النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به فأحسن. فألفاظ التعديل مراتب : [ش] مقدمة كتابه ((الجرح والتعديل))(١)، وفصّل طبقاتِ ألفاظهم فيها (فأحسن) وأجاد. (فألفاظ التعديل مراتب)(٢) ذكرها المصنف، (ت) ونحو ذلك مما يستدعي مراجعاتٍ طويلة، ودراسة متأنية، والله المستعان، فليكن القارئ الكريم على ذُكْر من هذا دائمًا. (١) ((الجرح والتعديل)) ٣٧:٢. (٢) كتب العلامة ابن العجمي رحمه الله هنا فائدة عامة لا تتصل بجملة معينة هنا ما لفظه : [فائدة: ذكر الشارح في ترجمة المفيد العالم المشهور، في الطبقة الثانية عشرة من ((طبقات الحفاظ)) - ص٣٨٩ - ما نصه: قال الذهبي - ((تذكرة الحفاظ)) ١٢٥:٣ -: فهذه العبارة أول ما استُعملت لقباً في هذا الوقت قبل الثلاث مئة، والحافظ أعلى من المفيد في العرف، كما أن الحجة فوق الثقة. انتهى. [ثم رأيت في بعض شروح ((الشمائل))، وهو مِيْرَك، وحواشي ((شرح النخبة)) ما نصه: الحاكم من أحاط بجميع الأحاديث متناً وإسناداً، وجرحاً وتعديلاً وتاريخاً، ويليه الحجة، وهو من أحاط بثلاث مئة ألف حديث، ويليه الحافظ، وهو من أحاط بمئة ألف حدیث .]. ولا صحة لهذا الكلام، وينظر كلام شيخنا في إبطاله، في ص ١٢٦ من رسالته ((أمراء المؤمنين في الحديث)). أما مِيْرَك: فكلمة فارسية معناها: الأمير الصغير، لأن الكاف في آخر الكلمة، في = ١٨٢ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به كابن الصلاح(١)، تبعًا لابن أبي حاتم أربعة، وجعلها الذهبي(٢) [ش] اللغة الفارسية تستعمل للتصغير، وهو الأمير نسيم الدين محمد بن الأمير جمال الدين عطاء الله الشيرازي، من علماء القرن العاشر، وكانت وفاة والده جمال الدين سنة ٩٢٦. تنظر المقدمة التي كتبها شيخنا محمد عبد الحليم النعماني حفظه الله لـ ((مرقاة المفاتيح)) وسماها ((البضاعة المزجاة لمن يطالع المرقاة شرح المشكاة)) ص ١٧ - ١٩. (١) ((المقدمة)) ص ١١٠. (٢) ((الميزان)) ٤٧:١ - ٤٨، لكنها في هذه الطبعة أربعة، وفي الطبعات التي قبلها ثلاثة، وبعد التصحيح أربعة، كما نَّه إليه شيخنا رحمه الله تعالى فيما علّقه على ((الرفع والتكميل)) ص ١٣٥، ١٣٩. ورأيت الآن ما يؤيد أنها خمسة، وذلك أنه جعل المرتبة الرابعة في مقدمة ((الميزان)): ((محله الصدق، وجيد الحديث، وصالح الحديث، وشيخ وسط، وشيخ، وحسن الحديث، وصدوق إن شاء الله، وصويلح، ونحو ذلك))، ولم يزد على هذا في المطبوع منه شيئًا، ولا في المطبوع من ((لسان الميزان)) ١٩٩:١. إلا أن السخاوي قال في ((فتح المغيث)) ٢٨٥:٢ ما لفظه: ((جعل - الذهبي -: محلَّه الصدق، وحسنَ الحديث، وصالحَه، وصدوقًا إن شاء الله: مرتبةً، و: روى الناس عنه، وشيخًا، وصويلحًا، ومقاربًا، مع: ما به المسكينُ بأس، ويُكتب حديثه، وما علمتُ فيه جرحًا : - مرتبة - أخرى))، فهذه خمسة، لكن ((شيخ، وصويلح)) ذكرهما الذهبي مع المرتبة الرابعة، كما ترى. ويؤيد زيادةَ السخاوي: قولُ العراقي في ((التقييد)) ٦١٢:١: ((وممن ذكره - أي: لفظ: مقارب الحديث - من ألفاظ التوثيق: الحافظ أبو عبد الله الذهبي في مقدمة ((الميزان))، وتقدمت هذه اللفظة في نقل السخاوي، وليست في المطبوع من = ١٨٣ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به أعلاها : ثقة، أو متقن، أو ثَبْت، [ش] والعراقي(١): خمسةً، وشيخ الإسلام(٢): ستة: (أعلاها) بحسب ما ذكره المصنف: (ثقة، أو متقن(٣)، أو ثَبْت (٤)، [ب] - ((الميزان))، ولا ((اللسان))، فالله أعلم. (١) في ((التقييد)) ٦٠٢:١ - ٦٠٣، و((شرح الألفية)) ص ١٧١ - ١٧٣. (٢) تصريح شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر رحمه الله بأنها ستة جاء في مقدمة كتابه ((تقريب التهذيب))، أما في ((شرح النخبة)) ص ١٣٣ - ١٣٤ فلم يصرِّح، لكنه يستفاد منه استفادة، حيث زاد على الخمسة التي ذكرها العراقي مرتبة أولى، هي: الوصف بـ: أفعل، كما سيأتي قريبًا. وقد بيَّنتُ في الدراسة المطوَّلة التي كتبتها للجانب الثالث: لـ((التقريب)) أن تلك المراتب هي مراتب خاصة بكتابه المذكور، لا مراتب عامة لهذا العلم، بحيث يصح الاستدلال بها في هذا المقام، فتنظر. (٣) قال شيخنا رحمه الله في التعليق على ((لسان الميزان)) ١: ١٩٩: ((لم أقف على أوصاف (المتقن) تعيينًا وتحديداً في كلام المحدثين، ويمكن أن أقول: هو القويّ الحفظ والمعرفة، الدقيق الضبط والتوثق، النادر الوَهَم والتصحيف)). (٤) [قوله ثَبْت: قال في ((المصباح)) - ث ب ت -: رجل ثبْت: ساكن الباء، متثبت في أموره، وثبْت الجَنان، أي : ثابت القلب، وثَبُت في الحرب، فهو ثَبيت، مثل قَرُب فهو قريب، والاسم: الثَّبَت بفتحتين، ومنه قيل للحُجّة: ثَبْتُ، ورجل ثَبَت - بفتحتين أيضاً - إذا كان عدلاً ضابطاً، والجمع أثبات، مثل: سبب وأسباب. انتھی .] . ومعنى قوله في ((المصباح)) المتثِّت في أموره، هنا: أنه إذا شك في كلمة، راجعها في أصوله، وأتقن حفظه، ليزيل الشك باليقين. ١٨٤ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به أو حجة، أو عدل حافظ، أو ضابط. الثانية : صدوق، أو محلُّه الصدق، أو لا بأس به، قال ابن أبي حاتم : هو ممن يُکتب حديثه ويُنظر فيه، [ش] أو حجة، أو عدل حافظ، أو) عدل (ضابط). وأما المرتبة التي زادها الذهبي والعراقي فإنها أعلى من هذه، وهو: ما كُرِّر فيه أحدُ هذه الألفاظ المذكورة، إما بعينه: كثقة ثقة، أوْ لا، كثقة ثبت، أو ثقة حجة، أو ثقة حافظ. والمرتبة التي زادها شيخ الإسلام(١) أعلى من مرتبة التكرير، وهي: الوصفُ بـ: أفعل، کـ: أوثق الناس، وأثبت الناس، أو نحوه، کـ: إلیه المنتهى في التثُّت. قلت: ومنه: لا أحدَ أثبتُ منه، ومَن مِثلُ فلان! وفلان لا يُسأل عنه(٢)، ولم أرَ من ذكر هذه الثلاثة، وهي في ألفاظهم، فالمرتبةُ التي ذكرها المصنف أعلى: هي ثالثةٌ في الحقيقة. (الثانية) من المراتب، وهي رابعة بحسب ما ذكرناه: (صدوق، أو محلُّه الصدق، أو لا بأس به)، زاد العراقي: أو مأمون، أو خيارٌ، أو ليس به بأس. (قال ابن أبي حاتم): مَن قيل فيه ذلك (هو ممن يُكتب حديثه ويُنظر فيه (٣)، (١) في ((شرح النخبة)) ص ١٣٤. (٢) [أو : لا يسأل عن مثله.]. (٣) أي: ينظر في حديث الرجل، لا في الرجل نفسه، والنظر في حديثه: يكون نظرَ اعتبار ومقارنة بين حديثه هنا ورواية الآخرین له. = ١٨٥ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به وهي المنزلة الثانية، وهو كما قال، لأن هذه العبارات لا تُشعر بالضبط، فيعتبر حديثه على ما تقدم، وعن يحيى بن معين : [ش] وهي المنزلة الثانية). قال ابن الصلاح(١): (وهو كما قال، لأن هذه العبارات(٢) لا تُشعر بالضبط، فيعتبر حديثه) بموافقة الضابطينَ (على ما تقدم) في أوائل هذا النوع. (وعن يحيى بن معين) أنه قال لابن أبي خيثمة(٣) - وقد قال له: إنك [ب] - وهذا النظر لابدّ منه حتى مع الثقات، ولكنه نظر دون نظر، وأدلّ دليل على أنهم لا يُغمضون عينهم، ولا يكفّون لسانهم عن أحد، ما تقدم ٣: ٢٩٥، وسيأتي صفحة ٤٤٨: من موقفهم مع الإمام مالك (النجم) رضي الله عنه وعنهم، في روايته عن عُمر بن عثمان، وترجيحهم أنه: عَمْرو، مع قوله وتأكيده: هذه دار عمر، وهذه دار عَمْرو. وقد قال ابن أبي حاتم نفسه رحمه الله في المرتبة الثالثة عنده، وهي خامسة هنا: ((وإذا قيل: شيخ، فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديث وينظر فيه، إلا أنه دون الثانية)). وهذا (النظر) هو الذي جعل هذا العلم وأهله بهذه المكانة الرفيعة السامية بين علوم الإسلام وأهله، فلا تُغمض عين عن حرف، ولا عن رجل !! بل لابدّ من المرور على میزانٍ عدلٍ دقيق، و(جهاز) فاحص شفّاف، يُغربَل فيه كل ما ينسب إلى الله عز وجل، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا كان حَق الحانقين على الإسلام عامة، وعلى السنة وعلمائها خاصة، لأنهم يُغربلونهم، ويُغَربلون زيفهم، وزيغهم، وباطلهم. (١) صفحة ١١٠ من ((مقدمة)) ابن الصلاح، وتقدم هنا: المسألة الثالثة، ص ٣٠. (٢) هذا لفظ ابن الصلاح، وفي النسخ: العبارة، إلا ك فعدِّلت إلى ما أثبتُّه. (٣) في النسخ: لأبي خيثمة، وصوابه ما أثبتُّه، وكذلك جاء على الصواب عند ابن الصلاح ومتابعيه، وعجيب توارد النسخ الخطية وطبعات الكتاب كلها على هذا = ١٨٦ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به إذا قلتُ: لا بأس به، فهو ثقة، ولا يُقاوِم قولَه عن نفسه نقلُ ابن أبي حاتم عن أهل الفن. [ش] تقول: فلان ليس به بأس، فلان ضعيف -: (إذا قلتُ) لك: (لا بأس به فهو ثقة) وإذا قلتُ لك: هو ضعيف فليس هو بثقة، لا يُكتب حديثه، فأشعرَ باستواء اللفظين. قال ابن الصلاح(١): وهذا ليس فيه حكاية عن غيره من أهل الحديث، بل نَسَبَه إلى نفسه خاصة، (ولا يُقاوِمِ (٢) قولَه عن نفسه نقلُ ابن أبي حاتم عن أهل الفن). قال العراقي(٣): ولم يقل ابن معين: إن قولي ليس به بأس، كقولي: ثقة، [ب] الخطأ!، والنص في ((تاريخه الكبير)) (٦٩٠، ٤٤٤٥) من المجلد الثالث عقب ترجمة: أبي يحيىُ مِصْدَع الأعرج، ثم عقب ترجمة أبي اليقظان عثمان بن عمير. (١) ((المقدمة)) ص ١١٠. (٢) أي: لا يعارض. (٣) في ((شرح الألفية)) ص١٧٤، وينتهي النقل عنه عند (التنبيه)، وفيه اختصار لفوائد كثيرة، وقد تابع العراقيَّ على هذا الاستدراك ابنُ الهمام في ((التحرير)) ٢٤٨:٢ بشرح ابن أمیرٍ حاجٌ. ويؤيد أن ابن معين يريد القبول العام بقوله ((ثقة)) لابن أبي خيثمة: ما جاء في ((تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي)) برقم (٢٤٤ - ٢٤٦): ((وسألته عن مِنْدل بن علي؟ فقال: ليس به بأس. قلت: وأخوه حبان بن علي؟ فقال: صدوق. قلت: أيُّهما أحبّ إليك؟ فقال: كلاهما وتمرًا، كأنه يضعِّفهما)). وقوله: ((كلاهما وتمرًا)): مَثَل عربي قديم، ينظر معناه في ((مجمع الأمثال)) للميداني ١٥١:٢. ثم قال عثمان الدارمي (٣٣٤): ((وسألته عن الربيع بن صَبيح؟ فقال: ليس به بأس، وكأنه لم يُطْرِهِ، قلت: هو أحبّ إليك أو المبارك - بن فضالة -؟ فقال: ما = ١٨٧ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] حتى يلزم منه التسوية، إنما قال: إن مَن قال فيه هذا فهو ثقة، وللثقة مراتبُ، فالتعبير بـ: ثقة، أرفع من التعبير بـ: لا بأس به، وإن اشتركا في مطلق الثقة. ويدل على ذلك: أن ابن مهدي(١) قال: حدثنا أبو خَلْدة، فقيل له: أكان ثقة؟ فقال: كان صدوقًا، وكان مأمونًا، وكان خياراً، الثقةُ: شعبةُ وسفيان. وحكى المَرُّوذي(٢) قال: سألت أحمد بن حنبل: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟ قال: تدري من الثقة؟ إنما الثقة يحيى بن سعيد القطان(٣). (س) أقربَهما)) ولا ريب في وجود أمثلة أخرى من كلام ابن معين. وينظر لزامًا ((دراسات الكاشف» ص ٧١ لاستيفاء التنبيه. (١) الخبر في ((الجرح)) ٣ (١٤٧١)، و((تاريخ)) البخاري ٣ (٥٠٠). (٢) ((العلل)) للإمام أحمد رواية أبي بكر المرُّوذي (٤٨). وتحرف المَرُّوذي في ك إلى: المروزي. (٣) ومما يناسب إلحاقه بألفاظ التوثيق: قولهم: فلان لا يكذب، أو ليس بكذاب، ونحوه، فقد يُتوهم من نفي الكذب: أن فيه نفياً للكذب فقط، دون إثبات أيّ معنى من معاني التوثيق، والدليل على ذلك من كلام العرب، وواقع الأئمة، ما يلي: ١ - حديث إسلام عبد الله بن سَلام رضي الله عنه الذي صححه الترمذي (٢٤٨٥) وغيره، وهو مخرَّج في ((مصنف)) ابن أبي شيبة (٢٥٨٩٨)، والشاهد فيه قوله: فلما اسْتَثْبَتُ وجهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، أي: بل هو أصدق الصادقين، وصاحب أكمل المحامد. ٢ - وروى البخاري (٦٩٠) من طريق الثوري قال: ((حدثني أبو إسحاق قال: حدثني عبد الله بن يزيد قال: حدثني البراء، وهو غير كذوب))، وسواء أكان ((غير كذوب)) من كلام أبي إسحاق في عبد الله، أو من كلام عبد الله في البراء، كما فصّله = ١٨٨ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] تنبيه : جعل الذهبي(١) قولهم: محلّه الصدق، مؤخَّرًا عن قولهم: صدوق، إلى الحافظ ٢: ١٨١، فقد قال آخره: ((المراد تفخيم الأمر وتقويته في نفس السامع)). ٣ - وفي حوادث غزوة الخندق، روى ابن هشام ٢: ٢٢٩ - ٢٣٠ قصة مَقْدم نعيم بن مسعود الأشجعي، وإعلانه إسلامه عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله النعيم: ((خذِّل عنا ما استطعتَ، فإن الحرب خُدعة))، فانصرف نعيم رضي الله عنه إلى بني قريظة، ثم إلى غطفان وقال لقريظة أولاً: قد عرفتم ودّي إياكم، وخاصةً ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، ثم قال لغطفان: إنكم أصلي وعشيرتي، وأحبّ الناس إليّ، ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم. ومحل الشاهد واضح في قوله لهم، وقولهم له. ٤ - وروى ابن أبي حاتم في (الجرح)) ٥ (١٧١٠) عن الحسين بن الحسن الرازي، عن ابن معين أنه قال في الإمام الأصمعي: ((لم يكن ممن يكذب))، والأصمعي متفق على وثاقته، حتى عند ابن معين، فإنه وثقه في رواية ابن أبي خيثمة، ورواية الدوري، كما تجده في التهذيبين، و((الإكمال)) لمغلطاي. ٥ - وفي ((تهذيب التهذيب)) ٧: ٣٤٧ في ترجمة علي بن عاصم الواسطي: قيل لابن معين: إن أحمد يقول: إن علي بن عاصم ليس بكذاب، فقال: لا والله، ما كان عليّ عنده قط ثقة ولا حدّث عنه بشيء، فكيف صار اليومَ عنده ثقة؟!)). ولا بدّ من التنبيه أخيراً إلى أن هذا التوثيق ملحق بالتوثيق الإجمالي، لا الذي هو كقول الإمام: ثقة. (١) في مقدمة ((الميزان)) ٤٧:١. ١٨٩ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به الثالثة : شيخ، فیکتب وينظر . [ش] المرتبة التي تليها، وتبعه العراقي(١)، لأن (صدوقًا) مبالغة في الصدق، بخلاف: محلَّه الصدق، فإنه دالّ على أن صاحبها محلُّه ومرتبتُه مطلقُ الصدق(٢). (الثالثة) من المراتب، وهي خامسة بحسب ما ذكرنا: (شيخ) قال ابن أبي حاتم: (فيكتب) حديثه (وينظر) فيه، وزاد العراقي(٣) في هذه المرتبة مع قولهم محلُّه الصدق: إلى الصدق ما هو (٤)، [ب] (١) ((شرح الألفية)» ص ١٧٢. (٢) بل الأولى أن يقال: صاحبها مظنة الصدق، وتأخير الذهبي لهذه اللفظة عن ((صدوق))، مهمّ، للفرق الكبير الذي بينهما. (٣) في ((شرح الألفية)) أيضًا ص١٧٣، ولفظه: ((إلى الصدق ما هو، أو شيخ وسط، أو وسط، أو شيخ، أو صالح الحديث، ... )). (٤) [بقاعي - ((النكت الوفية)) ٢: ٢١ -: قوله ((إلى الصدق ما هو)): معناه عند أهل الفن: أنه غير مدفوع عن الصدق، وتحقيقُ معناها في اللغة: أن ((إلى)) متعلق بمحذوف، أي: قريب إلى الصدق، ويحتمل أن تكون ((ما)) نافية، فيفيد مجموع العبارة الترددَ في أمره، ويجوز أن يكون: ما هو بعيد، فيكون تأكيداً للجملة الأولى، ويحتمل أن ((ما)) استفهامية، ويرجع المعنى إلى الشك، فكأنه قيل: هو قريب إلى الصدق، ثم سأل عن مقدار القرب ما هو : قليلٌ أو كثير؟ وهو نحو قوله عليه السلام في آخر خبر الجسّاسة: ((ألا إنه في بحر الشام، أو بحر اليمن، لا، بل من قِبَل المشرق ما هو)) وأومأ بيده إلى المشرق. أخرجه مسلم في أواخر (الصحيح)) - ٤ : ٢٢٦١ (١١٩) -، قال النووي - ١٨: ٨٣ -: قال عياض - في شرحه ٨: ٥٠٢ -: لفظة ((ما)) هنا زائدة، ليست بنافية، والمراد إثبات أنه في جهة المشرق. انتهى. ثم = ١٩٠ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] شيخ (١) وسط، مكرر (٢)، جيد الحديث، حسن الحديث(٣). وزاد شيخ الإسلام(٤): صدوق سيء الحفظ، صدوق يَهِم، صدوق له رأيت في كلامه ما سيأتي إن شاء الله . - ص٢٠١ -. ]. (١) [قال الزركشي - ٣: ١٠١٥ (٢٧٩) -: قال الحافظ المزي: المراد بقولهم ((شيخ)): أنه لا يترك، ولا يحتج بحديثه مستقلاً، وقال ابن القطان في كتابه ((الوهم والإيهام)) - ٣: ٤٨٢ -: يَعنون بذلك أنه ليس من طلبة العلم، وإنما هو رجل اتفقت له روايةٌ لحديثٍ أو أحاديثَ أُخذتْ عنه.]. (٢) ليست عند العراقي، واتفقت نسخ ((التدريب)) عليها إلا وففيها: مكثر، ولا تتلاءم مع السياق. (٣) أي: سياقته للحديث سياقة جيدة، وحَسَنة، لا أن حديثه بمرتبة الحديث الجيد الذي هو فوق الحسن ودون الصحيح، أو أن رتبة أحاديثه بمرتبة الحديث الحسن، الذي هو دون الصحيح، وبعض المخرِّجين المعاصرين لا ينتبه لهذا الفرق. (٤) في مقدمة ((تقريب التهذيب)) إذ جعل هذه الألفاظ في المرتبة الخامسة، ونَبَّهت قبل قليل ص١٨٣ إلى أن مراتب الحافظ تلك هي مراتب خاصة بكتابه المذكور، لا مراتب عامة في هذا العلم. وأمر آخر يتصل بهذه الكلمات الخمسة لا بدّ من بیانه. إن قولنا في راوٍ ما: ((صدوق يهم)) هو حكم مركّب من حكمين: حكم بتمام العدالة والصدق: (صدوق)، فهي صيغة مبالغة، وحكم بما يخرجه عن تمام الضبط: (يهم))، فالأغلب من مروياته مقبول، لكنه وهم في حديث، أو اثنين، أو ثلاثة، ينبغي ردُّها، وكثيراً ما أكرِّر القول: الخطأ وما لم يُرْوَ سِيّان، وكأن الحافظ رحمه الله، أو غيره ممن يقول هذا القول، يريد أن يلفت نظر الباحث إلى أن رواية هذا الراوي تحتاج إلى مزيد نظر: هل هذا الحديث الذي نُخرِّجه واحد من الثلاثة فيردّ، أو يحتمل أن يكون حديثاً رابعاً يضاف = ١٩١ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به الرابعة : صالح الحديث، يكتب للاعتبار. [ش] أوهام، صدوق يخطئء، صدوق تغيَّر بأخَرَةٍ. قال: ويَلتحق بذلك من رُمي بنوع بدعة، كالتشيع، والقدَر، والنَّصْب، والإرجاء، والتجهُّم(١). (الرابعة) وهي سادسة بحسب ما ذكرنا: (صالح الحديث) فإنه (يكتب) حديثه (للاعتبار)(٢). [ب] إلى تلك، فيردّ أيضاً؟ أوْ لا، فيقبل ويندرج تحت الحكم العام عليه أنه: صدوق؟. وهذا التأني في فهم هذا الحكم (صدوق يهم) ونحوه، وهذا التأني في الحكم على الرجل وأحاديثه: حاصل على خلاف ما يتسرّع فيه المتسرِّعون، من الحكم بالضعف على كل حديث في إسناده من قيل فيه: صدوق يهم، أو يخطئ، ونحوهما. وهذا التنبيه والتنبُّه يكون بعد تسليم بأمر آخر سابق، هو تسليمنا بصحة هذا الحكم على الراوي. (١) تقدم صفحة ١٤٠ فما بعدها تعريف الشارح رحمه الله بهذه الفِرَق. وأنبه هنا إلى ما نبّهتُ إليه في دراسة ((التقريب)) أوائل ((دراسة الجانب الثالث)): إلى أن البدعة لا تكون سببًا لإنزال درجة الراوي عما يستحقه من العدالة، فالثقة والصدوق - مثلاً - لا يصح إنزالهما عن هذه المرتبة إذا اتّصف ببدعة، وينظر هناك تمام التنبيه. (٢) أي: حين بحث الباحث عن طرق حديث ما، يقف على أسانيد متفاوتة مختلفة قوةً وضعفًا، فالقويُّ - بكل مراتبه: الصحيح والحسن وما بينهما يأخذه ويجمعه، والتالف المنكر الموضوع يطرحه، وكذلك يأخذ ويجمع الأسانيد التي ما بين ذاك القوي، وما بين هذا التالف، فإنها ما بين محتمل قريب، أو هو في دائرة الاحتمال، لا الطرح والردّ الكليّ، فجمعُها مع غيرها ممن هو مثلها أو أحسن حالاً: يقوِّیها، وهذا هو الذي يريدونه بقولهم: صالح للاعتبار. ١٩٢ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به. وأما ألفاظُ الجرح فمراتبُ: [ش] وزاد العراقي(١) فيها: صدوق إن شاء الله، أرجو أن لا بأس به، صُوَيَلح. وزاد شيخ الإسلام: مقبول(٢). (وأما ألفاظُ الجرح فمراتبُ)(٣) أيضًا، أدناها: ما قَرُب من التعديل [ب] - (١) ((شرح الألفية)) أيضًا ص ١٧٣. (٢) في مقدمة ((تقريب التهذيب)) وهي المرتبة السادسة، إذا تُوبع صاحبها فهو مقبول، وإنِ انفرد بالحديث ولم يتابَع كان ليِّناً، وقد وقفت طويلاً عند هذه المرتبة في الدراسة المطوّلة التي كتبتها للكتاب، وبيّنت أن المرتبة الأولى هناك، وهي ((الصحبة))، والمرتبة السادسة هذه، وهي ((المقبول)): من أوضح الأدلة على أن تلك المراتب الستة إنما هي مراتب اصطلح الحافظ عليها في كتابه المذكور خاصةً لا عامة. والحافظ يقول هذه اللفظة فيمن ينفرد ابن حبان بتوثيقه غالباً، أما الذهبي في (الكاشف)) فيقول فيه غالباً: وثَّق، وهو أدقّ وأولى، وينظر ما كتبتُه في ((دراسات الكاشف» ص٥٢ فما بعدها. (٣) [فائدة: قال الزركشي - ٣: ١٠٣٩ (٢٨٠) -: إنما يجوز القَدْح في الرجل إذا احتيج إلى الرواية عنه، وقد شُغف المتأخرون في التراجم بذكر معايب الشخص وإن لم يكن من أهل الرواية، ثم نَقَل عن [خطّ] الشيخ أبي الفتح القشيري [ابن دقيق العيد]: أنه إذا لم يُضطَر إلى القدح فيه للرواية لم يَجُز، وعن العزّ ابن عبد السلام - ((القواعد)) ٩٧:١ -: أنه لا يجوز للشاهد أن يذكر سببين مهما أمكن الاكتفاء بأحدهما، فإن القدح إنما يجوز للضرورة، فلتقدَّر بقدرها، ووافقه عليه القرافي - ((الفروق)) ٤: ٢٠٥ - ٢٠٦ - وغيره. انتهى.]. ١٩٣ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به فإذا قالوا: لَيِّن الحديث، كُتِب حديثه وينظر اعتبارًا، وقال الدار قطني : إذا قلتُ: لين الحديث لم يكن ساقطًا، ولكنْ مجروحًا بشيء لا يُسقط عن العدالة. وقولهم : ليس بقوي، یکتب حديثه، وهو دون : لِّن. [ش] (فإذا قالوا: لَيِّن الحديث، كُتِب حديثه وينظر) فيه (اعتبارًا، وقال الدارقطني)(١) لما قال له حمزة بن يوسف السَّهمي: إذا قلتَ: فلان ليِّن، أَيْشٍ تريد به؟(٢) (إذا قلتُ: لين الحديث لم يكن ساقطًا) متروكَ الحديث (ولكنْ مجروحًا بشيء لا يُسقط عن العدالة). ومن هذه المرتبة ما ذكره العراقي(٣): فيه لِين، لَيِّن، فيه مقال، ضُعِّف، تَعرِف وتُنكر، ليس بذاك، ليس بالمتين، ليس بحجة، ليس بعمدة، ليس بمرضيّ، للضعفِ ما هو، فيه خُلْف، تكلموا فيه، طعنوا فيه، مطعونٌ فيه، سيء الحفظ. (وقولهم: ليس بقوي، يكتب) أيضًا (حديثه) للاعتبار (وهو دون: لِيِّن) فهي أشد في الضعف. [ب] (١) جاء هذا أول ((سؤالات حمزة للدار قطني)) (١). (٢) نقل ابن العجمي هنا كلاماً عن الشارح والسيد الشريف يتعلق بهذه الكلمة (أيشٍ)، وسيكرره بتمامه مع زيادات عليه في النوع الخامس والأربعين ٥: ٣٠٨ عند ذكر: طلحة بن مصرِّف، فآثرت إبقاء الأتمّ في محله، وحذفه من هنا، لکونه سیتکرر. (٣) في ((شرح الألفية)) ص١٧٧، على أنها من ألفاظ المرتبة الخامسة، وينظر ما قدمته ص ١٧٩ تعليقًا على هذه الألفاظ. ١٩٤ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به وإذا قالوا: ضعيف الحديث، فدونَ: ليس بقوي، ولا يُطرح بل يعتبر به، وإذا قالوا: متروكُ الحديث، أو ذاهبُه، أو كذابٌ: فهو ساقط لا یکتب حديثه . [ش] (وإذا قالوا: ضعيف الحديث، فدونَ: ليس بقوي، ولا يُطرح بل يعتبر به) أيضًا، وهذه مرتبة ثالثة. ومن هذه المرتبة - فيما ذكره العراقي(١) -: ضعيف، فقط، منكر الحديث، حديثه منکر، واهٍ، ضعفوه. (وإذا قالوا: متروك الحديث، أو ذاهبه، أو كذاب: فهو ساقط لا يكتب حديثه) ولا يعتبر به، ولا يستشهد، إلا أن هاتين مرتبتان، وقبلهما مرتبة أخرى، لا يعتبر بحديثها أيضًا، وقد أوضح ذلك العراقي (٢). فالمرتبة التي قَبْلُ - وهي الرابعة -: رُدَّ حديثه، رَدُّوا حديثه، مردود الحديث، ضعيف جدًّاً، واه بمرّةً(٣)، طرحوا حديثه، مطَّرح، مُطَّرَح الحديث، ارم به (٤)، ليس بشيء، لا يساوي شيئًا. (١) ((شرح الألفية)) ص ١٧٧: المرتبة الرابعة. (٢) ((شرح الألفية)) ص١٧٦. (٣) [قوله: واهٍ بمرّة: بموحدة مكسورة، فميم مفتوحة، فراء مشددة، قال الحافظ: أي قولاً واحداً لا تردد فيه. انتهى، قال البقاعي - ((النكت)) ٢: ٣١ -: وكأن الباء زيدت تأكيداً.]. وحقّهُ أن يقول: قال البقاعي: قال الحافظ .. ، فإن قول الحافظ هذا، نقله عنه البقاعي أثناء القراءة علیه، لا في كتاب له. (٤) مما يذكر ليستفاد: أن ابن المبارك قال هذه الكلمة في يزيد بن أبي زياد الهاشمي، فيكون قد جرحه ابن المبارك بشدّة، لكنها تحرفت على المزي رحمه الله = ١٩٥ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] ويليها: متروك، متروك الحديث، تركوه، ذاهب، ذاهب الحديث، ساقط، هالك، فيه نظر، سكتوا عنه، لا يعتبر به، لا يعتبر بحديثه، ليس بالثقة، ليس بثقة، غيرُ ثقة ولا مأمون، متّهم بالكذب أو بالوضع(١). - وما أندرَ ما يؤخذ عليه ! - فجاءت في (تهذيب الكمال)) ١٣٩:٣٢: ((أكرِم به))، وتبعه على هذا الهيثمي في ((المجمع)) ٢٢٠:٣ آخر باب: ما للنساء لُبسه، وما ليس لهنّ، من كتاب الحج، فقال: ((وثقه ابن المبارك وغيره))، ونبّه إلى هذا التحريف: الحافظُ في ((التهذيب)) ٣٣٠:١١، فقال: ((قال ابن المبارك: اِرم به، كذا هو في ((تاريخه))، ووقع في أصل المزي: أكرم به، وهو تحريف، وقد نقله على الصواب أبو محمد ابن حزم في ((المحلَّى)) - ٢٤١:٧ (٨٩٠) - وابن الجوزي في ((الضعفاء)) له - (٣٧٨١) -)). وهذا تصحيح جيد مفيد، ويزاد عليه التنبيه إلى أن ترجمة يزيد هذا عند ابن الجوزي حصل له فيها تداخل ترجمتين، يُعلم هذا بمراجعة ((الجرح والتعديل)) ٩ (١١٠٩، ١١١١). (١) ويندرج مع هذه الألفاظ قولهم: فلان على يَدَيْ عدل. قال العلامة ابن العجمي رحمه الله: [فائدة: في ترجمة محمد بن خالد الطحان الواسطي من ((تهذيب التهذيب)) -٩: ١٤١ - قال أبو زرعة - كذا! وصوابه: ابن أبي حاتم ((الجرح)) ٧ (١٣٣٨) -: سئل أبي عنه؟ فقال: هو على يَدَيْ عدلٍ. قال الحافظ ابن حجر: ومعناه قَرُب من الهلاك، وهذا مَثَل للعرب، كان لبعض الملوك - هو تُبّع، كما في ((القاموس)) [(ع د ل] - شُرطي اسمه عَدْل، فإذا رُفع إليه من جَنَى جناية جزموا بهلاكه، ذكره ابن قتيبة - ((المعارف)) ص٦١٩ - وغيره، وظن بعضهم أنها من ألفاظ التوثيق، فلم يصب. انتهى . - [وهذا البعض هو الحافظ العراقي. ((فتح المغيث)) ٢: ٢٩٩] -. [والشُرْطي: بالسكونِ، نسبة إلى الشُّرْطة، وزان غُرْفة، وفتحُ الراء، مثالَ: رُطَبة، = ١٩٦ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به لغة قليلة، وصاحب الشرطة : يعني الحاكم، والشرَّطة بالسكون والفتح: الجند، والجمع شُرَط، مثل رُطَب، والشُّرَط - على لفظ الجمع - أعوان السلطان، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها، للأعداء، الواحدة شرطة، مثل: غرفة وغُرَف، وإذا نسب قيل : شُرْطي بالسكون، رداً إلى واحده. ((مصباح)) - (ش ر ط) .. ]. [فائدة: قولهم فلان له بلايا، أو هذا الحديث من بلاياه، قال الحافظ برهان الدين الحلبي - ((الكشف الحثيث)) الترجمة: ٢١٢ -: هو كناية عن الوضع فيما أحسَب، لأن البلية المصيبة. انتهى. [وأما قولهم - الترجمة: ٢ -: له طاماتٌ وأوابد، ويأتي بالعجائب: فلا أدري هل يقتضي اتهام المَقول فيه ذلك بالكذب أم لا يفيد غيرَ وصف حديثه بالنكارة؟ وقد سألت بعض أشياخي عن ذلك، فلم يُقِدني فيه شيئاً. [نعم، رأيت الحافظ ابن حجر قال في بعض من قيل فيه ذلك: إنه لم يتهم بكذب، والله أعلم. [وقال الحافظ الحلبي برهان الدين - الترجمة: (٢١٣) -: والظاهر أن قولهم: آفته فلان: كناية عن الوضع، ويحتمل أن يكون المراد، آفته في ردّه أو نكارته، أو غير ذلك. انتھی . [قال ابن عراق - ١ : ٣٤ -: إنْ قالوا: موضوع آفته فلان، فهو كناية عن الوضع، وإن قالوا: منكر آفته فلان، فمرادهم آفته في نكارته، وإن قالوا : آفته فلان، فقط، فهذا محل التردد، والله أعلم.]. النقل كله عن ابن عراق، والنقل عن البرهان الحلبي بواسطة ابن عراق، لا مباشرة، وعلى هذا فقوله: سألت بعض أشياخي، ورأيت الحافظ ابن حجر: هذا من كلام ابن عراق. [فائدة أخرى: ذكر الزركشي - ٣: ١٠١٧ (٢٨٠) -: أن مما أهمله ابن الصلاح قولهم: رَوَى أحاديث مناكير، قال الشيخ في ((شرح الإلمام)) - ٢٤٨:٣ بنحوه - لا = ١٩٧ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به ٠٠ ومن ألفاظهم: فلان رَوَى عنه الناس، وسط، مقارِب الحديث، . [ش] ويليها: كذاب، یکذب، دجال، وضاع، يضع، وضع حدیثًا. (ومن ألفاظهم) في الجرح والتعديل: (فلان رَوَى عنه الناس، وسط، مقارِب الحديث(١)) وهذه الألفاظ الثلاثة في المرتبة التي يُذكر فيها: شيخ، وهي الثالثة من مراتب التعديل فيما ذكره المصنف(٢). [ب] يقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته، وينتهي إلى أن يقال فيه : منكر الحديث، فليتنبَّه للفرق بين قولهم: منكر الحديث، وروى مناكير، وقال في ((الإلمام)) - كذا، وصوابه: ((الإمام)) ٢: ١٧٦ -: ليس من يقال فيه: منكر الحديث كمن يقال فيه : روى أحاديث منكرة، لأن منكر الحديث وصف للرجل، يستحق به الترك لحديثه، والعبارة الأخرى: تقتضي أنه وقع له في حينٍ لا دائماً. إلى آخره.]. قلت: للإمام ابن دقيق العيد ثلاثة كتب، أولها: ((الإلمام)) وهو متن جامع لجمهرة من أحاديث الأحكام، مثل ((بلوغ المرام))، ثانيها: ((شرح الإلمام))، ثالثها: ((الإمام)) وهو كتاب مستقل، ليس شرحًا لكتاب آخر، وهو الذي يُكثر النقلَ عنه الزيلعي في ((نصب الراية)). و((الإلمام)) - كما قدمتُ -: كتاب جامع لمتونِ أحاديثَ من أحاديث الأحكام، ليس فيه جرح ولا تعديل، ولا شيء من علوم الحديث، ويؤكّد أن هذا الذي عزاه الزركشي إلى ((الإلمام)) - وزيادة - هو في ((الإمام))، وإليه عزاه الزيلعي في ((نصب الراية)) ١٧٩:١. وغريب من الزركشي - ومن تابعه - هذا الوهم !. (١) [قوله: مقارَب الحديث: قال العراقي - ١ :٦١٢ -: بفتح الراء وكسرها، كما حكاه القاضي ابن العربي - ((عارضة الأحوذي)) ١: ١٦ -. ]. (٢) لكن بين هذه الألفاظ الثلاثة وقولهم: فلان شيخ: فرق - وإن كانوا في مرتبة واحدة، كما قدمتُ التنبيه إليه تعليقًا ص ١٧٩، ذلك أن كلمة ((شيخ)) تفيد - كما تقدم ص١٩٠ عن ابن القطان - أنه: راوي، لا أكثر، أما هذه الثلاثة ففيها معنى زائد من = ١٩٨ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به مضطرِبُه، لا يحتج به، مجهول، لا شيء، ليس بذاك، ليس بذاك القوي، فيه، أو في حديثه ضعفٌ، ما أعلم به بأسًا. ويُستدلُّ على معانيها بما تقدَّم. [ش] (مضطرِبُه، لا يحتج به، مجهول) وهذه الألفاظ الثلاثة في المرتبة التي فيها: ضعيف الحديث، وهي الثالثة من مراتب التجريح(١). (لا شيء) هذه من مرتبة: رُدَّ حديثه، التي أهملها المصنف، وهي الرابعة. (ليس بذاك، ليس بذاك القوي، فيه) ضعْف (أو في حديثه ضعفٌ) هذه من مرتبة: لين الحديث، وهي الأولى. (ما أعلم به بأسًا): هذه أيضًا منها، أو من آخر مراتب التعديل، كـ: أرجو أنْ لا بأس به. قال العراقي(٢): أو هذه أرفع في التعديل، لأنه لا يلزم من عدم العلم بالبأس حصولُ الرجاء بذلك. قلت: وإليه يشير صنيع المصنف. (ويُستدل على معانيها) ومراتبها (بما تقدم)، وقد تبيّن ذلك. تنبيهات : الأول: البخاري يُطلق: ((فيه نظر))(٣)، و((سكتوا عنه)): فيمن تركوا (س) القبول والرضا عنه أو عن مرویّه. (١) لكن انظر ما تقدم صفحة ٩١: هل الجهالة جرح أو توقّف في حال المجهول؟ وهل تنفعه رواية الثقة عنه؟. (٢) ((شرح الألفية)) ص١٧٣. (٣) وللإمام البخاري كلمتان أخريان: ((في حديثه نظر))، و((في إسناده نظر)) = ١٩٩ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] حديثه (١)، ويطلِق: ((منكر الحديث)): على مَن لا تحلّ الرواية عنه(٢). الثاني: ما تقدم من المراتب مصرِّح بأن العدالة تتجزأ، لكنه باعتبار الضبط، وهل تتجزأ باعتبار الدِّين؟ وجهان في الفقه(٣)، ونظيرُهُ: الخلافُ في [ب] وينظر ما كتبته حول هذه الكلمات الثلاثة في ((دراسات الكاشف)) ص ١٢٨ - ١٣٤. (١) أقدم من فسَّر هذه الكلمة من البخاريِّ تلميذُه أبو بشر الدولابي، ففي ((تهذيب الكمال)) ٢٤٣:٢، عن البخاري في إبراهيم بن يزيد الخُوزي، من ((التاريخ الكبير)) ١ (١٠٥٨): سكتوا عنه، قال الدولابي: يعني: تركوه، وانظر الذي بعده. (٢) كأن الشارح ينقل عن ((النكت الوفية)) ٣٥:٢، عن العراقي، وأصلُه - والله أعلم - لابن القطان في ((بيان الوهم والإيهام)) ٢٦٤:٢، وكرَّره وأكّده ٩٣:٣، ٣٧٧، ٤: ٢١٣، ١٤٤:٥، ١٤٩، وصرّح في بعضها بنقله عن ((التاريخ الأوسط»، وتبعه الذهبي في («الميزان)) (٣) ترجمة أبان بن جبلة. والذي في ((التاريخ الأوسط)) ١٠٧:٢، طبعة الصميعي = ٥٨٢:٣ من طبعة الرشد، على أنه من رواية أبي محمد عبد الله بن أحمد بن عبد السلام الخفاف، ما لفظه: ((قال محمد بن إسماعيل - الإمام البخاري -: كل هؤلاء الذين قيل فيهم ((منكر الحديث)): لست أرى الرواية عنهم، وكذا إذا قالوا: ((سكتوا عنه)): فكذلك لا أروي عنهم)). وبالجمع بين هذا القول من الإمام البخاري نفسه، مع تفسير تلميذه الدولابي الذي في الحاشية السابقة: ينتج معنا أن من قال فيه البخاري ((منكر الحديث)) فهو متروك، کمن يقول فيه: سکتوا عنه. (٣) نعم، وعليه النوويُّ في ((الروضة)) ١٦٩:١١، وغيرُه، لكن في حاشية قَلْيوبي وعَمِيرة ٣٠٧:٤ من متأخري الشافعية: الجزم بأنها لا تتجزأ. ٢٠٠ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] تجزُّؤِ الاجتهاد، وهو الأصح فيه(١)، وقياسُه: تجزّؤ الحفظ في الحديث، فيكون حافظًا في نوع دون نوع من الحديث، وفيه نظر(٢). الثالث: قولهم: مقارِب الحديث. قال العراقي(٣): ضُبط في الأصول الصحيحة بكسر الراء، وقيل(٤): إن ابن السِّيْد حكى فيه الفتح والكسر، وإن (٥) الكسر من ألفاظ التعديل، والفتح من ألفاظ التجريح. قال(٦): وليس ذلك بصحيح، بل الفتح والكسر معروفان، حكاهما ابن [ب] (١) هكذا عبَّر الشارح رحمه الله، والذي قاله التاج السبكي في ((جمع الجوامع)) - ومعه شراحه -: الصحيح تجزؤ الاجتهاد، وانظر ((تشنيف المسامع)) ٥٧٦:٤، و((الدرر اللوامع)) ١٢٦:٤، مع التعليق عليها، وكذلك جاءت عبارة الزركشي في ((البحر المحيط)) ٢٠٥:٦، ٢٠٩. (٢) الحفظ يتجزأ، كما يدلّ عليه واقع المحدثين، فهم يقولون في تراجم أئمتهم: فلان حافظ للمسانيد، وفلان حافظ للأحاديث الطوال، وفلان حافظ لأحاديث بلده، وفلان حافظ لأحاديث شيخه فلان، دون فلان، وأشهر مثال على ذلك مؤقفهم من مرويات حماد بن سلمة عن ثابت البناني، دون مروياته عن غيره. (٣) في ((التقييد)) ٦١١:١، ولفظه: ((ضُبِط في النسخ الصحيحة عن البخاري بالو جھین)». (٤) قائل ذلك وناقله عن ابن السِّيْد هو مغلطاي ٣٥٤:٢. (٥) هذا من كلام مغلطاي معترضًا به على ابن السِّيد، وعبارة الشارح ضيِّقة، توهم أنه من كلام ابن السِّيد، فيحصل في فهم القارئ التعارض بين قوله الأول وقوله هذا. (٦) أي العراقي، وهو الناقل عن ابن العربي عن الذهبي في ((عارضة الأحوذي)) ١٦:١.