النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
معضل، وإبراهيمُ الذي أرسله: قال فيه ابن القطان(١): لا نعرفه البتةَ،
ومُعانٌ: أيضًا ضعفه ابن معين(٢)، وأبو حاتم، وابن حبان، وابن عدي،
وتبعه أيضًا - وزيادة - ابن الوزير اليماني في كتابه ((العواصم والقواصم))
٣٠٧:١، وما قبلها وما بعدها، فإنه أسهب وأفاد، وينظر أيضًا كلامه في ((تنقيح
الأنظار)) ص١٨٨ - ١٩٠.
ثم، إن قوله ((هذا غير مرضيّ)): أصله لابن الصلاح، وتابعه عليه الإمام النووي
هنا، وفي ((الإرشاد)) ص ١١٠، في حين أن كلامه في أوائل كتابه ((تهذيب الأسماء
واللغات)) ١٧:١ صريح في اعتماده وتقرير معناه على وَفْق ما قاله ابن عبد البر،
فلينظر، والله أعلم.
(١) في ((بيان الوهم والإبهام)) ٣: ٤٠، وفيه الكلام الآتي على مُعان بن رفاعة،
إلا توثيقَ ابن المديني فليس منه. وفي مُعانٍ كلماتُ توثيقٍ عن غير هذين الإمامين،
من: محمد بن عوف الحمصي، ودحيم، وأبي داود، كما يستفاد من التهذيبين، فمن
اختلف فیہ ـ علی هذا الوجه - لا ينزل حديثه عن الحسن.
وأما إبراهيم العُذري: فليس فيه جرح ولا تعدیل، بل فيه أن ابن حبان ذكره في
(الثقات)) ١٠:٤ من طبقة التابعين، فكفاه.
(٢) مُعان بن رفاعة السَّلامي: ضعَّفه من ذكره الشارح أخذًا من ابن القطان،
ومنهم: ابن معين، في رواية الدوري، ذَكَر هذا عن الدوري ابن القطان، ثم المزي
ومتابعوه، وأسند ذلك إلى الدوري: ابن عدي ٣٥٥:٧ (١٨١٥)، وابن عساكر
١١:٥٩، كلّ منهما تحت ترجمة معان - بالنون -، لكن جاء في مخطوطة الدوري:
معاذ، بالذال المعجمة، وكُتب فوقه: معان، كالتصويب له من معاذ إلى معان، فاختار
محققه إثبات: معاذ، هنا في ٤٣٠:٤، ثم في القسم المرتَب ٥٧١:٢، وأفاد أنه اختار
ذلك اعتمادًا على الأصل.
=

٢٢
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
والجُوْزْجاني(١).
نعم، وثقه ابن المديني وأحمد (٢)، وفي ((كتاب العلل))(٣) للخَلاّل: أن
-
(س)
واختيارُ ما عند ابن عدي وابن عساكر ليذكر تحت ترجمة معان أولى، وحالُ
مُعان تحتمل هذا الاختلاف، فقد ضعَّ معانًا غير ابن معين، أما معاذ: فليس فيه إلا
أن ابن حبان ذكره في ((الثقات)) ٤٢١:٥.
نعم، زاد ابن حجر في ((التهذيب)) ١٩٠:١ أن أبا الفتح الأزدي نقل عن
الدوري، عن ابن معين تضعيف معاذ أيضًا، وبناءً على هذا فقد قال الأزدي نفسه: لا
يحتج به، والظاهر أنه تحرف على الأزدي اسم معان إلى معاذ، فنقل ما نقل وبنى
عليه ما بنى. والله أعلم.
وقد حصل نحو هذا التحريف في مخطوطة ((سؤالات الآجري لأبي داود))،
ففيها: معاذ، وصوابه: معان، كما نبه إليه محققه (١٦٩٢)، ويصحح ما جاء في
((التعليق على تهذيب الكمال)) ١٢٢:٢٨.
(١) تحرف في ك إلى: الجوجزاني !. وتصنيف أبي حاتم: في ((الجرح)) ٨(١٩١٩)،
ولفظه: يكتب حديثه ولا يحتج به، وابن حبان في ((المجروحين)) ٣٦:٣، وقال: منكر
الحديث ... ، وابن عدي في ((الكامل)) ٣٥٥:٧ (١٨١٥)، ونقل تضعيف الجوزجاني له
بواسطة ابن حماد (الدولابي)، ولفظه: ليس بحجة، وليس هو في كتابه ((أحوال الرجال)).
(٢) توثيق ابن المديني: ذكره المزي ١٥٨:٢٨ بلفظ: ثقة، وأما توثيق أحمد:
فبلفظ: لا بأس به، كما سيأتي، ومثله توثيق أبي داود، ومحمد بن عوف الحمصي
الذي نقله ابن عساكر ١٠:٥٩ عن ابن أبي حاتم، وليس هو في ((الجرح)).
(٣) أسنده إلى الخلال: الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) ص ٢٩. واشتهر
هذا النقل عن الإمام أحمد، وممن ذكره وأسنده إلى الخلال، ابن القيم رحمه الله في
((مفتاح دار السعادة)) تحت الوجه ١٣٦ من وجوه تفضيل العلم وأهله. ويريد الإمام
=

٢٣
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
أحمد سئل عن هذا الحديث فقيل له: كأنه موضوع؟ فقال: لا، هو صحيح،
فقيل له: ممن سمعتَه؟ فقال: مِن غير واحد، قيل: مَن هم؟ قال: حدثني به
مسكين، إلا أنه يقول: عن مُعان، عن القاسم بن عبد الرحمن، ومعانٌ لا بأس
به. انتھی.
قال ابن القطان: وخفي على أحمدَ من أمره ما علمه غيره(١).
[ب] -
بقوله ((هو صحيح)): القبول العام، لا الصحة الاصطلاحية، والله أعلم، كما هو
واضح من قوله: (ومعان لا بأس به)).
ومسكين: هو ابن بكير الحراني، وهو من بابة مُعان، ففي ((سؤالات الآجري))
(١٧٨٨) عن أبي داود، عن الإمام أحمد أنه قال في مسكين: ((لا بأس به، ولكن في
حديثه خطأ))، فكأن الإمام تعلَّق عليه بهذه الغلطة: سمى إبراهيم بن عبد الرحمن،
القاسمَ بنَ عبد الرحمن.
(١) ((بيان الوَهَم)) ٤٠:٣، لكن مع توثيق الأئمة الأربعة الذين ذكرتهم قبل قليل:
لا يعتدّ بقوله هذا.
وكتب العلامة ابن العجمى رحمه الله:
[قال الزركشي - ((النكت)) ٣: ٩٠٤ (٢٣٦) -: وفيما صار إليه ابن القطان - ٢ :
٣٤٧، ٣: ٣٧، ٣٩ - من تضعيفه نظر، فإنه يتقوَّى بتعدد طرقه، ومن شواهده :
كتاب عمر إلى أبي موسى : المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حدّ،
أو مجرَّباً عليه شهادةُ زور، أو طعناً في ولاء أو نسب. انتهى.].
وكتاب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما، رواه الدار قطني بإسنادين، أولهما
ضعيف (٤٤٧١)، والثاني صحيح (٤٤٧٢)، صححه مغلطاي ٣٠٧:٢، وتبعه
البلقيني ص ٢٩٠، ورواه أخرون.

٢٤
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
قال العراقي(١): وقد ورد هذا الحديث متصلاً من رواية عليّ، وابن عُمر،
[ب]
(١) في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٥٥٥ - ٥٥٦، وهؤلاء ستة من الصحابة رضي الله
عنهم جميعًا، وزاد الزركشي ٩٠٢:٣ اثنين: أسامة بن زيد، وعبد الله بن مسعود،
وزاد السخاوي ١٧١:٢ اثنين آخرين هما: ابن عباس، ومعاذ بن جبل، ووقفت على
حادي عشر: أنس بن مالك، وها هو ذا تخريج أحاديثهم باختصار شديد.
أما حديث علي، وابن عُمر: فرواهما ابن عدي ٢١٨:١.
وحديث ابن عمرو: رواه العقيلي ١٠:١، ومن طريقه ابن عبد البر في ((التمهيد))
٥٩:١.
وحديث جابر بن سمرة: رواه ابن الجوزي في مقدمة ((الموضوعات)) (٤).
وحديث أبي أمامة: رواه ابن عدي ٢١٩:١، والعقيلي ١: ٩.
وحديث أبي هريرة: رواه الخطيب في ((الجامع)) (١٣٧)، و((شرف أصحاب
الحديث)) ص ٢٨، وابن عدي: ٢١٨:١ - ٢١٩، والعقيلي ١٠:١، ومن طريقه ابن
عبد البر في ((التمهيد)) ٥٩:١.
وحديث أسامة: في ((شرف أصحاب الحديث)) ص ٢٨، و((تاريخ دمشق)) ٣٩:٧.
وحديث ابن مسعود: في ((شرف أصحاب الحديث)) ص ٢٨.
وحديث ابن عباس: لم أقف عليه.
وحديث معاذ: في ((شرف أصحاب الحديث)) ص ١١.
وحديث أنس: في (تاریخ دمشق)) ٢٢٥:٥٤.
أما حكمه: فقد نقل الزركشي والسخاوي عن الدار قطني قوله: لا يصح مرفوعًا،
وقد رأيتَ قبل قليل تصحيح الإمام أحمد له، وتصحيح عيسى بن صَبيح أحد متقدمة
المعتزلة له أيضًا، وکلام ابن عدي يُشعر بقبوله إياه.
=

٢٥
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
(س)
وذهب من المتأخرين إلى تقويته وتثبيته بكثرة طرقه: الزركشي والسخاوي
والقسطلآني في مقدمة ((إرشاد الساري))، وكذلك ابن القيم وابن الوزير، وقد نقل
كلامهما بطوله شيخنا في تعليقته الطويلة على مقدمة ((التمهيد)) ضمن ((خمس رسائل
في علوم الحديث)) ص ١٣٤ - ١٤٠.
وأقول: إن تقوية الحديث بكثرة طرقه: مسلَّمة، لكنْ ذهب العلائي إلى ثبوته من
طريق أسامة، ويزداد قوةً وصحةً بكثرة الطرق الأخرى، فقد روى العلائي الحديث
في (بغية الملتمِس)) ص ٣٤ بإسناده إلى الإمام ابن جرير الطبري، عن عثمان بن
يحيى، عن عمرو بن هاشم البيروتي، عن محمد بن سليمان، عن معان، عن أبي
عثمان النهدي، عن أسامة، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، ثم عرّف بعثمان
ابن يحيى، وشيخه عمرو، وبمحمد بن سليمان فقال في ابن سليمان: ((هذا هو
الحراني، يعرف بـ: بُوْمة، وثّقه سليمان بن سيف، وطائفة، وقال النسائي: ليس به
بأس، وقد تُكلُّم فيه)). فمثل هذا يحسَّن حديثه، ويتقوّى بكثرة طرقه، فيقال: صحيح
لغيره، وهذا معنى ما قاله العلائي: ((حسن غريب صحيح)) أي: حسن لذاته، صحيح
لغيره.
لكن روى الحديث - كما قدَّمته - من طريق ابن جرير، به: الخطيبُ في ((شرف
أصحاب الحديث))، ومن طريقه ابن عساكر، وعندهما ما لفظه: ((حدثنا عمرو بن
هاشم البيروتي، عن محمد بن سليمان - يعني ابن أبي كريمة -)».
وهذا التفسير لمحمد بن سليمان بأنه ابن أبي كريمة، مقدَّم على مطلق قول ابن
عساكر في ترجمة معان ٥٩: ٧: بومة يروي عن معان، فهذا مطلق، وذاك مقيّد.
وابن أبي كريمة هذا قال فيه أبو حاتم ٧ (١٤٦٦): ضعيف الحديث، وقال
العقيلي ٧٤:٤: حدّث عن هشام بن عروة بيواطيل لا أصل لها.
وحديثه هذا ليس عن هشام بن عروة، لكن يبقى تضعيف أبي حاتم له، وقد نقل
ابن عساكر في «تاريخه)) ١٤١:٣ هذين التضعيفين دون أي توثيق في الرجل، وعلى
=

٢٦
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
(ت)
كل: فيبقى حكم الحافظ العلائي في محل النظر، ويبقى الترجيح لحكم مَن حكم
بتقوية الحديث وثبوته بتعدد طرقه، لا من طريق أسامة بن زيد. والله أعلم.
ومع ذلك فقد استشهد له مُغلطاي ٣٠٧:٢ بكتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري
رضي الله عنهما، وفيه: ((المسلمون عدول بينهم، بعضهم على بعض ... ))، وقال:
سنده صحيح، وهو في ((سنن)) الدارقطني (٤٤٧١، ٤٤٧٢)، وإسناد الرواية الأولى
ضعيف متروك، أما إسناد الثانية فهو الذي عناه مغلطاي، وذكر ابن حزم في
((المحلَّى)) أول كتاب الصلح ١٦٢:٨ (١٢٦٩) طرفًا منه بإسناد آخر وردّه.
ومن تمام بيان الحكم على الحديث: أن مغلطاي نقل في كتابه ((إصلاح كتاب ابن
الصلاح)) ٣٠٦:٢ عن ابن عبد البر قوله في ((جامعه)): ((رُوي عن أسامة وأبي هريرة
بأسانيدَ، وكلُّها مضطربة غير مستقيمة))، وعلَّق مغلطاي بقوله: ((كيف يسوغ لابن
عبد البر الاحتجاج بما يضعِّفه)) هو بنفسه !!.
وسرى هذا الوهم من هذا الكتاب لمغلطاي رحمه الله إلى كتابه الآخر ((الإنابة))
٤٣:١ - ٤٤، إذْ ترجم للعذري، ونقل كلام ابن منده، وفيه بعض طرق هذا
الحديث، وختمها بقوله: ((وكلها مضطربة غير مستقيمة، ذكره أبو عمر في: ((جامع
بیان العلم)».)).
ثم سرى من مغلطاي إلى من جاء بعده ممن أخذ عنه ولم ينسبه إليه: كالزركشي
في ((النكت)) ٩٠١:٣ (٢٣٦)، والسخاوي ١٦٩:٢.
والواقع أن هذا القول ليس في ((جامع بيان العلم))، بل الحديث - من حيث هو -
لم يذكره ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم))، ولا في ((الاستذكار))، ولم يترجم في
((الاستيعاب)) لإبراهيم العذري، إنما ترجم ابنُ منده وأبو نعيم كلاهما في ((معرفة
الصحابة)) للعذري، ونسب ابنُ الأثير في («أسد الغابة)) ٥٢:١ - ٥٣ ترجمةَ العذري
إليهما، ونقل كلام ابن منده كما نقله مغلطاي، وفيه قوله: ((وكلها مضطربة غير
مستقيمة))، فمن هنا - والله أعلم - حصل الوهم لمغلطاي، وازدوج عليه الوهم،
=

٢٧
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
وابن عَمرو، وجابر بن سمرة، وأبي أمامة، وأبي هريرة، وكلها ضعيفة لا يثبت
منها شيء، وليس فيها شيء يقوِّي المرسلَ.
قال ابن عدي: ورواه الثقات عن الوليد بن مسلم، عن إبراهيم العُذْري:
حدثنا الثقة من أصحابنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره(١).
[ب]
-
فنسب كلام ابن عبد البر إلى ((جامع بيان العلم))، وليس فيه، ولا في كتبه الأخرى،
والله أعلم.
وأمر آخر، إن الكلام الذي نقله ابن الأثير ومغلطاي عن ابن منده (٣٩٥هـ)،
جاء مثله عند نِدّه أبي نعيم (٤٣٠ هـ) في ((معرفة الصحابة)) ٢١١:١ - ٢١٢، حتى
قوله: ((وكلها مضطربة غير مستقيمة))، ومعلوم استفادة اللاحق من السابق، وموقفه
منه، فالحکم حکم ابن منده، لا ابن عبد البر، کما وهم مغلطاي، ولا لأبي نعيم،
كما وهم الزركشي ٩٠٢:٣ (٢٣٦).
أما اعتراض مغلطاي على ابن عبد البر بقوله: كيف يسوغ له الاحتجاج بما يضعفه؟!
فجوابه - إن ثبت عنه - هو ما قاله ابن عبد البر نفسه في ((التمهيد)) ٥٨:١ = ١٣٢ :
((الحديث الضعيف لا يُدفع وإن لم يُحتج به، وربّ حديث ضعيف الإسناد صحيح
المعنى))، أي: لا يردّ بتاتًا ويُهدر كالموضوع، ولا نجعله في مقام الاحتجاج به،
کالحدیث الثابت، وإن کان هذا الكلام لا تَتَقبَّله نفوس الجامدین عند رسوم الإسناد.
(١) لفظه: ١٥٣:١ بعدما رواه من طريق إبراهيم بن أيوب الدمشقي، عن الوليد
ابن مسلم، عن العذري، قال: حدثنا الثقة من أشياخنا، ثم رواه من طريق أبي عمير،
عن الوليد، عن العذري، قال: حدثني الثقة.
وتقدم أن ابن حبان ذكر العذري بين ثقات التابعين ١٠:٤، لكن قوله: ((حدثنا
الثقة من أصحابنا)): مشعِر بأنه يرويه عن غير صحابي، فيكون توثيقه لشيخه بهذه
=

٢٨
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
ثم على تقدير ثبوته إنما يصحُّ الاستدلال به لو كان خبرًا، ولا يصح حمله
على الخبر، لوجود مَن يحمل العلم وهو غيرُ عدل وغيرُ ثقة، فلم يبقَ له محمِل
إلا على الأمر، ومعناه: أنه أمر للثقات بحملِ العلم، لأن العلم إنما يُقبل عنهم،
والدليل على ذلك: أن في بعض طرقه عند ابن أبي حاتم(١): ((لِيَحْمِلْ هذا
العلمَ))، بلام الأمر.
وذكر ابن الصلاح(٢) في ((فوائد رحلته)) أن بعضهم ضبطه بضم الياء، وفتح
الميم، مبنيًّا للمفعول، ورفع ((العلمُ))، وفتح العين واللام من ((عَدولَة))، وآخره
تاء فوقية، فَعُولَة، بمعنى فاعل، أي: كامل في عدالته، أي: إن الخَلَف هو
[ب]
الصياغة في محل القبول والرد: هل يقبل توثيقه على هذا الإجمال أو لا، ومع ذلك
فأمره قریب، لا يهدر.
(١) في ((الجرح والتعديل)) ١٧:٢، وانظر ما يأتي قريباً.
(٢) كما في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٥٥٦، وزيادة في البيان وتحقيقه: إن العراقي
صدَّر نقله عن ابن الصلاح بقوله: ومما يُستغرب في ضبط هذا الحديث .. ، وذكر كلام
ابن الصلاح، وفيه قوله: إنه وَجَد بنيسابور في كتاب يشتمل على مناقب ابن كرَّام
جَمْع محمد بن الهَيْصَم، وذكر عنه هذا الضبط.
ومحمد بن كرام معروف، ومحمد بن الهيصم: جاء ذكره في ترجمة ابن كرام في
((ميزان الاعتدال(( (٧٦٣٣)، و((لسانه)) (٧٣٣٦) ووُصِف فيها بأنه متكلِّم الكرامية،
وعلى هذا فيتوقف في قبول هذا الضبط ما دام هذا مصدرَه، فقد يكون لهؤلاء
المبتدعة رأي في هذا الضبط لنصرة بدعتهم، ويكون داخلاً تحت قوله: ((تحريف
الغالين) على المعنى الذي شرحته قريباً ص١٩. والله أعلم.

٢٩
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
العَدولَة، والمعنى: أن هذا العلم يُحمل - أي: يُؤخذ - عن كل خَلَفِ عدل(١)،
فهو أمرٌ بأخذ العلم عن العدول، والمعروف في ضبطه: فتحُ ياء ((يَحمل)) مبنيًّا
للفاعل، ونصب ((العلمَ)) مفعوله، والفاعل ((عُدولُه)) جمع عَدْل(٢).
(١) في د: ثقة عدل.
-
(٢) [قوله: والفاعل ((عدوله)): هذا هو المتبادر، وقد ذكر الطيبي - ((شرح
المشكاة)) ٤٠١:١ -: أن ((من)) تبعيضیة مرفوعاً فاعل ((يحمل))، و«عدوله)) بدل منه،
وفيه نظر، فإنه إن أراد أن كلمة ((من)) اسم بمعنى ((بعض)) في محل رفع فاعل، وما
بعدها مجرور بالإضافة، كما قيل بذلك في نحو: زيد كالأسد، فلا قائل به في
((من))، بل صرح ابن الحاجب في حروف الجر، بأن عشرةً لا تكون إلا حرفاً، وذكر
منها كلمة ((من)) . - [بل انظر ((همع الهوامع)) ٢: ٣٨٢] -.
[وإن أراد أنها حرف جر للتبعیض، وما بعدها مجرور بها، اقتضى ذلك أن يكون
الفاعل جاراً ومجروراً، وقد نصوا على أن فاعل الفعل المبني للفاعل لا يكون مجروراً
إلا بالباء، أو بـ: من الزائدتين، نحو ﴿كفى بالله شهيداً﴾ - الرعد: ٤٣ -، و﴿ما
يأتيهم من ذكر﴾ - الأنبياء: ٢ - أي: ذكرٌ، اللهم إلا أن يقال: إن مراده أن الجار
المجرور في محل رفع صفة لفاعل مقدر، دل عليه كلمة ((من)) التبعيضية، فلما حُذف
الموصوف، وأُقيم الوصف مُقامه أطلق عليه أنه فاعل، وأن ((عدوله)) بدل منه،
والفاعل، والمبدل منه في الحقيقة هو المقدَّر، ونظير هذا ما في شروح ((الكشاف)) في
قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله﴾ - البقرة: ٨_].
وخلاصة القول في هذا الحديث الشريف أنه ثابت روايةً، وأنه للخبر والأمر معاً
درايةً. أما للخبر فإنه إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم عن أنه يوجد في كل طبقة
زمنية طائفة من العدول الصالحين، يحملون العلم خلفاً عن سلف، ولو وُجد أناس
آخرون هم غُثاء كغثاء السيل! ولا يلزم أنه يكون كل حامل علم عدلاً، فإخبار النبي
=

٣٠
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
الثالثة : يُعرف ضبطه بموافقة الثقات المتقنين غالباً، ولا تضرُّ مخالفتُه
النادرةُ، فإنْ كثرت اختلِّ ضبطه، ولم يُحتجَّ به.
[ش]
(الثالثة: يعرف ضبطه) أي: الراوي (بموافقة الثقات المتقنين) الضابطين إذا
اعتُبر حديثه بحديثهم(١)، فإنْ وافقهم في روايتهم (غالبًا) ولو من حيثُ المعنى:
فضابطٌ، (ولا تضرُّ مخالفتُهُ) لهم (النادرةُ(٢)، فإنْ كثرت) مخالفته لهم ونَدَرت
الموافقة(٣) (اختلَّ ضبطه ولم يُحتجَّ به) في حديثه(٤).
[ب]
صلى الله عليه وسلم يتحقق بهذه الطائفة الصالحة، وينطبق عليها وصف (الطائفة
المنصورة) ذات البشارة بالحديث المتواتر.
وأما للأمر: فإنه تنبيه من النبي صلى الله عليه وسلم لأفراد أمته أن يقدِّموا من
أبنائهم لحمل الميراث النبوي مَن صلح منهم حاله وسلوكه، والله أعلم.
(١) أي: اختُبِر وقُوْرِن.
(٢) لكنْ تحفظ عليه هذه المخالفة النادرة، وتُردّ فلا تقبل، وإن زادت قليلاً نزل عن
رتبة ضبط الثقة، إلى أصل الضبط، وهي رتبة صاحب الحديث الحسن (الصدوق).
(٣) الكثرة والقلّة والندرة أمور نسبية، ولا بدّ من ملاحظة (الكمية العامة)
للأحاديث التي رواها هذا الراوي، ثم إن في قوله: ((ندرت الموافقة)) نظرًا، إذْ لا
اعتبار للندرة مع كثرة المخالفة، ومتى كثُر عدد الأحاديث التي خالف فيها الثقاتِ
يحكم على الراوي باختلال ضبطه، ولو كانت الأحاديثُ المتبقيةُ الموافقةُ لرواياتَ
الثقات كثيرة.
ولا بدّ من ملاحظة (الكيفية والنوعية) في المخالفة، إلى جانب ملاحظة
(الكمية)، فحين تكون المخالفة في اسم راو ثقة مع راو آخر ثقة، لا يؤاخذ عليه
الراوي، كما لو كانت المخالفة بين راو ثقة وضعيف، وبين وقفٍ ورفع للحديث، أو
كانت المخالفة بين حلّ وحرمة في معنى متن الحديث !!
(٤) أي: لا تبقي أحاديثه في مقام الحجية: الصحة أو الحسن، إنما تنزل إلى رتبة
=

٣١
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
فائدة:
ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في ((الأطراف)) (١): أن الوهم تارة يكون في
الحفظ، وتارة يكون في القول، وتارة يكون في الكتابة.
قال(٢): وقد روى مسلم(٣) حديث: ((لا تَسُبُوا أصحابي)): عن يحيى بن
[ب]
الضعف، وينظر فيها بعد ذلك: هل موضوعها فيما يصلح لإيراد الضعيف فيه أو لا؟.
(١) ((تحفة الأشراف)) آخر تخريجه للحديث (٤٠٠١)، على أن الحافظ في
((الفتح)) ٣٥:٧ (٣٦٧٣) عَرَض لهذا ونقل كلام المزي، وخلص إلى القول: ((إن
الوهم وقع فيه ممن دون مسلم))، وكذلك قال في ((جزئه)) الذي أفرده لطرق هذا
الحديث، وقد طُبع مفرداً، وضمن ((الجواهر والدرر)) ١: ٣٥٧ - ٣٧١.
وعلى القول بأن الوهم من مسلم - كما يرى المزي - فإن الذي في ((صحيح) مسلم
١٩٦٧:٤ (٢٢١) رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وهو
خطأ في الرواية ساقه مسلم لينبِّه إلى الرواية الصحيحة التي ساقها بعدها: جرير، عن
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، لكن الذي حصل بعدُ: أن مسلمًا ساق الحديث
من رواية وكيع وشعبة، ولم يُتم السند، ولم يذكر المتن، وأحال على ما تقدم: رواية أبي
معاوية وجرير، فأوهم أن روايتهما واحدة عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد، في حين أنهما
مختلفتان، فعلى هذا يتم كلام المزي: وَهَمَ مسلم في الكتابة، أي: سبق قلمه.
أما في أصل الرواية وسياق الأسانيد: فإن مسلمًا نبّه وعلّل، وما وَهَم. أما إذا قلنا
بوقوع الوهم في سياق الروايات: فإنه يترجح قول الحافظ: الوهم وقع ممن دون
مسلم، واستدلاله قوي.
(٢) هذا النقل والذي يليه لا يزال عن المزي في الموضع السابق.
(٣) في (صحيحه)) ١٩٦٧:٤ (٢٢١). وأبو بكر المذكور: هو ابن أبي شيبة،
=

٣٢
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
الرابعة : يقبل التعديلُ من غير ذكر سببه، على الصحيح المشهور، ..
[ش]
يحيى، وأبي بكر، وأبي كُريب ثلاثتهم، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن
أبي صالح، عن أبي هريرة، ووَهِم عليهم في ذلك، إنما رووه عن أبي معاوية،
عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، كذلك رواه عنهم الناس، كما
رواه ابن ماجه(١) عن أبي کُريب، أحدٍ شيوخ مسلم فيه.
قال: والدليل على أن ذلك وَهْم وقع منه في حال كتابته لا في حفظه: أنه
ذَكَر أولاً حديث أبي معاوية، ثم ثنَّى بحديث جرير، وذكر المتن وبقية الإسناد،
ثم ثلَّث بحديث وكيع، ثم ربَّع بحديث شعبة، ولم يذكر المتن ولا بقية الإسناد
عنهما، بل قال: عن الأعمش بإسناد جرير وأبي معاوية، بمثل حديثهما، فلولا
أن إسناد جرير وأبي معاوية عنده واحد لما جمعها في الحوالة عليهما (٢).
(الرابعة: يقبل التعديل من غير ذكر سببه على الصحيح المشهور)(٣)، لأن
[ب] -
والحديث في ((مصنفه)) (٣٣٠٧١) من حديث أبي سعيد الخدري، لا أبي هريرة
رضي الله عنهما، وانظر ما علقته عليه.
(١) في ((مقدمة سننه)) (١٦١)، وانظر كلام الحافظ في ((الفتح)) ٧: ٣٥ (٣٦٧٣).
(٢) نعم، فالأولى حمل الوهم في كلام مسلم على هذا الجمع بين رواية جرير
وأبي معاوية، كما قدمته، لا على روايتيه السابقتين.
(٣) نعم، الحكم في التعديل والجرح كما قال، هو الصحيح المشهور، لكنه
صحيح نظرًا واستدلالاً، وترى في ((الرفع والتكميل)) ص ٧٩ - ١٠٩، أقوال
الأصوليين والمحدثين في تصحيحه، لكنه غير القول الراجح من حيثُ العمل، بل
الراجح عملاً: هو القول الرابع في المسألة، وهو الآتي ص٤٦ في مقابل هذا القول:
((القول الثالث)). وانظر التعليق على ((الرفع والتكميل)).
=

٣٣
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
ولا يقبل الجرح إلا مبَيَّنَ السبب.
[ش]
أسبابه كثيرة فيثقُل ويشُقُّ ذكرها، لأن ذلك يُحْوِج المعدِّل إلى أن يقول: لم يفعل
كذا، لم يرتكب كذا، فعل كذا وكذا، فيعدِّد جميع ما يُفَسَّق بفعله أو بتركه،
وذلك شاقّ جدًّا.
(ولا يقبل الجرح إلا مبيَّنَ السبب) لأنه يحصُل بأمر واحد ولا يشُقُّ ذِكره،
ولأن الناس يختلفون في أسباب الجرح، فيطلِقٍ أحدهم الجرحَ، بناء على ما
اعتقده جرحًا وليس بجرح في نفس الأمر، فلا بدَّ من بيان سببه ليُنظر: هل هو
قادح أو لا؟.
قال ابن الصلاح(١): وهذا ظاهر مقرَّر في الفقه وأصوله، وذكر الخطيب(٢)
-
ويمقتضى ما جاء في المتن: قبول التعديل مجملاً، واشتراط تفسير الجرح: بهذا
قال متقدمو الحنفية، كما تراه عند البزدوي ص٤٤٣ لكن رجَّح متأخروهم ما ذهب
إليه الباقلاني وحكاه عن الجمهور، كما تراه عند ابن الهمام في ((التحرير)) ٢: ٢٥٨
بشرح ابن أمیر حاج.
(١) صفحة ٩٨ المسألة الثالثة.
(٢) في ((الكفاية)) ص ١٠٨ وقال: ((هذا القول هو الصواب عندنا)) إلى آخر كلامه
الذي لخصه ابن الصلاح، ثم الشارح هنا.
قلت: هذا لفظ الخطيب هنا، مع أنه سبق منه ص ١٠١ بعدما ذكر دليل هذا
القول الأول: ((علمًا أنا نقول أيضًا: إنْ كان الذي يُرجع إليه في الجرح عدلاً مرضيًا في
اعتقاده وأفعاله، عارفًا بصفة العدالة والجرح وأسبابهما، عالمًا باختلاف الفقهاء في
أحكام ذلك، قُبِل منه قوله فيمن جَرَحه مجملاً، ولم يُسأل عن سببه))، وهذا هو القول
الآتي قريباً ص٤٦ قولاً ثالثًا، وهو في التعداد رابع، وهو الذي حكاه الخطيب
=

٣٤
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث كالشيخين وغيرهما (١).
(ت)
ص ١٠٧ عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وحكاه الباقلاني عن الجمهور.
وبالمناسبة: لابدّ من التنبيه إلى أمر حصل في الطبعة الهندية - على جودتها -
شوَّش كلامَ الباقلاني، هو أن قوله: ((والذي يَقْوَى عندنا: ترك الكشف ... ))، جاء من
أول السطر مبتوراً عن صدر كلام الباقلاني، فأوهم أنه من كلام الخطيب، وليس
كذلك، بل هو من تمام كلام الباقلاني، والله أعلم.
(١) أكَّد ابن الصلاح على ترجيح هذا القول، وتبعه جمهرة من المحدثين
والأصوليين، تجد جملة كبيرة من أقوالهم في المرصد الأول من ((الرفع والتكميل))،
مع التعليق علیه آخره لشيخنا رحمه الله تعالی.
ثم إن نسبة هذا المذهب إلى الشيخين وأبي داود من عند الخطيب، وليس هو
ناقلاً له عن الشيخين وأبي داود، وكذلك الاستدلال بروايتهم عن فلان وفلان، هو
من عنده، وفي ذلك نظر طويل.
وقبل بيانه أقول: ذكر الخطيب رجلين آخرين من رجال البخاري فقط، هما:
إسماعيل بن أبي أويس، وعاصم بن علي الواسطي. وإليك البيان.
قال الخطيب ص ١٠٨: ((إن البخاري قد احتج بجماعة سبق من غيره الطعن
فيهم ... )) هكذا قال: احتج البخاري.
أما عكرمة: فهو مولى ابن عباس، وقد أطال الحافظ في ترجمته والدفاع عنه،
وتلخيص ما قيل فيه، ثم ردَّه بأوفى ردّ، وذلك في ((التهذيب) ٢٦٤:٧ - ٢٧٣،
و((هدي الساري)) ص ٤٢٥ - ٤٣٠ من القطع الكبير والكلام المزدحم. وغاية ما يمكن
أن يُتمسّك به علیه أنه من الخوارج، وقد ثبت أنه لم یکن داعية، وأنه قد رجع عنها.
وأما عمرو بن مرزوق: فقد ختم الحافظ ترجمته في ((هدي الساري)) ص ٤٣٢
=

٣٥
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ب]
بقوله: «فوضح أنه لم يخرج له احتجاجًا)).
وأما إسماعيل بن أبي أويس: فحقُّه أن يقال فيه: روى عنه البخاري احتجاجًا،
لكنْ انتقاءً، لقول الحافظ في آخر ترجمة إسماعيل من ((هدي الساري)) ص ٣٩١:
((روينا في ((مناقب البخاري)) بسند صحيح أن إسماعيل أخرج أصوله، وأَذِن له
- للبخاري - أن ينتقي منها وأن يُعلِم له على ما يحدِّث به، ليحدث به ويُعرض عما
سواه، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه، لأنه كتب من
أصوله، وعلى هذا: لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح، من أجل ما قَدَح
فیه النسائي وغيره، إلا إن شاركه فیه غيره فیعتبر فیه)).
وأما عاصم بن علي الواسطي: فقد روى له البخاري في ((صحيحه)) تسعة
أحاديث، ثمانية منها عنه مباشرة، وواحد منها بواسطة، ورواية الإمام عن رجل
مباشرة، ونزوله في الرواية عنه بواسطة، تدل على أهميته عنده، قال المنذري في
(تهذيب سنن أبي داود)) ١٢٠:٦ (٤٠٦٥) وهو يتحدث عن رواية الشيخين عن
إسماعيل بن أبي أويس المذكور قبلُ: ((إن البخاري ومسلمًا قد حدثا عنه في
صحيحيهما محتجَّيْن به، وروى مسلم عن رجل عنه، وهذا في غاية التعظيم، ولم
يؤثِّر عندهما ما قيل فيه)).
وأرقام الأحاديث التسعة هي: (٣٦٦، ٤٨٠، ٢٤١٥، ٢٥٦٦، ٣٢٨٩، ٦٠١٦،
٦٢٢٦، ٦٧٨٥، ٦٨٣٥)، الثاني منها تعليق عليه، والثامن: عن محمد بن عبد الله - قيل
هو: الذُّهلي - عن عاصم، والسبعة الباقية كلها يرويها عاصم عن ابن أبي ذئب، وكلها
يرويها البخاري في مواطن أخرى، ولعاصم متابعة - أو أكثر - تامة، أو قاصرة، إلا
السادس منها، فإن البخاري لم يكرره، لكنه ذكر مَن تابع عاصمًا، وأشار إلى الاختلاف
على ابن أبي ذئب في تسمية صحابيّ الحديث: هل هو أبو شريح، أو أبو هريرة، قال
الحافظ ٤٤٤:١٠ بعد استعراض الطرق: ((صنيع البخاري يقتضي تصحيح الوجهين، وإن
كانت الرواية عن أبي شريح - كما في رواية عاصم - أصحّ)).
=

٣٦
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
ولذلك احتج البخاريُّ بجماعةٍ سبق مِن غيره الجرحُ لهم، كعكرمة،
وعمرو بن مرزوق، واحتج مسلم بسويدِ بنِ سعيد وجماعة اشتَهَر الطعن فيهم،
وهكذا فعل أبو داود.
وذلك دالٌ على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فُسِّرِ سببه(١).
ويدل على ذلك أيضًا: أنه ربما استُفْسِر الجارح فذكر ما ليس بجرح(٢).
(ت)
وبهذا يتبيَّن أن البخاري لم يرو لعاصم ما انفرد به أبدًا، فلا يقال: احتج به
البخاري.
وهكذا حال المذكورَيْنِ الآخرَيْنِ.
وأما احتجاج مسلم بسُويد بن سعيد: فقد تقدم الكلام عليه طويلاً، ٢: ٣٣٠،
وخاصةً جوابَ مسلم لقرينه الإمام إبراهيم بن أبي طالب بقوله: ((من أين كنت آتي
بنسخة حفص بن ميسرة))، وفيه تأكيد الحافظ وتلميذه السخاوي - مع استقراء أحاديثه
في ((صحيح)) مسلم - على أنه لم يرو لسويد احتجاجًا.
وأقول عن هذا الاستعراض لحال هؤلاء الرواة: إني كتبت ما كتبت بناء على
الفهم الشائع لكلمة: احتج البخاري أو مسلم بفلان، دون فلان، وفلان على شرط
البخاري، وفلان ليس على شرطه، لكن انظر ما كتبته هناك على ٢: ٣٣٢ ولا بدّ.
(١) هذا من تمام كلام الخطيب، وبالبيان الذي قدمته يتبين ما في كلامه من نظر
طويل، مع أنهم أخذوا كلامه بالتسلیم !.
(٢) هذا دليل آخر أقامه الخطيب لتصحيح دعواه السابقة: أنه يشترط تفسير
الجرح ليقبل، أما التعديل فلا، ونحن نقول: إن الشرط الذي ذكره الإمام الباقلاني
- ونقله عن الجمهور - يكفينا هذا المحذورَ، وهو: إذا صدرا من إمام عارف
بأسبابهما، وانظر ما نقلته قريباً ص ٣٣ عن ص ١٠١ من ((الكفاية)) للخطيب نفسِه.

٣٧
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
وقد عقد الخطيب لذلك بابًا (١)، روى فيه عن محمد بن جعفر المدائني
قال: قيل لشعبة: لِمَ تركتَ حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على بِرْذَون،
فترکت حديثه.
وروى عن مسلم بن إبراهيم أنه سئل عن حديثٍ لصالح المُرِّي، فقال: وما
تصنع بصالح(٣)؟ ذكروه يومًا عند حماد بن سلمة فامتَخَط حماد.
ورَوَى عن وهب بن جرير قال: قال شعبة: أتيتُ منزل المِنْهال بن عمرو،
فسمعت منه صوت الطَّنْبور، فرجعت، فقيل له(٣): فهلا سألتَ عنه [عسى] (٤)
أن لا يعلم هو؟.
وَرَوينا(٥) عن شعبة قال: قلت للحكم بن عتيبة: لمَ لمْ تروِ عن زاذان؟ قال:
كان كثيرَ الكلام. وأشباهَ ذلك(٦).
(س)
(١) في ((الكفاية)) ص ١٠٧ - ١١٠، وأعقبه بباب آخر ذكر فيه الأخبار الآتي بعضُها
من ص ١١٠ - ١١٤ عنده، وانظر ما يأتي من الأجوبة عن هذه الأخبار الستة عشر.
(٢) نقل الزركشي في ((النكت)) ٩٢٥:٣ (٢٤٠) عن خط ابن الصلاح، عن أصل
موثوق مسموع على الخطيب، أنه ضُبطت فيه هذه الكلمة .: ما يُصنَع بصالح.
(٣) ((له)): من ح، ط، و((الكفاية))، وفي و، ز: ((لي)) ولها وجه وجيه، وليست
في النسخ الأخرى، وقد روى البخاري (٥٥١٥) عن شعبة، عن المنهال نفسه !.
ومن الفائدة أن أقول: ينبغي أن يزاد رمز (خ) مع رمز (س) في ترجمة شعبة عند
المزي ١٢ : ٤٨٥، وفي ترجمة المنهال أيضاً ٢٨ : ٥٦٩.
(٤) زيادة من ((الكفاية)» ص١١٢.
(٥) كذا في النسخ، ومقتضى السياق: وروى. أي: الخطيب.
(٦) هذه الأمثلة الأربعة من جملة ستة عشر مثالاً ساقها الخطيب في ((الكفاية))
=

٣٨
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
(س)
١١٠ - ١١٤ على أنها أدلة قوية لما اختاره: يُشترط تفسير الجرح ليقبل، لأنه قد
يُستفسر الجارح فيذكر ما لا يصلح جرحًا، وإذا كان كذلك - وهذه الأمثلة الكثيرة
الدالة على ذلك - فقد صح ما اختاره.
وأقول في الجواب: ليس في هذه الأمثلة - على كثرتها - ما يصلح دليلاً لهذا
القول المختار، وتبقى الأدلة ضعيفةً لا تقوى ولا تثبت أمام الاعتراض الذي سينقله
المصنف والشارح عن ابن الصلاح، فانظره ص ٤٢ الآتية قريباً.
وتفصيل الجواب عن هذه الأمثلة - أو: الأدلة - بتلخيصها أولاً، ثم تفصيل
الجواب عنها: إن عشرةَ أخبار من هذه الستة عشر هي عن الإمام شعبة بن الحجاج،
وأرقامها حسب ورودها في ((الكفاية)): ٣، ٤، ٦، ٧، ٩ - ١٣، ١٦، والخبر الأول
والخامس عشر: عن ابن معين، والثاني: عن وهب بن جرير، والخامس: عن أبيه
جرير بن حازم، والثامن: عن الحكم بن عتيبة، والرابع عشر: عن مسلم بن إبراهيم.
وإليك الجوابَ عنها: أما أخبار شعبة: فالجواب عنها أن يقال فيها: إنها دالة على
تشدد شعبة في الجرح، وهذا مشهور عنه، فلا يصحّ الاعتماد عليها لتقوية قولٍ يعطِّل
علم الجرح والتعديل، ويبطل العمل بالسنة النبوية!، وقد سَبَق من الخطيب أنْ روى
في ((الكفاية)) ص ٩٠ عن عاصم بن علي قال: سمعت شعبة يقول: لو لم أحدثكم إلا
عن ثقة لم أحدثكم عن ثلاثين، وفي رواية ابن عدي ١٢٤:١: عن ثلاثة. ونظرةً
عَجْلى في ترجمة شعبة عند المزي ٤٧٩:١٢ نجد فيها أنه روى عن ٢٩٧ رجلٍ، منهم
١٤٨ رجلٍ روايته عنهم في الصحيحين، أو أحدهما، سوى من روى عنهم من الثقات
في غير الصحيحين، وسوى من روى عنهم من الثقات في غير الستة، وهذا من
تشدده یحکیه عن نفسه.
ومن غرائب ما وقفت عليه الآن مما يتعلق بتشدد شعبة: ما رواه العقيلي في
((الضعفاء)) ٤:٢ في ترجمة خالد بن مهران الحذّاء - أحد الثقات - أن شعبة أراد أن
يضع - أي: يطعن - في خالد الحذّاء، قال عباد بن عباد: فأتيت أنا وحماد بن زيد
=

٣٩
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ٹ)
فقلنا له: مالكَ؟ أَجُنُنتَ؟! وتهدَّدناه، فأمسك!، ومعنى هذا: أنه بلغ بالإمام شعبة
الحدُّ من التشدّد أن يتجرَّأ عليه أقرانه، ويصفون هذا التشدد منه بالجنون !! على أن
هذا الجواب أقوله بلسان أهل الجرح والتعديل، أما بلسان أهل العمل والمحاسبة على
الأقوال والأفعال، ففي هذه الأقوال دروس وعبر، وحضّ على التقوى، للعامة
والخاصة، رحمه الله ورضي عنه، وجزاه عن السنة والأمة خير الجزاء.
ثم، إن الخبر الأول عن ابن معين - وهو الأول عند الخطيب أيضًا -
فخلاصته: أن ابن معين تكلّم في عامر بن صالح الزُّبيري، لأنه رآه يسمع من
حجاج بن محمد الأعور، وحجاج، أصغر من عامر، فذُكِرِ هذا لأحمد فردّه
وقال: الرجل يسمع ممن هو أصغر منه وأكبر !. وذكر الخطيب لهذا الخبر وسكوتُه
عنه غريب جدًّا، وهو على علم بضعف عامرٍ هذا وكلام ابن معين الآخر فيه،
ومعه: ابن المديني، والنسائي، وابن عدي، وابن حبان، والدار قطني، حتى قال
الدار قطني: لم يتبيَّن أمره عند أحمد.
وأقول أيضًا: لا أدري على من العهدةُ في هذا الخبر؟ فإن عبد الله ابن الإمام
أحمد قال لأبيه: إن يحيى بن معين يطعن على عامر، فقال له أبوه: يقول ماذا؟ قال
عبد الله: رآه يسمع من حجاج الأعور، فأجابه أبوه: إن الرجل يسمع ممن هو أصغر
منه وأكبر، فليس في الخبر نقل محدّد لفظي أو فعلي من ابن معين. هذا شيءٍ.
وشيء آخر: إن المنقول عن ابن معين من لفظه، هو ما حكاه عنه ابن محرز في ((معرفة
الرجال)» (١٩) قال ابن معين: ((قال لي حجاج: جاءني عامر فكتب عني حديث هشام بن
عروة، عن ابن لهيعة وليث بن سعد، ثم ذهب فادّعاها، فحدّث بها عن هشام)).
وكلام أبي داود يؤكد هذا، ويزيده بيانًا: كيف كتب عامر مرويات هشام بن عروة
عن حجاج الأعور، قال أبو داود: استعار عامر كتاب حجاج عن ليث بن سعد، عن
هشام، فنسخه، ثم حدث به عن هشام، فهو استعارة لا سماع، وهذا عيبٌ على عيبٍ
عند المحدثين. فهذه حال عامر عند ابن معين، ولذلك صرّح بكذبه، نعم، بالغ
رحمه الله بقوله فیه: خبيث عدو الله.
=

٤٠
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ب]
أما خبره الثاني - وهو الخامس عشر عند الخطيب - هو بصق ابن معين عند
سؤاله عن حجاج بن الشاعر - فهو: خبر غريب عجيب !! سنده صحيح، ولم أر في
ترجمة حجاج الشاعر مغمزًا فيه لا من ابن معين ولا من غيره، فمردّ الخبر إنْ قُبُل
- ولا أقول: إن صح - إلى تشدد ابن معين، والله أعلم.
وأما خبر وهب بن جرير - وهو الثاني عند الخطيب - ففيه: أن وهبًا سئل عن
صالح بن أبي الأخضر: ((ما شأنه؟ فقال: سمع وقرأ، وكان لا يميز القراءة عن السماع))
أي: حين روايته عن شيوخه، وجوابه: أن وهبًا لم ينفرد بهذا المأخذ على صالح،
ولتنظر ترجمته في التهذيبين، على أني أقول أيضًا: إن وهبًا نادر الكلام في الرجال،
فلا يجعل قوله هذا قانونًا تُبنى عليه أحكام ومبادئ في علم الرجال.
وأما خبر أبيه جرير - وهو الخامس عند الخطيب - فلفظه: ((قال جرير: رأيت
سماك بن حرب يبول قائمًا، فلم أكتب عنه)). قلت: وجوابه من كلام الخطيب نفسه
الذي قاله عقب هذا الخبر، وفي نقله طول، فينظر، وفيه غَناء.
وأما خبر الحكم بن عتيبة - وهو الثامن عند الخطيب -: فلفظه: ((قال شعبة: قلت
للحكم: لمَ لمْ تَروِ عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام)»، والجواب: أن هذه رواية،
ورواية أخرى: لمَ لمْ تحمل عن زاذان؟ وهذا أمر آخر علاقته بانتقاء الشيوخ للحمل
عنهم، كما هو معروف عن عدد من السلف، على رأسهم مالك بن أنس، ولا علاقة
له بالجرح والتعديل أبداً.
وفي رواية ابن سعد ٢٩٨:٨ عن ابن إدريس، عن شعبة: سألت الحكم عن زاذان
- سؤالاً مطلقاً: لا تحمُّل ولا أداء - فقال: أكثَرَ، وفسَّرها المزي ٢٦٤:٩: يعني: من
الرواية، وهذا أمر يعود تقديره إلى الحكم، وهو وزاذان من كندة، ومن أهل الكوفة،
فهو من الخبراء بزاذان، ومع ذلك توقّف في الأخذ عنه، لإكثاره من الرواية، إكثارًا
يقدّره الحكم بأنه فوق ما يتصوّر منه.
وأقول أيضًا في الحَكَم: ما قلته في جرير وابنه وهب: إن كلامهم في الرجال
=