النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] العربي في ((شرح الترمذي))، وهما على كل حال من ألفاظ التعديل، وممن ذَكَر ذلك الذهبي(١). قال(٢): وكأن قائل ذلك فَهِم من فتح الراء أن الشيء المقارَب هو الرديء، وهذا من كلام العوام، وليس معروفًا في اللغة، وإنما هو على الوجهين من قوله: ((سدِّدوا وقاربوا))(٣)، فمن كسر قال: إن معناه: حديثه مقارِبٌ لحديث غيره، ومن فتح قال: معناه أن حديثه يقاربه حديثُ غيره، ومادة (فَاعَلَ) تقتضي المشارکة. انتھی. وممن جزم بأن الفتح تجريحٌ: البلقينيُّ في ((محاسن الاصطلاح)) (٤)، وقال: [ب] - - (١) عزاه العراقي إلى مقدمة ((الميزان))، وليس في مطبوعاته شيء، وانظر ما تقدم ص ١٨٢ تعليقًا. (٢) ما يزال النقل عن العراقي، ونسبتُه هذه التفرقة إلى فهم القائل: في محل النظر الشديد، فمغلطاي صرَّح بنقل ((هذا مقارَب)) بفتح الراء: أي: رديء، عن ثعلب وغيره، فليست تفرقته مبنية على فهم، بل على نقل. ومما جاء في كتب اللغة مما يؤيد تفرقة مغلطاي: ما قاله الجوهري في ((الصحاح)) ١٩٩:١: ((وشيء مقارِب، بكسر الراء، أي: وسط بين الجيد والرديء، ولا تقل مقارَب، وكذلك إذا كان رخيصًا))، ومع ذلك فلا أنكر أن هذا العلم كله مصطلحات، فلا يلزم أن يكون خاضعًا للضوابط اللغوية. (٣) طرف من حديث روته السيدة عائشة رضي الله عنها، وهو عند البخاري (٦٤٦٤)، ومسلم ٢١٧١:٤ (٧٨). (٤) صفحة ٣١٠، ومن المعلوم أن مصدره مغلطاي. ٢٠٢ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] حکی ثعلب: تبْر مقارب، أي رديء. انتهى. وقولهم: إلى الصدق ما هو، وللضعف ما هو: معناه: قريبٌ من الصدق والضَّعف، فحرفُ الجرِّ يتعلق بـ: ((قريب)) مقدّرًا، و((ما)) زائدةٌ في الكلام(١)، كما قال عياضٌ والمصنفُ في حديث الجَسّاسة عند مسلم ((مِنْ قِبَل المشرق، ما هو))(٢) : المرادُ: إثباتُ أنه في جهة المشرق. وقولهم: واهٍ بمرةٍ: أَيْ: قولاً واحدًا لا تردُّد فيه، فكأن الباء زائدة(٣). وقولهم : تَعرِف وتُنكر، أي: يأتي مرة بالمناكير، ومرة بالمشاهير. [ب] - (١) [قوله: وما زائدة .. إلخ. قال التُّوْرْبِشْتي - ((الميسَّر)) ٤: ١١٧٢ -، فيما نقله الطيبي عنه - ((شرح المشكاة)) ١٠ :١٢٤ -: يحتمل أن يكون خبراً، أي: الذي هو فيه، أو الذي هو يخرج منه، وفي كتب أهل اللغة - ((الصحاح)) ٢: ٧٨٦، وغيره - في ذكر ابن قِتَرة: حية خبيثة، إلى الصغر ما هي. وفي مصطلح الأطباء في وصف طباع العقاقير : إلى الحرارة ما هو، إلى اليبوسة ما هو، أي: الذي عليه طعمه وطبعه، أي: أمر ظهوره من قِبَل المشرق. انتهى. وقِتَرة: بكسر القاف كـ: عِنَبة.]. (٢) حديث الجسّاسة التي تَتَجَسَّسُ للدجال الأكبر أخبارَ ظهور النبي صلى الله عليه وسلم وبعثته، هو في ((صحيح)) مسلم ٢٢٦١:٤ (١١٩) واللفظة محل الشاهد منه هي في آخره، وكلام عياض في ((شرحه)) ٥٠٢:٨، والنووي ١٨ :٨٣. (٣) ((النكت الوفية)) ٣١:٢ على أنه من كلام ابن حجر، وانظر ما تقدم أول نوع الحديث الشاذ ٣: ٢٧٧، وما تقدم قريبًا تعليقًا ص ١٩٤. ٢٠٣ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه النّوع الرّابع والعشرون: كيفيّة سَمَاع الْحَديث وَتحمّل، وَصفَة ضبطه تُقبل رواية المسلم البالغ ما تحمَّله قبلهما، ومنع الثانيَ قوم فأخطؤوا. [ش] (النوع الرابع والعشرون : كيفيةُ سماع الحديث وتحملِهِ، وصفةُ ضبطه) (تُقبل رواية المسلم البالغ ما تحمَّله قبلهما) في حال الكفر والصِّبًا، (ومنع الثاني) أي: قبولَ روايةٍ ما تحمله في الصِّبا (قوم فأخطؤوا)(١)، لأن الناس قبلوا رواية أحداثِ الصحابة: كالحسن، والحسين، وعبد الله بن الزبير، وابن عباس، والنعمان بن بشير، والسائب بن يزيد، والمِسْور بن مَخْرمة وغيرهم(٢)، من غير [ب] (١) ذكر المذاهب فيها الزركشيُّ في ((البحر المحيط)» ٢٦٨:٤، وفصَّل، واختصر في ((النكت على ابن الصلاح)) ١٠٤٤:٣ (٢٨٢)، وقال: ((هذا المنع وجه للشافعية، ولنا وجه: أنه يجوز رواية الصبي قبل بلوغه، والمشهور الأول)). (٢) ومن الأدلة الواضحة على صحة رواية من تحمَّل صغيرًا، ورواه كبيرًا: حديث محمود بن الربيع رضي الله عنه صاحب حديث المَجّة، وهو في ((صحيح البخاري)) (٧٧) تحت باب: متى يصح سماع الصغير، وهنا أطرافه، قال: عَقَلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجَّة في وجهي، وأنا ابن خمس سنين، من دلوٍ، ذكر ذلك الزركشي في ((البحر)) ٢٦٨:٤، وقال: ((اعتمد العلماء رواية ذلك بعد بلوغه، وجعلوه أصلاً في سماع الصغير)). وقال الحافظ في ((الفتح)) ١: ١٧٣: ((الذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم، فمن فهم الخطاب سُمِّع، وإن کان دون ابن خمس، وإلا فلا». وقوله ((سُمِّع)): هكذا ينبغي أن تضبط، أي: كُتب له سماعٌ للكتاب المقروء، وإن = ٢٠٤ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه [ش] فرقٍ بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده. وكذلك كان أهل العلم يُحضِرون الصبيانَ مجالس الحديث، ويعتدُّون بروايتهم بعد البلوغ. ومن أمثلة ما تُحُمّل في حال الكفر: حديثُ جبير بن مُطعم، المتفقُ عليه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بـ: الطور، وكان جاء في فداء أسرى بدر قبل أن يُسلم(١)، وفي رواية للبخاري(٢): (( ... وذلك أولَ ما وَقَر الإيمان في قلبي)). ولم يَجرِ الخلاف السابق هنا، كأنه لأن الصبي لا يضبط غالباً ما تحمله في صباه، بخلاف الكافر. نعم، رأيت القطب القَسْطلآني(٣) في كتابه ((المنهج في [ب] كان دون مرتبة الفهم فيكتب له حضور، كما سيأتي بعد أسطر، وسيأتي ص ٢٠٧ أن تحديد سنّ الخمس سنوات لصحة التحمل، اعتمادًا على هذا الحديث: ليس بسدید. (١) ذكر هذا المثال الزركشي في ((النكت)) ١٠٤٢:٣ (٢٨١)، وهو في البخاري (٧٦٥)، وهنا أطرافه، ومسلم ٣٨٨:١ (١٧٤). (٢) في المغازي (٤٠٢٣). (٣) على حاشية ك: مطلب. القطب القسطلاني. قلت: هو أبو بكر محمد بن أحمد بن علي القسطلآني المصري، ثم المكي، ثم المصري الشافعي، ولد آخر سنة ٦١٤ بمصر، ونشأ في مكة المكرمة، وفوَّض إليه مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة، وتوفي أوائل سنة ٦٨٦، رحمه الله تعالى، أطال التقي الفاسي في ((العقد الثمين)) ترجمته ٣٢١:١ - ٣٣٠، وسمّى هذا الكتاب: ((المَنْهج المُبْهج عند الاستماع، لمن يرغب في علوم الحديث على الاطلاع))، ووصفه بأنه: مختصر في علوم الحديث. = ٢٠٥ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه قال جماعة من العلماء: يستحبُّ أن يبتدئ بسماع الحديث بعد ثلاثين سنةً، وقيل : بعد عشرين. [ش] علوم الحديث)) أجرى الخلاف فيه وفي الفاسق أيضاً. (قال جماعة من العلماء : يستحب أن يبتدىء بسماع الحديث بعد ثلاثين سنة) وعليه أهل الشام، (وقيل: بعد عشرين) سنةً، وعليه أهل الكوفة. قيل لموسى بن إسحاق(١): كيف لم تكتب عن أبي نُعيم؟ فقال: كان أهل الكوفة لا يُخرجون أولادهم في طلب الحديث صغاراً حتى يستكملوا عشرين سنة. [ب] ومن مصادر ترجمته المهمة: ترجمة تلميذه الإمام ابن سيد الناس له في ((أجوبته)) لابن أَيَّك الدمياطي ص١٦٦، فإنها على وجازتها عالية رفيعة، من إمام متثبّت. وانظر ضبط هذه النسبة ص ٢٢١. (١) هذا القول حكاه الرامهرمزي (٤٨)، واللذان بعده للثوري والزبيري: حکاهما في (٥١)، وثلاثتها في ((الكفاية)) للخطيب، ص ٥٤ _ ٥٥. وأبو نعيم في الخبر الأول: هو الفضل بن دكين. أما موسى بن إسحاق: فلم أتبيَّنْه. وأما أبو عبد الله الزبيري في الخبر الثالث: فهكذا جاء في المصدرين المذكورین، لكن الشارح ينقل عن العراقي في ((شرح ألفيته)) ص ١٧٩، ولفظه: حكى الرامهر مزي عن ((الزبيري من الشافعية، واسمه الزبير بن أحمد)) فعلى هذا يكون هو المترجَم عند التاج السبكي ٢٩٥:٣، وأرخ وفاته سنة ٣١٧، وهو محتمل بالنسبة لحكاية هذا القول عنه من قِبَل الرامهرمزي المتوفى سنة ٣٦٠. بل يؤكده ما يحكيه الرامهرمزي نفسه رحمه الله في كتابه (٨٣٨)، وسينقله الشارح صفحة ٤٠٧ في مسألة إعارة الكتاب والسماع. ٢٠٦ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه والصوابُ في هذه الأزمان : التبكيرُ به من حينٍ يصحُّ سماعه، وبكَتْبه وتقييده حين يتأهَّلُ له، ويختلف باختلاف الأشخاص. ونقل القاضي عياض رحمه الله : أن أهل الصنعة حدَّدوا أولَ زمن يصح فيه السماع بخمس سنين، وعلى هذا استقرّ العمل. [ش] وقال سفيان الثوري: كان الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تعبَّد قبل ذلك عشرين سنة. وقال أبو عبد الله الزُّبيري من الشافعية: يستحب كَتْب الحديث في العشرين، لأنها مجتمع العقل. قال: وأُحبّ أن يشتغل دونها بحفظ القرآن والفرائضِ. أي: الفقهِ. (والصواب في هذه الأزمان) بعد أن صار الملحوظُ إبقاءَ سلسلة الإسناد (التبكيرُ به) أي: بالسماع (من حينٍ يصحُّ سماعه) أي: الصغيرِ (وبكَتْبه) أي: الحديث (وتقييده) وضبطه (حين يتأهل له) ويستعدُّ (و) ذلك (يختلف باختلاف الأشخاص، ولا ينحصر في سنّ مخصوص. (ونقل القاضي عياض(١) رحمه الله أن أهل الصنعة حدَّدوا أولَ زمن يصح فيه السماع) للصغير (بخمس سنين) ونسبه غيره للجمهور(٢)، قال ابن الصلاح (٣): (وعلى هذا استقر العمل) بين أهل الحديث، فيكتبون لابن خمس (١) في ((الإلماع)) ص٦٢. - (٢) كالعراقي في ((شرح الألفية)) ص١٧٩. (٣) صفحة ١١٧. ٢٠٧ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه والصواب : اعتبار التمييز، فإنْ فهم الخطاب، وردَّ الجواب كان مميِّزاً صحیحَ السماع، وإلا فلا، [ش] فصاعداً (١): سَمع، وإن لم يبلغ خمساً: حضَر، أو أُحضر. وحجتهم في ذلك: ما رواه البخاري وغيره من حديث محمود بن الربيع قال: عَقَلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجَّة مجّها في وجهي من دلو، وأنا ابن خمس سنين، بوّب عليه البخاري (٢): متى يصح سماع الصغير. قال المصنف - كابن الصلاح(٣) - : (والصواب اعتبار التمييز فإنْ فهم الخطاب وردّ الجواب كان مميزاً صحيح السماع) وإن لم يبلغ خمساً، (وإلا فلا) وإن كان ابن خمس فأكثر (٤). ولا يلزم من عَقْل محمودِ المجةَ في هذا السن أن تمييزَ غيره مثلُ تمییزه، بل قد ينقُص عنه وقد يزيد، ولا يلزم منه أن لا يعقل مثل ذلك وسنُّه أقل من ذلك، ولا يلزم من عقْلِ المجةِ عقلُ غيرها مما يسمعه(٥). [ب] - (١) [نصب على الحال.]. (٢) في كتاب العلم - الباب ١٨، وتقدم تخريجه ص٢٠٣. (٣) صفحة ١١٧ أيضاً. (٤) من النسخ إلا د ففيها: ابن خمسين فأكثر، ولفظ ابن الصلاح: وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين. (٥) هذا واضح، وهو كثير في كلام أهل العلم، وهو عند ابن الصلاح ص ١١٧، وبعضه من ((فتح الباري)) ١٧١:١، وقد أجاد وأطال القولَ والأخبارَ الخطيبُ في ((الكفاية)) ص ٥٦ - ٦٥. = ٢٠٨ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه ورُوي نحوُ هذا عن موسى بن هارون، وأحمد بن حنبل. [ش]. وقال القسطلاني في كتاب ((المنهج)): ما اختاره ابن الصلاح هو التحقيق والمذهب الصحيح. (ورُوي نحوُ هذا) وهو اعتبار التمييز (عن موسى بن هارون) الحمّال أحد الحفاظ (وأحمد بن حنبل)(١). [ب] والذي أثبتْه الأيام: قديمها وحديثها أن في أبناء المسلمين عربهم وعجمهم خيراً كثيراً وعظيمًا، لكنهم كالأرض الخِصْبة، تحتاج إلى استثمار، وإلا ماتت وماتت خيراتها التي فيها، وهذا الخير، وهذه القُدُرات والطاقات: إن لم تُستثمر بالخير وتُملأ به، استثمرها أهل الشرِّ بالشرّ. والأخبار والوقائع المشهودة والمسموعة كثيرة، تملأ مجلدًا كبيرًا من مثلي، فكيف من غيري، ومن الجهود الدعوية الطيبة النافعة أن تتضافر جهود بعض العاملين على كتابة أخبارٍ - كهذه - لتكون باعثًا ومنشِّطاً لأبناءِ المسلمين الأحداث السنّ، في هذا الميدان: ميدان استثمار قُدُراتهم في الخير والعلم النافع. (١) خبر موسى الحمال في ((الكفاية)) ص ٦٥، وخبر أحمد بن حنبل فيها ص٦١. وردُّ البراء وابن عمر في ((صحيح البخاري)) (٣٩٥٥). والمراد بـ ((سفيان)) في كلام أحمد: هو ابن عيينة، صُرِّح به في رواية الخطيب. واستدلال من استدل بردّ البراء وابن عمر: غريب جدًا، إذ لا علاقة بين القوى الجسمية التي يحتاج إليها في القتال، وبين القوى والمدارك العقلية، التي يحتاج إليها في سماع العلم وتحمّله. ٢٠٩ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه [ش] أما موسى: فإنه سئل متى يسمع الصبيُّ الحديثَ؟ فقال: إذا فرق بين البقرة والحمار. وأما أحمد فإنه سئل عن ذلك فقال: إذا عَقَل وضبط، فذكر له عن رجل أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون له خمسَ عشرة سنةً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّ البراء وابن عمر، استَصْغَرهما يوم بدر، فأَنكَر قوله هذا وقال: بئس القول، فكيف يصنع بسفيانَ ووكيع ونحوهما؟! أسندهما الخطيب في ((الكفاية)). فالقولان راجعان إلى اعتبار التمييز، وليسا بقولين في أصل المسألة، خلافاً للعراقي حيث فهم ذلك(١)، فحكى فيها أربعة أقوال، وكأنه أراد حكاية القول المذكور لأحمد، وهو خمس عشرة، وقد حكاه الخطيب في ((الكفاية))(٢) عن قوم، منهم: يحيى بن معين، وحكى عن آخرين، منهم يزيد بن هارون: ثلاثَ عشْرة. ومما قيل في ضابط التمييز: أن يُحسِن العددَ من واحد إلى عشرين، حكاه ابن الملقن(٣)، - (١) في ((شرح الألفية)) ص ١٧٩. (٢) في ((الكفاية)) ص٦٢. (٣) ليس في كتابه ((المقنع)) شيء، لكن قال السخاوي في ((فتح المغيث)) ٣١٩:٢: ((مما يستدل به لتمييز الصغير أن يعدّ من واحد إلى عشرين، ذكره شارحٌ لـ ((التنبيه)) في الصلاة، وهو من منقول القاضي أبي الطيب الطبري))، فأفادنا الشارحُ أن المراد بشارح ((التنبيه)) هو ابن الملقن، وأفادنا السخاوي أن حكاية ابن الملقن هي في = ٢١٠ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه [ش] وفرق السِّلّفي(١) بين العربي والعجمي فقال: أكثرهم على أن العربي يصح سماعه إذا بلغ أربع سنين لحديث محمود، والعجمي إذا بلغ ست سنين !. ومما يدل على أن المرجع إلى التمييز: ما ذكره الخطيب(٢) قال: سمعت القاضي أبا محمد الأصبهاني يقول: حفظت القرآن ولي خمسُ سنين (٣)، - شرحه على ((التنبيه)) لا في ((المقنع)). وذكر صاحب ((كشف الظنون)) أن لابن الملقن ستة أعمال علمية على ((التنبيه)) منها شرحه الكبير الذي سماه ((الكفاية)). وتبقى الغرابة في إبهام السخاوي لاسم شيخ شيوخه: ابن الملقن، بقوله: ذكره شارحٌ للتنبيه !!. (١) في ((الوجيز في ذكر المُجاز والمُجيز)) ص ٦٥ - ٦٦، وجاء في نقل السخاوي عنه في ((فتح المغيث)) ٣١٤:٢: سبع سنين للعجمي !. (٢) في ((الكفاية))، ص ٦٤ - ٦٥. وابن المقرئ: هو الإمام الحافظ الرحالة العُجَاب محمد بن إبراهيم الأصبهاني (٢٨٥ - ٣٨١) رحمه الله، قال: طُفْت الشرق والغرب أربع مرات !!. (٣) [قال السخاوي ــ ((فتح المغيث)) ٢: ٣٢٣ -: نعم صح [عندي] أن المحبَّ ابن الهائم حفظ القرآن، و((العمدة))، وجملةً من ((الكافية الشافية)) وقد استكمل خمساً، وكان يُسأل عما قبل الآية فيجيب بدون توقف. انتهى.]. فيضاف هذا إلى ترجمة ابن الهائم عند ابن حجر في ((إنباء الغُمْر)) ٣٠٨:٣، وقد قال فيه الحافظ: هو أذكى من رأيت من البشر، وتوفي سنة ٧٩٨ عن سبع عشرة سنة، أو ثماني عشرة، رحمه الله تعالی. و((الكافية الشافية)) هو لابن مالك، ومنه اختصر ((الألفية)). ٢١١ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه [ش] وأُحضِرت عند أبي بكر المقرئ ولي أربعُ سنين، فأرادوا أن يُسمِّعوا لي فيما حضرتُ قراءته، فقال بعضهم: إنه يصغرُ عن السماع، فقال لي ابن المقرئ: اقرأ سورة الكافرين، فقرأتها، فقال: اقرأ سورة التكوير، فقرأتها، فقال لي غيره: اقرأ سورة والمرسَلات، فقرأتها ولم أغلط فيها، فقال ابن المقرئ: سَمِّعوا له والعهدة عليَّ. ٢١٢ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه بيان أقسام طرق تحمُّل الحديث ومجامعها ثمانية أقسام : الأول: سماعُ لفظِ الشيخ، وهو إملاءً، وغيرُه، من حفظٍ، ومن كتاب، وهو أرفعُ الأقسام عند الجماهير. قال القاضي عياض : لا خلاف أنه يجوز. [ش] (بيان أقسام طرق تحمُّل الحديث) هذه ترجمة (ومجامعها ثمانية أقسام) : (الأول: سماعُ لفظِ الشيخ، وهو إملاءً، وغيره) أي: تحديثٌ من غير إملاء(١)، وكلٌّ منهما يكون (من حفظٍ) للشيخ (ومن كتاب) له، (وهو أرفعُ الأقسام) أي: أعلى طرق التحمل (عند الجماهير)، وسيأتي مقابله في القسم الآتي، والإملاءُ أعلى من غيره، وإن استويا في أصل الرتبة. (قال القاضي عياض :)(٢) أسنده إليه ليبرأ من عهدته(٣) (لا خلاف أنه يجوز [ب] (١) والكلام هنا - وفي المصادر الأخرى - متوجِّه نحو التسوية بين هذين الوجهين: التحمّل من لفظ الشيخ إملاءً، أو تحديثًا ورواية، لكن قال الحافظ في ((الفتح)) ١: ١٥٠ في شرح الباب السادس من كتاب العلم: ((السماع من لفظ الشيخ في الإملاء أرفع الدرجات، لما يلزم منه من تحرز الشيخ والطالب. والله أعلم)). (٢) في ((الإلماع)) ص٦٩. (٣) نعم، وذلك لما سيأتي من تعقّب ابن الصلاح، وإن كان الأصلُ في عزو = ٢١٣ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه في هذا للسامع أن يقول في روايته: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت فلاناً، وقال لنا، وذَكَر لنا. [ش] في هذا للسامع) من الشيخ (أن يقول في روايته) عنه: (حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت فلاناً) يقول، (وقال لنا) فلان، (وذَكَر لنا) فلان. قال ابن الصلاح(١): وفي هذا نظر، وينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ مخصوصاً بما سُمع من غيرِ لفظِ الشيخ، أن لا يُطلقَ فيما سُمع من لفظه، لما فيه من الإيهام والإلباس. وقال العراقي(٢): ما ذكره عياض وحكى عليه الإجماع متجه، ولا شك أنه لا يجب على السامع أن يبين هل كان السماع إملاءً أو عرضاً. قال: نعم، إطلاق ((أنبأنا)) بعد أن اشتهر استعمالها في الإجازة يؤدي إلى أن يظن بما أداه بها أنه إجازة، فيُسقِطه مَن لا يحتج بها، فينبغي أن لا يُستعمل في [ب] - الأقوال توثيقَها، لا البراءةَ من عهدتها ومسئوليتها العلمية. (١) صفحة ١١٨. وواضح من هذا النظر من الإمام ابن الصلاح: أنه ملحظ زمني أو بلديّ، فالقاضي عياض يحكي مذاهب من تقدم، أما ابن الصلاح فيستدرك بما شاع، في زمنه وفي ناحيته المشرقية، وعياض في المغرب، ويؤكد هذا الملحظَ آخرُ كلام العراقي الآتي: (لِمَا حَدَث من الاصطلاح)). ولا خلاف في أن استعمال اللفظة المعبِّرة بدقّة عن الحال الواقعة: أولى، فقول الراوي السامع للحديث وحده من الشيخ: حدثني، المعبِّر عن انفراده حال تحمله للحديث، أولى من قوله: حدثنا، وليس معه أحد، وكذلك العكس. (٢) في ((شرح الألفية)) ص ١٨٢، وكذا ما بعده. ٢١٤ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه قال الخطيب : أرفعها : سمعت، ثم حدثنا، وحدثني، . [ش] السماع، لِمَا حَدَث من الاصطلاح. (قال الخطيب(١): أرفعها) أي: العبارات في ذلك: (سمعت، ثم حدثنا، وحدثني) فإنه لا يكاد أحد يقول ((سمعت)) في الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليسٍ ما لم يسمعه، بخلاف ((حدثنا)) فإن بعض أهل العلم كان يستعملها في الإجازة، ورُوي عن الحسن أنه قال: حدثنا أبو هريرة، وتأول: حدّث أهلَ المدينة، والحسنُ بها، إلا أنه لم يسمع منه شيئاً. قال ابن الصلاح(٢): ومنهم من أثبت له سماعاً منه. قال ابن دقيق العيد(٣): وهذا إذا لم يقم دليل قاطع على أن الحسن لم يسمع [ب] - (١) في ((الكفاية)) ص ٢٨٤، والشارح ينقل عن الخطيب بواسطة العراقي، وحصل له خلل في نقل كلام الخطيب عن الحسن البصري، فتبعه الشارح، وصوابه وتمامه - كما في (الكفاية)) -: ((وروي عن الحسن أن كان يقول: حدثنا أبو هريرة، ويتأوّل أنه حدث أهلَ البصرة، والحسنُ منهم، وكان الحسن إذ ذاك بالمدينة، فلم يسمع منه شيئًا، ولم يَستعمل قولَ ((سمعت)) في شيء من ذلك)). وهذا التأويل قديم، ينظر ((مراسيل)) ابن أبي حاتم ص ٣٣ (٩٧)، وكلام البزار عند الزيلعي في ((نصب الراية)) ١ : ٩٠. (٢) صفحة ١١٩. وهذا قول قد قيل، لكنه غير معتمد، والله أعلم، وانظر ما علقته على الحديث (٩٣٧) من ((مصنف)) ابن أبي شيبة، وعلى ترجمة الحسن من (الكاشف)) (١٠٢٢). (٣) ((الاقتراح)) ص ٢١٩ نوع الحديث المدلّس، والنقل مستمر بواسطة العراقي. وقوله ((هذا إذا ... )): اسم الإشارة يعود على تأويل قول الحسن المذكور. ٢١٥ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه [ش] منه، لم يجز أن يصار إليه. قال العراقي(١): قال أبو زرعة وأبو حاتم: من قال ((عن الحسن البصري، حدثنا أبو هريرة)): فقد أخطأ. قال: والذي عليه العمل أنه لم يسمع منه، قاله غيرهما: أيوب، وبهز بن أسد، ويونس بن عبيد، والترمذي، والنسائي، والخطيب، وغيرهم(٢). وقال ابن القطان(٣): ليست ((حدثنا)) بنصّ في أن قائلها سمع، ففي (١) أيضًا في ((شرح الألفية)) ص١٨٣. وقول أبي زرعة الآتي صريح في ((مراسيل) ابن أبي حاتم (١١٠)، وهو مفاد كلام أبي حاتم (١١١)، ونقل عنه ابنه في ((الجرح)) ٣ (١٧٧) مجرد النفي، دون تخطئة من صرح بالسماع بينهما. (٢) حكى قولَ أيوب، ويونس بن عبيد، وعلي بن زيد: الترمذيُّ في ((السنن)) عقب الحديث (٢٣٠٥، ٢٧٠٣)، وكذلك هي في ((مراسيل)) ابن أبي حاتم (١٠٢، ١٠٦، ١٠٧)، وعنده قول بهز بن أسد (١٠٨). وأما قول النسائي: ففي ((سننه)) الصغرى (٣٤٦١)، وتنظر ((تحفة الأشراف)) (١٢٢٥٦)، وتقدم قبل أسطر نقل كلام الخطيب، وأما قوله ((وغيرهم)): فينظر له ((مراسيل)) ابن أبي حاتم، و((النكت)) للزركشي ١٠٦١:٣ (٢٩١). (٣) ((بيان الوهم والإبهام)) ٣٧٩:٢، والحديث في ((صحیح)) مسلم ٢٢٥٦:٤ (١١٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفي آخره: ((قال أبو إسحاق: يقال: إن هذا الرجل هو الخضر عليه السلام)). وأبو إسحاق هذا هو راوية ((صحيح)) مسلم عن مؤلفه، واسمه: إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري، نقل ابن الصلاح في مقدمة شرحه على ((صحيح)) مسلم = ٢١٦ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه ثم أخبرنا، وهو كثير في الاستعمال، [ش] ((صحيح)) مسلم في حديث الذي يقتله الدجال فيقول: أنت الدجال الذي حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ومعلوم أن ذلك الرجل متأخر الميقات. أي: فيكون المراد: حدث أمته، وهو منهم، لكن قال معمر(١): إنه الخَضِرِ، فحينئذ لا مانع من سماعه. قال الخطيب(٢): (ثم) يتلو ((حدثنا)): ((أخبرنا)) وهو كثير في الاستعمال) [س] ص ١٠٤ نتفًا من ترجمة إبراهيم من (تاريخ نيسابور)) للحاكم، وعنه النووي كذلك ١: ١٠، وأطال الذهبي فيها في ((السير)) ٣١١:١٤، وحلاّه بـ: ((الإمام القدوة الفقيه العلامة المحدث الثقة، وكان من أئمة الحديث))، وأرخوا وفاته سنة ٣٠٨. (١) هذا الاستدراك من كلام العراقي، وكأنه أخذه من ابن المَوّاق في ((بغية النُّقاد)) الذي نقله الزركشي في ((النكت)) ١٠٥٧:٣ (٢٨٨)، والله أعلم. وكلمة معمر بن راشد هي في آخر الحديث (٢٠٨٢٤) من ((مصنف)) عبد الرزاق، ولفظه: ((بلغني أنه الخضر الذي يقتله الدجال ثم يُحييه))، ومعمر: ولد سنة ٩٦، وتوفي سنة ١٥٤، رحمه الله، ويقول: بلغني، فهو ناقل عن طبقة شيوخه من كبار التابعين. وقال النووي في ((شرح مسلم)) ٧٢:١٨: ((هذا تصريح منه بحياة الخضر، وهو الصحيح))، وكلام العراقي وابن المواق والزركشي والسيوطي كالصريح في الميل إليه، والله أعلم. (٢) ((الكفاية)) ص ٢٨٤ - ٢٨٥، وسمى هؤلاء الأحد عشر إمامًا، ولم يقل: ((وغيرهم))، ثم أسند أقوال ستة منهم: ابن المبارك، وعبيد الله بن موسى، وعبد الرزاق، ویزید بن هارون، وهشيم، وعمرو بن عون. = ٢١٧ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه [ب] ثم، كأن هذا القول من الخطيب هو عمدة الحافظ ابن حجر في قوله في ((الفتح)) ٦ (٣٤٤٨)، ١٣ (٧٢٩٠، ٧٤٠٩، ٧٤٨٥) عن إسحاق بن راهويه: إنه يقول في الرواية عن شيوخه: أخبرنا، دون: حدثنا، والذي ينبغي في هذا: أن يقال: إنه أغلبي لا كليّ. ففي ((صحيح)) البخاري (١٧١٠) قال رحمه الله: ((حدثنا إسحاق بن إبراهيم، سمع خالد بن الحارث))، فعلّق عليه الحافظ بقوله: ((هو المعروف بابن راهويه، كذلك أخرجه في مسنده)). ولما قال البخاري (١٧٩١): ((حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن جرير)) قال الحافظ: ((أورده في ((مسنده)) بلفظ: أخبرنا جرير))، يعني: كالحال الغالبة. وذكر الحافظ في ((الفتح)) ٣٥٨:٣ في شرح حديث البخاري (١٤٩٦) في بَعث معاذ إلى اليمن: ((أخرجه الترمذي عن أبي كريب، عن وكيع، ... ، وكذا هو في (مسند)) إسحاق بن راهویہ قال: حدثنا و کیع)). وجاء في ((صحيح)) مسلم ٨٦٣:٢ (٩٠): ((حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا عبد الصمد)). وجاء فيه أيضًا ١١٩٥:٣ (٣٠): ((حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وإسحاق بن إبراهيم، - واللفظ ليحيى -: قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا أبو معاوية)). و((الآخرون)): منهم إسحاق بن إبراهيم، وصرّح مسلم بأنه یقول: حدثنا. ثم جاء فيه ١٢٠٧:٣ (٧٢): ((حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم - واللفظ لأبي بكر - قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة)) فقد حكى صيغة الأداء (حدثنا) عن الجميع: ((قالوا)). وجاء في أول كتاب الفرائض منه ١٢٣٣:٣ (١): ((حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم - واللفظ ليحيى -، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن عيينة))، والآخران هما: ابن أبي شيبة، وإسحاق. = ٢١٨ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه وكان هذا قبل أن يَشيع تخصيص ((أخبرنا)) بالقراءة على الشيخ، قال: ثم أنبأنا، ونبّأنا، وهو قليل في الاستعمال. [ش] حتى إن جماعة لا يكادون يستعملون فيما سمعوه من لفظ الشيخ غيرها، منهم: حماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير، وعبيدالله بن موسى، وعبد الرزاق، ويزيد بن هارون، وعمرو بن عون، ويحيى بن يحيى التميمي، وإسحاق بن راهويه، وأبو مسعود أحمد بن الفرات، ومحمد بن أيوب الرازيان، وغيرهم. وقال أحمد: ((أخبرنا)) أسهل من ((حدثنا))، ((حدثنا)) شديد، قال ابن الصلاح(١): (وكان هذا قبل أن يَشيع تخصيص ((أخبرنا)) بالقراءة على الشيخ)(٢). (قال) الخطيب(٣): (ثم) بعد ((أخبرنا)): ((أنبأنا))، و(«نبّأنا))، وهو قليل في الاستعمال). - وقال في الصفحة التالية (٤): ((حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن رافع، وعبد بن حميد - واللفظ لابن رافع -، قال إسحاق: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق)). والشواهد في ((صحيح)) مسلم كثيرة جمعتُها، تعدُّ بالعشرات، فكأن الأولى أن يقال: استعمال الإمام ابن راهويه لصيغة ((أخبرنا)): كثير، لا كليّ، ولا أغلبي. (١) صفحة ١٢٠. (٢) على حاشية ز: ((أي: القراءة من الطالب والسماع من الشيخ، ويقال له: العرض، والمقابلة)). (٣) ((الكفاية)) ص٢٨٦. وقلّته في الاستعمال نسبية بالنسبة إلى: حدثنا وأخبرنا، وإلا فهو كثير. ٢١٩ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه قال الشيخ: ((حدثنا)) و((أخبرنا)) أرفعُ من ((سمعت)) من جهة أخرى، إذْ ليس في ((سمعت)) دلالةٌ على أن الشيخ روّاه إياه، بخلافهما. [ش] (قال الشيخ) ابن الصلاح(١): ((حدثنا)) و((أخبرنا)) أرفعُ من ((سمعت)) من جهة أخرى، إذْ ليس في ((سمعت)) دلالةٌ على أن الشيخ روّاه) بالتشديد (إياه) وخاطبه به (بخلافهما)، فإن فيهما دلالةً على ذلك، وقد سأل الخطيبُ شيخَه الحافظ أبا بكر البَرْقاني عن السرِّ في كونه يقول لهم، فيما رواه عن أبي القاسم الآبَنْدوني(٢) ((سمعت))، ولا يقول: ((حدثنا)) ولا ((أخبرنا))، فذكر له أن أبا [ب] (١) صفحة ١٢٠ أيضاً. (٢) أما اسمه فهو: الإمام الرحال الزاهد [عبد الله بن إبراهيم الجرجاني الحافظ، روى عنه البَرْقاني، وأبو نعيم، والإسماعيلي رفيقُه، توفي سنة ثمان وستين وثلاث مئة، كذا. ((مختصر تاريخ ابن عساكر)) للذهبي، ومن خطه نقلته.]. ((تاريخ)) ابن عساكر ٦٨:٢٧، وزاد في نسبته هو وحمزة السهمي في ((تاريخ جرجان)) (٤٤٤): الآبَنْدُوني. وهذا الرسم لهذه النسبة وبهذا الضبط: جاء في ((أنساب)) السمعاني، ومختصره (اللباب))، ومختصره ((اللبّ))، وفي ((معجم)) ياقوت)) ومختصره ((مراصد الاطلاع)). وانظر ما يلي، فإنه رسم تحرَّف - والله أعلم - على العلامة المتبولي. وأما نسبته: فجاءت [بخط المتبولي: الأتبدوني، وكتب بهامشه: نسبة إلى أتبدون، قريةٍ من قرى جرجان. انتهى، ولم أَرَ ذلك لا في ((اللبّ))، ولا في أصله، ولا في ((المراصد»، فليحرَّر. [ثم رأيت بخط الذهبي في ((مختصر تاريخ ابن عساكر)) ما صورته: الآندوني، ثم قال: والآنندوني، نسبة إلى قرية من جرجان. انتهى. ولم ينقط ما قبل النون.]. = ٢٢٠ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه [ش] القاسم كان - مع ثقته وصلاحه - عَسِراً في الرواية، فكان البرقاني يجلس بحيثُ لا يراه أبو القاسم، ولا يعلم بحضوره، فيسمع منه ما يحدِّث به الشخصَ الداخلَ إليه، فلذلك يقول: سمعت، ولا يقول: حدثنا، ولا أخبرنا، لأن قصده كان الرواية للداخل إليه وحده. [ب] - قلت: والمتبولي: هو العلامة أحمد بن محمد بن أحمد المتبولي، المتوفى سنة ١٠٠٣، ترجمه المحبي في ((خلاصة الأثر)) ٢٧٤:١، وكان العلقمي أولَ شارح لـ ((الجامع الصغير)) للإمام السيوطي، وجاء المتبولي بعده فشرحه شرحًا موسعًا، كان عمدة المناوي في شرحَيْه، وكان فضيلة الشيخ أبي الوفا المراغي رحمه الله كتب مقالاً في مجلة الأزهر: المجلد ٢٦، الجزء ٧ لعام ١٣٧٤، عن هذا الشرح الموسوعي، مما يتعين البحث عن نسخة كاملة منه ليطبع، واسمه: ((الاستدراك النضير على الجامع الصغير)). وأما سبب عسر الآبَنْدوني في الرواية، ففي ((تاريخ بغداد)) نقلاً عن البَرْقاني: (لم يكن يحدث غيرَ واحد منفرد)»، فقيل له في ذلك؟ فقال: ((أصحاب الحديث فيهم سوء أدب، وإذا اجتمعوا للسماع تحدثوا، وأنا لا أصبر على ذلك))، فعُسْره في الرواية من شدة أدبه رحمه الله مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم. ويرى القارئ في ((سنن النسائي)) مواضع كثيرة، أولها (١٠) قوله رحمه الله أول الحديث: ((قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع))، قال الزركشي في ((النكت)) ١٠٦٣:٣ (٢٩٢): ((إن الحارث تولى قضاء مصر، وكان بينه وبين النسائي خشونة، لم يمكِّنْه حضور مجلسه، فكان النسائي يتستَّر في موضع ويسمع حيث لا يراه أحد، فلذلك تورّع وتحرّی)».