النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وقال أحمد في الحرف يُدغمه الشيخ فلا يُقْهَمُ وهو معروف : أرجو
أن لا تَضيق روايته عنه، وقال في الكلمة تُسْتفهم من المستملي : إن كانت
مُجتمَعاً عليها فلا بأس، وعن خلف بن سالم منعُ ذلك.
[ش]
وسلم يقول: ((يكونُ اثنا عشَرَ أميراً)) فقال كلمة لم أسمعها، فسألت أبي فقال:
((كلهم من قريش))، وقد أخرجه مسلم عنه كاملاً من غير أن يفصل جابر الكلمة
التي استفهمها من أبيه.
(وقال أحمد) بن حنبل(١) (في الحرف يدغمه الشيخ فلا يفهم) عنه (وهو
معروف: أرجو أن لا تضيق روايته عنه، وقال في الكلمة تُسْتفهم من
المستملي(٢): إن كانت مجتمعاً عليها فلا بأس) بروايتها عنه.
(وعن خلف بن سالم) المُخَرِّمي(٣) (منعُ ذلك) فإنه قال: سمعت ابن
عيينة يقول: نا(٤) عمرو بن دينار، يريد: حدثنا، فإذا قيل له: قل: حدثنا،
[ب]
(١) قال الزركشي في ((النكت)) ١٠٨٢:٣ (٣١١): ((روى البيهقي في كتاب
((مناقب أحمد)) عن صالح بن أحمد: قلت لأبي ... ))، فذكره، وهو في ((الكفاية)) ص
٦٨ - ٦٩.
(٢) أسنده إليه الخطيب في ((الكفاية)) ص ٧٣.
(٣) ذكره الخطيب في ((الكفاية)) ص ٦٩، وصدّره بقوله: ((بلغني عن
خلف ... ))، وكانت وفاة خلف سنة ٢٣١ رحمه الله، وهو من رجال النسائي، مترجم
عند المزي ومتابعيه، وخبره هذا من طرائف أخبار أئمتنا في الأمانة والدقة، رضي الله
عنهم، وانظر ما بعده.
(٤) [هو نون، فألف، فحسبُ، كذا بخط الحافظ الدمياطي، بهامش كتاب ابن
الصلاح.]. وهو في ((الكفاية)) للخطيب ص ٦٩ مع قصته الطريفة، وستأتي ص ٤٤٧.

٢٦٢
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
الخامس : يصح السماع مِن وراء حجاب إذا عُرف صوتُه إنْ حدّث
بلفظه، أو حضورُهُ بمَسْمعٍ منه إنْ قرىء عليه، ويكفي في المعرفة خبرُ
ثقة، وشَرَط شعبة رؤيته، ..
[ش]
قال: لا أقول، لأني لم أسمع من قوله ((حدثنا)) ثلاثة أحرف، لكثرة الزحام،
وهي: ح د ث.
وقال خلف بن تميم(١): سمعت من الثوري عشرة آلاف حديث أو نحوَها،
فكنت أستفهم جليسي، فقلت الزائدة، فقال: لا تحدث منها إلا بما حفظ قلبك
وسمع أذنك، فألقيتُها.
(الخامس: يصح السماع مِن) مَن هو (وراء حجاب إذا عُرف صوته إنْ
حدّث بلفظه، أو) عُرف (حضوره بمَسْمعٍ) أي: مكانٍ يُسمع (منه إنْ قرىء
عليه، ويكفي في المعرفة) بذلك (خبر ثقة) من أهل الخبرة بالشيخ(٢).
(وشَرَط شعبة رؤيته) قال(٣): إذا حدّثك المحدِّث فلم تَرَ وجهه فلا
(١) رواه عنه في ((المحدث الفاصل)) (٣٨٠، ٨٦٧)، ومن طريقه الخطيب في
(الكفاية)) ص ٧٠. وخلف بن تميم، من رجال النسائي وابن ماجه، ترجمه المزي
ومتابعوه. وزائدة: هو ابن قدامة، مشهور، قال عنه في ((تقريب التهذيب)) (١٩٨٢):
ثقة ثبت صاحب سُنّة، فهذا أثر من آثار تثبُّته وإتقانه رحمه الله.
(٢) وعلى هذا - مع توفّر هذا الشرط - ينبغي القول بصحة السماع والرواية
والإجازة عن طريق الهاتف، ووسائل الإعلام والاتصال الحديثة، بعد تيقّن كلّ منهما
من صاحبه، مع سلامة الأمر من الزَّغَل وما يسمَّى بالاصطلاح المعاصر: الدبلجة.
(٣) رواه بهذا اللفظ الخطيب في ((الجامع)) (١٠٠١)، لكن رواه الرامهرمزي
(٨٦٢) - وعنه عياض ص ١٣٧ - مقتصراً على النهي، مختصراً للتعليل: ((فلعله
=

٢٦٣
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
تَرْو عنه، فلعله شيطان قد تصوَّر في صورته، يقول: حدثنا وأخبرنا(١) !!
-
[ب]
شيطان ... ))، وكلاهما من طريق العباس الدوري، عن قُراد، عن شعبة.
وأُرى أن هذا الاختصار هو من الرامهرمزي لا من الرواية، اختصر التعليل لعدم
رضاه به، لما فيه من غلوّ وتعنّت عُرف به الإمام شعبة رحمه الله تعالى، وجزاه خيراً عن
السنة، لكنه غير معتَمَد، لما يأتي، وقد سبق صفحة ٣٨، أنْ سميتُ هذا التشدد منه:
إيغالاً وتطرّفاً في الوسوسة، بل لو قلتُ: إن هذا القول منه رحمه الله كان لواقعة حالٍ
حصلتْ وسُئل عنها: لَمَا كنتُ مُبْعِدًا عن الصواب، لا أنه حكم عام يقوله، والله أعلم.
على أن الاحتمال المذكور في قول شعبة هذا: وارد أيضاً في حال المشافهة، فقد
يكون مُشَافِهِه شيطاناً، أوَمَا تَمَثّلَ الشيطان في صورة إنسان شكى الفقر والعيال لسيدنا أبي
هريرة رضي الله عنه، ثلاث مرات، وعلّمه في الثالثة قراءة آية الكرسي عند النوم؟ !.
والحديث في البخاري (٢٣١١) معلقاً، وموصولاً عند النسائي (١٠٧٩٥)، وابن
خزيمة (٢٤٢٤)، ونصّ الحافظ في ((شرحه)) ٤: ٤٨٩ على: أن الشيطان قد يتصور
ببعض الصور فتمکن رؤیته، وأنهم قد یظهرون للإنس، وأنهم يتكلمون بكلام الإنس.
(١) [أخرج الطبراني - في ((الكبير)) ١٧ (٩٥) -: عن عثمان بن صالح، حدثني
عمرو الجِنّي، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ سورة النجم، فسجد
وسجدت معه. قال الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) - في آخر ترجمة عمرو بن جابر
الجني -: فإن كان الجني صدق، فيحمل الحديث الصحيح - الدالّ على أن رأس مئة
سنة من العام الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم، لا يبقى على وجه الأرض أحدٌ
ممن كان عليها، حين المقالة المذكورة - على الإنس، بخلاف الجن.
[وقوله: إن كان صدق، يدل على أنه يتوقف في رواية الجن، لأن شرط الراوي :
العدالة والضبط، وكذا مدَّعي الصحبة شرطُه العدالة، والجنُّ لا نعلم عدالتهم، مع أنه
=

٢٦٤
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وهو خلافُ الصوابِ، وقولِ الجمهور.
السادس : إذا قال المَسمع بعد السماع : لا تَرْوِ عني، أو : رجعتُ عن
[ش]
(وهو خلافُ الصوابِ وقولِ الجمهور)(١)، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم
بالاعتماد على سماعٍ(٢) صوتِ ابن أم مكتوم المؤذِّن، في حديث: ((إن بلالاً
يؤذِّن بليل)) الحديثَ (٣)، مع غيبةِ شخصه عمن يسمعه، وكان السلف يسمعون
من عائشةَ وغيرِها من أمهات المؤمنين، وهنَّ يحدِّثن من وراء حجاب(٤).
(السادس: إذا قال المُسمع بعد السماع: لا تَرْوٍ عني، أو: رجعت عن
[ب]
ورد الإنذار بخروج شياطين يحدثون الناس. انتهى من ((آكام المرجان)).].
قلت: لم أره في ((آكام المرجان)) للشبلي، إنما هو في ((لقط المرجان)) للشارح
ص١١٣ - ١١٥.
[قال بعضهم: وإذا جاز أن الشيطان يتصوّر بصورة الإنسان، فسواء وراء
الحجاب أو مشافهة.] .
(١) لم يُعرف الخلاف عن غير شعبة، وعلى هذا: فالأولى أن يقال: هذا قول
الجماهير، بل الأولى أن يُلحق بما يسميه العضد الإِيجي في ((شرحه على مختصر ابن
الحاجب)) ٣٣٦:٢: ندرة المخالف.
(٢) ((سماع)): ليست في ك، وكأنها زيادة متعمدة من الشارح.
(٣) رواه البخاري في مواضع، أولها (٦١٧)، ومسلم ٧٦٨:٢ (٣٦ - ٣٨)،
كلاهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وزاد مسلم عقبه روايته من حديث ابن
مسعود، ونحوه من حدیث سمرة بن جندب.
(٤) [تقدم بالهامش - صفحة ١٥٤ عن الزركشي - ٣: ١٠٨٥ (٣١٣) -: أنه لا
خلاف في جواز الرواية عن النساء، مع وجوب احتجابهن، وأنه لا يجوز النظر للراوية
بخلاف الشهادة. إلى آخره.].

٢٦٥
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
إخبارك، ونحوَ ذلك، غيرَ مسنِدٍ ذلك إلى خطأ أو شكٌّ ونحوِه: لم تَمتِنِع
روايته، ولو خَصَّ بالسماع قوماً، فسمع غيرُهم بغير علمه، جاز لهم الرواية
عنه، ولو قال: أُخبِركم ولا أُخبِر فلاناً: لم يضرَّ. قاله الأستاذ أبو إسحاق.
[ش]
إخبارك) أو: ما أَذِنت لك في روايته عني، (ونحوَ ذلك، غيرَ مسنِدٍ ذلك إلى
خطأ) منه فيما حدث به (أو شكِّ) فيه (ونحوِه: لم تَمتنع روايته)، فإنْ أسنده
إلى نحو ما ذُكر: امتنعتْ(١).
(ولو خَصَّ بالسماع قوماً، فسمع غيرهم بغير علمه، جاز لهم الرواية عنه،
ولو قال: أُخِركم ولا أُخبِر فلاناً: لم يضرَّ) ذلك فلاناً في صحة سماعه (قاله
الأستاذ أبو إسحاق) الإسفَرايني، جواباً لسؤال الحافظ أبي سعيد النيسابوري
عن ذلك(٢).
[ب]
(١) [فائدة: إجازة الحديث من العقود اللازمة من الجانبين، وصرح البلقيني:
بأنه لا يشترط فيها القبول، قال السيوطي - (الأشباه والنظائر)) ص٢٧٩ -: والظاهر أنها
لا ترتدّ بالردّ. انتھی. شوبری.
[قال الزركشي - ((النكت)) ٣: ١٠٨٧ (٣١٤) -: قد أَشهدَ جماعة - منهم: ابن
عطية الفقيه المحدث - بالرجوع عما حدث به بعضَ أصحابه لهوىّ ظهر له منه، ولعل
هذا صدر تأديباً، لا لأنهم اعتقدوا صحة تأثيره، وقياسُ من قاس الإذنَ في الحديث
وعدمه، على الإذن في الشهادة وعدمها: غيرُ صحيح، لأن الشهادة على الشهادة لا
تصح إلا مع الإشهاد، والإذن في التحديث لا يحتاج معه إلى ذلك باتفاق.
زر کشي .].
(٢) اتفقت نسخ ((التدريب)) على كنيته: أبي سعيد، واختلفت نسخ ((مقدمة)) ابن
الصلاح ص ١٣٣ : أبو سعيد، أو: أبو سعد، ونسبه ابن الصلاح: ابن عَلِيّك، وهو
=

٢٦٦
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
القسم الثالث : الإجازة، وهي أضربٌ :
[ش]
فائدة :
قال الماوردي(١): يشترط كون المتحمِّل بالسماع سميعاً، ويجوز أن يقرأ
الأصمُّ بنفسه.
(القسم الثالث) من أقسام التحمل: (الإجازة (٢)، وهي أضربٌ) تسعة،
[ب]
مذكور في كتب الرسم: ((الإكمال)) لابن ماكولا ٦: ٢٦٢، ومن بعده، والكاف في آخر
الاسم للتصغير، في اللغة الفارسية، فهو تصغير: عليّ، وعليه فالياء مشددة، وهو
المشهور، وانتهى كلام ابن نقطة في ((ذيل الإكمال)) ١٩١:٤ إلى ترجيح تخفيفها،
والله أعلم.
وترجمه الذهبي في ((السير)) ٥٠٩:١٧، ووصفه بالحافظ الحجة الإمام، وأخذ
عن الأئمة: الحاكم الكبير، والدارقطني، وأخذ عنه الأئمة: أبو القاسم القشيري،
وإمام الحرمين، وأرّخ وفاته سنة ٤٣١، وكانت وفاة أبي إسحاق سنة ٤١٨.
(١) في ((الحاوي)) ١٦: ٩٠.
(٢) [فائدة: أصل إجازة: إجْوازة، نُقلت حركة الواو للساكن قبلها، فتحركت
الواو في الأصل، وفُتح ما قبلها في الحال، فقلبت ألفاً، فحذفت الثانية، كما ذهب
إليه الخليل وسيبويه، لزيادتها وقربها من الطرف، لأن الاستثقال حصل بها، وذهب
الأخفش، والفراء إلى أن المحذوف الأُولى، والأول أظهر، وعليه درج ابن مالك
- ((الألفية)) فصل: في نقل الحركة .. - فقال :
وأَلِفَ الإِفعال واستفعالِ
أَزِلْ لذا
.
ومراده بالنقل: السماع، ومنه: إجابةً وإجاباً، وقد ذكر نحو ذلك الزركشي
- ١٠٨٨:٣ (٣١٤) -، وستأتي عبارته بالهامش.].
=

٢٦٧
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
الأول: أن يُجيز معيَّناً لمعيَّن، كأجزتك البخاريَّ، أو: ما اشتملتْ
عليه فِهْرِسْتي.
[ش]
وذكرها المصنف كابن الصلاح سبعةً (١).
(الأول: أن يُجيز معيناً لمعين، كأجزتك)، أو أجزتكم، أو أجزت فلاناً
الفلانيّ (البخاريَّ، أو: ما اشتملتْ عليه فِهْرٍستي(٢)) أي: جملةُ عدد مروياتي.
قال صاحب ((تثقيف اللسان))(٣): الصواب: أنها بالمثناة الفوقية وقوفاً وإدماجاً،
-
وذلك في صفحة ٣٠٤ أواخر الكلام على أنواع الإجازة.
(١) ((المقدمة)) ص ١٣٤ - ١٤٤، والضربان الزائدان، سيأتي ذكرهما من
الشارح: ص٢٨٩: أجزت لمن يشاء فلان، وأول ص٢٩٤ تحت قوله: تنبيه: أدمج
المصنف ... .
(٢) [واستعمل الناس: فَهْرَسَ الكتبَ، يُقُهرِسها، فهرسةً، مثل: دحرج، وإنما
الفِهْرستُ اسم جملة العدد، والفَهْرَسة المصدر، كالفذلكة، يقال: فذلكتُ الحساب،
إذا وقفتَ على جملته. انتهى كلام ابن مكي في ((تثقيف اللسان)) - ص٥٩ -. زركشي
- ((النكت)) ٢: ٥٦ (١٢) -. ].
[الفِهرسُ بالكسر : الكتاب الذي تُجمع فيه الكتب، معرَّب: فِهْرِسْتْ، وقد
فَهْرَسَ كتابه. ((قاموس)) - ف هـ ر س-، وبخط الدمياطي: فَهْرَسْتِي.].
(٣) تقدمت ترجمة صاحب ((تثقيف اللسان)) ٢: ٣٩٩، ونَسَبه الشيخ ابن
العجمي هناك: المازري، وهو كذلك، وشهرته بالصِّقِلِّي أكثر، وذَكَره هنا - كما
تراه -: ابن مكيّ. وكتابه هذا من الكتب العالية في تصحيح لحن العوام، وتصويب
الأخطاء الشائعة.
وكلامه عن هذه اللفظة جاء فيه ص ٥٩ ما نقله ابن العجمي، لكن لم أر فيه
التصويب الذي نقله الشارح، نعم، فيه ما نقله عن شيخه أبي بكر التميمي أن التاء
=

٢٦٨
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وهذا أعلى أضرُبِها المجردةِ عن المناولة، والصحيح الذي قاله
الجمهور من الطوائف، واستقرَّ عليه العمل : جوازُ الرواية والعملُ بها.
[ش]
وربما وَقف عليها بعضهم بالهاء، وهو خطأ، قال: ومعناها جملة العدد
للكتب، لفظة فارسية. (وهذا أعلى أضرُبِها) أي: الإجازةِ (المجردةِ عن
المناولة).
(والصحيح الذي قاله الجمهور من الطوائف) أهلِ الحديث وغيرِهم
(واستقر عليه العمل: جوازُ الرواية والعملُ بها) وادّعى أبو الوليد الباجي،
وعياض الإجماع عليها (١)،
[ب]
أصلية، فالوقوف عليها بالهاء خطأ، كما صرح به الشارح، وتمام كلامه كما نقل
الشارح، وقد نقل الحافظ في أول ((النكت على ابن الصلاح)) ٢٣١:١ كلام ابن مكي
على السلامة.
(١) ادعاء الباجي جواز الرواية بالإجازة: حكاه عنه عياض في ((الإلماع)) ص
٨٩. وأما عياض: فيفهم مذهبه من كلامه هناك. وأما كلام الباجي في كتابه ((إحكام
الفصول)) ص ٣٦٠ ففيه: أن عامة العلماء على وجوب العمل بما نُقِل بالإجازة، وقال
أهل الظاهر: لا يجوز، ثم ورد في كلامه ما يدل على تجويزه الرواية والعمل بالإجازة.
أما القول الذي نقله عنه عياض فكأنه في كتاب آخر له غير «إحكام الفصول)).
ثم نقل القاضي عياض عن ((البرهان)) لإمام الحرمين (٥٨٨) حكايته عن بعضهم:
لا يجوز التعويل عليها لا رواية ولا عملاً، وأنه اختار التعويل عليها، ولم يحك عن
الجمهور شيئًا.
ولا بدّ من تحرير الأقوال في الإجازة من معيَّن، لمعيَّن، بمعين، فأقول: هاهنا
طرفان: الجمهور، ومخالفوهم. ومسألتان: الرواية بها، والعمل بمقتضى أحكامها.
=

٢٦٩
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ب]
وحكمان: هل هذا العمل واجب، أو جائز؟.
فأقول: لم تختلف أقوال الطرفين: الجمهور ومخالفيهم، في المسألتين: أن هناك
ما يسمّى رواية بها، وما يسمّى عملاً بمقتضاها، لكن اختلفت أقوالهم في الحكم هل
تجب الرواية بها، كما تجب الرواية بأحاديث السماع والعرض، أو تجوز؟ وهل يجب
العمل بأحكامها، أو يجوز؟.
فلفظ الخطيب في ((الكفاية)) ص ٣١١ باختصار شديد: قال أهل الظاهر وبعض
المتأخرين ممن تابعهم: لا يجب العمل بها، وقال الدهماء من العلماء: يجب العمل
بها.
وقال الباجي في ((إحكام الفصول)) ص ٣٦٠: ((يجب العمل بما نُقل على وجه
الإجازة، وبه قال عامة العلماء، وقال أهل الظاهر: لا يجوز العمل بها)).
وقال عياض ص ٨٨ بعدما ذكر صورتها: ((هذه عند بعضهم التي لم يُختلف في
جوازها، ولا خالف فيه أهل الظاهر، وإنما الخلاف منهم في غير هذا الوجه)). ثم
نسب إلى الباجي - ما نقله عنه ابن الصلاح، بواسطة عياض، وهو الذي ذكره
الشارح -: ((لا خلاف في جواز الرواية بها))، و((ادعى الإجماع))، و((ذكر الخلاف في
العمل)»، هكذا قال عياض عن الباجي: ذكر الخلاف في العمل، ولم يفصل: هل
مذهب المخالفين: لا يجب العمل بها، كما قال الخطيب، أي: فيحتمل قولهم جواز
العمل بها، وعدم الجواز، أو مذهبهم عدم جواز العمل قولاً واحداً، كما حكاه عنهم
الباجي وإمام الحرمين؟.
وأمر آخر: ذكرتُ أقوال ثلاثة من الأئمة: الخطيب والباجي وعياض، وكلها
متفقة على أن مذهب الجمهور وجوب الرواية والعمل بما نُقل إجازةً، وترى كلام
الإمام النووي هنا - وفي ((الإرشاد)) ص ١٢٦ - يدور حول الجواز وعدمه !.
ومن تمام البحث: أن الأقوال السابقة كلها نَسَبت إلى الجمهور اعتماد هذه
الإجازة، ولم تسمّ أحدًا، إلا أن الخطيب سمّى ص ٣١٣ بعد الذي نقلته عنه خمسةً
=

٢٧٠
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وأبطلَها جماعاتٌ من الطوائف،
[ش]
وقَصَر أبو مروان الطُّبْني(١) الصحة عليها(٢).
(وأبطلَها جماعاتٌ من الطوائف) من المحدثين: كشعبة، قال: لو جازت
الإجازة لبطلت الرحلة(٣)، وإبراهيمَ الحربيِّ، وأبي نصْر الوائلي، وأبي الشيخ
وأربعين إمامًا، بدءًا من الحسن البصري، وانتهاءً بابن خزيمة، ثم أسند الحكايات
إليهم بمقتضاها، من ص ٣١٨ - ٣٢٥، وزاد فذكر هذا المذهب عن ابن أبي داود،
وبعضُ من ذکرهم الخطیب مذکورون عند الرامهرمزي (٤٩٨) فما بعدها.
(١) [أبو مروان عبد الملك بن زيادة الطُبْني، بضم الطاء المهملة، وسكون الباء
الموحدة، وبالنون، نسبة إلى طُبْنَة، مدينة بالمغرب، كذا في ((التبصير)) - ٣: ٨٧٩ -،
وغيره.].
(٢) حكاه عياض أيضًا ص٨٩ - ٩٠، وقول الشارح: قَصَر الصحة عليها: يريد:
أن أبا مروان اقتصر على تصحيح هذا الضرب من أضرُب الإجازة: الإجازة من معيَّن،
لمعيَّن، بمعيَّن، ومع ذلك قال الطَّبْني: ((ولا يُحتاج في هذا لغيرِ مقابلةِ نسخته بأصول
الشيخ))، فهذا شرط لتسويغ الرواية بالإجازة المعينة، وانظر أيضًا كلام الباجي في
((إحكام الفصول)) ص٣٦٠، فظاهرُ كلامه وصريحُه أشدّ من كلام الطبني.
(٣) من لطائف النقول ودقائق الاستنباط، ما نقله الزركشي ٣: ١٠٩٥ (٣١٨)
عن كتاب ((الوصية)) لأبي القاسم عبد الرحمن بن منده، قال: ((ذكر عند الإمام أحمد:
لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة، فقال أحمد: لو بطلت الإجازة لذهب العلم،
وضاعت الكتب المنزلة وغير المنزلة، خاصة هذا الذي فيه ﴿ومن بَلَغ﴾ [الأنعام:
١٩]، و﴿بلِّغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة: ٦٧]))، وهذا منزع قوي لصحة
الإجازة من القرآن الكريم.
ومن الأدلة على صحة الإجازة: كُتُب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال
=

٢٧١
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
الأصبهاني(١)، والفقهاء: كالقاضي حسين، والماوردي، وأبي بكر الخُجَنْدي(٢)
الشافعي، وأبي طاهر الدباس الحنفي(٣)،
[ب]
ابن فارس الإمام اللغوي رحمه الله في ((مأخذ العلم)) ص ٤٠، ومنها كتابه لعبد الله بن
جحش حينما أرسله إلى نخلة، وحديثه في الطبراني ((الكبير)) ٢ (١٦٧٠) قال الهيثمي
٦: ١٩٨: رجاله ثقات، وله رواية أخرى عنده، ذكرها الصالحي في ((سيرته)) ٦: ٢٩
وقال: بسند حسن، ومصدره ((فتح الباري)) ١: ١٥٥، لكن احتج البخاري بهذا
الكتاب وغيره على صحة المناولة، لا الإجازة، وهذا هو المعتمد.
(١) هؤلاء أربعة، وأقوالهم محكية مسندة عند الخطيب في ((الكفاية)): شعبة
ص٣١٦، والحربي ص ٣١٥، وأبو الشيخ ص ٣١٣، أما أبو نصر الوائلي: فقد قال
أبو طاهر السِّلَفي في ((الوجيز)) ص٦٢: ((وفي المتقدمين من كان يتوقف في الإجازة،
وكذلك في المتأخرين، ومن جملتهم: أبو نصر السجزي، ثم قال أخيراً بصحتها،
وهو أبو نصر عبيد الله بن سعيد .. الوائلي، من بكر بن وائل))، وينظر تمام كلامه إلى
ص ٦٥.
(٢) [بضم الخاء المعجمة، وفتح الجيم، وسكون النون، وإهمال الدال، نسبة
إلى خُجَنْدَة، مدينة بطرف سَيْحون.].
(٣) وهؤلاء أربعة أيضًا، القاضي حسين المروزي المتوفى سنة ٤٦٢ حكاه عنه
في ((روضة الطالبين)) ١٥٧:١١، وحكاه عنه الماوردي أيضًا في مقدمة كتابه ((الحاوي))
٢٣:١، وأما الخُجَنْدي: فهو من متقدمي فقهاء الشافعية، ترجمه السبكي ١٢٣:٤،
وأرَّخ وفاته سنة ٤٨٣، وشَهَر عنه هذا القولَ ابن الصلاح في ((المقدمة)) ص ١٣٥.
وأما أبو طاهر الدباس: فذكر عنه هذا القول ابن الصلاح بواسطة الخُجَنْدي،
وأسنده إليه السِّلَفي في ((الوجيز)) ص ٦١ - ٦٢، وهو محمد بن محمد بن سفيان
=

٢٧٢
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وهو إحدى الروايتين عن الشافعي.
[ش]
وعنه(١): أن من قال لغيره: أجزتُ لك أن ترويَ عني ما لم تسمع، فكأنه قال:
أجزت لك أن تكذب عليّ! لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع.
(وهو إحدى الروايتين عن الشافعي(٢)) وحكاه الآمدي(٣) عن أبي حنيفة،
وأبي يوسف، ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك(٤)، وقال ابن حزم(٥): إنها
[ب] -
الدباس، ذكر الصَّْمَري في ((أخبار أبي حنيفة وأصحابه)) ص ١٦٢ أنه كان من أقران
أبي الحسن الكرخي المتوفّى سنة ٣٤٠، فهو من رجال القرن الرابع - لا: الثالث -،
وأنه ولي القضاء بالشام، وزاد القرشي في ((الجواهر)) ٣٢٤:٣ عن ابن النجار أن
الدباس جاور بمكة وتفرغ للعبادة. ومع ذلك لم يترجمه ابن عساكر، ولا الفاسي في
((العقد الثمين)).
(١) ((وعنه)): هو الصواب، أي: عن أبي طاهر الدباس، وفي النسخ: وعنهم،
سبق قلم.
(٢) انظر ((الكفاية)) ص ٣١٧، ٣٢٤.
(٣) في ((الإحكام)) ١٤٣:٢.
(٤) تنظر ((الكفاية)) أيضًا ص ٣١٦، ٣٢٣.
(٥) أول من نقل كلام ابن حزم: هو مغلطاي ٣٧١:٢، وزاد عليه كلام غيره،
ونقله منه كلَّه - كعادته - البلقيني ص ٣٣٤، واقتصر على كلام ابن حزم: الزركشي
١٠٩٩:٣ (٣٢٠)، ولا بدّ من نقل كلام ابن حزم والوقوف عنده قليلاً، ليكون درسًا
لطالب العلم.
قال رحمه الله ١ : ٢٧٤: ((وأما الإجازة: فما جاءت قطّ عن النبي صلى الله عليه
وسلم، ولا عن أصحابه رضي الله عنهم، ولا عن أحد منهم، ولا عن أحد من
=

٢٧٣
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
التابعين، ولا عن أحد من تابعي التابعين، فحسبك بدعةً بما هذه صفته)).
وأقول: إن أيّ قارئ لبضع صفحاتٍ من ((المحلّى)) و((الإحكام)) يحفظ الدرس
جيدًا من الإمام ابن حزم رحمه الله أنه لا حجة لأحد، ولا اعتداد بقول أحد، سوى
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما باله هنا ينزل إلى ((أصحابه)) جملةً، ثم
ينزل إلى ((أحد منهم))، ثم ينزل إلى ((أحد من التابعين))، ثم إلى ((أحد من تابعي
التابعين)»؟! وليس من عادته التنزَّ مع مخالفيه في المباحثة.
ولو أنه قال كما قال أبو عبد الله محمد بن إسحاق ابن منده (٣١٠ - ٣٩٥)
رحمه الله في كتابٍ له ألفه في جواز الإجازة: ((وحجّتهم: كُتُب النبي صلى الله عليه
وسلم إلى الملوك والجيوش، قبلوها ورووها عنهم، وكذلك قوله صلى الله عليه
وسلم: ((ليبلغِ الشاهدُ الغائب))، ولم يشترط فيه سماعًا ولا إجازة))، نقله الزركشي في
((النكت)) ١٠٩٥:٣ (٣١٨)، أقول: لو أن ابن حزم استدل بهذا العموم: لكان أولى
وأقرب إلى الصواب.
وتقدم قريبًا ص ٢٧٠ التعليق على قول شعبة: لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة،
ونقلت فيه كلامًا للإمام أحمد فيه الاستدلال على صحة الإجازة بقوله تعالى الآمر
بتبليغ ما أُنزل عليه، بواسطة أبي عبد الله ابن منده، والد أبي القاسم عبد الرحمن.
وبهذين النقلين يستدرك على ابن حزم، كما يستدرك على قول ابن الصلاح الآتي
قريبًا: ((في الاحتجاج لتجویزها غموض)).
ثم، انظر إلى الخطيب عصريّ ابن حزم فإنه أسند القول بالإجازة إلى جمهرة من
التابعين وتابعيهم: فيهم أئمة الرواية ومن عليهم مدار الإسناد: الحسن البصري،
ونافع، وعكرمة، والزهري، وقتادة، ومكحول، وأيوب السَّخْتِياني، وهشام بن
عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير ... ، وهكذا يكون التسرع
والتعجّل.
نعم، قال ابن حزم رحمه الله قبل قليل في ((الإحكام)) ٢٧٣:١: وجوه الرواية
=

٢٧٤
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وقال بعض الظاهرية ومتابعيهم: لا يعمل بها كالمرسَل، وهذا
باطل .
[ش]
بدعة غير جائزة، وقيل: إنْ كان المُجيز والمجاز عالمَيْن بالكتاب جاز، وإلا
فلا، واختاره أبو بكر الرازي من الحنفية(١).
(وقال بعض الظاهرية ومتابعيهم(٢): لا يعمل بها) أي: بالمرويّ بها
(كالمرسَل) مع جواز التحديث بها، (وهذا باطل) لأنه ليس في الإجازة ما يقدح
في اتصال المنقول بها وفي الثقة به، وعن الأوزاعي: عكس ذلك، وهو العمل
بها دون التحديث(٣).
[ب]
الجائزة أربعة: ((١ - مخاطبة المحدِّث للآخذ عنه. ٢ - أو سماع المحدث من الآخذ
عنه وإقراره له بصحته. ٣ - أو كتاب المحدث إلى الآخذ عنه. ٤ - أو مناولته إياه كتابًا
فيه علم))، قال هذا تلخيصًا لما شرحه قبل.
والوجه الأول: هو القراءة على الشيخ، والثاني: هو السماع منه، والثالث:
المكاتبة، والرابع: المناولة، وفيها ما يشبه الإجازة، وما دام ابن حزم يجيز الأخذ
بالمناولة المقرونة بالإعلام، فإنكاره حينئذٍ يتمحض للإجازة المجردة من كل شيء،
وهي الإجازة العامة الشائعة قديمًا وحديثًا، فلا وجه للاحتمال الذي في كلام
الزركشي ١٠٩٩:٣ (٣٢٠).
(١) في ((الفصول)) ٣: ١٩٢ وقال: ((يقول: حدثني وأخبرني)).
(٢) تقدم هذا في النقل عن ((الكفاية)) ص ٣١١.
(٣) ((المحدث الفاصل)) (٥٠٣) قال ذلك في المناولة، ويُفهم من الخبر الذي
بعده (٥٠٤) أنها المناولة المقرونة بالإجازة.

٢٧٥
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
قال ابن الصلاح(١): وفي الاحتجاج لتجويزها غموض، ويتَّجه أن يقال: إذا
أجاز له أن يروي عنه مروياتِه فقد أخبره بها جملةً، فهو كما لو أخبره بها
تفصيلاً، وإخبارُه بها غير متوقف على التصريح نطقًا (٢) كما في القراءة، وإنما
الغرض حصول الإفهام والفهم، وذلك حاصل بالإجازة المفهمة.
وقال الخطيب في ((الكفاية)) (٣): احتج بعض أهل العلم لجوازها بحديث:
أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب سورة براءة في صحيفة ودفعها لأبي بكر، ثم
(١) صفحة ١٣٥، وانظر استدلال الإمام أحمد لسواغيتها في الصفحة السابقة.
(٢) ((نطقًا)): هكذا قال ابن الصلاح، وهو الظاهر من السياق، وفي النسخ: قطعًا.
(٣) صفحة ٣١٣، وللحديث روايات كثيرة، وهو صحيح، لكن أقرب الألفاظ
إلى محل الشاهد الذي يريده الخطيب، رواية عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على
((المسند)) ١٥١:١ من حديث عليّ رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث
أبا بكر بالعشر الآيات من براءة ليقرأها على أهل مكة، ثم دعا عليًا وقال له: ((أدرك أبا
بكر، فحيثما لقيتَه فخذ الكتاب منه، فاذهب إلى أهل مكة، فاقرأه عليهم))، فلحقتُه
بالجُحفة، فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر ... ))، وفي إسناده محمد بن جابر
اليمامي، وهو ضعيف، أما حنش الكناني فمحتَمَل.
وقوله ((ولا هو أيضًا)): أي: ولا عليٌّ قرأ الصحيفة أيضًا.
وقد ضعَّ الحافظ ابن كثير في ((البداية)) ٢٢٧:٧ الحديث من حيث السند، كما
ضعف متنه بنكارة فيه، بيّنها في ١١: ٩٢، إذْ فيه رجوع أبي بكر إلى النبي صلى الله
عليه وسلم، والصدِّيقُ لم يرجع، بل كان هو أميرَ الحج، كما ثبت هذا في رواية
البخاري أول تفسير سورة براءة.

٢٧٦
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
بعث عليّ بن أبي طالب فأخذها منه ولم يقرأها عليه، ولا هو أيضاً، حتى وصل
إلى مكة ففتحها وقرأها على الناس.
وقد أسند الرامهرمزي(١) عن الشافعي أن الكرابيسي أراد أن يقرأ عليه كتبه
فأبى، وقال: خذ كتب الزعفراني فانسخها فقد أجزت لك، فأخذها إجازة.
أما الإجازة المقترِنة بالمناولة فستأتي في القسم الرابع(٢).
تنبيه:
إذا قلنا بصحة الإجازة فالمتبادر إلى الأذهان أنها دون العرض، وهو
الحقُّ، وحكى الزركشي في ذلك مذاهب(٣).
ثانيها(٤) - ونَسَبَه لأحمدَ ابنِ ميسَّر المالكيِّ -: أنها على وجهها خير من
[ب]
(١) برقم (٥٣٢)، ونحوه في الذي قبله.
(٢) صفحة ١٠٧.
(٣) في ((النكت)) ١١٠١:٣ (٣٢٠) فما بعدها، وعدَّها الشارح ثلاثة، وهي
خمسة كما سيأتي.
(٤) وأولها: الذي ذكره بقوله: أنها دون العرض.
وابن ميسَّر: هو كما قال الذهبي في ((السير)) ١٤: ٢٩٢: شيخ المالكية أبو بكر
أحمد بن محمد بن خالد بن ميسَّر الإسكندراني، انتهت إليه رياسة المذهب بمصر،
وأرّخ وفاته سنة ٣٠٩، وكذا في ((تاريخ الإسلام)) ١٤١:٧، وتبعه الشارح في ((حسن
المحاضرة)) ٤٤٩:١، أما ابن فرحون فأرخها في ((الديباج المُذْهَب)) في كلتا طبعتيه
ص ٣٧ = ١٥٩:١: سنة ٣٣٩. رحمه الله تعالى.

٢٧٧
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
السماع الرديء. قال: واختار بعض المحققين تفضيل الإجازة على السَّماع
مطلقاً(١).
ثالثها: أنهما سواء. حكى ابن عاتٍ (٢) في ((ريحانة التنفس)) عن
عبد الرحمن بن أحمد بن بَقيّ بن مَخْلَد (٣) أنه كان يقول: الإجازة عندي وعند
(ت)
(١) هذا قول مستقل، فحقُّه أن يرقَّم، ونسبه الزركشي إلى عبد الرحمن ابن منده
في كتابه الذي سماه: الوصية.
قلت: أبناء منده جماعة من المحدثين، وعبد الرحمن هذا هو - كما في ((السير))
٣٤٩:١٨ -: الإمام المحدث المفيد الكبير أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن
إسحاق ابن منده الأصبهاني (٣٨١ - ٤٧٠) رحمه الله، الذي تقدم ص ٢٧٠ النقل عن
كتاب له في جواز الإجازة.
(٢) ابن عاتٍ: هو الإمام الحافظ البارع القدوة الزاهد أحمد بن هارون بن أحمد
ابن عات النَّفْزي الشاطبي (٥٤٢ - ٦٠٩) رحمه الله، واسم كتابه ((ريحانة التنفّس
وراحة الأنفس في ذكر شيوخ الأندلس)).
(٣) بقيّ بن مخلد: الإمام العَلَم، ناشر السنة وناصرها في بلاد الأندلس، كانت
وفاته سنة ٢٧٦ رضي الله عنه، وترجمه عالية، وترجم ابن الأبار في ((الصلة))
(١٩٦٤) للأمير عبد الله ابن الأمير العظيم الناصر لدين الله عبد الرحمن، من أمراء
الأندلس المتوفى سنة ٣٣٩، وذكر أن له كتاب ((المسكتة)) في ستة أجزاء - حديثية -
في ترجمة هذا الإمام بقي بن مخلد، وتنظر ترجمته في ((السير)) ٢٨٥:١٣، ومصادرها
في التعليق عليه.
وابنه أحمد: ترجمه الذهبي أيضًا ٨٣:١٥، وكررها: ٢٤١، وأرّخ وفاته سنة
٣٢٤ رحمه الله.
=

٢٧٨
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
الضرب الثاني: يُجيزُ معيَّناً غيرَه كـ: أجزتُك مسموعاتي، فالخلاف فيه
[ش]
أبي وجدّي كالسَّماع.
وقال الطُّوْفي(١): الحقُّ التفصيل، ففي عصر السلف السَّماع أولى، وأما
بعد أن دوِّنت الدواوين وجُمعت السنن واشتهرتْ: فلا فرق بينهما.
(الضرب الثاني(٢): يُجيزُ معيَّناً غيرَه) أي: غيرَ معيَّن (كـ: أجزتُك) أو:
أَجَزتكم جميع (مسموعاتي) (٣) أو مروياتي، (فالخلاف فيه) أي: في جوازها
[ب] -
أما ابنه عبد الرحمن: فترجمه ابن الفرضي في ((تاريخ علماء الأندلس)) (٧٩٦)،
وأرخ وفاته سنة ٣٦٦ عن أربع وستين سنة، فتكون ولادته سنة ٣٠٢، رحمه الله،
وقال ابن الفرضي: أخبرني من سمعه يقول: الإجازة عندي وعند أبي وعند جدّي
كالسماع، فهذا مصدر عالٍ ثانٍ في النقل لهذا القول.
(١) الطوفي: هو سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي (في مبدء أمره) المعثَّر
فيما بعد، وله طامات وشذوذات، كشف ستره فيها ابن رجب في ((ذيل طبقات
الحنابلة)) (٥١٢)، وكانت ولادته سنة ٦٥٧، ووفاته سنة ٧١٦.
ومصدر الزركشي في هذا النقل - كما قال -: بعض تعاليق الطوفي، لا من كتاب
له، ونقل كلامه بطوله. وعلى كل: فينبغي أن يعدَّ هذا القول مذهبًا خامسًا.
(٢) يعرف هذا الضرب الثاني بـ: الإجازة من معيّن، لمعيّن، بغير معيّن.
(٣) [فيه تغيير إعراب المتن، لكن سهَّله أن التاء في ((مسموعاتي)) مكسورة،
سواء كان جمع المؤنث منصوباً أو مجروراً، وكذا في قوله : جميع المسلمين.].
وفي هذا التنبيه إفادة أدب ومنهج من آداب العلماء ومناهجهم في الكتابة
والتأليف رحمهم الله تعالى، وقد نبّه اللقانيّ شيخ ابن العجمي إلى مثل هذا التنبيه في
مواضع متعددة من حاشية ((قضاء الوطر))، منها ٢: ٨٧٧.

٢٧٩
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
أقوى وأكثر، والجمهور من الطوائف جوَّزوا الرواية، وأوجبوا العمل بها.
الثالث: يُجيزُ غيرَ معيَّن بوصف العموم، كأجزتُ المسلمين، أو كلّ
أحد، أو أهلَ زماني، وفيه خلاف للمتأخرين، فإنّ قيدها بوصفٍ حاصٍ
فأقربُ إلى الجواز.
[ش]
(أقوى وأكثر) من الضرب الأول، (والجمهور من الطوائف جوَّزوا الرواية) بها
(وأوجبوا العمل) بما رُوي (بها) بشرطه.
(الثالث: يُجيزُ غيرَ معيَّن بوصف العموم(١)، كأجزتُ) جميع (المسلمين،
أو كلَّ أحد، أو أهلَ زماني، وفيه خلاف للمتأخرين، فإنْ قيدها) أي: الإجازةَ
العامةَ (بوصفٍ حاصرٍ)(٢) كأجزتُ طلبة العلم ببلدِ كذا، أو: منْ قرأ عليَّ قبل
هذا: (فأقربُ إلى الجواز) من غير المقيَّدة بذلك(٣)، بل قال القاضي عياض(٤):
ما أظنهم اختلفوا في جواز ذلك، ولا رأيت منْعه لأحد، لأنه محصور
موصوف، کقوله: لأولاد فلان، أو إخوة فلان.
(١) ويعرف هذا بـ: الإجازة من معين، لغير معين.
(٢) تحرفت في و، ك إلى: خاص، ومع كل تحريف تسويغ له.
(٣) قال القاضي زكريا الأنصاري رحمه الله في ((فتح الباقي)) ص٣٢٦: ((قاله ابن
الصلاح وعمل به، حيث أجاز رواية كتابه ((علوم الحديث)) عنه لمن ملك منه نسخة))،
فأفادنا الجانب العملي عند ابن الصلاح.
(٤) في ((الإلماع)) ص ١٠١، وفي لفظه زيادة حرف، فيه قيد آخر، قال
رحمه الله: ((أجزت لمن هو الآن من طلبة العلم ببلدة كذا))، فقيَّد الزمان (الآن)،
والمكان (ببلدة كذا)، والموصوفين (طلبة العلم)، وهذا القيد الزائد يقرِّب القول
بجواز هذه الإجازة أكثر من عدمه، ومع ذلك فانظر ما يأتي بعد أسطر.

٢٨٠
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
ومن المجوِّزين : القاضي أبو الطيب، والخطيب، وأبو عبد الله ابن
مَنْدَهْ، وابن عَتَّاب، والحافظ أبو العلاء، وآخرون.
[ش]
واحترز بقوله ((حاصر)): عما لا حصر فيه، كأهل بلد كذا، فهو كالعامة
المطلَقة، وأفرد القسطلآني هذه بنوع مستقل، ومثّله: بأهل بلد معين، أو
إقلیم، أو مذهب معين.
(ومن المجوِّزين) للعامة المطلقة: (القاضي أبو الطيب) الطبري،
(والخطيب) البغدادي(١)، (وأبو عبد الله ابن منده، و) أبو عبد الله (ابن
عتاب(٢)، والحافظ أبو العلاء) الحسن بن أحمد العطار الهَمَذاني(٣)، (وآخرون)
(١) ينظر ((الكفاية)) ص ٢٢٥ - ٣٢٦، و ((الإلماع)) ص ٩٨ - ٩٩.
(٢) [قوله: وأبو عبد الله ابن عتاب: وقع للنووي في ((إرشاده)): أبو محمد ابن
عتاب، وهو سبق نظر، لأن ابن الصلاح عزاه لأبي محمد ابن أبي عبد الله بن عتاب،
نقلاً عن أبيه.].
ما يشير إليه الشيخ ابن العجمي جاء في ((الإرشاد)) ص ١٢٧، وفي ((المقدمة))
ص ١٣٠، وجاء منهما ذلك في مسألة أخرى تتعلق بالقسم الثاني من أقسام التحمّل،
وهو القراءة على الشيخ، أما سياق كلام الشارح هنا فيتعلق بما نحن فيه هنا، وهو
النوع الثالث من أنواع القسم الثالث من أقسام التحمل، وهو الإجازة، ينظر ((الإرشاد))
ص ١٣٩، و((المقدمة)) ص ١٣٧، ولا مؤاخذة عليهما.
(٣) أبو عبد الله ابن منده: هو والد أبي القاسم عبد الرحمن، الذي تقدمت
ترجمته ص ٢٧٧، وتقدم النقل ص ٢٧٠ عن كتاب له صحة الإجازة.
ومذهب ابن عّاب: حكاه في ((الإلماع)) ص ٩٩، وأما كلام أبي العلاء الهَمَذاني
(٤٨٨ - ٥٦٩): فأشار إليه ابن الصلاح ص ١٣٧ بواسطة أبي بكر الحازمي، ونقله
=