النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه ويستحبُّ ضبطُ المشكِل في نفس الكتاب، وكَتْبُه مضبوطاً واضحاً في الحاشية قُبالتَه. [ش] بحديث أبي الحوراء عن الحسن بن علي، كتبت تحته: ((حور عين))، لئلا أغلطَ فأقرأه: أبو الجوزاء، بالجيم والزاي. (ويستحبُّ ضبطُ المشكِل في نفس الكتاب وكَتْبُه) أيضاً (مضبوطاً واضحاً في الحاشية قُبالتَه) فإن ذلك أبلغ، لأن المضبوط في نفس الأسطر ربما داخله نقطُ غيره وشكلُه، مما فوقه أو تحته، لا سيما عند ضيقها ودقّة الخط. قال العراقي(١): وأوضح من ذلك أن يقطِّع حروف الكلمة المُشكِلة في الهامش(٢)، لأنه يظهر شكل الحرف بكتابته مفرداً في بعض الحروف، كالنون والياء التحتية، بخلاف ما إذا كُتبت الكلمة كلها. قال ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) (٣): ومن عادة المتقنين أن يبالغوا في إيضاح المشكل فيفرِّقوا حروف الكلمة في الحاشية ويضبطوها حرفاً حرفاً. (س) ((الجامع)) (٥٦٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس، به. وأبو الجوزاء: هو أوس بن عبد الله الرَّبَعي، وأبو الحوراء: ربيعة بن شيبان. (١) في ((شرح الألفية)) ص ٢٣٣، مع تصرف في أول كلامه. (٢) الهامش: كلمة شائعة على أقلام وألسنة السابقين واللاحقين، وقد قال في ((القاموس)): ((الهامش: حاشية الكتاب، مولَّد))، فاستبدالها بـ: الحاشية، هو المتعيِّن، كما سيأتي في كلام الإمام ابن دقيق العيد. (٣) صفحة ٢٥٨، وكثيراً ما يفعل هذا الحافظُ ابنُ حجر فوق هذه الحروف المقطعة كلمة: بيان. ٣٦٢ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه ويستحبُّ تحقيق الخطِّ دون مَشْقه وتعليقه. [ش] (ويستحبُّ تحقيق الخطِّ دون مَشْقه وتعليقه). قال ابن قتيبة(١): قال عمر بن الخطاب: شرُّ الكتابة المَشْق، وشرُّ القراءة الهَذْرَمة(٢)، وأجودُ الخط أبينُه. انتھی. والمَشْق(٣): سرعة الكتابة (٤). [ب] (١) أسنده إليه الخطيب في ((الجامع)) (٥٤٠). (٢) قال في ((النهاية)) ٢٥٦:٥: ((الهذْرَمة: السرعة في الكلام والمشي، ويقال للتخليط: هذرمة))، وذلك لأن التخليط ناشئ عن السرعة، فهو من تسمية المسبَّب، وهو التخليط، بالسبب، وهو السرعة. (٣) زاد في نسخة د ضبط هذه الكلمة: ((بفتح الميم، وإسكان الشين المعجمة، وبالقاف: سرعة الخط مع بعثرة الحروف))، وكأنها زيادة قارئ سابق، ألحقها بالكتاب ناسخ لاحق، وأصل الكلام للقاضي زكريا في ((فتح الباقي)) ص ٣٧٤. (٤) [أصل المَشْق - بفتح الميم - في اللغة: الخِفة، يقال: مَشَقه بالرمح، ومَشَق الرغيفَ: إذا أكله أكلاً خفيفاً، قال النحاس في ((صناعة الكُتّاب)) - ص١٤٧ - : معنى: مَشَقَ الكاتبُ: خفَّ يده، واستثنى من ذلك السين والشين، فيحسن فيها المشق إلا في أواخر الكلم، نحو: الناس، قال: وهذا اختيار مُحدَث، فأما رؤساء الكتّاب المتقدمين فكانوا يكرهون المشق كلَّه، وإرسالَ اليد فيه، ويقول بعضهم: هو للمبتدىء مفسدة، وللمنتهي دالّ على تهاونه بما كتب. [قال: ويقال لمن حسَّن كتابته: زيَّنها، وحبّرها، ونمّقها، وذهّبها، وريّشها، فإنْ أفسد كتابته قيل: سرَّحها وهَلْهَلَها ولَهْلَهَها، فإن لم يبيّن كتابتها قيل : دَحْمَسَها، فإن جمع الحروف، وقارب السطور بعضها من بعض قيل : قَرْصَفَها. انتهى. زركشي - ((النكت)) ٣: ١١٦٤ (٣٦٦) -]. = ٣٦٣ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه ويكره تدقيقه إلا من عُذر، كضيقِ الورق، وتخفيفِه للحمل في السفر ونحوِه، وينبغي ضبط الحروف المهملة، [ش] (ويكره تدقيقه)(١) أي: الخطُّ، لأنه لا يَنتفع به مَن في نظره ضعف، وربما ضعُف نظر كاتبه بعد ذلك فلا ينتفع به. وقد قال أحمد بن حنبل لابن عمِّه(٢) حنبل بن إسحاق، ورآه يكتب خطاً دقيقاً: لا تفعلْ، أحوجَ ما تكون إليه يخونُك(٣)، (إلا من عذر كضيق الورق وتخفيفه للحمل في السفر ونحوه). (وينبغي ضبط الحروف المهملة) أيضاً. قال البلقيني(٤): يستدل لذلك بما [ب] وأقول: هكذا سمّى الزركشي كتاب أبي جعفر النحاس هنا - وفيما سيأتي ص٣٦٨، ٣٨١، ٥١٩ -: ((صناعة الكتاب))، وكأن ذلك من قول مؤلفه في مقدمته بعد البسملة: ((ومن العلم: صناعة الكتاب، وقد وَهِمَ من زعم أن أحكام الكتاب مباينة لأحكام الشريعة)) والكتاب طُبع باسم ((عمدة الكتاب))، والنقول الآتية موجودة فيه، وسيأتي تخريجها. (١) [بالدال المهملة، وعبّر بعضهم بالراء.]. ((فتح الباقي)) ص ٣٧٤. (٢) النقل عن ((شرح الألفية)) للعراقي ص ٢٣٣، ولفظه: لابن أخيه، فاستدرك عليه في ((النكت الوفية)) ١٣٨:٢ بأنه ابن عمه، فعدَّل الشارح العبارة. (٣) ((الجامع)) للخطيب (٥٣٦). (٤) ((محاسن الاصطلاح)) ص ٣٧١، وعزا الخبر إلى المَرْزُباني فقط، فزاد الشارح زيادة متأخرة، وليست في ك: عزوه إلى ابن عساكر، وهو فيه ١٦٩:٣٨، وفي ((الجامع)) للخطيب (٥٦١)، و((أدب الإملاء)) (٥١١). وعبيد بن أوس: نقل ابن عساكر قول مجالد بن سعيد فيه: كان سيد أهل الشام، = ٣٦٤ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه قيل: يَجعل تحت الدال، والراء، والسين، والصاد، والطاء، والعين، النقطَ التي فوق نظائرها. [ش] رواه المَرْزُباني، وابن عساكر: عن عُبيد بن أوس الغساني قال: كتبت بين يدي معاوية كتاباً فقال لي: يا عبيدُ اُرْقُشْ كتابك، فإني کتبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا معاوية ارقُش كِتابك))، قلت: وما رقشُه يا أمير المؤمنين؟ قال: أعطِ كلَّ حرف ما ينوبه من النقط. قال البلقيني: فهذا عام في كل حرف. ثم اختلف في كيفية ضبطها(١) (قيل: يجعل تحت الدال، والراء، والسين، والصاد، والطاء، والعين، النقط التي فوق نظائرها)(٢)، واختُلف على هذا في نقط السين من تحت، فقيل: كصورة النقط من فوق، وقيل: لا، بل تجعل من فوق كالأثافي(٣)، ومن تحت مبسوطةً صفّاً. (ت) أما ابنه محمد: فذكره ١٧٩:٥٤، وأحال على ترجمة أبيه فقط. ورجاء بن سهل: مختلف فيه اختلافًا فاحشًا، كما في ((لسان الميزان)) (٣١٣٧). ورَقْش الكلام والكتاب: تزيينه وتزويقه، وفسَّره هنا بما تراه. (١) أي: اختلف في كيفية ضبط الحروف المهملة الستة التي سيعدُّها، وذكر فيها أقوالاً لخصّ عددها في الأخير، قال: فهذه خمس علامات. (٢) [لم يصرح كابن الصلاح - ((المقدمة)) ص ١٦٥ : الأمر الخامس - والقاضي عياض - ((الإلماع)) ص ١٥٧ - باستثناء الحاء، للعلم بها من علّة ذلك، وهو التمييز.]. (٣) أي: كنقط حرف الثاء والشين ( .. ). = ٣٦٥ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه وقيل : فوقها كقُلاَمة الظَّفُر مُضْجَعةً على قفاها، وقيل : تحتها حرف صغير مثلها، وفي بعض الكتب القديمة فوقها خط صغير، وفي بعضها تحتها همزة. [ش] (وقيل :) تجعل (فوقها) أي: المهملاتِ المذكورةِ صورةُ هلال (كقُلاَمة الظُّفُر مُضْجَعةً على قفاها، وقيل:) يجعل (تحتها حرف صغير مثلها) ويتعيَّن ذلك في الحاء(١). قال القاضي عياض (٢): ((وعليه عمل [بعض] أهل المشرق والأندلس)). (وفي بعض الكتب القديمة فوقها خط صغير) كفتحة، وقيل: كهمزة، (وفي بعضها تحتها همزة) .(٣)، فهذه خمس علامات. فائدة: لم يتعرض أهل هذا الفن للكاف واللام، وذكرهما أصحاب التصانيف في [ب] والأثافيّ: [هي بتشديد الياء، وقد تخفف، جمع أُنْفِيَّة، وهي الحجارة التي تُنصب ويُجعل القدر عليها، والهمزة فيها زائدة. كذا في ((النهاية)) - ١: ٢٣ -، وكلامُ الجوهري - ٢: ٢٢٩٣ - يقتضي أنها أصلية. زركشي - ((النكت)) ٣: ١١٦٧ (٣٦٨) -. ]. (١) أي: يتعيّن اعتماد هذا القول في حرف الحاء، وهو أن يكتب تحتها حاء صغيرة علامة إهمالها، وأنها حاء لا جيم ولا خاء، ولو نقطها من فوق أو أسفل لصارت خاء أو جيمًا، وهذا صريح كلام العراقي في ((شرح الألفية)) ص ٢٣٤ - ٢٣٥، والشارح - يلخص منه - مع أنهم يفعلون مثل ذلك في حرف العين، فيكتبون تحتها عينًا صغيرة، علامة على إهمالها. (٢) ((الإلماع)) ص ١٥٧، وما بين المعقوفين زيادة منه. (٣) هكذا فى ك. ٣٦٦ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه ولا ينبغي أن يَصطلح مع نفسه برمزٍ لا يعرفه الناس، وإنْ فعل فليبينْ في أول الكتاب أو آخرِه مرادَه، وينبغي أن يعتني بضبط مختلف الروايات وتمييزها، فيجعلَ کتابه. [ش] الخطّ، فالكاف: إذا لم تكتب مبسوطة يكتب في بطنها كاف صغيرة أو همزة، واللام تكتب في بطنها: ((لام))، أي: هذه الكلمة بحروفها الثلاثة، لا صورة ((ل))، ويوجد ذلك كثيراً في خط الأدباء(١). والهاء آخر الكلمة يكتب عليها هاء مشقوقة (٢) تميزها من هاء التأنيث التي في الصفات ونحوها. والهمزة المكسورة: هل تكتب فوق الألف والكسرةُ أسفلها، أو كلاهما أسفل؟ اصطلاحان للكُتّاب، والثاني أوضح(٣). (ولا ينبغي أن يصطلح مع نفسه) في كتابه (برمزٍ لا يعرفه الناس) فيوقعَ غيره في حيرةٍ في فهمٍ مراده، (وإنْ فعل) ذلك (فليبينْ في أول الكتاب أو آخره مراده). (وينبغي أن يعتني بضبط مختلف الروايات وتمييزها، فيجعلَ كتابه) مؤصّلاً [ب] - (١) [وكذا رأيته بخط الذهبي في ((طبقات القراء)).]. (٢) هكذا: هـ، مفتوحة الآخر، لا هكذا:ـه. (٣) ويُلحق بهذا الاصطلاح لهم، بيان اصطلاح آخر، هو: أن حركة الحرف المشدَّد يضعونها فوق الحرف إن كان مفتوحًا، سواء تحت الشدّة أو فوقها، فالسين المشدّدة مثلاً من كلمة: السعادة، سين مشدّدة مفتوحة، فقد يضعون الفتحة فوق الشدة كالمتعارف عليه أيامنا، وقد يضعونها تحت الشدّة هكذا: السِّعادة، لا فوق الشدة، وانظر ما علقته على ترجمة الوليد بن محمد الموقّري من ((الكاشف)) (٦٠٩١). ٣٦٧ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه على روايةٍ، ثم ما كان في غيرها من زياداتٍ: ألحقها في الحاشية، أو نقصٍ : أَعلَم عليه، أو خلافٍ : كَتبه، معيِّناً في كل ذلك مَن رواه بتمام اسمِهِ، لا رامزاً، إلا أن يبين أولَ الكتاب أو آخرَه، واكتفى كثيرون بالتمييز بحُمْرة، فالزيادة تُلحق بحمرة، والنقص يُحَوَّق عليه بحُمْرة، مبيناً اسمَ صاحبها أولَ الكتاب أو آخره. الثالثة : ينبغي أن يجعل بين كل حديثين دارةً، نُقِل ذلك عن جماعات من المصنفين. [ش] (على روايةٍ) واحدة، (ثم ما كان في غيرها من زياداتٍ : ألحقها في الحاشية، أو نقصٍ : أَعلَم عليه، أو خلافٍ كَتبه، معيِّناً في كل ذلك مَن رواه بتمام اسمِهِ، لا رامزاً) له بحرف أو حرفين من اسمه (إلا أن يبين أولَ الكتاب أو آخرَه) مراده بتلك الرموز. (واكْتفى كثيرون بالتمييز بحُمْرة، فالزيادة تلحق بحمرة، والنقص يُحَوَّق عليه بحُمْرة، مبيناً اسمَ صاحبها أولَ الكتاب أو آخره). هذا الفرع كلَّه ذكره ابن الصلاح عقبَ مسألة الضرب والمحو(١)، وقدمه المصنف هنا للمناسبة مع الاختصار. (الثالثة: ينبغي أن يجعل بين كل حديثين دائرة) للفصل بينهما، (نُقِل ذلك عن جماعات من المصنفين(٢)) كأبي الزناد(٣)، وأحمد بن حنبل، وإبراهيم [ب] (١) صفحة ١٧٩. (٢) في نسختَيْ المتن: المتقدمين، وإليها عدِّلت في ك، وتمثيل الشارح يؤيد ذلك، ومحلّها ساقط من: ج. (٣) أسنده إليه الرامهر مزي (٨٨٢)، ومن طريقه الخطيب في ((الجامع)) (٥٧٢). ٣٦٨ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه واستحبَّ الخطيب أن تكون غُفْلاً، فإذا قابل نَقَط وسَطَها، ويُكرَه في مثل : عبد الله، وعبد الرحمن بن فلان كتابةُ ((عبد)) آخرَ السطر، واسم ((الله)) مع ابن فلان أولَ الآخر. [ش] الحربي، وابن جرير(١)، (واستحبَّ الخطيب(٢) أن تكون) الداراتُ (غُفْلاً، فإذا قابل نَقَط وسطَها) أي نقط وسط كل دارة عقب الحديث الذي يفرغ منه، أو خط في وسطها خطاً، قال: وقد كان بعض أهل العلم لا يعتدُّ من سماعه إلا بما کان کذلك، أو في معناه. (ويكره في مثل : عبد الله، وعبد الرحمن بن فلان) وكلِّ اسم مضافٍ إلى الله تعالى(٣) (كتابةُ ((عبد)) آخرَ السطر، واسم ((الله)) (٤) مع ابن فلان أولَ الآخر)، وأوجبَ اجتنابَ مثلٍ ذلك ابنُ بُطَّة والخطيب(٥)، ووافق ابنُ دقيق [ب]. (١) أسنده الخطيب (٥٧٣) إلى الأئمة الثلاثة، وأنه رأى ذلك بخطوطهم، وكذلك رآه ابن كثير ص١٣٥ في خط الإمام أحمد. (٢) قال ذلك عقب حكايته السابقة (٥٧٣). ومعنى ((غُفْلاً)): أنها دائرة فارغة لا شيء ولا علامة فيها، فإذا قابل الحديثَ نقط وسطها نقطة، علامة على أنه قد قابل وفرغ من التوثّق المطلوب. (٣) [لا يختص بما ذكره، بل المضاف والمضاف إليه كذلك، كابن عمر، وكذلك: أحدَ عشَر، ونحوه، لأنها بمنزلة اسم واحد، ذكره النحاس في ((صناعة الكتّاب)) - ص١٤٧ -، قال: وكرهوا جعل بعض الكلمة في سطر، وبعضها في أول سطر، فتكون مفصولة. زركشي - ((النكت)) ٣ : ١١٦٧ (٣٦٩) -. ]. (٤) تكرر في ك: ((واسم الله)). (٥) ((الجامع)) (٥٥٨)، ونقله عن ابن بُطَّة. وأبناء بُطّة المذكورون في ((توضيح المشتبه)) ١: ٥٥٦ أربعة عشر رجلاً، المراد منهم هنا أولهم: أبو عبد الله محمد بن = ٣٦٩ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه وكذا يُكره ((رسول)) آخره و((الله صلى الله عليه وسلم)) أولَه، وكذا ما أشبهه، وينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله [ش] العيد(١) على أن ذلك مكروه لا حرام. (وكذا يكره) في: رسول الله، أن يكتب ((رسول)) آخره و((الله صلى الله عليه وسلم)) أولَه، وكذا ما أشبهه) من المُوهِمات والمستشنَعات، كأنْ يكتب: (قاتِلُ) من قوله: ((قاتلُ ابنٍ صفية في النار)) في آخر السطر، و((ابنٍ صفية)) في أوله، أو يكتب: ((فقال)) من قوله في حديث شارب الخمر: ((فقال عمر: أخزاه الله، ما أكْثُرَ ما يُؤتَى به)) آخره، و((عمر)) وما بعده أولَه. ولا يُكره فصل المتضايفَيْنِ إذا لم يكن فيه مثلُ ذلك: كـ: سبحان الله العظيم، يكتب ((سبحان)) آخر السطر، و((الله العظيم)) أوله، مع أن جمعهما في سطر واحد أولى. (وينبغي(٢) أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله أحمد بُطّة الأصبهاني، المتوفى بها سنة ٣٤٤. والله أعلم. (١) ((الاقتراح)) ص٢٦٠، قال: ((الأدب: أن لا يجعل اسم الله تعالى أول السطر)). (٢) كثيراً ما يستعمل العلماء كلمة ((ينبغي)) للاستحباب، وقد تأتي في كلامهم للوجوب، وهي هنا للاستحباب، وقد استدل البقاعي في ((النكت الوفية)) ٢: ١٥٢ - وسيأتي كلامه ص٣٧٩ - باقتصار الإمام الشافعي على الصلاة دون السلام على جواز ذلك، فكذلك أَستدلَّ هنا على جواز عدم الصلاة والسلام، بفعل الشافعي له مراتٍ في ((الرسالة))، بدءاً من الفقرة (١١، ١٧، ٢٧، ٥٨) فما بعدها، وهي مواطن غير قليلة. وإن كنت أعتقد أنه لا يخالف أحد في استحباب ذلك وأفضليته، أما الكراهة: فلا، وأقول كما قال البقاعي ٢: ١٥٣ - ١٥٤ فيما يقرب من هذه المسألة: ((إن المراد = ٣٧٠ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه عليه وسلم، ولا يَسأمَ من تكراره، ومَن أغفلَه حُرم حظاً عظيماً. [ش] عليه وسلم) كلما ذُكر (ولا يَسأم من تكراره) فإن ذلك من أكثر الفوائد التي يتعجَّلها طالب الحديث، (ومَن أغفلَه حُرم حظاً عظيماً)، فقد قيل في قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن أولى الناس بي يومَ القيامة أكثرُهم عليّ صلاةً)) - صححه ابن حبان(١) -: إنهم أهل الحديث، لكثرة ما يتكرر ذكره في الرواية فیصلّون عليه. وقد أوردوا في ذلك حديث: ((منْ صلّى عليّ في كتاب لم تَزَلِ الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب)) (٢)، وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً، [ب] - خلاف الأولى بالمعنى اللغوي، فإن الإتيان بها - بالصلاة والسلام - فيه أجر، وحذفها مُخِلٌّ بذلك الأجر، وتاركه تارك للأولى بهذا المعنى لا بمعنى اندراجه تحت عمومٍ نھی)). (١) رواه من حديث ابن مسعود: ابن أبي شيبة في ((مسنده)) (٣٠٦)، و((مصنفه)) (٣٢٤٤٧)، ومن طريقه ابن حبان (٩١١)، ورواه الترمذي (٤٨٤) وقال: حسن غريب، وأبو يعلى (٥٠٨٠)، وانظر تمام تخريجه في التعليق على ((المصنف)). وممن رواه: الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) (٦٣) من طريق ابن أبي شيبة، وأعقبه بالمقولة التي ذكرها الشارح، نقلاً عن شيخه أبي نعيم الأصفهاني، وسبقه إليها ابن حبان فقالها عقب روايته للحديث، الموضع المذكور. وكأن مقولة أبي نعيم هي في ((مستخرجه)) على ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم، كما يبدو من ((النكت الوفية)) ١٤٩:٢. (٢) [أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) - (١٨٣٥) -: من حديث أبي هريرة بإسناد - قال في ((المغني)) - ((تخريج الإحياء)) ٣٠٩:١ -، كـ ((الترغيب)) - ١: ١١٠ - = ٣٧١ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه [ش] فهو مما يحسُن إيراده في هذا المعنى. ولا يُلتفت إلى ذِكْر ابن الجوزي له في ((الموضوعات))(١)، فإن له طرقاً تُخرِجه عن الوضع، وتقتضي أن له أصلاً في الجملة. فأخرجه الطبراني من حديث أبي هريرة، وأبو الشيخ الأصبهاني، والديلمي من طريق أخرى عنه(٢). وابن عدي من حديث أبي بكر الصديق(٣). والأصبهاني في ((ترغيبه)) من حديث ابن عباس(٤). [ب] - ضعيف.]. وسيخرجه الشارح بعد سطر. (١) ((الموضوعات)) (٤٥١) من حديث أبي بكر الصديق، و(٤٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما. (٢) رواه ابن عدي في ترجمة أبي داود النخعي ١٥٥:٥ (٧٣٦)، والخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) (٦٤)، و((الجامع)) له (٥٦٥)، والنُّميري في ((الإعلام)) (٣٠٠). (٣) رواه الأصبهاني التيمي في ((الترغيب)) أيضًا (١٦٩٩). (٤) رواه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) ٧٥:٢ ترجمة عبد الله بن جعفر بن محمد الخشاب المديني. وحديث عائشة هذا زاده الشارح هنا ولم يذكره في ((اللآلى المصنوعة)) ٥٠٣:٢ - ٢٠٥، وانظر التعليق على الحديث (١٩) من ((النكت البديعات))، وهو أيضًا زيادة على تخريج السخاوي للحديث في ((القول البديع)) ص ٤٨٤، وغالب الظن أن الشارح = ٣٧٢ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه استفاده من البلقيني في ((المحاسن)) ص ٣٧٣، والله أعلم. ورُوي هذا القول موقوفًا على السيد جعفر الصادق رضي الله عنه، واتفقت كلمة الأئمة: المنذري في ((الترغيب)) ١١١:١، وابن القيم في ((جلاء الأفهام)) ص ٩٠، والسخاوي في ((القول البديع)) ص ٤٨٤، على أن الموقوف أشبه وأولى. وهذا لا يمنع من دفع الحكم عليه بالوضع، فأقرب أسانيده رواية السيدة عائشة رضي الله عنها. ومما يستأنس به لثبوت معنى الحديث: ما أسنده الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) (٦٦)، ومن طريقه النميري في ((الإعلام)) (٣٠٤) إلى الإمام سفيان الثوري رضي الله عنه، قوله: ((لو لم يكن لصاحب الحديث فائدة إلا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يصلَّى عليه ما دام [ذلك] في الكتاب، وهذا مما لا يقال بالرأي، ومثله يقال في قول السيد جعفر الصادق. والله أعلم. هذا، وقد قال المنذري رحمه الله ١١٠:١: ((ناسخ العلم النافع: له أجره وأجر من قرأه أو نسخه أو عمل به من بعده، ما بقي خطه والعمل به، وذكر أيضًا: أن ناسخ العلمِ غيرِ النافع، حاله على عكس ناسخ العلم النافع تمامًا. ثم ذكر حديث أبي هريرة هذا، مشيراً إلى ضعفه وترجيح وقفه على جعفر الصادق. وقال الزَّبيدي في ((شرح الإحياء)) ٥٠:٥ في معنى ((من صلَّى عليَّ في كتاب)): ((والكتاب: أعمّ من أن يكون كتابَ علم يُدرس فيه، أو صحيفةً يُرسلها إلى أخيه، والصلاةُ عليه فيه - أي: في الكتاب: أعمُّ من أن يكون بالكتابة، أو بالنطق، أو بالجمع بينهما، وهو الأفضل)). وكُتب على حاشية ب ما نصه: ((قرر شيخنا - ؟ - أنه لا بدّ في هذا الثواب المخصوص من النطق بها إذا کتبها)). ٣٧٣ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه [ش] وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) من حديث عائشة(١). وذكر البلقيني في ((محاسن الاصطلاح))(٢) هنا عن ((فضل الصلاة)) للتُّجِيبي(٣) قال: جاء بإسناد صحيح من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن (١) الطبراني في ((الأوسط)) (١٨٣٥)، والخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) (٦٥)، والنميري في ((الإعلام)) (٣٠١ - ٣٠٣)، وابن عساكر ٨٠:٦، ٨١، وفي أسانيدهم: بشر بن عبيد الدارسي، وهو متهم، على خلافٍ فيه، ويزيد بن عياض بن جُعْدُبة، وهو متهم باتفاق. ورواه من وجه آخر: الرافعي في ((التدوين)) ١٠٧:٤، وأبو القاسم التيمي في ((الترغيب والترهيب)) (١٦٩٧)، فكأن العراقي لذلك اقتصر على تضعيفه في ((تخريج أحاديث الإحياء)) ١ : ٣٠٩. والله أعلم. (٢) صفحة ٣٧٣، ومثله تمامًا في ((النكت)) للزركشي ١١٧٠:٣ (٣٧٠)، وعن البلقيني: البقاعي في ((النكت الوفية)) ٢: ١٤٩. (٣) هو أبو العباس التُّجِيبي الأُقْليشي المتوفى سنة ٥٥٠ رحمه الله، في جزئه ((أنوار الآثار المختصة بفضل الصلاة على النبي المختار)) صلى الله عليه وسلم، ذكر في ص ٧٨ فما بعدها، حديث أبي بكر وأبي هريرة رضي الله عنهما، السابقَيْن، ثم ذكر كلمة سفيان الثوري، التي ذكرتُها، ومن غير أسانيد، قال البلقيني: ((ثم حكى - التُّجيبي - منامات، ثم قال: ((وإنما لم نذكرها لأن ابن الصلاح قد أشار إليها)). ثم قال البلقيني: ((وقد جاء بإسناد صحيح ... ))، فنقلُه عن التجيبي قد انتهى وفَرَغْ منه، وبدأ بكلامٍ ونقلٍ جديد، وكلامه واضح في هذا، فعزو الشارح له إلى التجيبي غير سديد. ومصدر البلقيني - والزركشي - في هذا الكلام الجديد، هو مُغْلَطاي في كتابه = ٣٧٤ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه [ش] شهاب، عن أنس يرفعه: ((إذا كان يومُ القيامة جاء أصحاب الحديث وبأيديهم المحابر(١)، فيرسل الله إليهم جبريل فيسألهم: من أنتم؟ - وهو أعلم - فيقولون: أصحاب الحديث، فيقول: ادخُلُوا الجنة طالما كنتم تصلون على نبيي في دار الدنيا))(٢). وهذا الحديث رواه الخطيب(٣) عن الصوري، عن أبي الحسين بن جُميع، عن محمد بن يوسف بن يعقوب الرّقي، عن الطبراني، عن الدَّبري، عن [ب] ((إصلاح كتاب ابن الصلاح)) ٢: ٤٠٠، لكن يستغرب منه حكمه بالصحة على الإسناد، كما يستغرب منهما متابعته على ذلك. وكأن مغلطاي نظر إلى إسناد الحديث من الطبراني، عن الدَّبَري، عن عبد الرزاق، به؟، وانظر كلام الشارح الآتي. نعم، يستفاد من اعتماد الزركشي والبلقيني - وهما إمامان - على كلام مغلطاي ومتابعته في أحكامه: مكانتُه العلمية في نفوسهم، خلافَ ما تبدو من فَلَتاتٍ في حقِّه، من أقلام بعضهم، ورضي الله عن علماء الإسلام جميعهم. (١) كُتب على حاشية ب ما نصه: ((قال شيخنا - ؟ -: حقيقةً، ولا مانع من ذلك)). أي: إن مجيئهم يوم القيامة إلى المحشر حاملين المحابر بأيديهم على وجه الحقيقة، أمر لا ما نع من القول به، لا على وجه المجاز. (٢) [وهذا يَعُمّ صلاتهم بلسانهم وبنانهم.]. (٣) في ((تاريخه)) ٦٤٨:٤ - ٦٤٩، وقال عن الرقي: كان غير ثقة، واتهمه بوضع هذا الحديث على الطبراني، لكنه ما قال فيه ((كذاب)) كما نَسَب إليه هذا القولَ الذهبيُّ في ((الميزان)) (٧٨٥٩)، ولم يتعقبه الحافظ في ((اللسان)) (٧٥٨٤). ٣٧٥ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه ولا يُتَقَيَّدُ فيه بما في الأصل إن كان ناقصاً، . [ش] عبد الرزاق، به، وقال: إنه موضوع، والحمل فيه على الرقي. قلت: له طريقٌ غيرُ هذه عن أنس، أوردها الديلمي في ((مسند الفردوس))، وقد ذكرتها في ((مختصر الموضوعات))(١). تنبيه : ينبغي أن يجمع عند ذكره صلى الله عليه وسلم بين الصلاة عليه بلسانه وبَنَانه، ذكره التُّجِيبي(٢). (ولا يُتَقَيَّدُ فیه) أي: ما ذُكر من كتابة الصلاة عليه صلی الله عليه وسلم (بما في الأصل إن كان ناقصاً)، بل يكتبه ويتلفظُ به عند القراءة مطلقاً، لأنه دعاء لا كلام يرويه، وإن وَقَع في ذلك الإمام أحمد، مع أنه كان يصلي نُطقًا لا خَطَّاً(٣)، فقد خالفه غيره من الأئمة المتقدمين. ومال إلى صنع أحمد: ابن دقيق العيد فقال(٤): ((ينبغي أن تُتَبَعَ الأصول [ب] -- (١) ((الفردوس)) (٩٨٣ = ٩٨٩)، و((اللآلئ المصنوعة)) ٢١٦:١، وعزاه في ((اللآلئء)) أيضًا إلى ((الإعلام في فضل الصلاة على النبي والسلام)) للنميري (٣٠٧)، كلاهما من طريق محمد بن أحمد بن مالك الإسكندراني، قال النميري: مجهول، وذكر السخاوي في ((القول البديع)) ص ٤٨٥ لفظ النميري هذا، وقال: ضعيف. (٢) ص٧٨ أيضاً. (٣) ((الجامع)) للخطيب (٥٦٨)، وانظر ما يأتي ص٣٧٩، وما تقدم ص٣٦٩ من صنيع الإمام الشافعي في ((الرسالة)). (٤) في ((الاقتراح)) ص ٢٦١. ٣٧٦ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه وكذا الثناءَ على الله سبحانه وتعالى، كـ: عزّ وجلّ، وشبهِه، وكذا و الترضِّي، والترحُّم على الصحابة، والعلماء، وسائر الأخيار. [ش] والرواياتُ، وإذا ذَكَر الصلاة لفظاً من غير أن يكون في الأصل: فينبغي أن يُصْحبها قرينةً تدلّ على ذلك، كرفع رأسه عن النظر في الكتاب، وينوي بقلبه أنه هو المصلِّي، لا حاكِ لها عن غيره)). وقال عباسُ العنبري وابن المديني(١): ما تركنا الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حديث سمعناه، وربما عَجِلنا فنبيض الكتابَ في کل حدیث حتی نرجع إليه. (وكذا) ينبغي المحافظة على (الثناء على الله سبحانه وتعالى، كـ: عزّ وجلّ)، و: سبحانه وتعالى، (وشبهه) وإن لم يكن في الأصل. قال المصنف زيادة على ابن الصلاح: (وكذا الترضِّ والترحُّم على الصحابة (٢) والعلماء وسائر الأخيار). قال المصنف في ((شرح مسلم))(٣) وغيره: ولا يستعمل ((عز وجل)) ونحوه في النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان عزيزاً جليلاً، ولا الصلاة والسلام في [ب] (١) ((الجامع)) للخطيب (٥٦٩). (٢) [في ((تاريخ إربل)) - ١: ١٠١ - لابن المُسْتَوفي: عن بعضهم: أنه كان يُسأل عن تخصيصهم علياً بـ: كرّم الله تعالى وجهه، فرأى في المنام من قال له : إنه لم يسجد لصنم قط. انتهى. زركشي - ((النكت)) ٣: ١١٧١ (٣٧١) -، وكذلك أبو بكر يقال : كرم الله وجهه، لأنه لم يسجد لصنم قط.]. (٣) ١٢٧:٤، ١٨٥:٧ في شرح حديثيْ (٤٠٦، ١٠٧٨). ٣٧٧ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه وإذا جاءت الرواية بشيء منه كانت العناية به أشدَّ، ويكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم، [ش] الصحابة استقلالاً، ويجوز تَبَعاً. (وإذا جاءت الرواية بشيء منه كانت العناية به) في الكتابة (أشدَّ) وأكثر. (ويكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم) هنا، وفي كل موضع شُرِعت فيه الصلاة، كما في ((شرح مسلم)) (١) وغيره، لقوله تعالى: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا [ب] - (١) ٤٤:١، وعبارته صريحة في نقل ذلك عن العلماء عامة !! وصرّح بالكراهة أيضًا ابن الصلاح آخر الأمر التاسع من هذا النوع ص ١٦٨، وينظر ((النكت الوفية)) ١٥٣:٢ - ١٥٤. وهاهنا تنبيه دقيق حول كلمة الإمام مسلم، واستدراك النووي عليه. فأقول: لفظ الإمام مسلم: ((الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين))، ولفظ النووي: ((إنه ينكر على مسلم رحمه الله كونه اقتصر على الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم دون التسليم))، فتعقَّب هذا الاستدراك شمس الدين الهروي المتوفّى سنة ٨٢٩ رحمه الله في شرحه المطبوع حديثًا: ((فضل المنعم في شرح صحيح مسلم)) ١٣٤:١، تعقبه بأدب ولطف، فقال: (وما أُورد من ترك التسليم، مع كون المأمور به الصلاةَ والتسليمَ معًا: فغير وارد، لأن ذلك - يريد الجمع بينهما - في صلاة المؤمنين عليه، والوارد هاهنا - أي: المذكور في كلام مسلم -: صيغةُ إخبارِ الصلاة من الله على نبيّه عليه السلام)). يريد رحمه الله: أن مسلمًا حكى أول كلامه: أن الحمد لله، وأن العاقبة للمتقين، فكذلك هو يَحكي: أن الله تعالى صلى على نبيه محمد، وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، عليهم الصلاة والسلام، وهذا واضح ومسلّم، فقد قال تعالى: ﴿إن الله = ٣٧٨ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه [ش] تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وإن وقع ذلك في خطّ الخطيب وغيره(١). [ب] وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦] ولم يذكر السلام عليهم مع الصلاة عليهم، فلا إنكار على الإمام مسلم رحمه الله تعالى في كلامه هذا. وهذا تنبيه دقيق، لم يستسلم صاحبه لما توارد عليه، كلّ من نقل كلامَ النووي ومؤاخذتَه الإمامَ مسلماً. ثم ختم الهروي رحمه الله كلامه بقول بعد ثلاثة أسطر: ((إن أكثر المحققين ذهبوا إلى جواز الاكتفاء بواحدة منهما، وعدم الكراهية فيه)). (١) أما الخطيب: فصنيعه واضح في ((تقييد العلم))، وأما غيره: فينظر ما كتبه شيخنا رحمه الله في التعليق على مقدمة ((الرفع والتكميل)) ص ٤٨، وما زاده الأخ الأستاذ الباحث الشيخ محمد فاتح قايا في تعليقه على رسالة العلامة علي القاري ص٤٦. وللزيادة مجال رحب أيضًا، وهذه الكثرة الكاثرة من الأئمة الذين أفردوا الصلاة عن السلام، تفتح بابًا للدراسةِ عن تاريخها، مع تاريخ القول بالكراهة، ثم اعتمادِ الحكم بالكراهة أو عدم اعتماده، ثم للقول بإضافتهما كتابة ونطقًا، أو نطقًا فقط، وبهذا يتحرر القول في هذه المسألة. وأرى التزام المكتوب حين القراءة أو النقلٍ من كتاب من كتب السنة الشريفة، ونحوها من كتب العلم، وسيأتي صفحة ٤٤٤ النص على التزام النقل منها في مسألة الرواية بالمعنى، وأنه لا يجوز التصرف، ولو كان مع أداء المعنى الدقيق. بل أرى أن أيّ إضافة على نصّ المؤلف من أئمتنا رحمهم الله، هو تعالُمٌ عليه لا يليق بنا فعله، فحينما أقرأ الحديث الثالث من صحيح البخاري - حديث بدء الوحي - وفيه: ((عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت))، وأزيد من عندي: عن = ٣٧٩ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فهذه زيادة سَمْجَة، وإساءة أدب مع البخاري ومن فوقه مِن رجال الإسناد الذين لم يزدْ أحدٌ منهم هذه الزيادة، لأن البخاري ومن فوقه إنما يلتزمون ما يُروى إليهم، وما يسمعونه ممن فوقهم، فلنلتزم نحن ما التزموه. ومثل هذا يقال في الأحاديث الأخرى في كتاب البخاري ومسلم وغيرهما، وفي سائر كتب العلم. وكما أنني اعتمدت في هذه الكلمات على صنيع البخاريِّ ومسلم وغيرهما، ورجالِ أسانيدهم، في صحة وصواب التزام ما كتبوه، رأيت الإمام البقاعي استنبط حكمًا كهذا من واقع بعض الأئمة. فقد جاء في كتابه ((النكت الوفية)) ٢: ١٥٢ أن الإمام الشافعي أفرد في مقدمة كتابه ((الرسالة)) (٢٢، ٣٩) - ومواضع أخرى - الصلاة عن السلام، فقال البقاعي لشيخه الحافظ ابن حجر رحمهم الله تعالى: ((إن المحافظة على الرواية - أي: نقل كلام الشافعي بحرفيته دون زيادة وتصرف - أفادتنا حكمًا من الأحكام عن إمامنا، وهو عدم كراهةِ الإفراد، الكراهةِ المصطلح عليها، ولو تصرف النساخ في كلامه لفات ذلك. فاستحسنه)) أي: ابن حجر. ثم إن هذه الزيادة والتصرف يسمح لنا بزيادة أخرى، وذلك بأن تقول: رضي الله تعالى عنه، بدلاً من: رضي الله عنه، فإن وصف الله سبحانه وتعالى بالتعظيم أوجب، وهکذا تعظيمه مع کل موضع يُذكر فيه اسمه جل جلاله، داخل النص والخبر. ثم نزيد زيادة أخرى، وهي الصلاة والسلام على الآل، فتقول: صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا مشروع محبوب، وأغلب الظن أن زيادة (وآله) التي في كتاب ((الإصابة)) لابن حجر، إنما هي من ناسخ، لا من أصل خط ابن حجر، وقد انفرد كتابه هذا عن سائر كتبه رحمه الله بهذه الزيادة. ثم نزيد زيادة أخرى على نصوص كتب السنة والعلم كلها، وهي السيادة مع ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم، أو لقبه، فنقول: قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه = ٣٨٠ النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه قال حمزة الكناني(١): كنت أكتب عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم [ش] وسلم، وهکذا إلى ما لا نهاية له. ولو أنه طُلب من أي طالب علم معاصر أو متقدم، أو ناسخ لأي کتاب کان، لو طُلب منه أن ينسخ لنا نسخة متقنة من ((صحيح البخاري)) مثلاً، فراح يزيد عند ذكر الإمام مالك - مثلاً - في السند: رضي الله عنه، وعند ذكر أيّ صحابي كان: رضي الله عنه، وهكذا، فإنه لا يرضى منه هذه الزيادات أيُّ إنسان، وحينما يبدأ بمقابلة هذا الفرع عن أصله، فإنه سيضرب عليها، فكذلك يقال له عند زيادتها في القراءة. وفي أيامنا: صار لهذه الزيادات معنى آخر، هو أنها عنوان وشعار على فاعله، وأن فلانًا من أهل العلم يلتزم السيادة، أو يلتزم الصلاة والسلام على الآل، أو الترضي عنهم، وقد رأيتُ من فعل هذا: طَبَع رسالة لبعض العلماء المعاصرين فزادها على كل موضع لم تذكر فيه هذه الزيادات، فأعطى صورة عن مؤلفه تخالف واقعه في كتبه الأخرى، وهي تعدُّ بالعشرات. وأعود لأؤكد على الالتزام بما كتبه أئمتنا، وتناقله النساخ عنهم، ونشرته المطابع، دون تعالُم عليهم، والله أعلم. (١) أسندها ابن الصلاح إلى حمزة الكناني ص ١٦٨، وينظر زيادة في تخريجها عند السخاوي آخر ((القول البديع)) ص ٤٩٤، وزادا قول حمزة: ((فما كتبت بعد ذلك (صلى الله عليه) إلا كتبت: وسلّم. وكلمة ((لا تتمّ)): تحرفت في (السير)) إلى: لا تختم. وحمزة هذا: هو ابن محمد بن علي الكناني المصري، محدث الديار المصرية، كان حافظًا ثَبْتًا، متقنًا مجوِّدًا ذا تألّه وتعبُّد، ولد سنة ٢٧٥، وتوفي سنة ٣٥٧، رحمه الله تعالى، تنظر ترجمته في ((السير)) ١٧٩:١٦. وينظر تنبيه لطيف حول الاستدلال بهذا الخبر في ((النكت الوفية)) ١٥٤:٢.