((الاستذكار)) ٣: ٤٥ رواية عبد الرزاق أولاً، ثم رواية مالك وأشار إلى ما حذفه مالك من الرواية فقال: ((ولم يذكر - مالك - وضوءاً ولا صلاة، ولم یُقم إسناده - أي: لم يذكر تمام إسناده -، وحذف من متنه ما لم يذهب إليه)). ومن الثاني - الإعلال الحديثي -: أن مسلماً روى ٣٨١:١ (٣٣) حديثًا لمعاوية ابن الحكم السُّلَمي هو في الحقيقة ثلاثة أحاديث، أولها: قصة قول معاوية لرجل عَطَس - وهما في الصلاة -: يرحمك الله، قال معاوية: فرماني القوم بأبصارهم. = ٤٥٥ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث وثانيها: قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: إن منَّا رجالاً يأتون الكهّان. وثالثها: قوله: كانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبَل أُحد، وفيه: ضربُه للجارية وندمه، وعَتْبُ النبي صلى الله عليه وسلم عليه، ثم إنه أتى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: ((أين الله؟))، قالت: في السماء، إلى آخره. هكذا جاء الحديث في النسخ المطبوعة من ((صحيح)) مسلم، وعليها شَرَح عیاض ٤٦٢:٢، والنووي ٢٠:٥، وغيرهما. ورواه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص ٤٢٢ من غير طريق مسلم، وفيه قصة الجارية وسؤالها: ((أين الله؟))، وقال البيهقي: ((أخرجه مسلم مقطعًا دون قصة الجارية، وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه))، وأحال على كتابه ((السنن الكبرى)) لبيان هذا الاختلاف، فانظره ٣٨٧:٧. والذي يهمني من هذا المثال الآخر: أنه مستقرّ في أذهان أئمتنا أنه يُسكت عن طرف من الحديث لعلة في هذا الطرف، ولا يلزم من وجود علّة في طرف منه ردُّ الحديث كاملاً، كما أنه لا يلزم منه ضعفُ حديثٍ - أو طرفٍ منه - في ((صحيح مسلم))، فهذا أمر آخر، وحكايتي له لا يستغلُّها مستغلّ عليّ أني أقول بضعف حديث في ((صحيح)) مسلم. ومن الثاني أيضاً ما نبّه إليه الحافظ رحمه الله في ((الفتح)) ٢٥٩:١٠ في شرحه لحديث ابن عمر (٥٧٨٨): ((لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرّ إزاره بَطَرًا))، وقد رواه مسلم من وجوه كثيرة ١٦٥١:٣ - ١٦٥٣ (٤٢ - ٤٦)، وهو عند الترمذي (١٧٣١)، وقال: حسن صحيح، بزيادة: أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: فكيف يصنع النساء بذيولهنّ؟ قال: ((يُرْخِينَ شبرًا .. )) إلى آخر الحديث. قال الحافظ عقب هذه الزيادة: ((عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم، فوهم، فإنها ليست عنده، وكأن مسلمًا أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع)). وثمة مثال آخر يتعلق برواية ابن خزيمة لحديث أنس في الجهر بالبسملة وعدمه، = ٤٥٦ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [ش] مالك يفعله كثيراً تورُّعاً، بل كان يَقْطَع إسناد الحديث إذا شكّ في وصله. قال: ومحلُّ ذلك زيادة لا تعلُّق للمذكور بها، فإنْ تعلقَ: ذَكَرها مع الشك، كحديث: العرايا في خمسة أوسُق، أو: دون خمسة أوسق(١). (ب) ينظر شرحه وتوضيحه فيما تقدم ٣: ٣٦٢. وهذا الحكم على عدم ذكر الزيادة: هل هو اختصار أو إعلال: لا يؤخذ إلا من الأئمة الكبار، ذلك لأن الأصل والغالب الاختصارُ للحديث، أو الاقتصارُ على ما یناسب الباب منه. ولا يفوتني هنا أن أنّبِّه إلى أن بعض من تأكل الضغينةُ على أئمة الإسلام سويداء قلبه، وأخصُّ - هنا في هذا المقام - الإمام الأجل البخاري رضي الله عنه، فقد اثُّهم بـ(قصّ) الأخبار على ما يوافق بدعته الناصبية، وحاشاه تغمده الله برضاه، إنما هو اختصار لا يخرج عما قدمته. (١) رواه البخاري (٢١٩٠)، ومسلم ١١٧١:٣ (٧١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخّص في بيع العرايا في خمسة أوسق، أو: دون خمسة أوسق. والشاهد في المثال: أن راوي هذا الحديث، وهو داود بن الحصين، شك في اللفظ النبوي، ويترتّب عليه حكم شرعي، فذكر اللفظين المشكوكَ فيهما، ولم يَسْتَجز حذف أحدهما، قال البلقيني: ((لما كان المشكوك فيه مما لا يسوغ حذفه، ذكره على الشك)). أما معنى الحديث: فالعرايا جمع عَرِيّة، قال في ((المصباح المنير)): ((العرية: النخلة يُعْريها صاحبها غيرَه ليأكل ثمرتها، فَيَعروها، أي: يأتيها)). والأصل فيها: عَرِيّ، ((ودخلت الهاء عليها، لأنه ذُهب بها مذهب الأسماء، مثل: النطيحة، والأَكِيلة، فإذا جيء بها مع النخلة حذفت الهاء وقيل: نخلة عَريّ، كما يقال: امرأة قتيل)). = ٤٥٧ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [س) والعرب كانوا يحبون أكل كلّ ما كان جديدًا (طازجًا)، ومن ذلك حبّهم لأكل الرطب - وهو ثمرة هذا العام -، ويفضّلونه على أكل رُطب العام الفائت الذي هو (تَمْر)، فكانوا إذا جاء الموسم الجديد، وعندهم تمر قديم، ولا مال عندهم لشراء الجديد باعوا القديم بالجديد، فيقول لصاحب الرطب: ((بعني ثمر نخلة أو نخلتين - مثلاً - بخَرْصها - أي: بمقدارها تقريبًا - من التمر، فيعطيه))، كما في ((النهاية)) ٢٢٤:٣. والأَوْسُق: جمع وَسْق، والوسق الواحد يساوي ستين صاعًا، والخمسة الأوسق تساوي ٣٠٠ صاعًا، والصاع عند الحنفية يساوي ٣,٦٤٠ كيلو غرامًا، فالخمسة الأوسق تساوي (١٠٩٢) ألف كيلو غراماً، واثنين وتسعين كيلو غرامًا تقريبًا. والصاع عند المالكية يساوي ١,٧٢٠,٣٢، أي: كيلو غرام، وسبع مئة وعشرين غرامًا، و٣٢ جزءًا من الغرام، فالأوسق الخمسة تساوي ٥١٦ كيلو غرامًا و ٩٦ غرامًا. والصاع عند الحنابلة والشافعية بتقدير النووي منهم يساوي ١,٧٢٨، أي: كيلو واحدًا، وسبع مئة وثمانية وعشرين غرامًا، فالأوسق الخمسة تساوي ٥١٨ كيلوغرامًا و ٤٠٠ غرامًا. والصاع عند الشافعية بتقدير الرافعي منهم: ١,٧٤٧,٢٠، أي: كيلو غراماً وسبعة وأربعين وسبع مئة غرامًا وعشرين جزءًا من الغرام، فالأوسق الخمسة تساوي ٥٢٤ كيلو غراماً، ومئة وستين غراماً. كل هذا حسب تقدير فضيلة شيخنا العلامة المحقق أمين الفتوى بمدينة حمص الشيخ عبد العزيز عيون السود (١٣٣٥ - ١٣٩٩) رحمه الله تعالى، وقد نُشِرت خلاصته - وعنها أنقل - آخرَ المجلد التاسع من ((سنن الترمذي)) طبعة الأستاذ عزت عبيد الدعاس رحمه الله بحمص، وقد رجع إلى تحقيقه هذا فضيلةُ شيخنا العلامة مفتي السادة الشافعية بمدينة حلب الأستاذ الشيخ محمد أسعد عبجي (١٣٠٥ - ١٣٩٣) رحمه الله تعالی. ٤٥٨ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث السادس : ينبغي أن لا يروي بقراءة لحّان أو مصحِّف. [ش] يجوز في كتابة الأطراف الاكتفاء ببعض الحديث مطلقاً، وإن لم يُقِد(١). و فائدة: (السادس: ينبغي) للشيخ (أن لا يروي) حديثه (بقراءة لحّان أو مصحِّف)، فقد قال الأصمعي(٢): إن أخوفَ ما أخافُ على طالب العلم إذا لم يعرف النحو: أن يَدخلَ في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كذب عليَّ فليتبوأ (س) (١) ذلك لأن كتب الأطراف مقصودة للدلالة على أسانيدِ المتون، ونقطةٍ مدارها، والدلالةِ على مخرجيها، لا غير، فهي ليست كتب رواية. (٢) رواه عنه الخطابي في مقدمة كتابه ((غريب الحديث)) ٦٣:١ - ٦٤، ومن طريقه القاضي عياض في ((الإلماع)) ص ١٨٤. ومثلُ ملاحظة الأصمعي ملاحظةُ الحسن البصري - إن صح الخبر -، ففي مقدمة ((معجم الأدباء)) لياقوت ١ :١٧ : ((كان الحسن بن أبي الحسن - وهو الحسن البصري - يعثر لسانه بشيء من اللحن، فيقول: أستغفر الله، فقيل له فيه، فقال: من أخطأ فيها فقد كذب على العرب، ومن كذب فقد عمل سوءًا، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾)) [النساء: ١١٠]. والله أعلم. وقد كان الحسن البصري فوق اللحن، رضي الله عنه، وهو المستثنى من كل غایة، لذلك قلت: إن صح الخبر. وينظر خبر لأيوب السختياني في ((المحدث الفاصل)) (٦٦٧)، وينظر أيضاً كتاب سيدنا عثمان رضي الله عنه الذي كتب به إلى (العامة)، وهو في ((تاريخ الطبري)) ٢: ٥٩١. ٤٥٩ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث [ش] مقعده من النار))(١)، لأنه لم يكن يلحن(٢)، فمهما رويتَ عنه ولحنت فيه كذبتَ عليه(٣). وشكا سيبويهِ حمادَ بنَ سلمة إلى الخليل فقال له: سألته عن حديث هشام ابن عروة، عن أبيه، في رجل رعُف، فانتهرني، وقال: أخطأتَ، إنما هو رَعَف، بفتح العين، فقال الخليل: صدق، أَتَلْقى بهذا الكلام أبا سلمة (٤)؟ !. [ب] - (١) [قال ابن حجر في ((فتح الإله)): يؤخذ من الحديث - يعني: ((من كذب عليّ ... )) إلخ - أن من قرأ حديثه وهو يعلم أنه يلحنُ فيه: يدخل في هذا الوعيد الشديد، لأنه بلحنه كاذبٌ علیه. انتهى .]. ولا ريب أن هذا حكم متفق عليه في حق المقصِّر والمتواني عن القيام بحقّ الله عليه في إتقان قراءة كتابه الكريم، وحقّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، في إتقان قراءة حديثه الشريف، أما المنع المطلق حتى لمن هو في طريق التعلم والتحصيل، إلى أن يصير عالماً متمكناً في علوم العربية لا يلحن في قراءة ولا في فهم: فهذا لا یکون. (٢) [قال صاحب ((القاموس)) - ل ح ن -: اللحْن: بسكون الحاء: إحالة الكلام عن جهته العادية، واللَّحَن - بالتحريك - الفِطْنة، يقال: لحن لحناً فهو لاحن، وفي الحديث: ((لعل بعضكم ألحنُ بحجته من بعض))، وذكر الخطابي - ((المعالم)) ٤ : ١٦٣ - مثله، قال: ويقال في الفِطْنة: لَحِن، بكسر الحاء، وفي الزيغ عن الإعراب : لَحَن .. إلى آخره. زركشي - ((النكت)) ٣: ١٢١٥ (٤٠٥) _. ]. (٣) كلمة ((مهما)) تأتي في استعمالات المتقدمين لها بمعنى: متى. (٤) أبو سلمة: كنية الإمام حماد بن سلمة، وتحرف في ك إلى: أبا أُسَامَة، مع الضبط. والخبر في ((الجامع)) للخطيب (١٠٨٢). = ٤٦٠ النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث وعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يَسلَم به من اللحن والتحريف. [ش] (وعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يَسلَم به من اللحن والتحريف)(١). رَوَى الخطيب (٢) عن شعبة قال: من طلب الحديث ولم يبصر العربية: كمثل - [ب] ولسبيويه موقف آخر مع حماد بن سلمة، كان سببَ انتقال سيبويه من حلقة حماد إلى حلقة الخليل بن أحمد، إلى أن صار إمام اللغة العربية إلى يوم الدين، رحمهم الله جميعًا، ينظر الخبر في ((الجامع)) للخطيب ٢: ٨٣ - ٨٤ (١٢٢٤)، ومن طريقه السمعاني في ((أدب الإملاء)) (٣١٣). (١) هكذا قال ابن الصلاح ص ١٩٥، وتبعه الإمام النووي وغيره: على طالب الحديث، وإنما خصوا بالذكر (طالب الحديث) للمناسبة التي هم فيها، وإلا فهو واجب طالب أيّ علم، فأهمية علم النحو والعربية لطالب الفقه والأصول وغيرهما لا تقل عن أهميته لطالب الحديث. وهذه الأهمية ركن لطالب العلم في مرحلة (التحمل)، فإذا ما ترقّى لرتبة التعليم وصار في مرحلة (الأداء) تعيّن عليه إتقان هذا الركن أكثر وأكثر، حتى لا يكون ممن إذا كتب سطرين بدا اللحن فيهما، فيضع القارئ الکتابَ من یدہ زهدًا بالکاتب وما کتب !!. وقد كان لّحن وقع شديد على قلوب الأئمة، ومن أغرب ما قرأت في ذلك: خبر الإمام سفيان الثوري رحمه الله، الذي رواه عنه أبو بكر المالكي في ((رياض النفوس)) ٢١٦:١، قال سفيان: ((ربما قرأ عليّ القارئ فيلحن في قراءته، فأُحرم نومي وطعامي !! )). فكيف به رضي الله عنه وبسلامة حياته لو قرأ لنا أو سمع لخطبائنا وهم يلحنون بالآيات الكريمة وهم يقرؤونها من الورقة؟ غفرانك اللهم. (٢) في ((الجامع)) أيضًا هو والذي بعده برقم ٢: ١٣ (١٠٨١، ١٠٨٢).