النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
فروع :
الأول : إذا كان أصلُ الشيخ حالَ القراءة بيدِ موثوق به، مُراعٍ لما
يقرأ، أهلٍ له: فإنْ حفظَ الشيخ ما يُقرأ فهو كإمساكه أصلَه وأَوْلى، وإن لم
يَحفظ فقيل: لا يصح السماع، والصحيح المختار الذي عليه العمل ....
[ش]
الثالث - وهو للزَّجَّاج -: قال بقول سيبويه، فلا يُضمر، لكنه يقيس.
الرابع - وهو للسِّيرافي - قال: هو من باب: جلستُ قعوداً، منصوبٌ
بالظاهر، مصدراً معنوياً.
(فروع) :
(الأول: إذا كان أصل الشيخ حالَ القراءة) عليه (بيدِ) شخصٍ (موثوق به)
غيرِ الشيخ (مراع لما يقرأ، أهلٍ له: فإنْ حفظَ الشيخ ما يُقرأ) عليه (فهو
كإمساكه أصلَه) بيده (وأَوْلى)، لتعاضُد ذهنيْ شخصين عليه، (وإن لم يَحفظ)
الشيخ ما يُقرأ عليه (فقيل: لا يصح السماع)، حكاه القاضي عياض عن
الباقلاني، وإمام الحرمين(١)، (والصحيح المختار الذي عليه العمل) بين الشيوخ
[ب] -
(١) عياض في ((الإلماع)) ص ٧٥ - ٧٦، ولفظه: ((وإن كان لا يحفظه: فاختلف
هاهنا: فرأى بعضهم أن هذا سماع غير صحيح، وإليه نحا الجويني من أئمتنا
الأصوليين، وتردّد فيه القاضي ابن الطيب، وأكثر ميله إلى المنع)).
فهاهنا أمران على عبارة الشارح - ومصدرُه العراقيُّ في ((شرح ألفيته)) ص١٩٠ -
أولهما: أن الشارح جزم بعدم صحة السماع فيما نسبه إلى الباقلاني، مع أن عبارة
العراقي - والقاضي عياض - صريحة في نسبة التردد إلى الباقلاني، ومصدر القاضي
عياض هو إمام الحرمين نفسه، وكلامه في ((البرهان)) (٥٨٦)، ولفظه باختصار:
=

٢٤٢
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
أنه صحيح، فإن كان بيد القارىء الموثوق بدينه ومعرفته: فأولى بالتصحيح،
[ش]
وأهل الحديث كافة: (أنه صحيح)، قال السِّلَفي(١): على هذا عَهِدنا علماءنا عن
آخرهم.
(فإن كان) أصل الشيخ (بيد القارىء الموثوق بدينه ومعرفته) يُقرأ فيه
والشيخ لا يحفظه (فأولى بالتصحيح) خلافاً لبعض أهل التشديد (٢).
[ب]
((وتردد جواب القاضي فيه ... ، وصِغْوُه إلى أن ذلك لا يصح))، أي: وميلُه.
أما إمام الحرمين: فنعم، قال في أول هذه المسألة: «هذا باطل قطعًا)).
ثانيهما: أن العراقي قال: ((وإليه نحا الجويني، يعني إمام الحرمين))، وهذا
التفسير مريح مطمئن، ذلك أن عبارة عياض، كما نقلتها: ((وإليه نحا الجويني من
أئمتنا الأصوليين))، وقول العالم: فلان من أئمتنا، أو: من أصحابنا، يعني به: من
علماء مذهبنا، وعياض: مالكيّ، فهذا يعني: أن أحد أئمة علماء الأصول من السادة
المالكية يقال له: الجويني، يذهب هذا المذهب، فلما فسَّر العراقي مراده بأنه: إمام
الحرمين، أراح القارئ أن كلمة ((الجويني)) صحيحة غير محرَّفة عن نسبة أخرى
تشبهها في الرسم.
ويكرر القاضي عياض في ((الشفا)) نحو هذه العبارة عند ذكره لأبي حامد
الإسفراييني أو أبي إسحاق، وكأن المسوِّغ له ذلك كثرة الاتفاق بين المذهبين في كثير
من مسائلهما الأصولية والكلامية.
(١) نقل كلامه بطوله العراقي في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٦٢٦، وصدَّره بقوله:
((ووهَّن السِّلَفي هذا الاختلاف، لاتفاق العلماء على العمل بخلافه))، ثم نقل كلامه،
ونقل بعضه الزركشي في ((النكت)) ١٠٧٣:٣ (٣٠٣)، وسمّى جزء السلفي ((شرط
القراءة على الشیوخ)»، وهو فيه ص٤٥.
(٢) نسبه عياض في ((الإلماع)) ص ٧٨ إلى («بعض الظاهرية، وبه عمل جماعة
=

٢٤٣
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
ومتى كان الأصلُ بيدٍ غيرِ موثوقٍ به لم يصحَّ السماع إنْ لم يحفظه الشيخ.
الثاني: إذا قرأ على الشيخ قائلاً: أخبرك فلان، أو نحوه، والشیخُ
مُصْغٍ إليه، فاهمٌ له، غيرُ منكرٍ : صح السماع، وجازت الرواية به، ولا
يشترط نطق الشيخ على الصحيح الذي قطع به جماهير أصحاب الفنونِ،
وشرطَ بعض الشافعیین.
[ش]
(ومتى كان الأصلُ بيدِ غيرِ موثوقٍ به): القارئءٍ أو غيرِهِ، ولا يُؤْمَن إهماله
(لم يصحَّ السماع إنْ لم يحفظه الشيخ).
(الثاني: إذا قرأ على الشيخ قائلاً: أخبرك فلان، أو نحوَه) كـ: قلتَ:
أخبرنا فلان (والشيخُ مصغٍ إليه، فاهمٌ له غيرُ منكٍ) ولا مقرٍّ لفظاً: (صح
السماع، وجازت الرواية به) اكتفاء بالقرائن الظاهرة (ولا يشترط نطق الشيخ)
بالإقرار كقوله: نعم، (على الصحيح الذي قطع به جماهير أصحاب الفنونِ):
الحديثِ والفقهِ والأصول(١).
(وشرط بعض الشافعيين) كالشيخ أبي إسحاق الشيرازي(٢)، وابن الصباغ،
-
[ت)
من مشايخ أهل المشرق وأئمتهم)) ثم ردّه، وهو الذي سيحكيه المصنف والشارح في
الفرع الثاني عن بعض الشافعيين والظاهريين.
(١) ولفظ القاضي عياض ص ٧٩: ((هذا مذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء
والتُّظَارِ)).
وجاء [في ((الأشباه)) للشارح - ص١٤٢ -: القاعدة الثامنة عشرة: لا ينسب
لساكت قول، هذه عبارة الشافعي - ((الأم)) ١: ١٥٢ -، ثم قال: وخرج عن القاعدة
صُوَرَ، منها : القراءة على الشيخ وهو ساكت، ينزِّل منزلة نطقه في الأصح. انتهى.].
(٢) ((شرح اللمع)) له (٧٦١).

٢٤٤
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
والظاهريين نطقَه، وقال ابن الصباغ الشافعي : ليس له أن يقول : حدثني،
وله أن يعمل به، وأن يرويه قائلاً: قرىء عليه وهو يسمع.
[ش]
وسُليم الرازي (و) بعض (الظاهريين) المقلِّدين لداود الظاهري (نطقَه) به (وقال
ابن الصباغ الشافعي) من المشترِطين: (ليس له) إذا رواه عنه (أن يقول: حدثني)
ولا أخبرني (وله أن يعمل به) أيْ: بما قرئ عليه، (وأن يرويه قائلاً): قرأتُ
عليه، أو (قرئ عليه وهو يسمع)، وصححه الغزالي والآمدي(١)، وحكاه عن
المتكلمين، وحكى تجويزَ ذلك عن الفقهاء والمحدثين.
وحكاه الحاكم عن الأئمة الأربعة(٢)، وصححه ابن الحاجب(٣).
وقال الزركشي(٤): يشترط أن يكون سكوته لا عن غفلة أو إكراه. وفيه نظر.
[ب]
(١) نعم، صحح هذا: الغزالي في ((المستصفى)) ١٦٥:١، والآمدي في
(الإحكام)) ١٤٢:٢، لكن ليس فيهما حكاية شيء عن المتكلمين، ولا عن الفقهاء
والمحدثين، وعَرَض للمسألة الغزالي في ((المنخول)) ص ٣٥٨، ولا شيء فيه من
هذا.
(٢) في ((المعرفة)) ص ٦٧٦ - ٦٧٧، حكاه عن الثلاثة: الشافعي وأبي حنيفة
وأحمد، وغيرهم، رضي الله عنهم سوى مالك: وقال: ((عليه عهدنا أئمتنا، وبه قالوا،
وإليه ذهبوا، وإليه نذهب، وبه نقول: إن العرض ليس بسماع، وإن القراءة على
المحدث إخبار».
(٣) في ((المختصر)) ٦١٠:١، ولفظه: (يقول - الراوي -: حدثنا، وأخبرنا،
مقيَّداً، ومطلقًا، على الأصح)).
(٤) في ((البحر المحيط)) ٣٨٨:٤، لكن الزركشي مسبوق بهذا، فهو في كلام
الآمدي وابن الحاجب. وقولُ الشارح ((وفيه نظر)): محتمل عودُ الضمير على أصل
المسألة، وهو بعيد، أمام تصحيح من تقدم ذكره، ومحتملٌ عودُه على اشتراط
=

٢٤٥
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
الثالث : قال الحاكم : الذي أَختاره وعهِدتُ عليه أكثرَ مشايخي وأئمةَ
عصري أن يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ : حدثني، ومع غيره :
حدثنا، وما قَرأ عليه : أخبرني، وما قُرئ بحضرته : أخبرنا، ورُوي نحوُهُ
عن ابن وهب،
[ش]
ولو أشار الشيخ برأسه أو إصبَعِه للإقرار ولم يتلفظ: فجزم في
((المحصول))(١) بأنه لا يقول: حدثني ولا أخبرني، قال العراقي: وفيه نظر.
(الثالث: قال الحاكم(٢): الذي أختاره) أنا في الرواية (وعهِدت عليه أكثرَ
مشايخي وأئمةَ عصري أن يقول) الراوي (فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ :
حدثني) بالإفراد (و) فيما سمعه منه (مع غيره: حدثنا) بالجمع (وما قَرأ عليه)
بنفسه: (أخبرني، وما قُرىء) على المحدث (بحضرته: أخبرنا).
(ورُوي نحوُهُ عن) عبد الله (بن وهب) صاحب(٣) مالك.
[ب] -
الزركشي، مع أنه شرط وجيه، إذ يتمخَّض السكوت - إذا لم يكن عن غفلة ولا
إكراه - لمعنى الإقرار، قال الزركشي في ((البحر المحيط)) ٣٨٨:٤: ((وسكوته مع
سلامة الأحوال من إكراه وغفلة: نازل منزلة تصريحه))، ونقله عن الباقلاني، وأبي
الطيب الطبري، وابن القشيري، ومعظم المحدثين.
(١) ٤٥١:٤، والعراقي في ((شرح الألفية)) ص١٩١، ومراد العراقي: أن في منع
صاحب ((المحصول)) - وهو الإمام الرازي - نظراً، وأنه يجوز التحديث والرواية بناء
على هذه الإشارة من الشيخ، قال السخاوي في ((شرح التقريب)) ص ٢٤٢: إن
الإشارة المُفهِمة تقوم مقام النطق.
(٢) ((المعرفة)) ص ٦٧٨.
(٣) ((المدخل)) للبيهقي (٦٣٩).

٢٤٦
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وهو حسن،
[ش]
روى الترمذي عنه في ((العلل)) (١) قال: ما قلت ((حدثنا)) فهو ما سمعت مع
الناس، وما قلت ((حدثني)) فهو ما سمعت وحدي، وما قلت ((أخبرنا)) فهو ما
قُرئ على العالِم وأنا شاهد، وما قلت ((أخبرني)) فهو ما قرأتُ على العالِم،
ورواه البيهقي في ((المدخل)) (٢) عن سعيد بن أبي مريم.
وقال(٣): عليه أدركت مشايخنا، وهو معنى قول الشافعي وأحمد.
قال ابن الصلاح(٤): (وهو حسن) رائق.
قال العراقي(٥): وفي كلامهما أن القارئ يقول: أخبرني، سواء سمع
[ب] .
-
(١) ((العلل الصغير)) آخر ((السنن)) ٦: ٢٤٥، وهو في ((شرح)) ابن رجب
٢٣٤:١، ثم علَّق عليه ص ٢٥٨ بقوله: ((هذا محمول على الاستحباب دون
الوجوب، وقد روي مثل ذلك عن سعيد بن أبي مريم المصري، وروي معناه عن
طائفة من السلف))، ثم نقل عن الخطيب في ((الكفاية)) ص ٢٩٤ قوله في كلمة ابن
وهب: ((هذا هو المستحب وليس بواجب عند كافة أهل العلم))، ومثله في ((شرح
الألفية)) للعراقي ص ١٩٢، مصدر الشارح.
(٢) (٦٤٠).
(٣) القائل هو البيهقي، الموضع المذكور قبلُ، وقد روى هناك قبل صفحة
وصفحتين قول الشافعي وأحمد، وينظر قول الشافعي أيضاً في ((المحدث الفاصل))
(٤٧٠)، ومعنى قول أحمد في ((الكفاية)) ص ٢٩٥.
(٤) صفحة ١٢٧.
(٥) في ((شرح الألفية)) ص١٩١، وضمير التثنية يعود على الحاكم وابن وهب،
وأثبتُّ كلام العراقي هنا من لفظه هناك، وفي نسخ ((التدريب)): سواء سمعه معه ....

٢٤٧
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
فإن شك فالأظهر أن يقول: حدثني، أو يقول: أخبرني، لا: حدثنا،
وأخبرنا،
[ش]
معه غیرُه أم لا.
وقال ابن دقيق العيد في ((الاقتراح))(١): إن كان معه غيره قال: أخبرنا،
فسوَّى بين مسألتي التحديث والإخبار.
قلت: الأول أولى، ليتميز ما قرأه بنفسه، وما سمعه بقراءة غيره.
(فإن شك) الراوي هل كان وحدَه حالةَ التحمل: (فالأظهر أن يقول :
حدثني، أو يقول: أخبرني، لا حدثنا، وأخبرنا) لأن الأصل عدم غيره.
أما إذا شكّ هل قرأ بنفسه، أو سمع بقراءة غيره:
قال العراقي(٢): قد جمعهما ابن الصلاح مع المسألة الأولى، وأنه يقول:
أخبرني، لأن عدم غيره هو الأصل، وفيه نظر، لأنه يتحقَّق سماعَ نفسِهِ ويشكُّ
هل قرأ بنفسه، والأصل أنه لم يقرأ.
وقد حكى الخطيب في ((الكفاية))(٣) عن البَرْقاني أنه كان [ربّما] يشك في
ذلك، فيقول: قرأنا علی فلان.
قال(٤): وهذا حسن، لأن ذلك يستعمل فيما قرأه غيره أيضاً، كما قاله
[ب]
(١) صفحة ٢٢٦ - ٢٢٧، ولفظه بعدما حكى التفرقة قال: ((لفظ الإخبار أعم من
لفظ التحديث، فكل تحديث إخبار، ولا ينعكس، ومن الناس مَن سوّى بينهما)).
(٢) في ((شرح الألفية)) ص ١٩٢.
(٣) صفحة ٣٠٠، وما بين المعقوفين منه.
(٤) هو العراقي أيضًا ص ١٩٢.

٢٤٨
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وكل هذا مستحب باتفاق العلماء،
[ش]
أحمد بن صالح والنفيلي (١).
وقد اختار يحيى بن سعيد القطان(٢) في شبه المسألة الأولى الإتيانَ بـ:
حدثنا، وذلك إذا شك في لفظ شيخه، هل قال: حدثني أو حدثنا، ووَجْهه أن
((حدثني)) أكملُ مرتبةً، فيقتصر في حالة الشكّ على الناقص، ومقتضاه قول
ذلك أيضاً في المسألة الأولى، إلا أن البيهقي اختار في مسألة القطان أن
يُوَحِّدَ(٣).
(وكل هذا مستحب باتفاق العلماء) لا واجب(٤).
[س)
(١) ((الكفاية)) ص ٢٩٤ - ٣٠٠.
(٢) كما في ((الكفاية)) ص ٢٩٣.
(٣) أفاد الزركشي في ((النكت)) ١٠٧٦:٣ (٣٠٦) أن البيهقي قال هذا في كتابه
((مناقب الإمام أحمد)).
(٤) قال السخاوي في ((شرح التقريب)) ص ٢٤٣: ((إلا من شذَّ، وإلا فيجوز
الإتيان فيما سمعه وحده بالجمع، وفي جماعة: بالإفراد))، وأفصحَ في ((فتح المغيث))
٣٦٤:٢ بمن شذّ، فنقل عن ((مأخذ العلم)) ص ٤١ لابن فارس أنه حكى التشديد عن
جماعة منعوا ((حدثنا)) و((أخبرنا)) في القراءة على الشيخ، كما منعوا ((حدثني))
و(حدث)) إذا کان تحديثه لجماعة، وقال: «هذا عندنا تشدید لا وجه له)).
قال السخاوي: ((فكأنه لذلك لم يعتبره الخطيب خلافًا)) وذلك حين حكى في
((الكفاية)) ص ٢٩٤ اتفاق العلماء على أن هذا التمييز مستحب، وتنظر ((النكت))
للزركشي ١٠٧٧:٣ (٣٠٧)، فعنده أصل هذا التنبيه.

٢٤٩
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
ولا يجوز إبدال ((حدثنا)) بـ: ((أخبرنا))، أو عكسه، في الكتب المؤلفة،
وما سمعتَه من لفظ المحدِّث فهو على الخلاف في الرواية بالمعنى إنْ كان
قائله يجوِّز إطلاق كليهما، وإلا فلا يجوز.
[ش]
(ولا يجوز إبدال ((حدثنا)) بـ: ((أخبرنا))، أو عكسه، في الكتب المؤلفة)
وإن كان في إقامةِ أحدِهما مُقام الآخر خلاف، لا في نفس ذلك التصنيف(١)،
بأنْ يغيَّر، ولا فيما يُنقل منه إلى الأجزاء والتخاريج (٢).
(وما سمعتَه من لفظ المحدِّث فهو) أي: إبدالُه (على الخلاف في الرواية
بالمعنى)، فإنْ جوَّزناها جاز الإبدال (إنْ كان قائله) يرى التسويةَ بينهما.
و(يجوِّز إطلاق كليهما) بمعنى (وإلا فلا يجوز) إبدال ما وقع منه، ومنع ابن
حنبلِ الإبدال جزماً(٣).
فائدة :
عقد الرامهرمزي أبواباً في تنوع الألفاظ السابقة(٤):
[ب] -
(١) في أ، ز، ط: تلك التصنيفات.
(٢) هذا كلام ابن الصلاح ص ١٢٨، وهذا في نقل ما هو مروي بالإسناد، أما
التصرف في نقل كلام العلماء بما لا يخلّ بالمعنى فجائز.
(٣) يريد: ما نقله عنه الخطيب ص ٢٩٣، من رواية حنبل بن إسحاق، عنه، في
حين أن الخطيب نقل قبل سطر ص ٢٩٢ عن حنبل نفسه، عن الإمام أحمد أنه أكّد
عليه التزام لفظ الشيخ، وقال آخر كلامه: ((هو أحبّ إليّ)).
(٤) من فقرة (٥٤٩ - ٦٣٩) حسب الصيغ التي وقف عندها الشارح، وهي:
((خذ عني كما أخذته عن فلان))، ثم ساق خمس صيغ أخرى انتهت شواهدها (٦٤٠ -
٦٤٨). وهذه أرقام فقرات الصيغ التسعة التي ذكرها الشارح مرتبة حسب ذكره لها:
=

٢٥٠
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
١ - منها: الإتيان بلفظ الشهادة، كقول أبي سعيد: أشهد على رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الجَرّ أن يُنتبذ فيه(١).
وقولِ عبد الله بن طاوس: أشهدُ على والدي أنه قال: أشهد على جابر بن
عبد الله أنه قال: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أُمِرت أن
أقاتل الناس))، الحديثَ(٢).
-
-
٢ - (٥٩٢).
١ - (٥٥٠).
٤ - (٦٠٤).
٣ - (٦٠٣)
٨ - (٦٣٨).
٧ - (٦٣٧).
٦ - (٦٣٤).
٥ - (٦٣١).
٩ - (٦٣٩).
(١) حديث النهي عن نبيذ الجَرّ: ثابت في الصحاح عن عدد من الصحابة، إلا
أن محل الشاهد لم أره عند غير الرامهرمزي.
والجَرّ: ((جمع جَرّة، وهو الإناء المعروف من الفَخَّار، والمراد النهي عن الجرار
المدهونة بالقار، لأنها أسرع في صيرورة النبيذ خمراً.
(٢) وكذلك حديث ((أمرت أن أقاتل)): حديث مروي في الصحاح، لا يُحتاج
إلى تخريجه، إلا أن محل الشاهد منه مروي عند الطبراني في ((الأوسط)) (٤٢٨٦)،
والخطيب في ((تاريخه)) ٤٢٩:١٠، من طريق عبد الله بن الإمام أحمد، عن صالح بن
عبد الله الترمذي، عن سفيان بن عامر، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن جابر،
ورواه أبو نعيم في «الحلية)) ٢٢:٤ من طريق سفيان هذا، به.
وسفيان بن عامر: قال فيه أبو زرعة - كما في ((أجوبته)) للبرذعي ٢: ٣٨٠ -: ليس
بالقوي، وهذا تليينٌ لا تضعيف، يقابله قول الراوي عنه - في الإسناد المذكور -:
وكان رجلاً صالحًا، ويزاد عليه: أن ابن حبان ذكره في ((ثقاته)) ٤٠٦:٦ وقال:
((صدوق))، ثم كرره ٢٨٨:٨، فهذا يقابل تليين أبي زرعة، وحديثه حسن، ولا يطلق
القول بتضعيفه.
=

٢٥١
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
و
الرابع : إذا نَسَخ السامع أو المسمع حال القراءة، فقال إبراهيم
الحربي، وابنُ عديّ،
[ش]
وقولِ ابن عباس: شهد عندي رجالٌ مَرضيون، وأرضاهم عندي عمر،
الحديثَ في الصلاة بعد العصر، وبعد الصبح(١).
٢ - ومنها: تقدّم الاسم، فيقول: فلان حدثنا، أو أخبرنا.
٣ - ومنها: سمعت فلاناً يأثُّر عن فلان.
٤ - ومنها: قلتُ لفلان: أحدثك فلان، أو أَكتبتَ عن فلان؟.
٥ - ومنها: زعم لنا فلان، عن فلان.
٦ - ومنها: حدثني فلان وردّ ذلك إلى فلان.
٧ - ومنها: دلَّني فلان على ما دلَّ عليه فلان.
٨ - ومنها: سألت فلاناً فألجأ الحديثَ إلى فلان.
٩ - ومنها: خذ عني كما أخذتُه عن فلان. وساق لكل لفظةٍ من هذه أمثلةٌ(٢).
(الرابع: إذا نَسَخ السامع أو المُسمع حال القراءة، فقال إبراهيم) بن
إسحاق بن بشير (الحربي) الشافعي (٣)، (و) الحافظ أبو أحمد (ابنُ عديّ،
[ت)
نعم، في رواية الخطيب زيادة منكرة، هي: عصموا مني دماءهم وأموالهم ((فيما
عشت)).
(١) الحديث - وفيه محل الشاهد - في ((صحيح البخاري)) (٥٨١)، و((مسند))
أحمد ١٨:١، ٢٠، ٣٩، ٥١.
(٢) على حاشية ك: ((الحمد لله. ثم بلغ قراءة عليّ. كتبه مؤلفه لطف الله به. آمين)).
(٣) إبراهيم الحربي الإمام العَلَم (١٩٨ - ٢٨٥) رحمه الله تعالى، مترجم في
=

٢٥٢
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
والأستاذ أبو إسحاق الإِسْفَرايني الشافعي : لا يصح السماع،
[ش]
والأستاذ أبو إسحاق الإِسْفَرايني الشافعي) وغير واحد من الأئمة: (لا يصح
السماع) مطلقاً، نقله الخطيب في ((الكفاية))(١) عنه، وزاد: عن أبي الحسين بن
سَمْعُون(٢).
[ب]
رجال المذهبين الشافعي والحنبلي، وصلته بالإمام أحمد وثيقة به جداً، بل كان يشبّه
به، قال ذلك الدارقطني، وبه تفقّه.
(١) صفحة ٦٦ - ٦٧، وعقد لذلك فصلاً ذكر فيه الأقوال الآتية كلها إلا قول أبي
إسحاق، وقد حكاه ابن الصلاح ص ١٢٨ - ١٢٩ عنه، ولم أره في مصدر أقدم منه.
ولا أدري ما معنى قول الشارح: ((عنه))، فالظاهر أن يقول: نقله الخطيب عنهم.
(٢) ((وزاد)): أي: وزاد الخطيب حكاية هذا المذهب عن أبي الحسين ابن
سمعون، وفيه أدب عظيم ينبغي أن ينقل ويتناقل، ويطبَّق في سلوك طالب العلم
خاصة، ففي ((الكفاية)): ((كانوا يقرؤون على ابن سمعون الحديث، فرأى رجلاً ينسخ
في حال القراءة، فقال له: حضرتَ لتسمع أو لتنسخ؟! وقال: كنْ كأن رسول الله
صلی الله علیه وسلم جالس یحدثنا ونحن نسمع)).
وهذا يذكرنا بالخبر المشهور عن الإمام مالك رضي الله عنه - وسيأتي ص
٥١٦ -، وهو في ((الجامع)) للخطيب (٩٦٨) أنه كان ((إذا رفع أحد صوته في مجلسه
زَبَره وقال: قال الله تعالى: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ﴾
[الحجرات: ٢]، فمن رفع صوته عند حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنما
رفع صوته فوق صوت رسول الله صلی الله علیه وسلم)).
ومثله كان من هدي الإمام الحجة حماد بن زيد من أقران مالك، كما رواه عنه
الخطيب قبل (٣٣٥ - ٣٣٧).
والجامع بين هذه الأخبار: أن كلاً منها يأمر باستحضار حضور رسول الله صلى
=

٢٥٣
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وصححه الحافظُ موسى بن هارون الحمّال، وآخرون، وقال أبو بكر
الصِّبْغي الشافعي: يقول: حضرتُ، ولا يقول: أخبرنا، والصحيح
التفصیل، فإن فهِم المقروء صح، وإلا لم يصح.
[ش]
(وصححه) أي: السماعَ (الحافظُ موسى بن هارون الحمّال، وآخرون)
مطلقاً، وقد كتب أبو حاتم حالةَ السماع عند عارم، وكتب عبد الله بن المبارك
وهو يُقرأ عليه (وقال أبو بكر) أحمد بن إسحاق (الصِّبْغي(١) الشافعي: يقول)
في الأداء: (حضرتُ، ولا يقول) حدثنا، ولا (أخبرنا).
(والصحيح التفصيل : فإنْ فهِم) الناسخُ (المقروءَ صح) السماع (وإلا) أي:
وإن لم يفهمه (لم يصح).
وقد حضر الدار قطني(٢) مجلس إسماعيلَ الصفار فجلس ينسخ جزءًا كان
الله عليه وسلم في مجلس حديثه الشريف.
أما ابن سمعون: فهو - كما في ((السير)) ٦: ٥٠٥ -: الشيخ الإمام الواعظ الكبير
المحدث أبو الحسين محمد بن أحمد بن إسماعيل البغدادي (٣٠٠ - ٣٨٧)
رحمه الله، وأطال الذهبي في ترجمته، ومن قبله: الخطيب في ((تاريخه)) ٩٥:٢ - ٩٩،
وابن عساكر في «تبیین كذب المفتري)) ص ٢٠٠ - ٢٠٦.
(١) [الصِّبغي: بكسر الصاد المهملة، وسكون الباء الموحدة، وبالغين
المعجمة، نسبة إلى الصِّبْغ الذي يُصبغ به. كذا في ((اللباب)) - ٢: ٢٣٤ -، و((التبصير))
- ٣: ٨٦٠ -، وغيرهما.].
ترجمه الذهبي في ((السير)) ٤٨٣:١٥، وحلّه بقوله: الإمام العلامة المفتي
المحدث شيخ الإسلام، وأرّخ ولادته ووفاته (٢٥٨ - ٣٤٢) رحمه الله تعالى.
(٢) کما في «تاریخ بغداد)) ٤٨٩:١٣ - ٤٩٠.

٢٥٤
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
معه، وإسماعيل يُملي، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت
تنسخ، فقال: فهمي للإملاء خلافُ فهمك، ثم قال: تحفظُ كم أملى الشيخ من
حديثٍ إلى الآن؟ فقال: لا، فقال الدار قطني: أملى ثمانيةَ عشَر حديثاً، فعُدَّت
الأحاديث فوُجِدت كما قال، ثم قال: الحديثُ الأول: عن فلان، عن فلان،
ومتنه كذا، والحديث الثاني: عن فلان، عن فلان، ومتنه كذا، ولم يزلْ يذكر
أسانيد الأحاديث ومتونَها على ترتيبها في الإملاء حتى أتى على آخرها،
فتعجب الناس منه(١).
قلت: ويشبه هذا ما روي عنه أيضاً (٢): أنه كان يصلِّي [نافلة] والقارئ يقرأ
عليه، فمرّ حديث فيه: نُسير بن ذُعْلُوق(٣)، فقال القارئ: بُشَير(٤)، فسبّح
الدار قطني، فقال: بَشير، فسبَّح، فقال يُسير، فتلا الدار قطني: ﴿نَ والقلم﴾.
وقال حمزة بن محمد بن طاهر(٥): كنت عند الدارقطني، وهو قائم يتنفَّل،
[ب] -
(١) ونحو هذا: ما حكاه مغلطاي في ((إصلاح كتاب ابن الصلاح)) ٣٦٧:٢ -
٣٦٨ عن الإمام أحمد بن الفرات الضبي الرازي، وهو حاضر مجلس يزيد بن
هارون، وحكاها أيضًا في ترجمته من ((إكمال تهذيب الكمال)) ١٠٢:١.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٤٩٢:١٣، وما بين المعقوفين زيادة منه.
(٣) [نُسير: بضم النون، وفتح السين المهملة، وسكون المثناة التحتية، وبالراء،
مصغراً، ابن ذُعْلوق، تابعي، كذا في (التبصير)) - ١ : ٩٢ -، و ((القاموس)) ـ ن س
ر -. ].
(٤) (ُبُشَير ... بَشير)): الضبط من ك.
(٥) ((تاريخ بغداد)) ١٣: ٤٩٣، وما بين المعقوفين زيادة منه.

٢٥٥
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
ويجري هذا الخلاف فيما إذا تحدّث الشيخ، أو السامع، أَو أفرط القارئ*
في الإسراع، أو هَيْتَمَ القارىء، أو بَعُدَ بحيثُ لا يُفهم، والظاهر: أنه يُعفَى عن
نحوِ الكلمتين، ويستحبُّ للشيخ أن يجيز السامعين روايةَ ذلك الكتابِ، وإن
كتب لأحدهم كتبَ : سمعه مني، وأجزتُ له روايته، كذا فعل بعضهم.
[ش]
فقرأ عليه القارئ [حديثًا لـ] عَمْرو بن شعيب، فقال عمرو بن سعيد، فسبَّح
الدار قطني، فأعاده ووقف، فتلا الدار قطني: ﴿يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُكَ﴾
[هود: ٨٧].
(ويجري هذا الخلاف) والتفصيل (فيما إذا تحدّث الشيخ، أو السامع، أَو
أفرط القارئ في الإسراع) بحيثُ يَخفى بعض الكلام (أو هَيْنَمَ القارىء) أي:
أخفى صوته (أو بَعُدَ) السامع (بحيثُ لا يُفهمُ) المقروءَ، (والظاهر: أنه يُعفَى)
ءُ
في ذلك (عن) القدر اليسير الذي لا يُخِلّ عدم سماعه بفهم الباقي (نحوٍ) الكلمةِ
و(الكلمتين).
(ويستحبُّ للشيخ أن يجيز السامعين رواية ذلك الكتابِ) أو الجزءِ الذي
سمعوه وإنْ شمله السماع، لاحتمال وقوع شيء مما تقدم من الحديث،
والعجلة والهَيْنَمة، فينجبرُ بذلك.
(وإن كتب) الشيخ (لأحدهم(١) كتبَ: سمعه مِني وأجزتُ له روايته، كذا
فعل بعضهم) قال ابن عتّاب الأندلسي(٢): لا غِنى في السماع عن الإجازة، لأنه
[ب]
(١) أي: وإن كتب الشيخ الإجازة لأحدهم كتب له كذا كذا، يريد: أن الشيخ
يكتب للسامع كتابةً يجمع له فيها الإعلام بالسماع وبالإجازة.
(٢) ابن عتّاب: أكثر من إمام، لكن المراد هنا: الإمام محمد بن عتاب بن محسن
=

٢٥٦
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
قد يغلط القارئ، ويغفل الشيخ أو السامعون، فينجبرُ ذلك بالإجازة.
وينبغي لكاتب الطُّباق أن يكتب إجازةَ الشيخ عقب كتابة السماع، قال
مفتي قرطبة (٣٧٨ - ٤٦٢) رحمه الله تعالى، فقد قال عياض في ((الإلماع)) ص ٩٢ :
((سمعت أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب بن محسن الفقيه يقول: سمعت
أبي يقول: ((لا غِنِى في السماع مِن الإجازة ... ))، ونَقَل الزركشي في ((النكت))
١٠٨٥:٣ (٣١٢) هذا القول عن ابن عاتٍ، عن أبي علي الغساني، عن ابن عتاب،
فجمع السخاوي بين الطريقين إليه في ((فتح المغيث)) ٣٧٦:٢ - ٣٧٧.
ثم، إن قول ابن عتاب ((لا غنى في السماع من الإجازة)): مشعر بالوجوب، كما
قال السخاوي هنا، وفي ((شرح التقريب)) ص ٢٦٧، لكن عبارته في ((فتح المغيث))
تشعر بأن هذا مذهب خاص به، تابعٌ لمسلكه العلمي وحاله في الفتيا، فإنه قال:
((وكلامه إلى الوجوب أقرب، وهو الظاهر من حاله، فإنه كان كثير الاحتياط
والورع ... )).
ثم قال عياض: ((وقد وقفت على تقييد سماع لبعض نبهاء الخراسانيين من أهل
المشرق، بنحو ما أشار إليه ابن عتاب فقال: سمع هذا الجزء فلان وفلان، على الشيخ
أبي الفضل عبد العزيز بن إسماعيل البخاري، وأجاز ما أُغفِل وصُحِّف ولم يُصْغَ إليه،
أن يُروَى عنه على الصحة. وهذا منزع نبيل في الباب جدًا)).
وعلى هذا السَّنَن جاءت إجازة الإمام ابن الصلاح لمن قرأ عليه ((صحيح))
البخاري، فكتب له: ((أجزت له روايته عني مخصِّصًا منه بالإجازة ما زلّ عن السمع،
الغفلةٍ، أو سَقَط عند السماع بسبب من الأسباب، وله أن يعرف أن جميع الكتاب ما
قرأه))، أي: لم يقرأه، نقله الزركشي في ((النكت)) ١٠٨٤:٣ (٣١٢)، عن خط ابن
الصلاح، رحمهم الله جميعًا.

٢٥٧
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
العراقي(١): ويقال: إن أول من فعل ذلك أبو الطاهر إسماعيلُ بنُ عبد المحسن
الأَنْماطي، فجزاه الله خيراً في سَنّ ذلك لأهل الحديث، فلقد حصل به نفع
کبیر.
ولقد انقطع بسبب تركِ ذلك وإهماله اتصالُ بعض الكتب في بعض البلاد،
بسبب كون بعضهم كان له فَوْت، ولم يُذكر في طبقة السماع إجازة الشيخ لهم،
فاتفق أنْ كان بعض المَفُوْتِين(٢) آخرَ مَن بقي ممن سمع بعض ذلك الكتاب،
فتعذّر قراءة جميع الكتاب عليه، كأبي الحسن ابن الصواف الشاطبي راوي
غالب النسائي عن ابن باقا(٣).
[ب] -
(١) في ((شرح ألفيته)) ص١٩٦ - ١٩٧. والأنماطي: هو الحافظ المجوِّد البارع
إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن الأنصاري المصري (٥٧٠ - ٦١٩) رحمه الله،
ترجمته في ((السير)) ١٧٣:٢٢، وهو مسبوق بما نقلته في الحاشية السابقة عن عياض
عن بعض نبهاء الخراسانيين.
(٢) المَفُوْتين: من فاته سماع شيء من الكتاب - مثلاً -، وضُبطت في ك: المُفَوِّتين.
(٣) هنا تم كلام الحافظ العراقي. وابن الصواف: هو نور الدين علي بن نصر الله
القرشي المصري، ترجمه الذهبي في ((ذيل العبر)) ص ٣٥ ووصفه بالمسند، وأرّخ
وفاته سنة ٧١٢، وقد قارب التسعين، وتابعه السيوطي في ((حسن المحاضرة))
٣٨٩:١، وابن العماد - على عادته - فى ((الشذرات)) ٥٦:٨.
أما الحافظ في ((الدرر الكامنة)) ١٣٦:٣ فقال: جاوز التسعين، ثم رأيت أن
مصدره هو الذهبي نفسه في ((ذيل تاريخ الإسلام)) ص ١٣٥.
وقد ترجم ابن فهد في ((معجم الشيوخ)) ص ٩٦ لشيخه المحب أحمد بن
=

٢٥٨
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
ولو عَظُم مجلس المُمْلي فبلَّغ عنه المستملي، فذهب جماعة من ...
[ش]
(ولو عَظُم مجلس المُمْلي فبلَّغ عنه المستملي(١): فذهب جماعة من
-
[ب]
نصر الله البغدادي القاهري الحنبلي (٧٦٥ - ٨٤٤) رحمه الله، وذكر أنه رحل إلى
حلب، فأخذ فيها عن أحمد بن عبد العزيز المرحَّل سنة ٧٨٢، مسموعه من ابن
الصواف - هذا -، من ((السنن الصغرى)) للنسائي، إلا الجزء الأول منه، فأفادنا ما أُبهم
في كلام الذهبي ومتابعيه: أنه روى أكثر النسائي عن عبد العزيز بن باقا.
أما ابن باقا: فهو عبد العزيز بن أحمد بن عمر البغدادي الحنبلي (٥٥٥ - ٦٣٠)
رحمه الله، وتواردت كلمات من تقدم ذكره على أنه فاته سماع الجزء الأول، إلا أن
تقي الدين الفاسي فصَّل ذلك في ((ذيل التقييد)) (١٢٧٩)، فذكر كتبًا وأبوابًا من أول
(السنن))، وأوسطها، وأواخرها، سمعه من أبي زرعة ابن طاهر المقدسي، رقم
ترجمته (٣٦٩) من ((التقييد))، عن أبي محمد الدوني ورقمها (٤٠٧) من ((التقييد))
أيضًا، عن أبي نصر الكسار، وترجمته في ((التقييد)) (١٥٦)، وهو عن ابن السني، عن
النسائي.
(١) للإمام أبي سعد السمعاني رحمه الله كتاب طريف ماتع، سماه ((أدب الإملاء
والاستملاء)»، روى في مقدمته غرائب عن عِظَم مجالس الإملاء من رقم (٤٤ - ٥٠)،
منها (٤٩): أن جعفرًاً الفريابي حُزُر مجلسه، فقُدِّر الحاضرون ثلاثين ألف، وكان
عدد مستمليه (٣١٦) مستمليًا، ثم ذكر أخبار الخلفاء العباسيين: أبي جعفر المنصور،
والمأمون، والرشيد، والمتوكل، في تمنِّهم عقد مجالس الإملاء، ليحصلوا على
شرف تبليغ السنة النبوية، وهي مما ينبغي لطالب العلم معرفته، ليدرك شرف ما هو
فیه.
وروى الخطيب في ((تاريخه)) ١٧١:١٤ في ترجمة عاصم بن علي الواسطي (ت
٢٢١) رحمه الله، وهو من شيوخ أحمد والبخاري والطبقة: أن مجلس إملائه حُزْر
فقدِّر بمئة ألف وعشرين ألفًا، ونَقَل مغلطاي في ترجمة عاصم هذا في ((الإكمال)) ٧:
=

٢٥٩
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
المتقدمين وغيرهم إلى أنه يجوز لمن سمع المستمليَ أن يروي ذلك عن
المُمْلي.
[ش]
المتقدمين وغيرهم إلى أنه يجوز لمن سمع المستمليَ أن يروي ذلك عن
المُمْلي).
فعن ابن عيينة (١) أنه قال له أبو مسلم المستملي: إن الناس كثير لا
يسمعون، قال: أَسمِعهم أنت.
وقال الأعمش (٢): كنا نجلسُ إلى إبراهيم النخعي، فَتَتَّسع الحلْقة، فربما
يحدِّث بالحديث فلا يسمعه من تَنَحّى عنه، فيسأل بعضهم بعضاً عما قال، ثم
يروونه، وما سمعوه منه.
(ت)
١١١، - وعنه ابن حجر في (تهذيب التهذيب)) ٥١:٥، و((هدي الساري)) ص ٤١٢ -
عن ((الثقات)) للعجلي أنه قال: ((شهدت مجلس عاصم بن علي، فحُزِرَ مَن شهده،
فكانوا مئة ألف وستين ألفًا»، فكم يكون عدد المستملين !!.
وهذا العدد - ١٦٠ ألفاً من الرجال فقط يبلغ عدد سكان مدينة كاملة رجالاً
ونساء وأطفالاً، لكنها مدينة متنقلة، تحضر وقت مجلس الإملاء، وتغيب بانتهائه !!.
ورحم الله تلك الأمم، وأولئك الرجال العظام، وذلك التاريخ المشرق !.
(١) ((الکفایة» ص٧٢.
(٢) المصدر السابق، نقلاً عن ((تاريخ)) أبي زرعة الدمشقي (١٢١٨)، وأعقبه
بالنقل عن أبي نعيم الفضل بن دكين: أنه ما كان يعجبه ذلك، ولا يرضى به، وقد نقل
العراقي في ((شرح الألفية)) ص١٩٨ قول ابن عيينة وما بعده، ثم نقل كلام أبي نعيم،
والشارح ينقل منه، ومع ذلك أغفل تعقّب أبي نعيم ومذهبه في المسألة.

٢٦٠
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
والصواب الذي قاله المحققون : أنه لا يجوز ذلك.
[ش]
وعن حماد بن زيد(١) أنه قال لمن استفهمه: كيف قلتَ؟ قال: استفهمْ مَنْ
یلیك.
قال ابن الصلاح(٢): وهذا تساهلٌ ممن فعله، (والصواب الذي قاله
المحققون : أنه لا يجوز ذلك).
وقال العراقي(٣): الأول هو الذي عليه العمل، لأن المُستملي في حكم مَن
يقرأ على الشيخ، ويعرض حديثه عليه، ولكن يُشترط أن يَسمع الشيخُ المملي
لفظَ المستملي، كالقارئ عليه، والأحوط أن يبين حالة الأداء أن سماعه لذلك
أو لبعض الألفاظ من المستملي، كما فعله ابن خزيمة (٤) وغيره، بأن يقول:
أخبرنا بتبليغ فلان(٥).
وقد ثبت في الصحيحين(٦) عن جابر بن سمرة: سمعت النبي صلى الله عليه
[ب]
(١) المصدر السابق أيضًا.
(٢) صفحة ١٣٢.
(٣) (شرح الألفية)) ص١٩٨.
(٤) ينظر («الكفاية)» ص ٧٠.
(٥) أي يقول الراوي: أخبرنا زيد - مثلاً - بتبليغ المستملي عمرو. وقد عقد
الخطيب بابًا في ((الكفاية)) ص ٧٣ لذكر بعض أحاديث من بيَّن ما استَثْبتَ فيه غير
الراوي وميّزه، وذكر حديث جابر بن سمرة الآتي، وغيره.
(٦) البخاري (٧٢٢٢)، ومسلم ١٤٥٢:٣ - ١٤٥٣ (٥ -٩) من طرق عن جابر،
وفيها محل الشاهد، ثم برقم (١٠) من رواية عاصم بن سعد بن أبي وقاص، عنه،
مكاتبة، ليس فيها محل الشاهد، وهي الطريق التي أشار إليها الشارح.