النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وأما: قال لنا فلان، أو ذَكَر لنا فكـ: حدثنا، غير أنه لائق بسماع
المذاكرة، وهو به أشبه من : حدثنا.
[ش]
قال الزركشي(١): والصحيح التفصيل، وهو أن ((حدثنا)) أرفع إنْ حدثه على
العموم، و((سمعت)) إنْ حدثه على الخصوص، وكذا قال القسطلآني في ((المنهج)).
(وأما: قال لنا فلان)، أو قال لي، (أو ذَكَر لنا)، أو ذَكَر لي (فكـ: حدثنا)
في أنه متصل (غيرَ أنه لائق بسماع المذاكرة (٢)، وهو به أشبه من: حدثنا).
[ت)
(١) في ((النكت)) ١٠٦٠:٣ (٢٩٠)، والزركشي ناقل عن القسطلاني، وموافق
له، لا قائل، فالعزو إلى القسطلاني هو الأصل، وانظر التعريف به وبكتابه فيما تقدم
قریبا ص ٢٠٤.
أما ضبط هذه النسبة فكتب ابن العجمي رحمه الله:
[قوله القَسْطَلاني: قال ابن فرحون في ((طبقات المالكية)) - ((الديباج المذهب))
٢١٩:١ -: منسوب إلى قَسْطِيلِيَة من إقليم إفريقية، غرب قَفْصة. انتهى. وعن
القطب الحلبي في ((تاريخ مصر)): كأنه منسوب إلى قُسطيلة، بضم القاف، من أعمال
إفريقية، بالمغرب. وفي ((القاموس)) - ق س ط ل ــ: القَسْطِلاَنية: قوس قُزَح، وحُمْرة
الشفق، وثوب منسوب إلى عامل، أو إلى قَسْطلة، بلد بالأندلس، وقَسْطِيلَية: بلد
بها. انتهى.].
وضبطه الإمام الزُّرقاني في خاتمة شرحه على ((المواهب)) ٤٢٢:٨ بقوله: ((بفتح
القاف، وشدّ اللام، على ما اشتهر))، وانظر كتاب الشيخ ابن العجمي نفسه ((ذيل لب
اللباب)) ص ١٩٩.
ونقلُه عن ((الديباج المُذْهَب)) قولَه ((منسوب إلى قسطيلية)): الذي في مطبوعته:
قَسْطَلِّينة. والله أعلم بالصواب.
(٢) وتقدم ٢: ٤٣٣ عند الحديث عن تعليق البخاري حديثًا على شيخ من
=

٢٢٢
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وأوضع العبارات: ((قال))، أو ((ذكر))، من غير ((لي)) أو ((لنا))، وهو
أيضاً محمول على السماع إذا عُرف اللقاء، على ما تقدم في نوع
المعضَل، لا سيما إن عُرف أنه لا يقول ((قال)) إلا فيما سمعه منه، وخَصَّ
الخطيب حمله على السماع به، والمعروف أنه ليس بشرط.
[ش]
(وأوضع العبارات: ((قال))، أو ((ذكر))، من غير ((لي)) أو ((لنا»، وهو) مع
ذلك (أيضاً محمول على السماع إذا عُرف اللقاء) وسَلِم من التدليس (على ما
تقدم في نوع المعضَل) في الكلام على العنعنة(١)، (لا سيما إن عُرف) من حاله
(أنه لا يقول ((قال)) إلا فيما سمعه منه) كحجاج بن محمد الأعور، رَوَى كتب
ابن جريج عنه بلفظ: قال ابن جريج، فحملها الناس عنه واحتجوا بها(٢).
(وخَصَّ الخطيب حمله على السماع به) أي: بمن عُرف منه ذلك(٣)،
بخلاف مَن لا يُعرف ذلك منه، فلا يحمله على السماع، (والمعروف أنه ليس
بشرط)، وأفرط ابن منْدَهُ(٤) فقال: حيث قال البخاري ((قال لنا)): فهو إجازة،
شيوخه بيان: أن التحمل حال المذاكرة، دون التحمل حال الرواية والإملاء.
(١) ٣: ٢٠١.
(٢) ((الكفاية)) ص ٢٩٠.
(٣) ((الكفاية)) ص٢٨٩.
(٤) نقل العراقي هذا عن ابن منده في ((التقييد والإيضاح)) ٢٦١:١ - ٢٦٢ تحت
المسألة السادسة من مسائل الحديث الصحيح، قال: ((قال ابن منده في جزء له في
((اختلاف الأئمة في القراءة والسماع والمناولة والإجازة))، ونقل كلامه، وفسّر الحافظ
في ((النكت)) ٦٠٢:٢ مراد ابن منده بأن حكمه حكم التدليس عند ابن منده، ولا يلزم
أن يكون كذلك عند البخاري.
=

٢٢٣
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
القسم الثاني : القراءة على الشيخ، ويسميها أكثر المحدثين : عَرْضاً،
سواء قرأتَ، أو قرأ غيرُك وأنت تسمع، من كتاب، أو حفظٍ، حفظَ الشيخ
أم لا، إذا أمسك أصلَه هو أو ثقة، .
[ش]
وحيثُ قال ((قال فلان)): فهو تدليس، وردّ العلماء عليه ذلك ولم يقبلوه.
(القسم الثاني) من أقسام التحمل: (القراءة على الشيخ، ويسميها أكثر
المحدثين : عَرْضاً) من حيثُ إن القارئ* يَعرض على الشيخ ما يقرؤه، كما
يعرض القرآن على المقرئ، لكن قال شيخ الإسلام ابن حجر في ((شرح
البخاري))(١): بين القراءة والعرض عمومٌ وخصوص، لأن الطالب إذا قرأ كان
أعمَّ من العرض وغيره، ولا يقع العرض إلا بالقراءة، لأن العرض عبارة عما
يُعارِض به الطالب أصلَ شيخه معه أو مع غيره بحضرته، فهو أخص من القراءة.
انتھی (٢).
(سواء قرأتَ) عليه بنفسك، (أو قرأ غيرك) عليه، (وأنت تسمع)، وسواء
كانت القراءة منك أم من غيرك، (من كتاب أو حفظٍ) وسواء في الصور الأربع
(حفظَ الشيخ) ما قُرئ عليه (أم لا إذا أمسك أصله هو أو ثقة) غيره، كما سيأتي.
وعبارته في أول ((تغليق التعليق)) ٩:٢ بأن هذا الوصف للبخاري لا يُعرف لغير
ابن منده، وقال العراقي في الموضع المذكور: «هذا مردود عليه، ولم يوافقه عليه
أحد علمتُه)).
(١) ((الفتح)) ١٤٩:١ في شرح الباب السادس من كتاب العلم.
(٢) [قال السخاوي ــ ((فتح المغيث)) ٢: ٣٤٠ -: كأن أصله من وضعٍ عَرْضِ
شيء، على عرض شيء آخر، لِيُنظر في استوائهما وعدمِه.].

٢٢٤
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وهي رواية صحيحة بلا خلاف في جميع ذلك، إلا ما حُكي عن بعض من
لا يُعتدُّ به.
[ش]
قال العراقي(١): وهكذا إن كان ثقةٌ من السامعين يحفظ ما قرئ وهو
مستمع غيرُ غافل، فذلك كافٍ أيضاً.
قال: ولم يذكر ابن الصلاح هذه المسألة. والحكم فيها متجه، ولا فرق بين
إمساك الثقةِ لأصلِ الشيخ، وبين حفظ الثقة لما يقرأ، وقد رأيتُ غير واحد من
أهل الحديث وغیرهم اکتفی بذلك، انتهى.
وقال شيخ الإسلام(٢): ينبغي ترجيح الإمساك في الصور كلها على الحفظ،
لأنه خوّان، وشَرَط الإمام أحمد في القارئ أن يكون ممن يعرف ويفهم(٣)،
وشَرَط إمام الحرمين (٤) في الشيخ أن يكون بحيث لو فُرض من القارئ تحريف
أو تصحيف لردّه، وإلا فلا يصح التحمل بها.
(وهي) أي: الرواية بالقراءة بشرطها (رواية صحيحة بلا خلاف في جميع
ذلك إلا ما حُكي عن بعض من لا يعتدُّ به) إنْ ثبت عنه، وهو أبو عاصم النبيل،
[ب]
(١) في ((شرح الألفية)) ص ١٨٥، وكذا النقل التالي. وفي عبارة الشارح هنا
اختصار أدّى إلى خلل في فهمها، ولفظه: ((وهكذا إن كان ثقة من السامعين يحفظ ما
يُقرأ على الشيخ، والحافظ لذلك مستمع لما يُقرأ غير غافل))، فالضمير في قول
الشارح ((وهو مستمع)) يحتمل عَوْده على الشيخ، في حين أن العراقي صرّح بأنه
الحافظ هو السامع.
(٢) ((النكت الوفية)) ٢: ٤٦، وانظر تمام الكلام هناك.
(٣) أسنده إليه الخطيب في ((الكفاية)) ص٣٢٨ أول أنواع الإجازة وضروبها.
(٤) ((البرهان)) (٥٨٥)، وينظر: الفرع الأول الآتي ص٢٤١.

٢٢٥
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
رواه الرامهرمزي عنه(١).
وروى الخطيب(٢) عن وكيع قال: ما أخذت حديثاً قط عرضاً.
وعن محمد بن سلام(٣): أنه أدرك مالكاً والناس يقرؤون عليه، فلم يسمع
-
[س)
(١) أشار إلى هذا المذهب البخاري باختصار آخر الباب السادس من كتاب
العلم ١: ١٤٨، ورواية الرامهرمزي في ((المحدِّث الفاصل)) (٤٥٦)، ورواه عنه
الخطيب في ((الكفاية)) ص٣٠٧ من وجهين آخرين، وأبو عاصم يحكي هذا المذهب
في الروايات الثلاثة عن الأئمة: الثوري، وأبي حنيفة، ومالك، وابن جريج: لا بأس
بالقراءة على المحدث، وزاد أبو عاصم في رواية الرامهرمزي قوله: ((وأنا لا أراه،
وما حدثت بحديث عن أحد من الفقهاء قراءة)). وزاد في الرواية الأولى عند الخطيب:
أن الرواي بھا یقول: حدثنا.
لكن روى الترمذي في أواسط كتاب ((العلل الصغير)) آخر ((سننه)) عن البخاري
قال: سألت أبا عاصم النبيل عن حديث، فقال: اقرأ عليَّ، فأحببت أن يقرأ هو،
فقال: أنت لا تُجيز القراءة؟! وكان سفيان الثوري ومالك بن أنس يجيزان القراءة !! ))
فهذا نصّ عنه بالجواز، وجاء هذا الخبر في ٢٣٤:١ من ((شرح العلل)) لابن رجب،
ثم إنه قال: ٢٤٤:١: ((وكره طائفة العرض: منهم: وكيع ... وأبو عاصم))؟، فهذا
الاختلاف في النقل عنه هو وجه قول الشارح ((إن لم يثبت عنه))، والله أعلم.
(٢) ((الكفاية)) ص ٢٧١.
(٣) ((الكفاية)) أيضًا ص ٢٧٢، ولم يُنْسَب في الرواية، فلعله: البِيكَنْدي، كما
يظهر من كلام عابر في ((النكت الوفية)) ٢: ٤٦، فإن كان هو فيجوز تخفيف اللام
وتشديدها من اسم أبيه سلام، کما هو مشهور.

٢٢٦
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
منه لذلك، وكذلك عبد الرحمن بن سلاّم الجُمَحي(١) لم يكتفِ بذلك، فقال
مالك: أخرجوه عني.
وممن قال بصحتها من الصحابة - فيما رواه البيهقي في ((المدخل)) (٢) -:
[ب] -
(١) ((الكفاية)) أيضًا ص ٢٧٣ من طريق الرامهرمزي (٤٥٩).
وكأن هؤلاء الثلاثة - أبا عاصم واللذين بعده ـ هم الذين عناهم الحافظ بقوله في
((الفتح)) ١: ١٥٠ أول الصفحة -: ((انقرض الخلاف في كون القراءة على الشيخ لا
تجزئ))، والله أعلم.
لكن مما ينبغي لفت النظر إليه: أن كل واحد منهم إمام في علمه، وخاصة أبا
عاصم ووكيعاً منهم، وللثلاثة تراجم في ((تهذيب الكمال)) وفروعه، فقول ابن الصلاح
ص١٢٢، والنووي: ((من لا يعتدّ به)): في محل النظر، مع التسليم بأنه قول انقرض
وهُجر.
ثم رأيت مغلطاي في كتابه ص ١٦٩ - ١٧٠ من طبعة الأستاذ محيي الدين
البكاري، تعقب هذا التعبير من ابن الصلاح ص ١٢٢، وجاءت الصفحة بيضاء من
الطبعة التي أعتمدها لكتاب مغلطاي ٣٦٠:٢.
وأيضًا: فسلام هذا والد عبد الرحمن بتشديد اللام، كما هو مقتضى كتب
الرسم، مع التنبيه أيضًا إلى أنه لم ينسب في الرواية: جُمَحيًا أو غيره، لكن هكذا قال
العراقي ص ١٨٦، والشارح ينقل منه، ويؤكد هذا: أن الراوي عنه للقصة هو أبو
خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، وهو يروي عن عبد الرحمن هذا.
(٢) (٥٨٦ - ٥٨٨) فما بعده، وذكر هذا القول في مقدمة ((معرفة السنن)) ١٦٨:١
عن هؤلاء الثلاثة من الصحابة رضي الله عنهم، وعن عروة والحسن من التابعين، وعن
((الأكثر من أئمة الدين: كانوا يرون قراءتك على العالم، وقراءة العالم عليك: سواء)).
=

٢٢٧
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
أنس، وابن عباس، وأبو هريرة.
ومن التابعين(١): ابن المسيَّب، وأبو سلمة، والقاسم بن محمد، وسالم بن
عبد الله، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وابن هرمز، وعطاء، ونافع،
وعروة، والشعبي، والزهري، ومكحول، والحسن، ومنصور، وأيوب.
ومن الأئمة: ابن جريج، والثوري، وابن أبي ذئب، وشعبة، والأئمة
الأربعة، وابن مهدي، وشَريك، والليث، وأبو عبيد، والبخاري، في خلقٍ لا
یحصون کثرةً.
وروى الخطيب(٢) عن إبراهيم بن سعد أنه قال: لا تَدَعون تنطَّعكم (٣) يا
أهل العراق! العرضُ مثلُ السماع.
[ب] -
وينظر (المحدث الفاصل)) (٤٦١)، و((الكفاية)) ص٢٦٢، ففيه حكاية المذاهب الآتية.
وذَكَر هذا المذهب عن ابن عباس وأبي هريرة: الترمذيُّ في ((العلل الصغير)) آخر
((سننه))، وجاء كلامه في ((شرح)) ابن رجب عليه ٢٣٣:١ فما بعدها، وزاد عليه
حكايته عن عليّ رضي الله عنهم جميعًا، وضعف أسانيدها كلها، وهذا من أثر ما هو
معروف به رحمه الله تعالى وجزاه خيرًا، من التعنّت في النقد، وإلا فإن الرامهرمزي
والخطيب والبيهقي ذكروا هذه الأقوال عن الصحابة الثلاثة في سياق الاعتماد لها،
وسبقهم الترمذي، والله أعلم.
(١) هذا وما بعده في ((المدخل)) (٥٩٥) فما بعده.
(٢) ((الكفاية)) ص ٢٦٦. وهذا النقل من زيادات الشارح على نسخة ك.
(٣) [تنطَّع في الكلام: تعمَّق.].

٢٢٨
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
واستدل الحميدي، ثم البخاري، على ذلك بحديث ضِمَام بن ثعلبة(١): لما
[ب] -
(١) قال الإمام البخاري رضي الله عنه في الباب السادس من كتاب العلم من
((صحيحه)) ١٤٨:١: ((احتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضِمام بن ثعلبة))، فعلق
عليه الحافظ بقوله: ((المحتج بذلك هو الحميدي شيخ البخاري، قاله في كتاب ((النوادر))
له، کذا قال بعض من أدركته، وتبعته في المقدمة - «هدي الساري)» ص ٢٥١ -، ثم ظهر
لي خلافه، وأن قائل ذلك أبو سعيد الحداد، أخرجه البيهقي في: ((المعرفة)).)) ١٦٨:١،
و((المدخل)) (٥٨٤)، وسبقه إلى هذا الزركشي ١٠٦٤:٣ (٢٩٤).
وأبو سعيد الحداد: هو أحمد بن داود الواسطي البغدادي، ترجمه البخاري في
((تاريخه الكبير)) ٢ (١٤٩٦)، وابن أبي حاتم ٢ (٥٠)، ونقل عن أبيه وأبي زرعة
قولهما: أدركناه ولم نكتب عنه، وهذا يحتمل أنهما لم يكتبا عنه إعراضًا عنه، فهو
جرح له، ويحتمل أنه لم يتأتّ لهما ذلك ولم يتيسر.
وهذا هو الظاهر هنا، فقد قال فيه ابن معين في رواية ابن محرز ١ (٣٥١)، ٢
(٥٧٨): ثقة لا بأس به، وعن ابن سعد في ((طبقاته)) ٣٦١:٩: ثقة، وقال: مات قبل
أن يحدّث ويُكتب عنه، فكأن هذا هو معنى قول الرازييْن: أدركناه - من حيث
الزمن -، ولم نكتب عنه، لأنه مات مبكِّرًا قبل أوان الرواية. والله أعلم.
وأسند الخطيب في ((الكفاية)) ص ٢٦١ إلى البخاري قوله: ((ليس يُروى عن النبي
صلى الله عليه وسلم في القراءة على العالم - أو قال: المحدث - حديث أصح من
حديث ضمام)).
وأما تخريج حديث ضمام رضي الله عنه: فهو عند البخاري (٦٣)، ومسلم
٤١:١ (١٠)، من حديث أنس رضي الله عنه، وصرَّح باسمه في رواية البخاري،
وهذا الحديث غير حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه الذي رواه مسلم أولاً، ثم
=

٢٢٩
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
واختلفوا في مساواتها للسماع من لفظ الشيخ، ورجحانه عليها،
ورجحانِها عليه، فحُكي الأول عن مالك، وأصحابه، وأشياخه، ومعظم
علماء الحجاز، والكوفة، والبخاري، وغيرهم.
[ش]
أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال له: إني سائلُكَ فمشدِّد عليك، ثم قال:
أسألك بربك، ورب مَن قَبلك، اللهُ أرسلك. الحديثَ في سؤاله عن شرائع
الدين، فلما فرغ قال: آمنتُ بما جئتَ به، وأنا رسولُ مَن ورائي، فلما رجع إلى
قومه اجتمعوا إليه فأبلَغهم فأجازوه، أيْ: قبلوه منه وأسلموا.
وأسند البيهقي في ((المدخل)) (١) عن البخاري قال: قال أبو سعيد الحداد:
عندي خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة على العالم، فقيل له؟ قال:
قصة ضمام: آلله أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)).
(واختلفوا في مساواتها للسماع من لفظ الشيخ) في المرتبة، (ورجحانه
عليها، ورجحانِها عليه)، على ثلاثة مذاهب.
(فحُكي الأول) وهو المساواة (عن مالك، وأصحابه، وأشياخه) من علماء
المدينة (ومعظم علماء الحجاز، والكوفة، والبخاري، وغيرهم)، وحكاه
الرامهرمزي(٢) عن علي بن أبي طالب وابن عباس، ثم رَوَى عن عليّ قال:
ثنَی بحديث أنس.
ثم، إن رواية الشيخين ليس فيها قوله ((فلما رجع إلى قومه اجتمعوا ... ))، إنما هو
في رواية أحمد ٢٦٤:١ - ٢٦٥.
(١) تقدم قبل قليل أنه في ((المدخل)) (٥٨٥)، وأنه في ((المعرفة)) له ١٦٨:١.
(٢) في ((المحدث الفاصل)) بعد (٤٧٨)، وكذلك عند الخطيب في ((الكفاية))
=

٢٣٠
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
القراءة على العالم بمنزلة السماع منه. وعن ابن عباس قال: اقرؤوا عليّ، فإن
قراءتكم عليّ كقراءتي عليكم. ورواه البيهقي في ((المدخل))(١)، وحكاه أبو بكر
الصيرفي عن الشافعي(٢).
قلت: وعندي أن هؤلاء إنما ذَكَروا المساواة في صحة الأخذ بها، ردّاً على
من كان أنكرها، لا في اتحاد المرتبة(٣).
أسند الخطيب في ((الكفاية)) (٤) من طريق ابن وهب قال: سمعت مالكاً -
وسئل عن الكتب التي تُعرض عليه أيقول الرجل: حدثني؟ - قال: نعم، كذلك
القرآن، أليس الرجلُ يَقرأ على الرجل فيقول: أقرأني فلان؟ !.
وأسند الحاكم في ((علوم الحديث))(٥) عن مطرِّف قال: سمعت مالكاً يأبى
أشدَّ الإباء على من يقول: لا يُجزيه إلا السماع من لفظ الشيخ، ويقول: كيف لا
يُجزئك هذا في الحديث، ويجزئك في القرآن، والقرآن أعظم؟ !.
ص ٢٦٢ - ٢٦٣، ونَقَل عن ابن عباس سبب قوله: أن ذلك لما أصيب ببصره
رضي الله عنه.
(١) (٥٨٧).
(٢) ذكره الزركشي في ((النكت)) ١٠٦٥:٣ (٢٩٦).
(٣) نعم، هذا في دائرة الاحتمال، لكنه مفتقر إلى إثبات أن هذا الخلاف قديم
من أيام عليّ رضي الله عنه !.
(٤) صفحة ٣٠٨.
(٥) أواخر الكتاب ص ٦٧٥.

٢٣١
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
والثاني عن جمهور أهل المشرق، وهو الصحيح. والثالث عن أبي
حنيفة، وابنٍ أبي ذئب، وغيرِهما، ورواية عن مالك.
[ش]
(و) حُكي (الثاني) وهو ترجيح السماع عليها (عن جمهور أهل المشرق،
وهو الصحيح).
(و) حُكي (الثالث) وهو ترجيحها عليه (عن أبي حنيفة(١) وابن أبي ذئب
وغيرِهما، و) هو (رواية عن مالك)، حكاها عنه الدارقطني (٢)، وابن
[ب]
(١) ((ترجيحها عليه)): أي: ترجيح طريقة التحمل بالقراءة على الشيخ، على
طريقة التحمل بالسماع من الشيخ، حُكي هذا الترجيح عن أبي حنيفة، حكى ذلك
البزدويُّ ٣: ٤٠ بشرحه للعلاء البخاري، والسرخسيُّ ١: ٣٧٥، ولفظ السرخسي:
((روي عن أبي حنيفة رحمه الله أن قراءتك على المحدث أقوى من قراءة المحدث
علیك)).
ثم عاد إلى القول الذي رجحه المحدثون، وهو ترجيح طريقة التحمل من لفظ
الشيخ وقراءته، وحكى دليلهم بـ: ((أنه طريقة رسول الله عليه السلام، وهو الذي كان
يحدث أصحابه، ثم نقلوه عنه، وهو - أي هذا الطريق - أبعدُ من الخطأ والسهو
والغلط، ولأنه كان يذكر ما يذكره حفظاً، وكان لا يكتب ولا يقرأ المكتوب أيضاً،
وإنما كلامنا فيمن يخبر عن كتاب لا عن حفظه، فأما إذا كان يروي عن كتابٍ
فالجانبان سواء». ونحو هذا عن البزدوي وشارحه، فهذا هو قول أبي حنيفة وتوجيهه،
من علماء مذهبه.
(٢) قال الحافظ في ((الفتح)) ١: ١٥٠ بعدما حكى القول الثاني: ((وبالغ بعض
المدنيين وغيرهم في مخالفتهم - مخالفة أصحاب القول الثاني - فقالوا: إن القراءة
على الشيخ أرفع من السماع من لفظه، ونقله الدارقطني في ((غرائب مالك)) عنه،
ونقله الخطيب بأسانيد صحيحة عن شعبة، وابن أبي ذئب، ويحيى القطان)).

٢٣٢
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
فارس(١)، والخطيب(٢)، وحكاه أيضاً: عن الليث بن سعد، وشعبة، وابن
لَهِيعة، ويحيى بن سعيد، ويحيى بن عبد الله بن بُكَير، والعباس بن الوليد بن
مَزْيَد، وأبي الوليد، وموسى بن داود الضبي، وأبي عبيد، وأبي حاتم. وحكاه
ابن فارس عن ابن جريج، والحسن بن عُمارة.
وروى البيهقي في ((المدخل))(٣) عن مكيّ بن إبراهيم قال: كان ابن جريج،
وعثمان بن الأسود، وحنظلة بن أبي سفيان، وطلحة بن عَمرو، ومالك،
ومحمد بن إسحاق، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وهشام، وابن أبي ذئب،
وسعيد بن أبي عروبة، والمثنّى بن الصبّاح يقولون: قراءتك على العالم خير من
قراءة العالم عليك، واعتلَّوا بأن الشيخ لو غلط لم يتهيأ للطالب الردُّ عليه. وعن
أبي عبيد: القراءة عليّ أثبتُ من أن أتولّى القراءة أنا(٤).
[ب] -
(١) في جزئه اللطيف ((مأخذ العلم)) ص ٣١، وحكاه عن مالك، وأبي حنيفة،
والحسن بن عُمارة، وابن جريج))، وقال: ((بذلك نقول)).
(٢) رواية الخطيب لهذا القول عن مالك هي في ((الكفاية)) ص ٢٧٦، ٢٧٧،
٢٧٩. وأما حكايتها عن الأئمة الآخرين المذكورين - وغيرهم - فهي عنده أيضًا من
ص ٢٧٤ - ٢٨٠.
وأبو الوليد المذكور في كلام الخطيب: هو الطيالسي، الإمام هشام بن
عبد الملك.
(٣) (٥٩٧).
(٤) من قوله ((واعتلَّوا بأن ... )) إلى هنا: من كلام الحافظ في ((الفتح)) ١: ١٥٠،
وكلمة أبي عبيد أسندها إليه الخطيب في ((الكفاية)) ص ٢٧٨.

٢٣٣
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
وقال صاحب ((البديع)) بعد اختياره التسوية(١): محلّ الخلاف ما إذا قرأ
الشيخ من كتابه، لأنه قد يسهو، فلا فرق بينه وبين القراءة عليه، أما إذا قرأ
الشيخ من حفظه فهو أعلى بالاتفاق.
واختار شيخ الإسلام(٢): أن محل ترجيح السماع ما إذا استوى الشيخ
والطالب، أو كان الطالب أعلم، لأنه أوعى لما يسمع، فإن كان مفضولاً
فقراءته أولى، لأنها أضبط له.
قال(٣): ولهذا كان السماع من لفظه في الإملاء أرفع الدرجات، لما يلزم
منه من تحرير الشيخ والطالب. وصرح كثيرون بأن القراءة بنفسه أعلى مرتبة من
السماع بقراءة غيره.
وقال الزركشي(٤): القارئ* والمستمع سواء.
(١) هو الإمام الأصولي أبو العباس أحمد بن علي بن الساعاتي الحنفي (٦٥١ -
٦٩٤) رحمه الله تعالى، واسم كتابه: ((بديع النظام الجامع بين كتاب البزدوي
والإحكام))، والنقل منه ٣٧٠:١. وهذا الاختيار هو مذهب أبي حنيفة، كما قدمته
تعليقاً نقلاً عن ((أصول)) السرخسي.
(٢) كما في ((النكت الوفية)) ٤٦:٢.
(٣) في ((الفتح)) ١: ١٥٠، وتقدم نقله في التعليق ص ٢١٢.
وكلمة (تحرير)): هكذا في النسخ إلا نسخة أ، ز، ط ففيها: تخريج، ولا معنى
لها، وأشار الشيخ ابن العجمي إلى أنها في نسخة أخرى ((تحرير))، والذي في أكثر من
طبعة لـ (فتح الباري)): تحرُّز، ومعناها هنا أوضح من: تحریر.
(٤) ينظر؟ ونَقَل الزركشي في ((البحر المحيط)) ٣٨٤:٤ عن الإمام الشافعي
=

٢٣٤
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
والأحوطُ في الرواية بها : قرأت على فلان، أو: قرىء عليه وأنا أسمع فأقرَّ
به، ثم عباراتُ السماع مقيّدةً كـ: حدثنا، أو : أخبرنا قراءةً عليه، وأنشدنا - في
الشعر - قراءةً عليه، ومَنَع إطلاقَ: ((حدثنا)) و((أخبرنا)) ابن المبارك، ويحيى بن
[ش]
(والأحوطُ) الأجود (في الرواية بها) أن يقول: (قرأت على فلان)، إنْ قرأ
بنفسه، (أو: قرىء عليه وأنا أسمع فأقرَّ به، ثم) يلي ذلك (عباراتُ السماع
مقيّدةً) بالقراءة لا مطلقة (كـ: حدثنا) بقراءتي، أو قراءةً عليه وأنا أسمع، (أو:
أخبرنا) بقراءتي، أو (قراءةً عليه) وأنا أسمع، أو: أنبأنا، أو: نبّأنا، أو قال لنا،
كذلك، (وأنشدنا - في الشعر - قراءةً عليه).
(ومَنَع إطلاقَ: حدثنا وأخبرنا)(١) هنا عبد الله (ابن المبارك، ويحيى بن
[ب]
- بواسطة الصيرفي - نحو هذا، ومثله في ((النكت)) ١٠٦٥:٣ (٢٩٦)، لكن نصُّه
الطباعي مشوَّش، فيصحح من ((البحر المحيط))، ثم قال آخر كلامه في ((البحر)):
((والصحيح أنها دونه)). أي: أن القراءة على الشيخ دون السماع منه.
(١) هكذا قال النووي هنا وفي ((الإرشاد)) ص١٢٣ : مَنَع إطلاق حدثنا وأخبرنا،
فلان وفلان، بصيغة الجزم، في حين أن عبارة ابن الصلاح ص١٢٣ أيضاً لا تفيد
الجزم، وعلى كلّ: فالمعنى: أن المذكورين لا يجيزون للراوي أن يقول إذا تحمّل
الحديث من الشيخ قراءة عليه: حدثنا فلان، أو أخبرنا فلان، بل يجب عليه أن يقيد
كلمة حدثنا أو أخبرنا ببيان صورة تحملّه للحديث، وذلك بأن يقول: حدثنا فلان قراءة
عليه، أو أخبرنا قراءة عليه.
ومقتضى عبارة القاضي عياض في ((الإلماع)) ص ٢٥ أن لا يستعمل كلمة حدثنا
أو أخبرنا، ولو مقيدة، بل يقول فقط: قرأت على فلان، أو قرئ عليه وأنا أسمع،
ونَسَب هذا - جزماً - إلى الأئمة الأربعة المذكورين.
وينظر ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (٥٨٨).

٢٣٥
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
يحيى التميمي، وأحمد بن حنبل، والنسائي، وغيرهم، وجوَّزها طائفة،
قيل: إنه مذهب الزهري، ومالك، وابن عيينة، ويحيى القطان،
والبخاري، وجماعاتٍ من المحدثين، ومعظم الحجازيين والكوفيين.
[ش]
يحيى التميمي، وأحمد بن حنبل، والنسائي، وغيرهم) قال الخطيب(١): وهو
مذهب خلقٍ كثير من أصحاب الحديث.
(وجوَّزها طائفة(٢)، قيل(٣): إنه مذهب الزهري، ومالك) بن أنس، (و)
سفيان (ابن عيينة، ويحيى) بن سعيد (القطان، والبخاري، وجماعاتٍ من
المحدثين، ومعظم الحجازيين والكوفیین) کالثوري، وأبي حنيفة وصاحبیه،
والنضر بن شُميل، ويزيد بن هارون، وأبي عاصم النبيل، ووهب بن جرير،
وثعلب، والطحاوي، وألف فيه جزءاً(٤)، وأبي نعيم الأصبهاني، وحكاه عياض
[ب] -
(١) في ((الكفاية)) ص٢٩٦، وفيه هذه المقولة المجملة فقط.
(٢) أي: جوّزوا إطلاق: حدثنا وأخبرنا، في حالتي السماع من الشيخ، والقراءة
عليه.
(٣) ينظر ((الكفاية)) ص ٢٩٣، ٣٠٥ - ٣١٠، وينظر ((فتح الباري)) ١٤٤:١ شرح
الباب الرابع.
(٤) نقل الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى جُلَّه في كتابه ((جامع بيان العلم
وفضله)) ١١٤٦:٢ - ١١٦٠، ثم طبعه شيخنا رحمه الله ضمن ((خمس رسائل في علوم
الحديث))، ونقل في مقدمته كلام ابن عبد البر في تأييد قول الطحاوي رحمهما الله
تعالى، فصار جزءًا جامعًا لكلام إمامين كبيرين.
وختم مقدمته بنقل كلام الحافظ ابن رجب في حكاية هذا المذهب عن جمهرة
من الأئمة المتقدمين والمتأخرين، في ترجمة محمود بن الحسين الأصبهاني من كتابه
=

٢٣٦
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
ومنهم من أجاز فيها : سمعت، ومنعت طائفة: حدثنا، وأجازت :
أخبرنا، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، ومسلم بن الحجاج، وجمهور
أهل المشرق، وقيل: إنه مذهب أكثر المحدثين، ..
[ش]
عن الأكثرين(١)، وهو رواية عن أحمد (٢).
(ومنهم من أجاز فيها: سمعت) أيضاً، وروي عن مالك، والسفيانين.
والصحيح: لا تَجوز، وممن صححه: أحمد بن صالح، والقاضي أبو بكر
الباقلاني(٣)، وغيرهما، ويقع في عبارة السِّلَفي في كتابةِ التسميع: سمعت
بقراءتي، وهو إما تسامح في الكتابة لا يستعمل في الرواية، أو رأي مفصِّل بين
التقييد والإطلاق.
(ومنعت طائفة) إطلاق: (حدثنا، وأجازت) إطلاق (أخبرنا، وهو مذهب
الشافعي وأصحابه، ومسلم بن الحجاج، وجمهور أهل المشرق، وقيل : إنه
مذهب أكثر المحدثين) عزاه لهم محمد بن الحسن التميمي الجوهري في كتاب
((الإنصاف)) (٤) قال: فإنَّ ((أخبرنا)) علَم يقوم مقام قائله: أنا قرأته عليه، لا أنه لَفَظَ
((ذيل طبقات الحنابلة)) ٤٣:٢.
(١) ((الإلماع)) ص ٧١.
(٢) ذكرها ابن رجب بسنده، في نقله الذي أشرت إليه قبلُ.
(٣) بل انظر مذهبهما في ((الكفاية)) ص٢٩٦، ٢٩٧.
(٤) زاد السخاوي في ((فتح المغيث)) ٣٥٢:٢ في نَسَبه، وفي اسم كتابه فقال:
((أبو عبد الله وأبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن أحمد بن خلاد التميمي المصري
الجوهري، صاحب ((الإنصاف فيما بين الأئمة في حدثنا وأخبرنا من الاختلاف))،
=

٢٣٧
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وروي عن ابن جريج، والأوزاعي، وابن وهب، .
[ش]
به لي، (وروي عن ابن جريج والأوزاعي وابن وهب).
قال ابن الصلاح(١): وقيل: إنه أول من أحدث الفرق بين اللفظين بمصر(٢)،
[ب]
وكتاب ((إجماع الفقهاء))، وأفاد أيضًا ما أفاده العراقي في ((ألفيته)) أنه معاصر للإمام
النسائي.
قلت: أما ((الإنصاف)): فلا أعرف عنه شيئًا، وأما ((إجماع الفقهاء)): فهو الذي
حققه الأخ الدكتور محمد فضل المراد جزاه الله خيراً، وطبعه عام ١٤١٤ باسم:
((نوادر الفقهاء))، وهو هو، وينقل عن هذا الكتاب العلاء ابن التركماني رحمه الله في
مواطن كثيرة من كتابه ((الجوهر النقي))، أولها ١٢٥:٢، وعشرين موضعًا آخر،
ويسمّي مؤلفه: ابن بنت نعيم.
وممن أفرد هذه المسألة بالكتابة من رجالات تلك الطبقة وأئمتها: ابن حبان،
ذكروا في مؤلفاته: ((جزء الفصل بين حدثنا وأخبرنا)).
(١) ص١٢٤، وينظر ((الكفاية)) ص٣٠٢، والضمير في قوله ((إنه أول)) يعود على
ابن وهب.
(٢) علَّق مغلطاي ٣٦٠:٢ على قول ابن الصلاح: ((قيل: إنه .. )) بقوله: ((كذا ذكره
مُمَرَّضًا، وكأنه لم يَرَ قول البخاري في کتاب المظالم - في «صحيحه» (٢٤٦٢) -: حدثنا
یحیی بن سلیمان قال: حدثني ابن وهب، قال: حدثني مالك، وأخبرني يونس، عن ابن
شهاب، فذكر حديثًا، إذْ لو رآه لجزم به، على قاعدته في الممرَّض)).
كذا استدرك مغلطاي، ولا ينبغي، فهذا دليل على تفرقة ابن وهب بين اللفظين:
وليس فيه دليل على أنه أول من أحدث الفرق بينهما في مصر.
ومثال آخر - ولا يدل على المراد -: قال البخاري (٢٥٥٩): حدثني محمد بن
عُبيد الله، حدثنا ابن وهب قال: حدثني مالك بن أنس. قال: وأخبرني ابن فلان، عن
=

٢٣٨
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وروي عن النسائي أيضاً، .
[ش]
وهذا يدفعه النقل عن ابن جريج والأوزاعي، إلا أن يعني أنه أول من فعل ذلك
بمصر. (وروي عن النسائي أيضاً) حكاه الجوهري المذكور(١).
[ب]
سعيد المقبري ... )) قال الحافظ في الشرح: ((فاعل ((قال)): هو ابن وهب، وكأنه سمعه
من لفظ مالك، وبالقراءة على الآخَر، وكان ابن وهب حريصًا على تمييز ذلك)).
ثم إن مغلطاي قال عن ابن الصلاح: كأنه لم يَرَ قول البخاري، ولو قال: لم
يستحضر قول البخاري: لكان أدقّ وأحقَّ.
وأما قاعدة ابن الصلاح في الممرَّض: فكأن مغلطاي يريد: أن ابن الصلاح يجزم
بما علَّقه البخاري جزمًا، ويمرِّض ما علَّقه ممرَّضًا، وهنا جزم البخاري بقوله:
وأخبرني يونس، فينبغي لابن الصلاح أن ينسب إلى ابن وهب هذه التفرقة بصيغة
الجزم، فإن كان هذا مرادَ مغلطاي: ففيه نظر أيضًا، إذ التقدير: أن ابن وهب يرويه عن
ابن شهاب بواسطتين: مالك، ويونس بن يزيد، فكان تحمله له عن مالك سماعاً،
وعن يونس عرضاً، فأدّى الرواية له عن كل واحد بما يناسب. وهذا معنى كلام ابن
حجر في شرحه، وقال: ٥: ١١٠: ((كان ابن وهب حريصاً على التفرقة بين التحديث
والإخبار مراعاة للاصطلاح، ويقال: إنه أول من اصطلح على ذلك بمصر)).
ويقال على قول ابن الصلاح: قيل: أول من أحدث الفرق، ثم تأويله: بأنه أول
من فعله، يقال عليه: إن عبارة القاضي عياض في كتابيه: ((الإلماع)) ص ١٢٥،
و ((ترتيب المدارك)) ترجمة ابن وهب ١: ٥٦٥: ((قالوا: إن أول من أحدث الفرق بين
هذين اللفظين - حدثنا، وأخبرنا -: ابن وهب بمصر))، هكذا بصيغة الجمع: قالوا،
فلا حاجة إلى التمريض ثم التأويل والجمع.
(١) مع أن المعروف عنه هو ما تقدم عنه في المتن، وهو المنع، نبّه إليه
السخاوي ٢: ٣٥٢.

٢٣٩
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
وصار هو الشائعَ الغالبَ على أهل الحديث.
[ش]
قال ابن الصلاح(١): (وصار) الفرق بينهما (هو الشائعَ الغالبَ على أهل
الحديث) وهو اصطلاح منهم، أرادوا به التمييز بين النوعين، والاحتجاجُ له من
حيثُ اللغة: فيه عناء وتكلّف.
قال: ومِن أحسن ما يُحكى عمن ذهب هذا المذهب: ما حكاه البَرْقاني عن
أبي حاتم محمد بن يعقوب الهَرَوي، أحدٍ رؤساء الحديث بخراسان، أنه قرأ
على بعض الشيوخ، عن الفِرَبْري ((صحيح)) البخاري، وكان يقول له في كل
حديث: حدَّثكم الفربري، فلما فرغ الكتاب سمع الشيخَ يذكر أنه إنما سمع
الكتاب من الفربري قراءةً عليه، فأعاد قراءة الكتاب كلُّه وقال له في جميعه:
أخبركم الفِرَبري.
قال العراقي(٢): وكأنه كان يرى إعادة السند في كل حديث، وهو تشديد،
والصحيح أنه لا يحتاج إليه، كما سيأتي.
فائدة:
قول الراوي ((أخبرنا سماعاً)) أو ((قراءة)): هو من باب قولهم: أتيته سَعْياً،
وكلَّمتُه مشافهةً. وللنحاة فيه أربعة مذاهب(٣):
[ب] -
(١) صفحة ١٢٤، وكذا ما بعده، والقصة المذكورة حكاها الخطيب في ((الكفاية))
ص ٣٠٣ - ٣٠٤، ولأبي حاتم هذا ترجمة مختصرة في (تاريخ الإسلام)) للذهبي ٨:
٢٩٦، وأرخ وفاته في شهر رجب سنة ٣٦٨، ووصفه بقوله: كان فقيهاً فاضلاً.
(٢) في ((شرح ألفيته)) ص١٨٩. وانظر ما سيأتي صفحة ٤٨١.
(٣) ((أربعة)): من و فقط.

٢٤٠
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
[ش]
أحدها - وهو رأي سيبويه(١) -: أنها مصادر وقعتْ موقعَ فاعلٍ حالاً، كما
وقع المصدر موقعَه نعتاً في: زيد عدْل، وأنه لا يستعمل منها إلا ما سُمع، ولا
يقاس، فعلى هذا: استعمال الصيغة المذكورة في الرواية ممنوع، لعدم نُطق
العرب بذلك.
الثاني - وهو للمبرِّد(٢) -: أنها ليست أحوالاً، بل مفعولاتٍ لفعلٍ مضمر من
لفظها، وذلك المضمَر هو الحال، وأنه يقاس في كل ما دلّ عليه الفعل
المتقدم، وعلى هذا تخرَّج الصيغة المذكورة، بل كلام أبي حيان في ((تذكرته))
يقتضي أن ((أخبرنا سماعاً)) مسموع، و((أخبرنا قراءة)) لم يُسمع، وأنه يقاس على
الأول، على هذا القول.
[ب] -
(١) قول سيبويه في ((كتابه)) ١ : ٣٧٠، وفي التعليق عليه كلام السيرافي وحكايته
مذهب أبي العباس المبرِّد، والمعروف في كتب النحو المتأخرة هو مذهب السيرافي،
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]. وكقوله:
﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩].
(٢) هو بفتح الراء المشدَّدة، بناء على ما حكاه ابن الجوزي في ((كشف النقاب))
(١٢٧٢)، وعنه ابن خلكان ٣٢١:٤، لكن عند ياقوت في ((معجم الأدباء)) ٢٦٧٩:٦،
وعنه الصفدي في ((الوافي)) ٢١٦:٥ بكسر الراء، لسبب آخر، هو: أن شيخه أبا عثمان
المازني لما صنف ((كتاب الألف واللام)) سأله عن بعض الدقائق فيه، فأجابه بأحسن
جواب، فقال له المازني: قم فأنت المبرِّد، بكسر الراء، أي: المُثْبِت للحق، فحرَّفه
الكوفيون وفتحوا الراء، وكانت وفاته رحمه الله سنة ٢٨٥ عن ٧٥سنة.
وعلى كل: فالوجهان جائزان: فتح الراء وكسرها.