النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
عن الشافعي، وقيل: يُحتج به إن لم يكن داعيةً إلى بدعته، ولا يحتج
به إن كان داعية، وهذا هو الأظهر الأعدل، وقول الكثير أو الأكثر.
[ش]
القول (عن الشافعي) حكاه عنه الخطيب في ((الكفاية)) (١)، لأنه قال: أقبل شهادة
أهل الأهواء إلا الخطابية، لأنهم يَرَوْن الشهادَة بالزور لموافقيهم.
قال(٢): وحُكي هذا أيضًا عن ابن أبي ليلى، والثوري، والقاضي أبي
یوسف.
(وقيل : يُحتج به إن لم يكن داعية إلى بدعته، ولا يحتج به إن كان
داعية) إليها، لأن تزيين بدعته قد يحمِله على تحريف الروايات وتسويتها على
ما يقتضيه مذهبه، (وهذا) القول (هو الأظهر الأعدل، وقول الكثير أو الأكثر)
(١) ((الكفاية)) ص ١٢٦، ولفظه - من طريق ابن أبي حاتم في ((آداب الشافعي))
ص ١٨٧ - ١٨٩ -: ((لم أر أحدًا من أهل الأهواء أشهدَ بالزور من الرافضة))، وهذا
يقتضي ردَّه رضي الله عنه شهادةَ - وروايةَ - كل من يطلق عليه في عرف السلف:
رافضة.
وفي ((سنن)) البيهقي ٢٨٣:١٠ آخر الصفحة كلمة ثالثة للشافعي يرويها عنه يونس
ابن عبد الأعلى، والمعنى هو هو تمامًا، لكن نقل الخطيب في ((الكفاية)) ص ١٢٠ عن
الشافعي قوله - ولم يُسنده -: ((وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابيةَ من الرافضة،
لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم))، فأفاد تخصيصَ الخطابية من الرافضة، لا
عمومَ الرافضة، ولا منافاة، ما دام السبب استحلالهم الكذب، والشهادة بالزور
الموافقيهم، فكلّ من ينطبق عليه هذا الوصف رُدَّت شهادته وروايته، وينظر ((النكت
الوفية)) ٦٥٦:١.
(٢) ((الكفاية)) أيضًا.

١٢٢
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
من العلماء(١).
[ب] -
(١) وقال البزدوي ٣: ٢٦: ((لا تقبل رواية من انتحل الهوى والبدعة ودعا الناس
إليها، على هذا أئمة الحديث والفقه كلهم)). وهذا غنيّ عن التصريح بأن يكون هذا
المنتحل ممن لا يستحل الكذب: فالكذب منافٍ للعدالة، فاستحلاله منافٍ للعدالة من
باب أولى.
وقوله ((دعا إليها)): سواء في الدعوة إليها دائماً، أما في حال رواية حديث واحد
يؤيدها، فالأمر واحد. وانظر ما يأتي قريباً عن ابن حبان ص ٢٢٤.
وخلاصة ما في المتن من أقوال - وهو ما استقر عليه العمل -: أن البدعة:
مكفِّرة، وغير مكفرة، وغير المكفرة: صاحبُها يستحلّ الكذب، أو لا يستحله، والذي
لا يستحله: إما أنه داعية لبدعته، أوْ لا، وغير الداعية: إما أن يكون حديثه هذا مما
يؤید بدعته، أوْ لا.
فالمقبول من هذه الاحتمالات الثمانية: صاحب أربعة منها: بدعته غير مكفرة،
ولا يستحل الكذب، وغیر داعية، ومرویُّه لا يؤيد بدعته.
وهذه الضوابط الأربعة: تحقق قبول أكبر قدر ممكن من السنة النبوية، مع تحقيق
نَقائها وسلامتها من زَغَل البدع وأهلها، ويدل هذا القبول لرواية المبتدعة دلالة
واضحة جدًّا على سعة صدور أئمتنا مع المخالفين، كما يدل دلالة واضحة على ضيق
صدور المعاندين.
ومما هو مشهور بين أهل العلم مقولة الأعمش - وهو من أئمة الرواية
والقراءات - للإمام أبي حنيفة: أنتم (يريد: الفقهاء) الأطباء، ونحن (يريد: الرواة)
الصيادلة، والطبيب والصيدلاني الناجحان هما اللذان يقدمان أكبر قدر ممكن من
مختلف الشركات والدول المنتجة للأدوية، ولا يقتصران على إنتاج دولة دون
=

١٢٣
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
وضُعِّف الأول باحتجاجٍ صاحبي الصحيحين وغيرِهما بكثيرٍ من
المبتدعة غيرِ الدعاة.
[ش]
(وضُعِّف) القول (الأول باحتجاج صاحبي الصحيحين وغيرهما بكثيرٍ من
المبتدعة غيرِ الدعاة) كعمرانَ بن حِطّان(١)، وداودَ بن الحُصَين(٢).
[ب]
أخرى، لتحقيق أسباب الشفاء - بإذن الله تعالى - لأكبر قدر ممكن من المرضى، ما
دامت الأدوية المستوردة من أي دولة كانت تحت الرقابة والاختبار.
(١) [بكسر الحاء المهملة، وشد الطاء، ثم نون، هو السَّدوسي البصري،
خارجي .].
وأقول: أما عمران بن حطان: فهكذا ذكره الشارح: مبتدعًا غير داعية، متابعةً منه
للعراقي في ((شرح الألفية)) ص١٦٢، مع أنه سينقل ص ١٢٦ عن العراقي نفسه في
((التقييد والإيضاح)) ٥٨٧:١ أن عمران هذا من الدعاة، ولا تعارض من العراقي، فهذا
هنا من كلامه، وذاك هناك من كلام المعترض على ابن الصلاح، وهو مغلطاي.
وأما الحافظ فوصفه في ((مقدمة الفتح)) ص ٤٣٢ أنه كان داعية، وكأن عمدتهم
- والله أعلم - مدحه لابن ملجم قاتل علي رضي الله عنه وأرضاه، مع أن البخاري
روى في ((تاريخه)» ٦ (٢٨٢٢) ترجمة عمران، عن محارب بن دثار - وكان من المرجئة
على نقيض ما كان عليه عمران - قال محارب: ((زاملت عمران بن حطان فما سأل
واحد منا صاحبه عن الهوى)) أي: عن المذهب والبدعة، ومراد البخاري من هذا: أن
كلاً منهما لم يكن داعية، ومع ذلك فليس له في البخاري إلا حديثان (٥٨٣٥،
٥٩٥٢)، كما قال في ((الفتح)) عند الموضع الأول، لا حديث واحد كما قال في
((المقدمة)) ص ٤٣٣، وانظر ما علقته على ترجمته في ((الكاشف)) (٤٢٦٢).
(٢) [بضم الحاء، وفتح الصاد المهملتين.].
وأقول: ذكر ابن حبان في ((ثقاته)) ٢٨٤:٦ أنه لم يكن داعية، وله حديث واحد
=

١٢٤
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
قال الحاكم(١): وكتابُ مسلم ملآنُ من الشيعة.
وقد ادعى ابن حبان الاتفاق على ردّ الداعية، وقبول غيره بلا تفصيل(٢).
[ب]
عند البخاري (٢١٩٠، ٢٣٨٢)، كما قال في ((مقدمة الفتح)) ص ٤٠١، قال: وله
شواهد، والحديث: رخّص النبي صلى الله عليه وسلم في بيع العرايا بخَرْصها من
الثمر، فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق. شك داود في ذلك. هذا لفظ
البخاري، ونحوُه في التصريح بأن داود هو الذي شك وبيّن: روايةُ مسلم ١١٧١:٣
(٧١) بل الأصل في ((الموطأ)) ٢: ٦٢٠ (١٤)، وكذلك من أخرج الحديث من طريق
مالك، فهذا مما يستأنس به على إتقان داود للرواية، وأيضًا فهو حديث لا علاقة له
ببدعة.
(١) لفظ العراقي في ((شرح الألفية)) ص١٦٣: ((وفي ((تاريخ نيسابور)) للحاكم،
في ترجمة محمد بن يعقوب بن الأخرم: ((أن كتاب مسلم ... )) فهذا من كلام ابن
الأخرم شيخ الحاكم، لا الحاكم، وينظر النص بتمامه في ((الكفاية)) ص ١٣١.
(٢) عَرَض ابن حبان لحكم الرواية عن المبتدعة في مواطن من كتبه، منها في
مقدمة ((الإحسان)) ١٦٠:١، وفي ((الثقات)) ١٤٠:٦، ٢٨٤، وأصرحها في المراد
١٤٠:٦ ترجمة جعفر بن سليمان الضُّبُعي، قال: ((ليس بين أهل الحديث من أئمتنا
خلاف أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها: أن الاحتجاج
بأخباره جائز، فإذا دعا إلى بدعته سقط الاحتجاج بأخباره)).
وقول الشارح رحمه الله ((بلا تفصيل)): أي: من غير تفصيل بين ما إذا روى ما
يؤيد بدعته، أو لم يرو ما يؤيدها، وهو ما يأتي بيانه في التنبيه الأول.
وعلَّق الشيخ ابن العجمي بقوله:
[بل قيل: إن الداعية يكفر، إذا كان مجتهداً عند الحنابلة، وعبارة ((منتهى
=

١٢٥
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
تنبيهات :
الأول :
قيَّد جماعةٌ قبول غيرِ الداعية بما إذا لم يروِ ما يقوِّي بدعته، صرح بذلك
الحافظ أبو إسحاق الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي، فقال في كتابه («معرفة
الرجال)): ((ومنهم زائغٌ عن الحق - أي: عن السنة - صادقُ اللهجة، فليس فيه
حيلة إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكرًا إذا لم يقوِّ به بدعته)) (١).
[ب]
الإرادات)) - ٣: ٥٩٠ بشرحه -: لا تقبل شهادة فاسق بفعل: كزانٍ، ودُيّوث، أو
باعتقاد : كمقلِّد في خلق القرآن، أو نفي الرؤية، أو الرَّفض، أو التجهم، ونحوه،
ويُكفر مجتهدهم الداعية. انتهى.].
(١) صفحة ٣٢ في مقدمة الكتاب قبل البدء بالتراجم. والشارح ينقل بواسطة
((شرح النخبة)) ص ١٠١، وما بين المعترضتين تفسير من الحافظ ابن حجر لمراد
الجُوزجاني بـ ((الحق))، وفي هذا التفسير نظر، إذْ كان ينبغي له أن يقول: أي: عن
النَّصْب، ذلك أن ابن عدي في ٤٥٧:١ من ((الكامل))، والدارقطني - كما في ((تاريخ
الإسلام)) للذهبي ٤٣:٦ - وصفا الجوزجاني بشدّة ميله إلى التحامل على عليّ
رضي الله عنه، أعني: إلى مذهب النَّصب، وذكر له الدارقطني قصة مخزية في ذلك.
وبناءً على هذا فإن المذهب (الحق) عنده: النَّصْب، وهو يصف عددًا من الرواة
المبتدعة - غير بدعة النصب - بالزيغ والميل عن الحق.
وقد ذكر في مقدمة كتابه ص ٣٢ أن مراتب الرواة ومذاهبهم أربع مراتب،
وخلاصة كلامه: ١- كذاب زائغ. ٢- كذاب لم يعرف عنه بدعة. ٣- زائغ صدوق
اللهجة ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يُعرف، إذا لم يقوِّ به بدعته، فيتَّهم
=

١٢٦
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
وبه جزم شيخ الإسلام في ((النخبة))، وقال في شرحها(١): ما قاله
الجُوْزَجاني مثَّجه، لأن العلة التي لها رُدَّ حديثُ الداعية واردةٌ فيما إذا كان
ظاهرُ المرويِّ يُوافق مذهبَ المبتدع ولو لم يكن داعية.
الثاني :
قال العراقي(٢): اعتُرِض عليه بأن الشيخين أيضًا احتجّا بالدّعاة، فاحتج
-
(ت)
عند ذلك. ٤- ضعيف ضعفًا عامًا. وبدأ بذكر الخوارج، ثم، وثم.
وكانت تتكرر منه هذه الكلمة ونحوها، ولا سيما فيمن كان على النقيض من
بدعته، وهم الشيعة، فقال - مثلاً - عن محمد بن فضيل (٦٣): زائغ عن الحق، وقال
عن إسماعيل بن أبان الوراق (١١٤): كان مائلاً عن الحق، ولم يكن يكذب في
الحديث، وعن إسماعيل بن الحكم (١١٦): كان مائلاً، صدوقًا في حديثه، وقال
(١١٧) عن يونس بن بكير: ينبغي أن يُتَبَّت في أمره لميله عن الطريق، وقال عن علي
ابن زيد (١٨٥): واهي الحديث، ضعيف، وفيه ميل عن القصد.
وسيذكر الشارح رحمه الله بعد قليل (فائدة) يسرد تحتها أسماء من نُسب إلى
البدعة من رجال الشيخين أو أحدهما، فيهم أربعة وعشرون راويًا من الشيعة، ذكر
الجوزجاني جُلَّهم، أما الناصبة فذكر الشارح سبعة منهم، لم يذكر الجوزجاني واحدًا
منهم، مما يؤكد أن (الحق) عنده النَّصْب، ويؤكد أيضًا أن محاولة ناشر كتابه ((أحوال
الرجال)) نفيَ هذه البدعة عنه: ضربٌ في حديد بارد. والله أعلم.
(١) صفحة ١٠١.
(٢) ((التقييد والإيضاح)) ٥٨٧:١، والمعترض: هو مغلطاي في كتابه ٣٣٧:٢،
وتقدم ٢: ٥٣٥ من كلام العراقي أن عمران مبتدع غير داعية، وأما هنا فالعراقي ينقل
=

١٢٧
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
البخاري بعمرانَ بن حِطان، وهو من الدعاة (١)، واحتجا بعبد الحميد بن
عبد الرحمن الحِمّاني، وكان داعية إلى الإرجاء(٢).
وأجاب(٣) بأن أبا داود قال: ليس في أهل الأهواء أصحُّ حديثًا من
الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطان، وأبا حسان الأعرج.
قال(٤): ولم يحتجَّ مسلم بعبد الحميد، بل أخرج له في المقدمة، وقد
[ب]
كلام المعترض على ابن الصلاح، وفيه نسبة عمران إلى الدعوة إلى البدعة، وقدَّمت
هناك نقلاً عن ((تاريخ)) البخاري الكبير ما يدلّ على أن البخاري نفسه يرى أن عمران
لم يكن من الدعاة. والله أعلم.
وأما كلمة أبي داود: فأسندها إليه الخطيب في ((الكفاية)) ص ١٣٠.
(١) لفظ مغلطاي: ((زعم جماعة أنه من الدعاة))، فلم يجزم ولم يَتَبَنَّ، وانظر ما
تقدم قريباً ص ١٢٣.
(٢) نَقَل مغلطاي هذا عن أبي داود، ومثله في ((تهذيب الكمال)) ٤٥٤:١٦،
ولفظه في ((سؤالات الآجري)) (٥٢٩): ((الحِمّاني مرجىء)) فقط.
وأما أن الشيخين احتجّا بعبد الحميد: ففيه: أن البخاري روى من طريقه حديثًا
واحدًا (٥٠٤٨)، لكن له متابع عند مسلم ٤٥٦:١ (٢٣٥، ٢٣٦)، وأما مسلم:
فسیأتي کلام الشارح فیه.
(٣) أي: العراقي ٥٨٨:١، وهذا لفظ أبي داود في ((سؤالات الآجري)) (١٢٩٦).
وتقدم الكلام على عمران بن حطان ص١٢٣، أما أبو حسان الأعرج: فهو مسلم بن
عبد الله، وهو حروريّ، قتل معهم سنة ١٣٠.
(٤) هو الحافظ العراقي أيضًا.

١٢٨
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
وثقه ابن معين(١).
الثالث:
الصواب: أنه لا يقبل رواية الرافضةِ وسابِ السلف، كما ذكره المصنف في
((الروضة)) (٢) في باب القضاء، في مسائل الإفتاء، وإن سكت في باب
الشهادات(٣) عن التصريح باستثنائهم، إحالةً على ما تقدم، لأن ((سِباب المسلم
فُسوق))(٤)، فالصحابةُ والسلفُ من بابِ أولى.
وقد صرَّح بذلك الذهبي في ((الميزان))(٥)، فقال: البدعة على ضربين:
[ب] -
(١) قلت: وثقه ابن معين في رواية الدوري ٣٤٣:٢ (١٢٧٣) وغيره، ونقل ابن
عدي ٣٣٠:٦ (١٤٧٦) تضعيف ابن معين له من رواية ابن أبي مريم، عنه. وأما أنه لم
يحتج مسلم به: فنعم، لم يحتج به، بل ليس للحِماني رواية في صلب ((صحيح))
مسلم، إنما روئ له مسلم كلمة في ((مقدمة صحيحه)) ٢٠:١ في جرح جابر الجعفي
من طريق الحماني، فهو من رجال مقدمة ((الصحيح)) ولذا رمز له المزي: مق، لا:م.
(٢) ١٠٩:١١ نقلاً عن الخطيب في ((آداب الفقيه والمتفقه)) ٣٣٣:٢، ولفظه:
((تجوز فتاوى أهل الأهواء ومن لم تخرجه بدعته إلى فسق، فأما الشُّراة والرافضة الذين
يشتمون الصحابة ويسبّون السلف، فإن فتاويهم مرذولة، وأقاويلهم غير مقبولة)).
والشُّراة: فرقة من غلاة الخوارج، فهم والرافضة على طرفي نقيض.
(٣) ٢٣٩:١١ من ((روضة الطالبين)).
(٤) طرف من حديث مشهور، وتمامه: ((وقتاله كفر)) رواه البخاري (٤٨)،
ومسلم ٨١:١ (١١٦) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(٥) ترجمة أبان بن تَغْلِب (٢)، وما بين المعترضتين فهو مستفاد من تمام كلام
=

١٢٩
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
صغرى: كالتشُّع بلا غُلُوّ، أو بغلوّ - كمن تكلّم في حقّ من حارب عليًّا - فهذا
كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدَّ هؤلاء لذهب
جملةٌ من الآثار.
ثم بدعة كبرى: كالرَّفض الكامل والغلوِّ فيه، والحطِّ على أبي بكر وعمر،
والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتجُّ بهم ولا كرامة، وأيضًا: فما أَستحضِر
الآن في هذا الضرب رجلاً صادقًا ولا مأمونًا، بل الكذبُ شعارُهم، والتَّقيّة
والنفاق دِثارهم. انتهى.
وهذا الذي قاله هو الصواب الذي لا يحلّ لمسلم أن يعتقد خلافه.
وقال في موضع آخر(١): اختلف الناس في الاحتجاج برواية الرافضة على
ثلاثة أقوال: المنعُ مطلقًا، والترخُّصُ مطلقًا إلا من يكذب وَيَضع، والثالث:
التفصيل بين العارفِ بما يحدِّث وغيرِهِ(٢).
[س)
الذهبي هناك، وفيه بيان من هو الشيعي الغالي في زمان السلف، ثم في زماننا، وهو
ضروري، لتنزيل كلام العلماء على وَفْق مرادهم ومصطلحهم، وانظر النقل الآتي
تعليقاً قريباً ص١٤١ عن ((هدي الساري)).
(١) ترجمة إبراهيم بن الحكم بن ظَهير الكوفي (٧٠).
(٢) هذا اختصار مخلّ لعبارة الذهبي، ولفظه: ((التفصيل، فتقبل رواية الرافضي
الصدوق العارف بما يحدث، وتردّ رواية الرافضي الداعية ولو كان صدوقًا)).
وكذلك فإن من تمام كلمة مالك ويزيد بن هارون عند الذهبي: (( .. فإنهم
يكذبون))، ومن تمام كلمة شريك: ((فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينًا)). وكلمة
=

١٣٠
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
وقال أشهب: سئل مالك عن الرافضة؟ فقال: لا تكلِّموهم، ولا تَرْوُوا
(١)
عنهم(١).
[ب] -
الشافعي أسندها إليه الخطيب ص ١٢٦ من ((الكفاية)).
(١) [فائدة: ذكر الشارح في مؤلف سماه: ((إلقام الحَجَر لمن سبّ أبا بكر
وعمر)) - ص ٦٧ - أن الإمام السبكي صنف كتاباً سماه: ((غيرة الإيمان الجليّ لأبي بكر
وعمر وعثمان وعليّ))، سببه: أن رافضياً سبّ الشيخين وعثمانَ وجماعةً من الصحابة
في الملأ، فاستِيب فلم يتبْ، فحكم المالكي بقتله، وصوّه السبكي فيما فعل، وألّف
في تصويبه الكتاب المذكور، وقال فيه ما ملخصه :
[ذكر القاضي حسين من أصحابنا وجهين فيمن سبّ الشيخين، أو الخَتَنَيْن - يعني
عثمان وعلياً -: أحدُهما: يكفر، لأن الأمة اجتمعت على إمامتهم، والثاني: يفسَّق
ولا يكفر، ثم نقل عن الحنفية نقولاً كثيرة بعضها بالتكفير، وبعضها بالتضليل، ثم مال
السبكي إلى تصحيح التكفير لمآخذَ ذكرها، ثم نقل عن المالكية والحنابلة نقولاً
كذلك، ثم قال :
[أجمع القائلون بعدم تكفير من سبَّ الصحابة: أنهم فسّاق، ثم نقل الاتفاق على
أن من استحلّ سبّ الصحابة فهو كافر، لأن أدنى مراتبه أنه محرَّم مفسِّق، واستحلال
الحرام والفسق كفر.
[ثم أورد على نفسه: أن استحلاله إنما يكون كفراً إذا كان تحريمه معلوماً من
الدين بالضرورة، وأجاب: بأن تحريم سبّ الصحابة معلوم من الدين بالضرورة،
وأطال في تقريره.
[ثم أورد على نفسه حيث اختار التكفير بسب الشيخين أو الختَنَيْن، وإن لم
يستحلَّ فقال: فإن قلتَ قد جزم القاضي حسين في كتاب الشهادات بفسق سابّ
=

١٣١
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
وقال الشافعي: لم أَرَ أشهدَ بالزور من الرافضة.
وقال يزيد بن هارون: يُكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلاّ
الرافضةَ.
وقال شَريك: اِحمِلِ العلم عن كل من لقيتَ إلا الرافضة.
وقال ابن المبارك (١): لا تحدِّثوا عن عمرو بن ثابت فإنه كان يسبُّ السلف.
الرابع :
من الملْحَق بالمبتدع: مَن دأبُه الاشتغال بعلوم الأوائل كالفلسفة والمنطق(٢)،
الصحابة ولم يحكِ فيه خلافاً، وكذلك ابن الصباغ وغيره، وحكوه عن الشافعي،
فيكون ذلك ترجيحاً لعدم الكفر؟ قلت: لا، وهما مسألتان: الأولى: المذكورة في
الشهادات في السبّ لمطلق الصحابة، والثانية: المذكورة في باب الإمامة في سب
الشيخين أو الختنين، وهي محل الوجهين في الكفر والفسق، قال : ولا مانع أن يكون
سب مطلق الصحابة موجباً للفسق، وسب هؤلاء الأربعة المخصوصين مختلفاً في
كونه موجباً للكفر أو الفسق. انتهى.
[لكن قال ابن قاسم في ((الآيات)) مقتضى المذهب أنه ليس كفراً. انتهى. وينبغي
تقييده بغير المستحِلّ على قاعدتهم. والله أعلم.].
(١) أسندها إليه مسلم في مقدمة ((صحيحه)) ١٦:١، وهي زائدة على النقل عن
الذهبي.
(٢) هذا ما ذهب إليه الشارح، وله سلف، وأحسنُ ما يقال فيه: إنه مسلَّم به بعد
بيانٍ وتفصيل، ومختلفٌ فيه إنْ أُخذ على إطلاقه.
ومن البيان والتفصيل: ما أشار إليه الأخضري (٩١٨ - ٩٨٣) رحمه الله، صاحب
=

١٣٢
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[س)
أول كتُيِّب يُدرس في علم المنطق، هو منظومة متن ((السلَّم))، إذ قال في أوله:
به على ثلاثةٍ أقوالِ
والخُلْف في جواز الاشتغالِ
وقال قوم: ينبغي أن يُعلما
فابن الصلاح والنواويُّ حرَّما
جوازه لكامل القريحة
والقولة المشهورة الصحيحة
ليهتدي به إلى الصواب
مُمَارِسِ السنةِ والكتاب
ومن البيان والتفصيل أيضًا: أن يقال: إن من نظر في تاريخ العلوم من الصدر
الأول وما بعده: رأى أن علماء الإسلام كانوا ملتزمين في علومهم، متمسكين في
هديهم بالكتاب والسنة لا غير، ثم تدرّجوا وتوجّهوا إلى دراسة ما يخدِمُهما من علوم
العربية والفقه، وقواعدهما، ثم حصل ما دعاهم إلى التوجّه لإقامة سياج للحفاظ على
معانيهما أن يعبث بها العابثون ممن دخل الإسلام على غير بصيرة أو رسوخ، ورأوا
أن هذا السياج لا يتمّ إلا بدراسة علوم هؤلاء، والردّ عليهم بمنطقهم وعقليتهم
ومصطلحاتهم، فَمَشَوْا على هذا السَّنَن، حتى صارت تلك العلوم علومًا أساسية لا بدّ
لها، وصارت بعض مصطلحات هذه العلوم جزءًا من بعض علوم الشريعة الأصلية،
فدخلت على بعض علوم العربية، ودخلت أكثر وأكثر في كثير من مباحث علوم
أصول الفقه، ودخلت دخولاً كبيراً في علم الكلام وبعض كتب التصوف، وهذه
ظاهرة طبيعية لا بأس بها ولا حرج: أن تتداخل المصطلحات والأفكار، ما لم يُحدث
ذلك خللاً في الأحكام، وما ينبثق عنها من أحكام.
وإنّ كتبَ الإمام الشارح السيوطي رحمه الله تعالى نفسِهِ، الأصوليةَ، لم تسلم من
هذه المصطلحات المنطقية، وليس هذا من التناقض في شيء بين حكمه، وبين تطبيقه
وواقعه، لا، إنما يحرِّمُ هو ومَن سبقه ومَن لحقه مرحلةَ النهاية من هذه العلوم، لا
مرحلة البداية التي استخدمها علماء الشريعة كافة: الغزاليّ ونظراؤه، ممن هم على
حذر تام من التأثر أو الوقوع في مزالق فلاسفة اليونان.
=

١٣٣
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
و(ذم الكلام وأهله)) للهروي، و((الردّ على المنطقيين)) لابن تيمية، واختصارهما
للسيوطي في ((صون المنطق والكلام))، و((جهد القريحة في تجريد النصيحة)) - وهما
مطبوعان معًا -، هذه الكتب وغيرها، هي و((تهافت الفلاسفة)): في صعيد واحد،
لنقض نظريات الفلسفة اليونانية المخالفة لِما جاء في دين الإسلام كتابًا وسنة، لكنْ
تلك الكتب هدفتْ إلى الردّ على المبادئ والغايات، والغزالي هدف إلى هدم
الغايات، وتركَ المبادئ، لأنها يستفاد منها. والله أعلم.
وكنت کتبت في التعليق على «مجالس ابن ناصر الدين) ثلاث صفحات من ص
٨٥ فما بعدها، تتعلق بما أنا فيه الآن، يتعيّن الرجوع إليها، ولولا طولها لنقلتها هنا،
وقد نَقَل هناك الحافظ ابن ناصر الدين بعض أقوال الأئمة الأربعة المجتهدين في ذمهم
علمَ الكلام والاشتغالَ به، ثم نقل ص ٩١ كلامًا فيه طول عن الإمام الخطابي (ت
٣٨٨) رحمه الله من كتابه ((الغُنْية عن الكلام وأهله)) قال في أواخره ص٩٣ من
((المجالس)): ((إنا لا ننكر أدلة العقول، والتوصل بها إلى المعارف، ولكنا لا نذهب
في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال وتعلَّقها بالجواهر ... ))، وأبان
عن السبب الذي يرغب من أجله علماء السلف عن طريقة المتكلمين، هو: ((أنهم لا
يثبتون النبوات ... ، أما مثبتو النبوات فقد أغناهم الله عز وجل عن ذلك))، وبهذا يهون
الخطب، ويتلاقى الفريقان على قصد واحد، وصعيد واحد، وإن اختلف طريق
الوصول إليه.
وأيضًا: نقل البيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص ٣٥٠ تحت: باب ما ذُكر في
القَدَم والرِّجْل، كلامًا عن الخطابي، يهمني منه أوله وآخره، نقل في أوله عن الإمام
أبي عبيد أنه قال - مع اختصار كلماتٍ منه -: ((نحن نروي هذه الأحاديث - أحاديث
الصفات عامة، والقدم والرجل خاصة -، ولا نتطلَّب لها المعاني، قال الخطابي: لكن
الزمان الذي نحن فيه قد صار أهله حزبين: ١- منكر لما يُروى من هذه الأحاديث
=

١٣٤
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ب]
رأساً، ومكذِّب به أصلاً، وفي ذلك تكذيبُ العلماءِ أئمة الدين. ٢- وطائفة أخرى
مسلِّمة للرواية، يكاد يفضي بهم إلى القول بالتشبيه، ونحن نرغب عن الأمرين معًا،
فيحقّ علينا أن نطلب لهذه الأحاديث الصحيحة تأويلاً يخرَّج على معاني أصول
الدين، ومذاهب العلماء، ولا نبطل الرواية فيها أصلاً)).
فتأمل قوله: ((لكن الزمان الذي نحن فيه ... )).
ثم رأيت الآن - وأنا أخدُم النص الكامل لكتاب الإمام البيهقي ((المدخل إلى علم
السنن)) - رأيته يقول فيه كلمة وجيزة يبيِّن فيها مراد السلف بقولهم: علم الكلام، أسند
رحمه الله (٥٣١) قول أبي يوسف القاضي المشهور: ((من طلب الدين بالكلام تزندق))
- ونحوه عن مالك - وفسَّره بقوله: ((إنما يريد - والله أعلم - بالكلام كلامَ أهل البدع،
فإن في عصرهما إنما يعرف بالكلام: أهل البدع، فأما أهل السنة فقلّما كانوا يخوضون
في الكلام، حتى اضطروا إلیه بعدُ».
يريد بـ ((كلام أهل البدع)): أقوالهم واجتهاداتهم ومصطلحاتهم، وانظر قوله عن
علماء أهل السنة: ((اضطروا إليه بعدُ))، ففيه إقرار لهم على دخولهم على هذا العلم،
للنجاة منه.
لكن من الغرابة بمكان: أن يقال: إن هذه المصطلحات وعلومها لم تكن في
الصدر الأول، فهي إذن مردودة !.
فيقال في الجواب: هل كان عند السلف: فاعل ومفعول، ومبتدأ وخبر،
ونواسخ؟ أو: هل كان عندهم: حديث مرفوع وموقوف، ومتصل ومرسل، ومعضل
ومعلل؟ وهل كان عندهم: نص خاص وعام، ومطلق ومقيد، ومجمل ومبيّن،
وناسخ ومنسوخ .. ؟ فكذلك: لم يكن عندهم: تصوّر وتصديق، ولا جوهر وعرض،
وما إلى ذلك.
لم يكن عندهم تدوين لميزان قبول الأخبار (المصطلح)، ولا تدوين لميزان
=

١٣٥
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ب]
النطق العربي (النحو)، ولا تدوين لميزان استنباط الشريعة من مصادرها (أصول
الفقه)، ولا تدوين لميزان ضوابط المعرفة والعلم (المنطق)، لكنهم تدرجوا في هذه
العلوم شيئًا فشيئًا لخدمة الكتاب والسنة.
ورحم الله الإمام ابن دقيق العيد، إذ عرض في كتابه ((الاقتراح)) ص ٢٨٧ إلى
أسباب الاختلاف في التعديل والتجريح فقال: الباب الثامن في معرفة الضعفاء. وذكر
خمسة أسباب للاختلاف، ألخصها هنا، للمناسبة، وسيلخصها الشارح في النوع
الحادي والستين ٥: ٥٤٩، أولها: بسبب الهوى والغرض. ثانيها: الاختلاف في
العقائد والمذاهب. ثالثها: الخلاف بين الصوفية وأهل الظاهر. رابعها: الجهل بالعلوم
ومراتبها، ومعرفة الحق والباطل منها. خامسها: مؤاخذة الآخرين بالتوهم والقرائن
المختلفة.
وقال تحت السبب الرابع: ((إن الناس انتشر بينهم أنواع من العلوم المتقدمة
والمتأخرة، حتى علوم الأوائل، وقد عُلم أن علوم الأوائل قد انقسمت إلى حق
وباطل، ومن الحق: علم الحساب والهندسة والطب، ومن الباطل: ما يقولونه في
الطبيعيات وكثير من الإلهيات والنجوم، ويحتاج القادح بسبب ذلك إلى أن يكون
مميِّزًا بين الحق والباطل، لئلا يكفِّر مَن ليس بكافر، أو يقبل رواية الكافر)).
ولما ألحق العلامة الفقيه ابن نجيم رحمه الله علم المنطق بعلم الفلسفة المحرَّم،
وذلك في كتابه ((الأشباه والنظائر)) ص ٤٥٠، علّق عليه ابن عابدين بكلامٍ قال في
آخره: ((ليس في المنطق ما ينافي الشرع المبين والدين المتين))، وكان ينبغي له رحمه
الله تعالى أن يضيف قوله هذا إلى كلامه في ((حاشيته)) ١٤٢:١ من الطبعة المحققة.
وتنظر - ولا بدّ - الأسطر القليلة التي كتبها الإمام الغزالي في مقدمة ((الإحياء))
٢٢:١ عن خلاصة ما يشتمل عليه علم الكلام، وعن تقسيمه الفلسفة إلى أربعة
أجزاء، وبیانها، وبيان ما فيها، وبیان حكم كل جزء.
=

١٣٦
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
صرَّح بذلك السِّلَفي(١) في ((معجم السفر))(٢)، والحافظ أبو عبد الله ابن رُشَيد في
-
[ب]
وكذلك ما كتبه التاج السبكي في ((معيد النعم)) ص ٦٤، تحت: المثال ٤٦:
العلماء، عند كلامه عمن اتبع طريقة الفارابي وابن سينا.
(١) [بكسر السين المهملة، وفتح اللام، نسبة إلى جدِّ: سِلَفة، قال في
((القاموس)) - س ل ف -: كعِنَبَة، معرب: سَهْ لَبَهْ، أي ذو ثلاث شِفاه، وكان مشقوق
الشفة. انتهى، وهو مساوٍ لقول الكرماني في ديباجة ((شرح البخاري)) - ١: ١٠ -:
فسلفة، بكسر المهملة، وفتح اللام، وبالفاء، وهو أعجمي، وأصله كان بالموحدة،
فأبدلت بالفاء. انتهى.
[وقد أفادني بعض أصحابنا العارفين بلغة الفرس، أن الهاء في الموضعين في
كلام ((القاموس)) رسمته [؟] لا ينطق بها، وإنما هي للدلالة على الفتح والنسبة اللازمة
في لغتهم.]، وينظر (تاج العروس)) ٢٣: ٤٦٠.
[وهذا مخالف لما في حاشية الزركشي - ((النكت)) ١: ٣٩٧ (٩٩) - عن الإمام
النووي في ((بستان العارفين)) - ص٣٣ - من أنه كان مشقوق الشفة، ولقب بالفارسية :
شِلَفة، بكسر الشين المعجمة، وفتح اللام، أي: ذي ثلاث شِفاه، ثم عرّب فقيل :
سلفة. انتھی .].
قلت: وفي اللغة العربية يقال لمشقوق الشَّفَة السفلى: أفلح، والمؤنثة فَلْحاء،
ولُقِّب عنترة بن شداد العبسي (الفلحاء) لذلك، قال في ((الصحاح)) ١: ٣٩٣: ((كان
يلقب الفلحاء لفَلَحَةٍ كانت به، وإنما ذهبوا به إلى تأنيث الشفة)).
(٢) إن كان يريد ما في ص ٣٤٩ (١٢١٧، ١٢١٨) من الكتاب المذكور: فليس
فيه الحكم الذي يريده الشارح، نعم، فيه ذمّ الاشتغال بهذه العلوم. لكنْ ليس فيه
إلحاق صاحبه بالمبتدعة، ويُنزّل على روايته من الأحكام ما على المبتدع، وأيضًا:
=

١٣٧
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
((رحلته))، فإن انضمَّ إلى ذلك اعتقادُه بما في علم الفلسفة من قِدَم العالم ونحوه
فكافر، أو لِمَا فيها مما ورد الشرعُ بخلافه وأقامَ الدليل الفاسدَ على طريقتهم فلا
نأمن میله إلیهم.
وقد صرح بالحطُّ على مَن ذُكر وعدم قبول روايتهم وأقوالهم: ابنُ الصلاح
في ((فتاويه))(١)، والمصنفُ في ((طبقاته))(٢)، وخلائق من الشافعية، وابنُ
عبد البر(٣) وغيره من المالكية، خصوصًا أهلَ المغرب، والحافظُ سراج الدين
[ب]
فالاشتغال بها مذموم، لمن تأثر بها وزَلِق، أما من أخذ منها ما صفا، وترك منها ما
تكدّر: فلا، وكذلك: من اشتغل بها ليكشف ضلال مَن ضلّ بها: فهو مأجور، مُئاب،
إن شاء الله.
(١) صفحة ٧٠، المسألة (٥٥)، وشدَّد.
(٢) يريد ((طبقات الفقهاء الشافعية)) الذي توارد على تأليفه الأئمة الثلاثة: ابن
الصلاح، والنووي، والمزي، وينظر فيه تراجم من كان له اشتغال بهذه العلوم، مثل:
إمام الحرمين، والغزالي، والفخر الرازي، رحمهم الله.
(٣) عقد ابن عبد البر رحمه الله في ((جامع بيان العلم)) ٩٢٨:٢: ((باب ما تكره
فيه المناظرة والجدال والمراء))، وذكر تحت الفقرة (١٧٨٦) عن الإمام مالك قوله:
(( .. لا أحبُّ الكلام - في الدين - إلا فيما تحته عمل .. ، رأيت أهل بلدنا ينهون عن
الكلام في الدين إلا ما تحته عمل))، وعلَّق عليه ابن عبد البر بكلام قال آخره:
((الجماعة: على ما قال مالك، إلا أن يَضطر أحد إلى الكلام فلا يَسَعه السكوت إذا
طمع بردّ الباطل وصرفِ صاحبه عن مذهبه، أو خشي ضلال عامة، أو نحو هذا)).
فإن كان الشارح رحمه الله يريد هذا: فإنه لا يفيد مراده، ولو قُدِّر أن لابن
=

١٣٨
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
القَزْويني(١) وغيره من الحنفية، وابن تيمية وغيرُهُ من الحنابلة، والذهبيُّ لَهِجٌ
[ب]
عبد البر كلامًا آخر يفيد بعمومه مراد الشارح، فإنه ينبغي أن يقيّد بهذا التوضيح
والتصريح، ولابدّ.
ومآل كلام ابن عبد البر هذا، إلى مآل كلام الخطابي الذي نقلته قبل قليل
ص١٣٣ عن البيهقي في ((الأسماء والصفات))، تحت ((باب: ما ذُكر في القَدَم
والرِّجْل)) ص ٣٥٠.
وأما قول الشارح بعده: ((خصوصًا أهل المغرب)): فهذا كلام عام جدًّا، يحتاج
إلى تتُّع طويل، ولعله ينظر إلى ترجمة الإمام الغزالي في ((طبقات)) ابن الصلاح
والنووي الذي ذكرته قبل قليل، ففيها ١: ٢٥٥ كلام المازري في الغزالي، وحطّه عليه
دخولَه في الفلسفة. وقد نقله أيضًا التاج السبكي في ((الطبقات)) ٢٤٠:٦ وما بعدها،
وانظره لزامًا، وأشار إلى موقف المغاربة من الغزالي ص ٢٥٤، كما أشار الذهبي في
((السير)) ١٧: ٥٥٧ إلى موقف علماء المغاربة عامة من المعقولات، وهذا مهم.
وليس في كتاب الشارح ((صون المنطق والكلام)) ما يستفاد في حق المالكية،
وكذا الحنفية.
(١) السراج القزويني: عمر بن عبد الرحمن، المتوفى سنة ٧٤٥، له: ((نصيحة
المسلم المشفق لمن ابتلي بحبّ المنطق)) ذكره حاجي خليفة ١٩٥٨:٢، وأنه نقل
ذلك عن كتاب الشارح ((القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق)). ولم أقف على
ترجمة للقزويني بأكثر مما قدَّمتُه عن حاجي خليفة، إلا أن البغدادي في ((هدية
العارفين)) ٧٨٩:١ زاد فأرّخ ولادته سنة ٦٨٣، وتبعه الأستاذ عمر كحالة في ((معجم
المؤلفين)) ٢٨٩:٧.
وأما قوله: ((وغيره من الحنفية)): فينظر مثل مَنْ؟ فإنه كلام عام جدًّا أيضًا.

١٣٩
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
بذلك في جميع تصانيفه(١).
فائدة:
أردتُ أن أسرد هنا من رُمي ببدعة ممن أخرج لهم البخاريُّ ومسلم، أو
أحدُهما، وهم(٢):
[ب] -
(١) أما ابن تيمية: فهو صاحب كتاب ((الرد على المنطقيين))، وأقول: إنه لا
يتسنّى لابن تيمية رحمه الله أن يكتب هذا الكتاب الضخم في ((الرد على المنطقيين)) إلا
بعد أن يتقن دراسة هذا العلم، فدراسته له سلاح لنقضه، وللردّ على أهله، وهكذا
نقول في الإمام الغزالي رحمه الله: إنه درس الفلسفة لنقضها وإظهار تهافتها.
وأما الذهبي: فهو القائل في ترجمة الحافظ أبي الطاهر السِّلفي في ((السير))
٢١: ٣٦: ((لأَنْ يعيش المسلم أخرسَ أبكمَ خير له من أن يمتلأ باطنه كلامًا وفلسفة)).
وهذا صحيح مسلَّم به إن كان امتلأ منها تشبّعًا واعتقادًا، أما دراسة وسلاحًا لنصرة
العقيدة والفكر الإسلامي على النحو الذي سلكه مَن سلف مِن أئمتنا: فلا.
(٢) وعددهم ٧٩ رجلاً، من ثماني فِرَق: ١٣ مرجئًا. ٧ ناصبة. ٢٤ شيعياً. ٣٠
قدريًا. ١ جهمي. ٢ من الحرورية. ١ من الواقفة. ١ من القَعَدية، وهم الذين يرون
الخروج على السلطان، لكنهم يقعدون عنه ولا يخرجون ولا يباشرون ذلك، فسُمُّوا:
قَعَدة، أو قَعَدیة.
وظهر في نسخة هـ رمز على بعض الأسماء الآتية للبخاري ومسلم أو أحدهما،
ولم يظهر على البعض الآخر، فوضعت الرمز عن يمين الاسم، معتمدًا على ((تقريب
التهذيب))، وقوَّمت منه ما وقع في الأسماء من تحريفات كثيرة.
ومما ينبغي أن يلاحظ: ١- ضرورة البحث عن صحة التهمة بهذه البدعة، ٢-
=

١٤٠
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
[خ م] إبراهيم بن طَهْمان، [خ م] أيوب بن عائذ الطائي، [خ م] ذرّ بن
عبد الله المُرْهِبِي، [خ م] شَبابة بن سَوّار، (خ م] عبد الحميد بن عبد الرحمن
أبو يحيى الحِمّاني(١)، [م] عبد المجيد بن عبد العزيز ابن أبي رَوّاد، [خ م]
عثمان بن غياث البصري، [خ] عمر بن ذَرّ، [خ م] عمرو بن مُرّة، [خ م] محمد
ابن خازم أبو معاوية الضرير، [خ م] ورقاء بن عُمَر اليَشْكُري، [خ م] يحيى بن
صالح الوُحَاظي، ام] يونس بن بُکیر.
هؤلاء رُمُوا بالإرجاء، وهو: تأخير القول في الحكم على مرتكب الكبائر
بالنار(٢).
[ب]
وعن استمرار واستقرار الرجل عليها حتى موته، ٣- وعن مدى غلوّه فيها أو عدم
غلوّه، ٤- وهل روايته هذه تؤيد بدعته أو لا. ٥- ثم كيف كانت رواية الإمام صاحب
الصحيح له: احتجاجًا، أو استشهادًا، أو متابعة، أو مقرونًا، أو تعليقًا، وما إلى ذلك
من ملابسات.
وعلى كلّ: فهذه (قائمة) إجمالية جدًّا.
(١) انظر لزاماً رواية الشيخين للحماني فيما تقدم قريباً ص ١٢٧.
(٢) قال الحافظ في ((هدي الساري)) ص ٤٥٩: ((الإرجاء عندهم على قسمين:
منهم: من أراد به تأخير القول في الحكم في تصويب إحدى الطائفتين اللذين تقاتلوا
بعد عثمان، ومنهم : ... )) وذكر ما ذكره الشارح.
وثمة إرجاء آخر، يسمّونه: إرجاء الفقهاء، وليس ببدعة، وهو عدم جعل
الأعمال جزءًا من الإيمان، فمن أخلّ بعمل من الأعمال، لا يحكم عليه بكفرٍ وخروج
عن الملَّة، وهذا مبحث له صلة بزيادة الإيمان ونقصه، وانظر فيه كلمة وجيزة جدًا في
=