النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
موصولة إلى هشام وإلى أبي أسامة.
قلت: وجواب آخر وهو: أن الوٍجادة المنقطعة أن يجد في كتاب شيخه، لا
في كتابه عن شيخه، فتأمل(١).
-
[س)
والثالث فقط. والله أعلم.
وأقول: جزى الله خيراً الإمام الرشيد العطار وسائر علماء المسلمين، لكنْ إدخالُه
هذه الأحاديث الثلاثة من ((صحيح)) مسلم هنا، وقولُه عن الوجادة: ((داخلة في باب
المقطوع عند علماء الرواية)): فيه نظر طويل، بيانه أن الوجادة - كما سيقوله بعد
سطرين - التي فيها معنى الانقطاع هي ما يجده المحدث ((في تأليف شخص وليس
بخطه))، أي: أن يجد زيد كتاباً لعمرو، بخط خالد، مثلاً، فيروي زيد حديثاً منه،
فيقول: وجدت بخط خالد، فهذا منقطع، إذ ليس به سماع ولا وجه من وجوه
الاتصال السبعة المتقدمة، لكنه في الأحاديث الثلاثة التي في ((صحيح)) مسلم يقول
الإمام ابن أبي شيبة فيها: وجدت في كتابي، يعني بخطه هو، ولا يتصو أن يُدخِل
غيرُه في كتابه شيئاً، لكنه لم يُحقَّ هذا التحمل عن أبي أسامة بأيّ وجه من وجوه
التحمل: السماع، ليقول: حدثنا، أو العرض والقراءة عليه ليقول: أخبرنا، أو غير
ذلك، مع أن ابن أبي شيبة يروي في ((مصنفه)) عن أبي أسامة (١٣٠٩) ما بين حديث
وأثر، فهذا محمول على دقة ابن أبي شيبة وتحرّيه، لا على الانقطاع، والله أعلم،
ولِيُنْظَر وليُتَدبَّر، فالفرق واضح.
(١) بل الأولى أن يقال: أن يجد في كتاب غيره، ليشمل كتاب شيخه وكتاب
غيره، وقد تقدم تعريفه للوجادة بقوله: ((أن يقف على أحاديث بخطّ راويها غير
المعاصر له))، فلا ينبغي حصرها هنا بقوله: في كتاب شيخه !.

٣٤٢
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وإذا وجد حديثاً في تأليف شخص قال : ذَكَر فلان، أو قال فلان :
أخبرنا فلان، وهذا منقطع لا شَوْب فيه، وهذا كلَّه إذا وثق بأنه خطُّه أو
كتابه، وإلا فليقل : بلغني عن فلان، أو وجدت عنه، أو قرأت في كتابٍ :
أخبرني فلان أنه بخط فلان، أو ظننت أنه خط فلان، أو ذَكَر كاتبه أنه
فلان، أو تصنيف فلان، أو قيل : بخطً أو تصنيفٍ فلان.
وإذا نقل من تصنيفٍ فلا يقل : قال فلان، إلا إذا وثِق بصحة النسخة
بمقابلته أو ثقةٍ لها، فإنْ لم يوجد هذا ولا نحوُه فليقل: بلغني عن فلان، أو
وجدت في نسخةٍ من كتابه، ونحوَه، وتسامح أكثر الناس في هذه الأعصار
بالجزم في ذلك من غیر تَحَرّ.
[ش]
(وإذا وجد حديثاً في تأليف شخص) وليس بخطه (قال: ذَكَر فلان، أو قال
فلان: أخبرنا فلان، وهذا منقطع لا شَوْب) من الاتصال (فيه، وهذا كلُّه إذا
وثق بأنه خطَّه أو كتابه، وإلا فليقل : بلغني عن فلان، أو وجدت عنه، أو قرأت
في كتابٍ : أخبرني فلان أنه بخط فلان، أو ظننت أنه خط فلان، أو ذَكَر كاتبه
أنه فلان، أو تصنيف فلان، أو قيل بخط) فلان (أو) قيل إنه (تصنيف فلان)،
ونحوَ ذلك من العبارات المفصحة بالمستند.
وقد تستعمل الوجادة مع الإجازة، فيقال: وجدت بخط فلان، وأجازه لي.
(وإذا نقل) شيئاً (من تصنيفٍ فلا يقل) فيه: (قال فلان) أو ذَكَر، بصيغة الجزم
(إلا إذا وثِق بصحة النسخة بمقابلته) على أصلِ مصنفه (أو) مقابلةِ (ثقةٍ لها، فإنْ لم
يوجد هذا ولا نحوُهُ فليقل: بلغني عن فلان، أو وجدت في نسخةٍ من كتابه،
ونحوَه، وتسامح أكثر الناس في هذه الأعصار بالجزم في ذلك من غير تَحَرّ)

٣٤٣
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
وتثُّت، فيطالعُ أحدهم كتاباً منسوباً إلى مصنّف معين وينقل منه عنه، من غير أن
يثق بصحة النسخة، قائلاً: قال فلان، أو ذكر فلان كذا(١).
(١) [فائدة: ذكر التاج السبكي في أوائل ((الأشباه)) - ١: ٨٩ - بحثاً في الكتابة
فقال : قد کان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل كتبه إلى الآفاق، ويعتمد عليها،
غير أن الاعتماد عليها بمجردِها، أو مع ما انضمتْ إليه من الرسول كحاملها،
والقرائنِ الدالة على مضمونها؟ هذا موضع النظر. وبَيْن الشافعيِّ رضي الله عنه، وبَیْن
إسحاق بن راهويه مناظرة في ذلك، حكاها البيهقي - ((المعرفة)) ٢١٢:٨ - وغيره
بمحضر ابن حنبل، فذكر مضمونها .
[ثم قال [السبكي]: وعملُ الناس على النقلِ من الكتب، ونسبةٍ ما فيها إلى
مصنفیها .
[وقال ابن الصلاح - ص١٧٩ -: لا يقول: قال فلان إلا إذا وثق بصحة النسخة،
وإلا فليقل : بلغني عن فلان.
[قال التاج : ومن ثَمَّ بعث القاضي بكار شاهدين إلى المزني ليشهدا عليه أن هذا
كلام الشافعي، في كلام رآه في ((المختصر))، فلما شهدا قال: الآن، يعني: وثقتْ
نفسي. قال التاج: وهذا كان ورعاً منه، وكان في أوائل الحال، حيث لم ينتشر كلام
الشافعي انتشارَه الآن، وأما الآن فالتحرير في مثل ذلك وسوسة، وإني لَقاطعٌ بأن
الرافعي - فضلاً عن الشافعي - قال ما أجده في كتابه مما لا تختلف فيه النسخ.
انتھی .].
وقوله ((وإني لقاطع .. )): مرتبط بكلام سابق، أما قوله ((قال ما أجده .. )): فـ ((ما))
اسم موصول في محل نصب مفعول ((قال))، أي: إني لقاطع بأن الرافعي قال الذي
أجده في كتابه إذا اتفقت النسخ عليه.

٣٤٤
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
والصواب ما ذكرناه، فإن كان المطالع متقناً لا يخفى عليه غالباً
الساقطُ والمغيَّر : رَجَونا جواز الجزم له، وإلى هذا استروح كثير من
المصنفين في نقلهم.
وأما العمل بالوجادة: فنُقِل عن معظم المحدثين، والفقهاء المالكيين،
وغيرِهم: أنه لا يجوز، وعن الشافعي، ونُظّار أصحابه: جوازُه، وقطع
بعض المحققين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة، وهذا هو
[ش]
(والصواب ما ذكرناه، فإن كان المطالع) عالماً فطِناً (متقناً) بحيثُ (لا
يخفى عليه غالباً الساقط والمغيَّر (١): رَجَونا جواز الجزم له) فیما یحکیه، (وإلى
هذا استروح كثير من المصنفين في نقلهم) من كتب الناس.
(وأما العمل بالوجادة : فتُقِل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكيين
وغيرِهم أنه لا يجوز، وعن الشافعي ونُظّار أصحابه جوازُه(٢)، وقطع بعض
المحققين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة) به(٣)، (وهذا هو
[ت)
(١) من ج، و، ك، وهو المناسب لكلام ابن الصلاح آخر ص١٥٩، والمؤلف
في ((الإرشاد)) ص١٤١، وفي غيرها: أو المغيَّر.
(٢) هذا كلام القاضى عياض ص ١٢٠، وانظر الحاشية التالية.
(٣) هذا لفظ ابن الصلاح ص ١٦٠، ومراده بـ ((بعض المحققين)): إمام الحرمين
في ((البرهان)) (٥٩٢)، ولفظه: ((الذي أراه: أن يتعيَّن عليه العمل به، ولا يتوقف
وجوب العمل على المجتهدين بموجَبات الأخبار على أن تنتظم لهم الأسانيد في
جميعها))، فهذا صريح في وجوب العمل بما في أحاديث الوجادة عند إمام الحرمين،
على خلاف ما تفيده حكاية عياض عنه، فإنه قال في ((الإلماع)) ص ١٢٠: ((حُكي عن
الشافعي جواز العمل به، وقالت به طائفة من نظار أصحابه، وهو الذي نصره
الجويني))، فقوله ((وهو)) يعود على الجواز، في حين أن كلامه صريح في الوجوب.

٣٤٥
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
الصحيح الذي لا يتّجه هذه الأزمانَ غیرُه.
[ش]
الصحيح الذي لا يتّجه هذه الأزمانَ غيرُه).
قال ابن الصلاح(١): فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسدَّ باب
العمل بالمنقول، لتعذَّر شروطها.
قال البلقيني(٢): واحتج بعضهم للعمل بالوِجادة بحديث: ((أيُّ الخلقِ
أعجبُ إيماناً؟)) قالوا: الملائكة، قال: ((وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟!))
قالوا: الأنبياء، قال: ((وكيف لا يؤمنون وهم يأتيهم الوحي؟!))، قالوا: فنحن،
قال: ((وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟!))، قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال:
((قوم يأتون مِن بعدكم يجدون صُحُفاً يؤمنون بما فيها)).
قال البلقيني(٣): وهذا استنباط حسن.
قلت: المحتجُّ بذلك هو الحافظ عماد الدين ابن كثير، ذَكَر ذلك في أوائل
[ب]
(١) صفحة ١٦٠.
(٢) في ((محاسن الاصطلاح)) ص ٣٦٠.
(٣) المصدر السابق، ووصفه بالحُسْن الزركشي أيضاً، وفي نصِّ الحديث عنده
سَقَط، قد لا يكون مطبعيًا، فقد اتفق نقلُه، ونقلُ الزركشي ١١٤٦:٣ (٣٥٤) عن ابن
كثير على هذا السقط، مع أنه تامّ عند ابن كثير.
[قال: ولم يبق في زماننا إلا مجردُ وجادات. زركشي - ((النكت)) ٣: ١١٤٦
(٣٥٤) -. ].
نقلاً عن ابن كثير، وهو في ((اختصار علوم الحديث)) ص ١٢٨.

٣٤٦
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
((تفسيره)(١). والحديث رواه الحسن بن عرفة في ((جزئه))(٢) من طريق عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده، وله طرق كثيرة أوردتُها في ((الأمالي))(٣).
وفي بعض ألفاظه: ((بل قوم من بعدكم يأتيهم كتابٌ بين لوحين يؤمنون به
ويعملون بما فيه، أولئك أعظمُ منكم أجراً))، أخرجه أحمد والدارمي والحاكم
من حديث أبي جُمْعة الأنصاري(٤).
وفي لفظٍ للحاكم(٥) من حديث عمر: ((يجدون الوَرَق المعلَّق فيعملون بما
-
(١) أول سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِأَلْغَيْبٍ﴾ ١٨٥:١، وكذلك في ((اختصار علوم
الحديث)) ص١٢٩، وأحال فيهما على مقدمة شرحه على البخاري.
(٢) صفحة ٥٢ (١٩).
(٣) وينظر كذلك أول ((الدر المنثور)) عند الآية المذكورة.
(٤) أحمد ١٠٦:٤، والدارمي (٢٧٤٤)، والحاكم (٦٩٩٢) وصححه، ووافقه
الذهبي، والطبرانى ٤ (٣٥٤٠، ٣٥٤١).
(٥) (٦٩٩٣) وصححه، فتعقبه الذهبي بضعف محمد بن أبي حميد، وهو
كذلك عند أبي القاسم البغوي في ((حديث مصعب الزبيري)) (١٢٩)، وأبي يعلى
(١٦٠)، ورواه البزار (٢٨٨، ٢٨٩) من طريقين آخرين، وأعلَّه بالانقطاع، وأشار
إلى طريق الحاكم وأبي يعلى، وأن الحديث معروف برواية محمد بن أبي حميد،
لكنه لَيَّن القول فيه - على عادته - فقال: ((ليس بقوي، قد حدث عنه جماعة ثقات
واحتملوا حديثه))، وذكر المزي ٢٥: ١١٣ نحواً من ثلاثين رجلاً، منهم: ابن
علية، والطيالسي، والقعنبي، وابن وهب، وابن أبي عدي، وأبو عامر العقدي،
وغيرهم.
=

٣٤٧
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيماناً)).
[ب]
فهؤلاء ثلاثة من الصحابة رووا الحديث: عبد الله بن عَمْرو، من طريق عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده، وأبو جمعة الأنصاري، وعمر رضي الله عنهم. ويزاد
عليهم: ابن عباس، وأبو هريرة، وأنس.
فحديث ابن عباس: رواه الطبراني في ((الكبير)) ١٢ (١٢٥٦٠).
وحديث أبي هريرة: في ((معجم الشيوخ)) للإسماعيلي (١٦٨)، وعنه حمزة
السَّهمي في ((تاريخ جرجان)» (٦٨٧).
وحديث أنس: عند البزار ١٣(٧٢٩٤)، وقال: غریب من حديث أنس.
وبعض من خرّجت الحديث عنه ليس في ألفاظهم محل الشاهد.
والحديث عزاه الحافظ في ((الفتح)) ٧: ٦ (٣٦٥١) إلى أحمد، والدارمي،
والطبراني، والحاكم من حديث أبي جمعة الأنصاري، وحسَّنه، لكن ليس في لفظه
محل الشاهد، وذكره السخاوي في ((فتح المغيث)) ٥٢٨:٢، ووصفه بالصحة،
يريد: بمجموع طرقه، وسبقه ابن كثير، كما نقل عنه الزركشي ١١٤٦:٣ (٣٥٤)،
لكن ليس في كتابيه شي: ((التفسير)) و((اختصار علوم الحديث))، فلعله في شرحه
على البخاري.

٣٤٨
النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه
النّوع الخامِسُ والعشرون: كتابة الحَديثِ وَضبطهُ
وفيه مسائل :
إحداها : اختلف السلف في كتابة الحديث، فكرهها طائفة، وأباحها
طائفة، .
[ش]
(النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث، وضبطه)
(وفيه مسائل: أحدها: اختلف السلف) من الصحابة والتابعين (في كتابة
الحديث، فكرهها طائفة)(١)، منهم: ابن عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت،
وأبو موسى، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وابن عباس، وآخرون.
(وأباحها طائفة)(٢) وفعلوها، منهم: عمر، وعلي، وابنه الحسن، وابن
عَمْرو، وأنس، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، أيضاً، والحسن، وعطاء،
وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزیز.
[ب]
(١) سمّى الشارح رحمه الله سبعة منهم، وأخبارهم مروية في ((تقييد العلم)) على
الترتيب: ص ٤٣، ٣٨، ١٠٢، ٣٩، ٣٦، ٤١، ٤٢.
(٢) سمّى منهم اثني عشر، وأخبارهم في ((تقييد العلم)) على الترتيب أيضًا:
٨٧، ٨٨، ٩١، ٩٨، ٩٤، ١٠٤، ٩١، ١٠٢، ١٠١، ١٠٢، ١٠٥، فهؤلاء أحد
عشر، ولم أر لعطاء ذكرًا عند الخطيب، لكن الخبر عنه في ((المحدث الفاصل)) برقم
(٣٣٩، ٣٤٤).

٣٤٩
النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه
[ش]
وحكاه عياض عن أكثر الصحابة والتابعين منهم: أبو قلابة، وأبو المليح(١).
ومن مُلَح قوله فيه: يعيبون علينا أن نكتب العلم وندوّنه، وقد قال الله عز
وجل: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِ فِ كِتَبِّ لَا يَضِلُّ رَبِ وَلَا يَنْسَى﴾. [سورة طه: ٥٢](٢) .
قال البلقيني(٣): وفي المسألة مذهب ثالث حكَاه الرامهر مزي، وهو: الكتابةُ
والمحوُ بعد الحفظ.
(١) هكذا جاء في كلام العراقي في ((شرح الألفية)) ص ٢٣٠، ولم أر هذا في
كلام عياض، وقد يفهم من كلامه ص ١٤٧ أنه مذهب أكثر الصحابة والتابعين، ولم
يذكر أبا قلابة وأبا المليح، إنما رُوي هذا القول عنهما في ((المحدث الفاصل))
(٣٣٨)، وهو عن أبي قلابة في ((تقييد العلم)) ص ١٠٣.
وأبو المليح: أكثر من رجل، وقد روى مذهبه هذا: الخطيب في ((تقييد العلم))
ص ١١٤ على أنه أبو المليح الرقي: الحسن بن عُمر، وتعقبه بقوله: ((إنما يحفظ هذا
عن أبي المليح الهذلي، وهو من أهل البصرة، عن أيوب، وقد ذكرناه عنه فيما تقدم))
أي: ص ١١٠، فهو مذهب أيوب السختياني أيضًا، والكلمة التي استملحها الشارح
- تبعًا للبلقيني ص ٣٦٨ - هي لأيوب، رواها عنه أبو المليح الهذلي، وليست لأبي
الملیح.
(٢) وتقدم قبل سطر أن هذا القول لأيوب السختياني، أما الاستدلال بالآية
الكريمة على جواز كتابة العلم، فقد شارك أيوبَ في الاستدلال بها: قتادةُ - وهما
متعاصران -، رواه عنه الخطيب أيضًا ص ١٠٣.
(٣) صفحة ٣٦٧. وينظر ((المحدث الفاصل)) (٣٧٠ - ٣٧٥)، و((تقييد العلم))
ص ٦٠، وأخبارهما متشابهة.

٣٥٠
النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه
ثم أجمعوا على جوازها، وجاء في الإباحة والنهي حديثان.
[ش]
(ثم أجمعوا) بعد ذلك (على جوازها) وزال الخلاف.
قال ابن الصلاح(١): ولولا تدوينه في الكتب لَدَرَس في الأعصُر الأخيرة.
(وجاء في الإباحة والنهي حديثان)، فحديث النهي: ما رواه مسلم(٢) عن
أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تكتبوا عني شيئاً إلا
القرآنَ، ومن كتب عني شيئاً غيرَ القرآن فليمْحُهُ)).
وحديث الإباحة: قوله صلى الله عليه وسلم: ((اكتبوا لأبي شاهٍ)). متفق
(٣)
عليه
[ب]
-
(١) ((المقدمة)) ص ١٦٢.
(٢) في ((صحيحه)) ٤: ٢٢٩٨ (٧٢)، و((ما)): شطبت من ك.
(٣) البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم ٩٨٨:٢ (٤٤٧)، وذكر البلقيني في ((المحاسن))
ص ٣٦٢ فما بعدها أحاديث كثيرة في الدلالة على الإباحة، ثم علّق على استدلال ابن
الصلاح بحديث أبي شاهٍ بقوله: ((الأحاديث السابقة أصرح في تعميم الإذن، من
حديث أبي شاه، لجواز أن يدَّعى فيه أنه واقعة عينٍ، ولكنه أصح، فهو في
الصحيحين)).
وضبط ابن العجمي هذا العَلَم بقوله:
[بشين معجمة، وهاء أصلية وصلاً ووقفاً، كما في ((مصابيح الدرر))، وهي
منونة، كما في ((الفتح)) - ١: ٢٠٦ (١١٢) -، أي: وصلاً لا وقفاً، كما هو ظاهر،
والمراد : أنه ليست للتأنيث بحيث تكون تاءً في الوصل، هاء في الوقف، وليس تكنيةً
بشاةٍ، إحدی شیاه الغنم.
وفي (الإصابة)) - أول الكنى من حرف الشين -: أن السِّلَفي - [ينظر لفظ ابن
=

٣٥١
النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه
[ش]
وروى أبو داود والحاكم وغيرهما(١) عن ابن عمرو قال: قلت يا رسول
الله، إني أسمع منك الشيء فأكتبَه؟ قال: ((نعم)). قال: في الغضب والرضا؟ قال:
((نعم، قال: فإني لا أقول فيهما إلا حقًّا)).
وقال أبو هريرة: ليس أحدٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثرَ
حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتبُ ولا أكتب.
(٢)
رواه البخاري
وروى الترمذي(٣) عن أبي هريرة قال: كان رجلٌ من الأنصار يجلِس إلى
حجر] - قال: إن هاءه أصلية، وهو بالفارسي، ومعناه: الملك، قال: ومن ظنّ أنه
باسمٍ إحدى الشِّياه فقد وهِم. انتهى.].
وأزيد التنبيه إلى ضبط النووي له في ((شرح مسلم)) ١٢٩:٩، وإلى كلام ابن
حجر في ((الفتح)) ٢٠٨:١٢ (٦٨٨٠)، و((النكت الوفية)) ١٢١:٢.
(١) رواه بنحوه أبو داود (٣٦٤١)، والحاكم (٣٥٧ - ٣٥٩)، وأحمد ١٦٢:٢
ومواضع أخرى منه، والدارمي (٤٨٤)، وابن خزيمة (٢٢٨٠)، وهو حديث صحيح.
وتحرف: ابن عَمْرو، إلى: ابن عُمر، في ((معاني الآثار) للطحاوي ٣١٩:٤، فيصحح.
(٢) كتاب العلم (١١٣).
(٣) (٢٦٦٦) وقال:
[هذا الحديث ليس إسناده بذلك القائم. زركشي - ٣: ١١٥٠ (٣٥٧) -. ].
ويستغرب من ابن العجمي نقله عن الترمذي بواسطة الزركشي، لكنها الأمانة.
رحمه الله.
ثم نقل الترمذي عن البخاري قوله في أحد رواته: الخليل بن مرة: منكر
=

٣٥٢
النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه
[ش]
رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعُ منه الحديثَ فيعجبه ولا يحفظُه، فشكا
ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((استعِنْ بيمينك)) وأومأ بيده إلى
الخطّ.
وأسند الرامهرمزي(١) عن رافع بن خَديج قال: قلت: يا رسول الله، إنا
نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: ((اكتبوا ذلك ولا حرج)).
وروى الحاكم وغيره(٢) من حديث أنس وغيره مرفوعاً وموقوفاً: ((قيدوا
[ب]
الحدیث، لکن یشهد له حديث عبد الله بن عمرو عند الدارمي (٤٨٥) وفيه ضعف.
(١) (٣٣١)، وهو في ((تقييد العلم)) ص ٦٣، وفي إسناده عبد الرحمن بن ثابت
ابن ثوبان: صدوق يخطئ وتغيَّر، وشيخه أبو مدرك: هو عبد الله بن مدرك الأزدي
ترجمة ابن عساكر ٣٣:٣٣، ولم أر فيه جرحًا ولا تعديلاً.
أما شيخه: عباية بن رافع: فنسب إلى جده، هو: عباية بن رفاعة بن رافع، ذكره
ابن حبان في ((الثقات)) ٢٨١:٥.
(٢) رواه موقوفاً: الحاكم عن أنس (٣٦١)، وصححه، والطبراني في ((الكبير))
١ (٧٠٠)، ورواه مرفوعاً الرامهرمزي (٣٢٧)، والخطيب في ((تقييد العلم)) ص ٧٠
من طريق عبد الحميد بن سليمان الخزاعي، وقال الخطيب: تفرّد به عبد الحميد بن
سليمان، وغيره يرويه موقوفًا)).
وعبد الحميد هذا ضعيف، وفي دعوى التفرد شيء، فقد رواه القضاعي في
((مسند الشهاب)) (٦٣٧) من طريق أخرى إلى أنس، لكن فيه إسماعيل بن أبي أويس،
وهو لا يقبل منه إلا ما كان من رواية الإمام البخاري عنه، كما هو معلوم.
وصحّ عن سيدنا عمر من قوله، رواه ابن أبي شيبة (٢٦٩٥٥)، وانظر تخريجه
=

٣٥٣
النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه
[ش]
العلم بالكتاب))(١).
وأسند الديلمي(٢) عن عليّ مرفوعاً: ((إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بسنده).
-
(ت)
هناك، وممن رواه عن عمر موقوفاً وصححه: الحاكم (٣٦٠).
ورُوي مرفوعًا عن ابن عَمْرو، رواه الرامهرمزي (٣١٨)، والخطيب ص ٦٩،
ورواه الحاكم (٣٦٢) عنه من وجه آخر وضعفه.
(١) [أي: بالكتابة، وهما مصدران لـ: كتب.].
(٢) وكذلك نسبه إلى الديلمي في ((المداوي)) ١: ٤٥٨، ولم أره في المطبوع من
((الفردوس)).
وعزاه الشارح في ((الجامع الصغير)) إلى الحاكم في ((معرفة علوم الحديث))،
وبيّض له في ((الجامع الكبير)) مصورة المخطوطة ١٨٦:١ السطر ٢٧، ونقل عن
الحاكم قوله في الحديث: غريب، فقط - وانظر بعد أسطر - وإلى أبي نعيم، وابن
عساكر. ولم أره في كتاب الحاكم، ولا في ((الحلية))، ولا في ((تاريخ أصبهان))، فلعله
في ((مستخرجه)) على كتاب الحاكم، وهو في ((تاريخ)) ابن عساكر ٣٩٠:٣٦.
نعم، رواه السمعاني في ((أدب الإملاء والاستملاء)) ص ٩، والرافعي في
((التدوين في أخبار قزوين)) ٢٦١:٢ - ٢٦٢، كلاهما من طريق الحاكم، وقد حكم
عليه بالوضع الذهبي في ((الميزان)) (٧٩٧٥) ترجمة مسعدة بن صدقة، ووافقه ابن
حجر في ((اللسان)).
ونقل ابن عساكر والسمعاني عن الحاكم قوله فيه: غريب لم نكتبه إلا عنه، أي:
عن شيخه علي، ولفظ السمعاني: لم نكتبه إلا عن ابن شقير.
وشيخه لم أقف له على ترجمة، ولا على ما يرجح صحة نسبه: فعند ابن عساكر
٣٩٠:٣٦ - طبعة بيروت التي أعزو إليها دائماً - و ٥٣:٤٣ - طبعة دمشق - المحققة
=

٣٥٤
النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه
فالإذنُ لمن خِيف نسيانُه، والنهيُ لمن أَمن وخيف اتكالُه، أو نَهَى
حين خِيف اختلاطه بالقرآن، وأَذِن حين أَمِن.
[ش]
وفي الباب أحاديث غير ذلك.
وقد اخْتُلِف في الجمع بينها وبين حديث أبي سعيد السابق(١)، كما أشار
إليه المصنف بقوله: (فالإذنُ لمن خِيف نسيانه، والنهيُ لمن أَمن) النسيانَ ووَثِق
بحفظه (وخيف اتكالُهُ) على الخط إذا كتب، فيكون النهي مخصوصاً، وقد
أسند ابن الصلاح (٢) هنا عن الأوزاعي أنه كان يقول: كان هذا العلم كريماً يتلقاه
الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله.
(أو نَهَى) عنه (حين خِيف اختلاطه بالقرآن، وأَذِن) فيه (حين أمن) ذلك،
فيكون النهي منسوخاً.
وقيل: المراد النهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، لأنهم
[ب]
المتقنة: علي بن الحسن بن يعقوب بن سفيان المصري، وفي ((أدب الإملاء))،
و((التدوين)): علي بن الحسين بن يعقوب بن شقير المقرئ *.
ثم رأيت أن الصواب ما جاء في هذين الكتابين، لكن دون نسبته: المقرئ، أو
المصري، أو غيرهما، وذلك في ((الإكمال)) لابن ماكولا ٣١٢:٤.
(١) ينظر لهذه الوجوه كتاب ((تقييد العلم)) مع أدلتها من الأخبار، من ص ٦٤
فما بعدها، والشارح ينقل من ((النكت للزركشي)) ١١٤٩:٣ (٣٥٧).
(٢) ((المقدمة)) ص ١٦١ - ١٦٢ من طريق البيهقي، وهو في ((المدخل))
(١٨٠٣)، وبنحو هذا اللفظ رواه الدارمي في ((سننه)) (٤٦٧) من طريق ابن المبارك،
عن الأوزاعي. ولفظة ((تتلقاه)): جاءت في ك: تتلاقاه !.

٣٥٥
النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه
[ش]
كانوا يسمعون تأويل الآية، فربما كتبوه معها، فَنُهوا عن ذلك لخوف الاشتباه.
وقيل: النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه، والإذن في غيره.
ومنهم: من أعلّ حديث أبي سعيد، وقال: الصواب وقفه عليه، قاله
البخاري وغيره(١).
[ب]
(١) هذا القيل زيادة من النسخ على ك.
ثم، إن هذه عبارة الحافظ، ويحسن الوقوف على لفظ البخاري لدراسته.
وأما غير البخاري: فقد ذكر المزي في ((التحفة)) (٤١٦٧)، عن أبي داود قوله:
((هو منكر، أخطأ فيه همّام، هو من قول أبي سعيد)).
قلت: همّام هو ابن يحيى العَوْذي، وتوبع على رفعه، تابعه عليه سفيان الثوري،
كما هو عند الخطيب في ((تقييد العلم)) ص ٣٢.
وروي هذا الحديث بلفظ آخر، نَقَل فيه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه إلينا
معنى هذا الحديث دون لفظه، وهو قوله: استأذنًّا النبيَّ صلى الله عليه وسلم في أن
نکتب عنه، فلم يأذن لنا. رواه الترمذي (٢٦٦٥) عن سفيان بن وكيع، عن ابن عيينة،
عن همّام، به. وابن وكيع ضعيف، لكن تابعه عند الدارمي (٤٥١) أبو معمر عبد الله
ابن عمرو المنقري أحد الأثبات، فصحّ الحديث.
وقد جعل المزي في ((التحفة)) (٤١٦٧) هذا الحديث وحديث مسلم واحدًا.
ثم، إن أبا داود جعل الخطأ من همام، وهذا لا ينكر، فهو ثقة ربما وهم، لكن
مع متابعة الثوري له، يضعف هذا الاحتمال، ويضعف أكثرَ مع قرينة واضحة من لفظ
الحديث عند مسلم، فلفظه: ((لا تكتبوا عني ... ، ومن كذب عليَّ - قال همام: أحسَبِهِ
قال: متعمدًا - فليتبوأ مقعده من النار))، فهذا الشك منه في لفظة ((متعمدًا)) يدل على
تیقُظه في رواية الحديث كله، ومن أهم ما يتيقظ له الراوي رفع الحديث أو وقفه،
=

٣٥٦
النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه
[ش]
وقد روى البيهقي في ((المدخل))(١) عن عروة بن الزبير: أن عمر بن
الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطَفِق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثم
أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال: إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرتُ
قوماً كانوا قبلكم كتبوا كُتّباً فأكَبُّوا عليها وتركُوا كتاب الله، وإني والله لا أَلْبِس
كتاب الله بشيء أبداً.
(ت)
فهذه قرينة ظاهرة لصحة رفعه، والله أعلم.
ومما يذكر ويستفاد: أن الخطيب قد أفرد هذا البحث في كتاب خاص مشهور:
((تقييد العلم))، وتقدم النقل عنه مرارًا، ومعروف نَفَسه رحمه الله بالبيان والتفصيل،
ومع ذلك فإنه أشار إلى هذه العلة إشارة خفيفة سريعة، ولم يقف عندها، ولا نسبها
إلى قائل، فقال ص ٣٢: ((يقال: إن المحفوظ رواية هذا الحديث عن أبي سعيد
الخدري من قوله غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم))، ومثل هذه الإشارة
العابرة، مع إبهام اسم صاحبها: يشير إشارة قوية إلى عدم اعتداده بها. والله أعلم.
ولم يذكر هذا الحديث ابن عمار الشهيد في كتابه ((علل الأحاديث في صحيح
مسلم))، ولا ابن أبي حاتم في ((العلل))، ولا الدارقطني في ((العلل))، ولا ((التتبع)).
وحينئذ: فمن الممكن القول: إن الرواية الموقوفة كانت من أبي سعيد رضي الله
عنه على سبيل الإفتاء، أو حكاية ما كان عليه أمرهم، والرواية المرفوعة هي الأصل
والنقل، كما قرَّرت هذا فيما سبق ٣: ٢٣٨، ٣٤٨.
(١) (١٧٩٣)، وأسهب الخطيب في ((تقييد العلم)) ص ٤٩ بألفاظه وطرقه،
وكلاهما روى هذا اللفظ من طريق عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢٠٤٨٤) عن معمر،
عن الزهري، عن عروة، به.

٣٥٧
النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه
ثم، على كاتبه صرفُ الهِمة إلى ضبطه وتحقيقه: شكلاً ونقطاً يُؤْمَن
اللَّبْس.
[ش]
(ثم: على كاتبه صرفُ الهِمة إلى ضبطه وتحقيقه، شكلاً ونقطاً يُؤْمَن)
معهما (اللَّبْس) ليؤديه كما سمعه(١).
قال الأوزاعي: نُور الكتاب إعجامه(٢). قال الرامهرمزي(٣): أي: نَقْطُه: أن
يبيِّن التاء من الياء، والحاء من الخاء. قال: والشَّكْلُ تقييد الإعراب (٤).
(س)
(١) هكذا جاءت عبارة الإمام ابن الصلاح، وتبعه الإمام النووي رحمهما الله
على كاتبه صرفُ الهِمة .. ، وهي كلمة عامة في حكم الشكل والضبط والنقط والتقييد،
وعبارة الرامهرمزي (٨٨٦): لا بد منه، وعبارة عياض ص١٤٩ : متعين.
(٢) أسنده إليه في ((المحدث الفاصل)) (٨٨٧)، وانظره مع ((الإلماع)) ص ١٤٩ -
١٥٠.
ثم، إن هذه المادة اللغوية: ((عَجُمَ، عُجْمةً، أي: صار في لسانه لُكْنَة وعدم
فصاحة، وأعجمتُ الحرف - أو الكلمة - أزلتَ عجمته بما يميّزه عن غيره بنَقْط
وشكْل))، وضبطٍ، قاله في ((المصباح المنير)) فالهمزة التي أدخلتَها على أول الكلمة هي
التي يسمونها: ((همزة السلب))، مثل: قسَط وأقسط.
وعلى هذا: فضبط الكتاب وتمييز كلماته وإفصاحها هو إعجامه، وهذا
(الإعجام) هو نُور للكتاب وتحقيق ما يريده الكاتب من الوصول إلى المعاني، عن
طريق قوالبها، وهي هذه الحروف.
(٣) (٨٨٧)، وكذا النقل التالي.
(٤) قال في ((القاموس)): ((شَكَل الكتاب أعجمه)) أي: أزال عُجمته، وغموضه،
وفي ((المصباح)): ((شكلتُ الكتاب شكلاً: أعلمتَه بعلامات الإعراب))، وعلامات
=

٣٥٨
النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه
[ش]
وقال ابن الصلاح(١): إعجامُ المكتوب يمنع من استعجامه، وشكلُه يمنع
من إشكاله. قال: وكثيراً ما يعتمد الواثق على ذهنه، وذلك وَخيم العاقبة، فإن
الإنسان معرّض للنسیان. انتھی.
وقد قيل: إن النصارى كفروا بلفظة أخطؤوا في إعجامها وشكلها(٢)، فإن
الله قال في الإنجيل لعيسى: أنت نَبيِي ولّدتك من البتول. فصحّفوها وقالوا: أنت
بُنِّي وَلَدتك - مخففاً -.
وقيل: أول فتنة وقعت في الإسلام سببها ذلك أيضاً، وهي فتنة عثمان
رضي الله عنه، فإنه كتب للذي أرسله أميراً إلى مصر: إذا جاءكم فاقبلوه،
فصحفوها: فاقتلوه، فجری ما جرى.
وكتب بعض الخلفاء إلى عامل له ببلد: أنْ أَحْصِ المختَّتين، أي: بالعدد،
فصحَّفها بالمعجمة، فَخَصَاهم(٣).
الإعراب تزيل الإشكال والغموض، ومعلوم أن معنى ((الإعراب)): الإفصاح والبيان.
(١) صفحة ١٦٢. يريد رحمه الله: أن ضبط الكتاب يزيل انبهام معناه وغموضه.
(٢) أخطؤوا في نطقها، فقرؤوها على غير وجهها الصحيح. وانظر الخبر في
((روضة العقلاء)) لابن حبان ص ٢٢١ - ٢٢٢، وفي ((معجم الأدباء)) لياقوت
١٠:١، ١٩.
(٣) روى الخبر أبو أحمد العسكري في ((تصحيفات المحدثين)) ٧١:١ - ٧٢،
من طريقين، أن سليمان بن عبد الملك كتب بهذا إلى أبي بكر ابن حزم، فصحَّ
الكاتب، لكن في الإسناد الثاني: ابن جُعْدُبة، وهو متّهم.

٣٥٩
النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه
ثم قيل : إنما يُشكَل المشكِل، ونُقِل عن أهل العلم كراهيةُ الإعجام
والإعراب إلا في الملتبس، وقيل: يُشكّل الجميع.
[ش]
(ثم قيل: إنما يُشكَل المشكِل، ونُقِل عن أهل العلم كراهية الإعجام) أي:
النقْط (والإعراب) أي: الشكل (إلا في الملتِس) إذْ لا حاجة إليهما في غيره.
(وقيل: يُشكَل الجميع). قال القاضي عياض(١): وهو الصواب لا سيما
للمبتدئ وغير المتبحِّر في العلم، فإنه لا يميِّز ما يشكل مما لا يشكل، ولا
صوابَ وجهِ إعرابِ الكلمةِ من خطئه.
قال العراقي (٢): وربما ظَنَّ أن الشيء غيرُ مشكل لوضوحه، وهو في
الحقيقة محلَّ نظر مُحتاجٌ إلى الضبط.
وقد وقع بين العلماء خلاف في مسائلَ مرتبة على إعراب الحديث،
كحديث: ((ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمه))(٣)، فاستدل به الجمهور على أنه لا تجب ذكاة
(س)
(١) صفحة ١٥٠ من ((الإلماع)).
(٢) ((شرح الألفية)) ص ٢٣٢، هو وما بعده.
(٣) الحديث صحيح بمجموع طرقه، رواه أكثر من عشرة من الصحابة، فهو
على شرط الشارح في المتواتر، لكن لم يذكره في كتابه، وذكره السيد الكتاني في
((نظم المتناثر)) ص٩٢ (١٤٢)، وينظر ((نصب الراية)) ٤: ١٨٩، و((التلخيص الحبير))
٤ : ١٥٧.
منهم: أبو سعيد الخدري، وحديثه في ((مصنف)) ابن أبي شيبة (٣٧٣٠٣)،
وأحمد ٣١:٣، وأبي داود (٢٨٢٠)، والترمذي (١٤٧٦) - وقال: حسن، كما في
((تحفة الأشراف)) (٣٩٨٦)، و((تهذيب سنن أبي داود)) للمنذري (٢٧٠٩)، وفي
المطبوع الذي أعزو إليه: حسن صحيح - وابن ماجه (٣١٩٩)، وابن حبان (٥٨٨٩).
=

٣٦٠
النوع الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه
الثانية : ينبغي أن يكون اعتناؤه بضبط الملتبس من الأسماء أكثرَ.
[ش]
الجنين، بناءً على رفع ((ذكاءُ أمِّه)).
ورجّح الحنفية الفتح على التشبيه، أي: يُذكَّى مثلَ ذكاة أمه(١).
(الثانية: ينبغي أن يكون اعتناؤه بضبط الملتبس من الأسماء أكثرَ) فإنها لا
تُستدرك بالمعنى، ولا يُستدل عليها بما قبلُ ولا بعدُ.
قال أبو إسحاق النَّجِيرَمي(٢): أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس، لأنه لا
يدخله القياس، ولا قبله ولا بعده شيء يدل عليه.
وذكر أبو علي الغساني(٣) أن عبد الله بن إدريس قال: لما حدثني شعبة
ورواه الحاكم عن أربعة منهم: عن جابر من وجهين (٧١٠٨، ٧١٠٩) الثاني
شاهد للأول، وأبي هريرة (٧١١٠) وصححه فتعقبه الذهبي، وابن عمر (٧١١١)
وسكت عنه هو والذهبي، وعن أبي أيوب الأنصاري (٧١١٢) وضعفه هو والذهبي.
(١) ومعهم ابن حزم، ينظر ((المحلى)) المسألة (١٠١٤)، وينظر ما كتبته في ((أثر
الحديث الشريف)) ص ٥٢ - ٥٣ عند: النقطة الرابعة: إثبات ضبط الحديث الشريف
من حيثُ اللغة العربية.
(٢) هو إبراهيم بن عبد الله النَّجِيْرَمي النحوي المتوفى سنة ٣٤٣، ترجم له
ياقوت في ((معجم الأدباء)) ٨٧:١، وعنه الشارح في ((بغية الوعاة)) ٤١٤:١، ولم يذكرا
وفاته، وأرخها المقريزي في ((المقفَّى الكبير)) ٢٣٩:١ كما ذكرت.
وأسند هذا القولَ إلى النَّجِيْرمي عبد الغني في مقدمة ((المؤتلف والمختلف))،
ومن طريقه: الخطيب في ((الجامع)) (٥٦٢)، وعياض ص ١٥٤.
(٣) ينظر أين؟ وانظر أول النوع التاسع والعشرين ص ٥٧٨، وقد روى هذا
القول عبد الله ابن الإمام أحمد في ((العلل)) (٣٠٤٥)، ومن طريقه الخطيب في
=